روايات تحت الحصار (22): ): مصانع قطاع غزة تواصل التقليص الجبري لمنتجاتها بسبب استمرار حظر الواردات

جانب من مستودعات شركة الدين الرديسي وشركاه، أكبر مصِّنع للبلاستيك والبوليستيرين في قطاع غزة، وهي تعاني من نقص في المواد الأولية الأساسية منذ فترة طويلة.

 

من المفهوم أن التاريخ ما يزال محفوراً في ذهن رأفت الرديسي: "كانت آخر شحنة من المواد الأولية التي استلمناها من إسرائيل بتاريخ 28 آب/أغسطس 2007. ولكن حظر الواردات ما يزال مستمراً لأكثر من عام حتى اللحظة. قبل فرض الحصار [على قطاع غزة]، كنا نشتري خام البلاستيك مقابل 2500 دولار أمريكي للطن. ولكن الآن نضطر إلى اللجوء إلى السوق السوداء لشراء خام البلاستيك بضعفي السعر".

رأفت الرديسي هو مدير قسم المبيعات والتسويق في شركة بدر الدين الرديسي وشركاه  لصناعة البلاستيك والبوليستيرين، أكبر مصنِّع لمنتجات البلاستيك في قطاع غزة. تم افتتاح الشركة منذ ما يزيد عن عقدين من الزمان، وحتى عهد قريب، كانت الشركة تستخدم 65 موظفاً بدوام كلي، إضافة إلى 35 موظفاً آخرين موزعين على ورش ومصانع صغيرة تمتلكها الشركة. ولكن الآن، تم تقليص القوى العاملة في الشركة إلى النصف، كما تم تقليص ساعات العمل للموظفين الذين ما يزالون يعملون في الشركة. وأفاد الرديسي أنه: "مشكلتنا أننا لا نمتلك المواد الأولية الخام اللازمة للقيام بعملنا. لنا طلبية من 420 طن من البلاستيك والبوليستيرين تنتظر في ميناء عسقلان [في إسرائيل]، ولأننا لا نستطيع توصيل هذه المواد إلى قطاع غزة، فهي ما تزال في المخازن الإسرائيلية منذ ما يزيد عن عام. وبالتالي نحن مجبرون لدفع رسوم التخزين، وبدلا من أن نكسب النقود، نقوم بصرفها على تكاليف التخزين".

كما أفاد الرديسي أن مادتي البلاستيك والبوليستيرين شهدتا نقصا في قطاع غزة لدرجة أن موظفي الشركة اضطروا للطلب من زبائنهم بتوريد المواد الخام التي يحتفظون بها في مخازنهم الخاصة إلى الشركة لتتمكن الشركة من تصنيع منتجات البلاستيك والبوليستيرين. كما اضطرت شركة بدر الدين وشركاه إلى تقليص الأصناف التي تنتجها بشكل حاد. فبينما كان إنتاج الشركة يقارب مائة صنف مختلف من الآنية والحاويات والأحواض البلاستيكية والمصنوعة من البوليستيرين ومن مواد التعبئة، أصبح إنتاج الشركة يقتصر على ستة أصناف رئيسية، من ضمنها خزانات المياه والأوعية المستخدمة لتعبئة زيت الزيتون.

يوجد في قطاع غزة ستة معابر حدودية، تقع خمسة منها تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة. أما المعبر السادس، معبر رفح الحدودي على الحدود المصرية، فما يزال مغلقا بشكل شبه مستمر منذ حزيران/يونيو 2006.  ومن خلال سيطرتها على معابر قطاع غزة، تقوم إسرائيل بالتحكم في حركة البضائع من وإلى القطاع.  ويشتمل الحصار غير القانوني الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة على مجموعة من القيود على حركة الصادرات والواردات، بما في ذلك الواردات من المواد الأولية اللازمة لقطاعات الإنشاءات والإعمار والصناعة والنسيج والأثاث، إضافة إلى القيود المفروضة على تصدير المواد المنتجة في قطاع غزة. لقد شكل كل من النقص المزمن في المواد الأولية الأساسية والحظر الشامل على تصدير منتجات قطاع غزة إلى الأسواق الخارجية عاملين أساسيين في الانهيار شبه التام لاقتصاد قطاع غزة.

