روايات تحت الحصار (23): "الإسرائيليون يهاجموننا يومياً"

يعمل صابر الهسي صياداً في غزة منذ 15 عاماً. سفينته، التي طولها 20 متراً، تملؤها ثقوب الأعيرة النارية من أسلحة الجيش الإسرائيلي، الذي يعمد إلى مضايقة الصيادين بشكل يومي.

 

"أنا أعمل صياداً منذ 15 عاماً، أي منذ أن كنت في الخامسة عشرة من عمري. كان أبي صياداً، وكذلك جدي. لقد أمضيت نصف عمري في البحر. لكننا نواجه مشاكل يومية بسبب البوارج الحربية الإسرائيلية: إنها تلاحقنا يومياً، ويأخذ الجنود بإطلاق أعيرتهم النارية باتجاه قواربنا، إنهم يريدون أن يجبروننا على التوقف عن عملنا".

ينحدر صابر الهسي من عائلة صيادين من غزة، سفينته التي يبلغ طولها 20 متراً كانت لوالده، الذي نقل أخيراً مهنة العائلة، بعد سنوات طوال من ممارستها، إلى ابنه صابر. في قطاع غزة، يوجد أكثر من 3500 صياد حرفي، يقطن غالبيتهم في مدينة غزة و محيطها، حيث تقع الميناء الرئيسية للقطاع. تعيش عائلة الهسي، مثل غالبية الصيادين في مدينة غزة، في مخيم الشاطئ، بالقرب من ميناء غزة.

تستيقظ ميناء غزة قبل الفجر، حيث يعرض الصيادون ما اصطادوه ليلاً، ويتجمع التجار لشراء الأسماك، بينما يأتي الصيادون، الذين قضوا ليلتهم في بيوتهم، للتحضير لصيد الصباح الباكر. يتم تجهيز الشباك، ويتم تعبئة خزانات الوقود والمياه، وتعود القوارب إلى البحر قبل الساعة السابعة صباحاً. اليوم، يصطحب صابر الهسي معه على قاربه طاقماً من سبعة من الرجال والأولاد، بينهم محمد، 13 عاماً، وعلي، 18 عاماً، اللذان يمارسان الصيد بانتظام. لا يزال محمد يدرس في المدرسة، بينما يقول علي انه لم يذهب إلى المدرسة يوماً، وأضاف بابتسامة عريضة: "أردت دوماً أن أكون صياداً".

بينما كنا نبحر من ميناء غزة باتجاه الغرب، أخذ صابر الهسي يصف القيود التي تفرضها إسرائيل عليه وعلى جميع الصيادين الذين يحاولون كسب قوتهم في قطاع غزة. "إذا أبحرنا في حدود 6 أميال، فإننا قد نكون في مأمن. ولكن إذا أبحرنا لأكثر من ذلك، فإن الإسرائيليين يضايقوننا دوماً، إنهم يطوقون القوارب ويطلقون النار باتجاهنا، ومؤخراً، بدؤوا يستعملون المدافع المائية لمهاجمتنا". كما أوضح صابر أن بعض الصيادين ما زالوا يخاطرون بالإبحار لأكثر من ستة أميال، حيث يمكنهم إلقاء شباكهم في المناطق الغنية بالأسماك في المياه العميقة. "أنا لا أريد أن يلحق الضرر بقاربي، لذلك أبقى في المساحة التي يحددها الإسرائيليون". إن قاربه متضررُ أصلاً من الأعيرة النارية التي تطلقها قوات الاحتلال الإسرائيلي.

عادة ما يبحر الصيادون في مجموعات، وتبقى بعض السفن قريبة من بعضها البعض إلى حدِ ما عند نهاية الأميال الستة وذلك بهدف الحماية المتبادلة بين هذه السفن، إلا أن غالبية السفن تبحر لمسافة أبعد من الأميال الستة، في تحد لقوات الاحتلال الإسرائيلي. ولكن بغض النظر عن المسافة التي يبحرها صيادو قطاع غزة، يبقى جميع الصيادين معرضون لخطر إطلاق النار عليهم، ضربهم بالمدافع المائية، الاعتقال والاحتجاز، وكذلك إلحاق الضرر بسفنهم أو تدميرها أو مصادرتها. في العام الماضي، تم اعتقال أكثر من سبعين صياد من قطاع غزة.

