|
روايات تحت الحصار (8): مكتب
تاكسيات الغرباوي

أبو خليل (إلى اليسار) وسائد
الغرباوي في مكتب تاكسيات الغرباوي في مدينة غزة. تعمل تاكسيات الغرباوي
منذ أربعين عاماً، ولكن المكتب يشغل الآن ثلاث سيارات فقط.
الصباح
الباكر في يوم الإثنين في مدينة غزة: الشوارع مشمسة وهادئة. بينما
يتوجه الرجال والنساء إلى أعمالهم سيراً على الأقدام، يتحرك عدد قليل
من السيارات، ولكن الغالبية العظمى من سكان غزة يتنقلون سيراً على
الأقدام. يتجول المشاة قرب المركبات المتوقفة أمام ممرات المشاة
المحطمة
تقل عدداً من الركاب
ضعفي أو ربما ثلاثة أضعاف حمولتها، ، فيما تاكسيات غزة المميزة باللون
الأصفر بعيدة المنال.
يدير سائد محمد
الغرباوي تاكسيات الغرباوي، وهو يجلس في مكتبه بوسط مدينة غزة. يقول
سائد "تقوم عائلتي بتشغيل التاكسيات في غزة منذ أربعين عاماً، وأنا هنا
منذ عام 1983. يسير عملنا بشكل جيد، حيث أن لدينا 15 سيارة يعمل عليها
20 سائقاً، ولكننا لا نستطيع أن نعمل بدون الوقود. عندما تم تخفيض
إمدادات البنزين في شهر فبراير، بدأنا بالاعتماد على الديزل، ولكن في
منتصف إبريل، تم خفض إمدادات الديزل أيضاً، حيث أصبحنا قادرين على شراء
كميات من الديزل تكفي لتشغيل سيارة واحدة فقط طوال الوقت. ونجحنا في
تشغيل سيارتين أخريين بواسطة الغاز المنزلي، ولكن هذا هو كل ما لدينا
الآن – ثلاث سيارات فقط تعمل من أصل 15."
النقص في
إمدادات الوقود ليس بالأمر الجديد على غزة، حيث فرضت إسرائيل قيوداً
على دخول إمدادات الوقود إلى كامل قطاع غزة منذ شهر أكتوبر 2007، ولكن
القيود الأخيرة لم يسبق لها مثيل. خلال شهر إبريل من هذا العام، أوقفت
إسرائيل بشكل كلي دخول إمدادات الوقود إلى غزة لمدة 25 يوماً، فيما
سمحدت بإدخال كميات قليلة خلال الأيام الخمسة المتبقية من الشهر. في
المحصلة، تم إدخال 152 ألف لتر من البنزين في شهر إبريل، وهذه الكمية
أقل من 5% من الاحتياجات اليومية، و33280 لتراً من الديزل، وهي كمية
أقل من 9,5% من الاحتياجات اليومية. نتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الوقود
بصورة حادة، فقد ارتفع سعر العبوة التي تتكون من 20 لتراً من الديزل من
100 شيكل (حوالي 25 دولاراً) إلى 350 شيكل (حوالي 100 دولار) خلال
الأسابيع الثمانية الأخيرة، بينما لا يتوفر البنزين، الذي يشغل معظم
السيارت. والآن، محطات الوقود في جميع أنحاء قطاع غزة مغلقة، واختفت
نحو 90% من السيارات من الشوارع، وهو ما أدى إلى شلل في قطاع النقل
العام وأجبرالمدارس والجامعات على تعليق الدوام بسبب عدم تمكن الطلبة
والمدرسين من الوصول إلى فصولهم الدراسية. وتمتلئ شوارع غزة بأكوام
القمامة النتنة لأن جميع بلديات قطاع غزة علقت تقديم خدماتها بسبب نقص
الوقود.
|
إن العقاب
الجماعي للسكان المدنيين غير قانوني وفقاً للقانون الدولي
لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، ولكن سكان غزة يجبرون
على السير على الأقدام من أجل التوجه إلى أماكن عملهم،
ومنازلهم، ومدارسهم، ومستشفياتهم أو إلي أي مكان آخر يريدون أو
يحتاجون إلى التوجه إليه. وفيما يتعلق بالمرضى والجرحي، بمن
فيهم أولئك الذين هم في حالات حرجة، فإن الخطر يداهمهم في ظل
عدم توفر سيارات الإسعاف، التي اضطرت إلى تقليص خدماتها. اضطرت
وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والتي تقوم بتوزيع
المساعدات الغذائية والطبية في أنحاء قطاع غزة، قبل أسبوعين
إلى تعليق توزيع المساعدات الغذائية مؤقتاً بسبب عدم توافر
الوقود. وتقول الوكالة إنها "دفعت إلى شفير حفرة" نتيجة المنع
المتعمد لإمدادات الوقود، وأن لديها الآن مخزوناً من الوقود
يمكّنها من مواصلة عملها خلال العشرين يوماً القادمة.
|
|
 |
بعد نحو عامين
من العيش تحت الحصار الإسرائيلي، يبدو سكان غزة مبدعين في استخدام الموارد
المتوفرة لديهم، فقد قام السائقون الذين يحتاجون البنزين لتشغيل مركباتهم
بإجراء تعديلات عليها لتعمل بواسطة الغاز المنزلي، فيما يستخدم سائقو
المركبات التي تعمل بواسطة الديزل زيت الطبخ عوضاً عن الديزل. ولكن هذه
التعديلات في الغالب بدائية وخطرة، فالغاز المنزلي متطاير إلى حد كبير،
فيما الأبخرة المتصاعدة من زيت الطبخ ملوثة ويمكن أن تتسبب في الغثيان
الحاد، وحسب بعض الأطباء، فإنها قد تتسبب في الإصابة بالسرطان.
في مكتب
تاكسيات الغرباوي، سائد على الهاتف يعتذر لزبون آخر عن عدم وجود تاكسيات.
أحد السائقين، أبو خليل، 50 عاماً، يعمل في مكتب تاكسيات الغرباوي منذ نحو
25 عاماً. يقول أبو خليل: "عندما يسير العمل بصورة جيدة، يصل أجري إلى نحو
1100 (حوالي 275 دولار) شيكل في الشهر الواحد، ولكنني لم أعمل طوال الأيام
الخمسة الماضية، حيث أمضيتها نائماً في البيت لعدم وجود شيء آخر أعمله.
والآن، أتوجه إلى مكتب التاكسيات سيراً على الأقدام أملاً في العمل، وأعود
إلى المنزل سيراً على الأقدام أيضاً."
يقول سائد
الغرباوي إنه مضطر الآن لإلغاء 90% من الطلبات للتاكسيات. ويضيف: "علينا أن
نسأل الناس إلى أين يريدون التوجه قبل الموافقة على نقلهم، ونتلقى الآن
طلبات أكثر من ذي قبل، لأن الكثيرين من أصحاب السيارات لا يملكون الغاز
وبالتالي يحتاجون إلى التاكسيات!" ولكنه يبقى متفائلاً بتحدٍّ بأن عمله
سيصمد إلى حين وصول الوقود في النهاية إلى غزة.
يقول سائد:
"أدارت عائلتي هذه الشركة منذ 40 عاماً، والشيء المهم هو أن لدينا زبائن
دائمين يريدوننا أن نستمر في عملنا، وسائقين جيدين. بالنسبة الوضع الراهن،
سنعمل بواسطة الديزل وغاز الطبخ، حتى وإن اضطررت إلى استخدام الغاز المنزلي
الموجود في بيتي."
صباح يوم الاثنين في
غزة في صور

تلاميذ في طريقهم إلى المدرسة

شبان غزيون ينتظرون وصول إمدادات
الغاز المنزلي

طابور أمام محطة وقود في غزة |