بين الفترة يونيو 2007 و يونيو 2008، تم تسريح ما يقرب من 42000 عامل من قطاع الإنشاءات والإعمار بسبب الحظر الذي فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلي على دخول مواد البناء لقطاع غزة، كما تكبد قطاع البناء خسائر بقيمة حوالي 58 مليون دولار أمريكي. ومن بين 120 شركة بناء مسجلة في قطاع غزة، ما تزال 5 شركات فقط تقوم بأعمالها. وفي نفس الفترة، تكبد مصنعو وتجار الصناعات الخشبية والأثاث خسارة تبلغ قيمتها حوالي 110 مليون دولار أمريكي، واضطر 600 مصنع وورشة لصناعة الأثاث إلى الإغلاق. كما تم إغلاق 624 ورشة ومصنع لصناعة النسيج والملابس، وتم تسريح أكثر من 25000 عامل كانوا يعملون في هذه الورش والمصانع. وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه الورشات والمصانع العاملة في إنتاج النسيج والملابس هي منشآت صغيرة تديرها أسر من قطاع غزة وتعمل على توفير عيش وتشغيل جميع أفراد بعض العائلات الممتدة. وفي ظل منعهم من السفر خارج قطاع غزة، لم يجد السكان المحليين لقطاع غزة أي بدائل للعمل، مما أدى إلى تصاعد حدة البطالة والفقر إلى أعلى مستوياتها.

لقد سجلت البطالة في قطاع غزة نسبة 45% بين العمال البالغين ، فيما صنف المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة كواحد من بين أكثر المجتمعات المعتمدة على المساعدات الخارجية في العالم. لقد اضطر المستثمرون إلى وقف أو ببساطة إلغاء مشروعاتهم في قطاع غزة، بما فيها مشاريع إعمار كبيرة، بسبب نقص المواد الأولية. كما انخفض إجمالي الاستثمار في قطاع غزة الذي يدعمه ممولون وشركات من 250 مليون دولار في عام 2005 إلى حوالي 10 مليون دولار في الوقت الحاضر.

لقد أدت التهدئة المتفق عليها بين إسرائيل وقطاع غزة بتاريخ 19 حزيران/يونيو من هذا العام إلى إحداث بعض التغيير الضئيل للغاية في اقتصاد قطاع غزة الذي توقف عن النمو. فقد سمحت قوات الاحتلال الإسرائيلي بدخول كميات محدودة من مواد البناء، مثل الأسمنت والحصمة، إلى قطاع غزة خلال الشهور الثلاثة والنصف الماضية، بينما بقي الحظر مفروضاً على بعض المواد الأخرى، مثل البلاستيك والبوليستيرين، أو أن هذه المواد توفرت بكميات ضئيلة جدا. ولا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلي تتخذ من اقتصاد قطاع غزة رهينة، مما يدفع المصنِّعون المحليون إلى اللجوء إلى السوق السوداء، التي تشهد ازدهاراً في هذه المرحلة، للحصول على المواد الخام بأسعار مبالغ فيها.

" نحتاج شهريا إلى حوالي 30 طناً من المواد الخام اللازمة لتشغيل المصنع بقدرته التشغيلية الكاملة"، هكذا أبلغنا رأفت الرديسي بينما كان يأخذنا في جولة في المصنع والمستودعات المجاورة، وأضاف: "نحن الآن في فترة من أكثر فترات العام نشاطاً لأنها تشهد بداية قطاف الزيتون، وبالتالي نحن نحتاج إلى المواد الخام أكثر من الفترات الأخرى لنتمكن من صناعة الأوعية المستخدمة في تعبئة زيت الزيتون. لكن للأسف الآن نحن نقوم باستيراد هذه الأوعية من إسرائيل وبيعها للمستهلكين بدلاً من صناعتها في شركتنا". في الوقت الذي تستفيد فيه إسرائيل من حصارها لقطاع غزة، يحاول رأفت الرديسي وزملاؤه يائسين في إبقاء المصنع مفتوحاً. لقد دعانا الرديسي إلى رؤية المستودع ذي الطابقين ، مستودع مفرغ من المواد الأولية التي ينتظر وصولها عبر معابر قطاع غزة. " منذ أكثر من عام مضى، كان هذا المستودع يعج بالبضائع المصنعة، ولكن الآن يوجد لدينا الكثير من المساحة بحيث يمكننا أن نلعب كرة القدم".