إن الصيد التجاري هو حرفة ذات خطورة متوارثة، وأصبحت أكثر خطورة في قطاع غزة بسبب المضايقات والتخويف اللذين تمارسهما قوات الاحتلال الإسرائيلي بلا هوادة. حتى أننا قبل أن نبتعد لمسافة 6 أميال داخل البحر، رأينا ثلاثة بوارج إسرائيلية تسرع باتجاهنا. كنا بين مجموعة من حوالي عشرة قوارب صيد فلسطينية كانت قد تفرقت تدريجياً على بعد 6-8 أميال من الشاطئ وألقت بشباكها في البحر. بدا أفراد الطاقم المتواجدون على ظهر سفينة صابر قلقين من اقتراب البوارج الإسرائيلية ودورانها حول السفن المنفردة بسرعة عالية، متسببة في حدوث أمواج كبيرة تلتطم في السفن. ثم رأينا إحدى السفن تحت مرمى المدافع المائية من أحد البوارج الإسرائيلية. علق أبو محمد، أحد أفراد الطاقم، قائلاً: "يهاجمنا الإسرائيليون يومياً. لن تصدقوا الوضع الذي نواجهه، حتى ترون بأعينكم".

يقول الصيادون الغزيون أن الإسرائيليين يستخدمون المياه القذرة، التي من الممكن أن تكون مياه ملوثة، لقذفها بقوة عالية مستخدمين المدافع المائية، وذلك لإجبار الصيادين على الرجوع إلى الشاطئ، رغم أن للصيادين الحق المطلق في ممارسة الصيد قبالة سواحلهم. لقد نصت اتفاقية التسوية المرحلية الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في العامين 1994 و 1995 على الحق القانوني لصيادي غزة في ممارسة الصيد حتى مسافة 20 ميلاً بحرياً من شواطئ قطاع غزة. إلا أن إسرائيل لم تحترم يوماً اتفاقية التسوية المرحلية، وقامت على الثبات بمضايقة صيادي قطاع غزة وإرهابهم، وألحقت الضرر بجزء كبير من حرفة الصيد.

منذ عشر سنوات، كان صيادو قطاع غزة يجرون في شباكهم نحو 3000 طن من الأسماك الطازجة سنوياً. ولكن منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، انخفضت الإنتاجية بسبب زيادة الهجمات التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي. والآن، يصل الإنتاج السنوي من الأسماك الطازجة التي يصطادها صيادو قطاع غزة إلى أقل من 500 طن، فضلاً عن ذلك، يتم إجبار الصيادين الغزيين على الصيد بشكل مستنزف في المياه الضحلة على مسافات قريبة من شاطئ غزة. يقول الصيادون أن وجود مجموعة صغيرة من مراقبي حقوق الإنسان الدوليين من حركة غزة حرة قد ساهم في تحسين الوضع للقوارب التي يصحبها الدوليون، ولكن يريد هؤلاء الصيادون أن يتمتعوا بحقهم في العمل دون التعرض يومياً للمضايقة والعنف اللذين تمارسهما قوات الاحتلال الإسرائيلية. إن هذه الأزمة المصطنعة التي تواجه حرفة الصيد في قطاع غزة لهي جزء آخر من الحصار والإغلاق العام الذي تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك الانتهاكات ضد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للسكان المدنيين في قطاع غزة.

أحد البوارج الإسرائيلية  تسرع باتجاهنا، إنها تستخدم مكبر الصوت لتأمرنا بالتقهقر إلى الوراء. نحن الآن نقف عند نهاية الأميال الستة المسموح بها للصيد، وهنا رفض صابر أن يروع بالتهديد. استمر الطاقم في العمل بهدوء، بينما كانت البارجة الإسرائيلية تحوم حولنا بسرعة عالية وبينما كان قاربنا يتأرجح باهتياج. وعندما بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإطلاق النار في المياه من حولنا، باستخدام رشاش سفلي، أدار صابر سفينته للعودة إلى غزة قائلاً: "كل ما نريده هو الصيد لإعالة أسرنا. إننا لا نرتكب أي جرائم، على عكسهم".