في ظهيرة يوم
حار من شهر رمضان، لا يكون هناك الكثير من الأماكن التي
تقدم لك أفضل من الجلوس في ظلال حقل أشجار الجوافة، برائحة
ثماره الناضجة والطازجة التي تفوح من حولك. يجلس المزارع
سعيد الأغا بصمت، بينما تحط عيناه على أشجار الجوافة في
حقله: "أبي وجدي كليهما ترعرعا هنا، وزرعا أشجار الجوافة.
كذلك عشت أنا طيلة حياتي هنا. إن هذه الأرض تمشي في عروقي
كالدم".
يزرع سعيد
الأغا ثلاثين دونماً بأشجار الجوافة في منطقة المواصي في
جنوب غرب قطاع غزة، حيث هناك التربة الطفيلية التي تساعد
على نمو أشجار الجوافة والنخيل والحمضيات. وتعتبر مزرعة
الأغا في منطقة المواصي ملاذاً هادئً في قطاع غزة الذي يعج
بحوالي مليون ونصف المليون نسمة، مما يجعله من أكثر مناطق
العالم من حيث الكثافة السكانية. في منطقة المواصي، يوجد
حوالي 120 مزرعة جوافة متفرقة ، تبلغ إجمالي مساحتها أكثر
من 2500 دونم. وتبلغ ذروة موسم الجوافة في قطاع غزة في
شهري أغسطس وسبتمبر، حيث يمكننا أن نسمع نداء العمال الذين
يقطفون الثمار يدوياً.
يستأجر
سعيد الأغا خمسة عمال للعمل في مزرعته، كما يساعده في
العمل في مزرعته خمسة من أبنائه التسعة: "نقوم كل عام بقطف
150 طناً من ثمار الجوافة. ولكن خلال الأعوام الخمسة بين
عامي 2000 و 2005، عندما كان المستوطنون الإسرائيليون في
المنطقة، كانت الثمار تسقط من الأشجار على الأرض، ولم يكن
بمقدورنا قطف أي منها". بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في
سبتمبر 2000، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإنشاء نقاط
تفتيش وحواجز عسكرية في قطاع غزة. ولكونها تقع بالقرب من
مجمع استيطاني كبير، تم إحاطة منطقة المواصي بنقطتي تفتيش
عسكريتين، وأصبحت الحركة من وإلى المنطقة تحت السيطرة
التامة لقوات الاحتلال الإسرائيلي. حتى أنه كان لزاماً على
سكان منطقة المواصي الحصول على تصاريح للذهاب إلى مدينة
خان يونس القريبة من المنطقة. كان سكان منطقة المواصي
محاصرين. "لم يكن يسمح لي حتى بعبور نقطة التفتيش لأخذ
إنتاجي من ثمار الجوافة إلى السوق"، هذا ما أفاد به
المزارع الأغا. لم يتمكن سعيد الأغا من بيع ثمرة جوافة
واحدة على مدار خمسة أعوام. وعندما انسحب المستوطنون
الإسرائيليون من قطاع غزة، كان الأمل يحذو سعيد الأغا نحو
تحسن كبير في وضعه.
تعتبر
منطقة المواصي حديقةً لقطاع غزة، وهي تشتهر بإنتاجها لثمار
الجوافة التي كانت تصدر إلى بلدان الشرق الأوسط، وحتى إلى
أوروبا. ولكن حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة منذ
ثلاث سنوات، لا يزال سعيد الأغا في انتظار التمكن من تصدير
إنتاجه من ثمار الجوافة. لقد قامت قوات الاحتلال
الإسرائيلي بفرض قيود صارمة على تصدير جميع منتجات قطاع
غزة، مما أدى إلى تدمير الاقتصاد العام لقطاع غزة وإلى
الإضرار الكبير بقطاع الزراعة. "لو أنني أتمكن من بيع
إنتاجي من ثمار الجوافة في الأردن أو حتى في رام الله في
الضفة الغربية، فإنني سأحقق مبيعات بقيمة 1000 دولار
أمريكي للطن الواحد. ولكن بسبب الحصار فأنا مضطر لبيع هذه
الثمار في السوق المحلية في قطاع غزة. في بداية الموسم
أحقق مبيعات بقيمة 200 دولار للطن، وتنخفض هذه القيمة إلى
100 دولار للطن في نهاية الموسم". لقد أفاد سعيد الأغا أنه
يمكنه الاستمرار ماليا بفضل المساعدة التي يقدمها له
أبناؤه الخمسة، ولأنه يمتلك ثلاثين دونمأ أخراً يزرعها
بالخضروات وأشجار الليمون والكلمنتينا: "أعلم أنني محظوظ،
فقد اضطر العديد من المزارعين المحليين إلى هجر أراضيهم".
محمد
محمد الزيق، رئيس الجمعية التعاونية للتنمية الزراعية في
جنوب قطاع غزة، هو الآخر مزارع: "إن أكبر مشكلة تواجه
المزارعين في قطاع غزة هي عدم مقدرتهم على تصدير منتجاتهم.
لقد قام حوالي 40% من المزارعين المحليين ببيع بعض أراضيهم
أو كلها وذهبوا للبحث عن عمل في المدن".
لقد
تضمنت التهدئة المتوصل إليها في 19 يونيو 2008 بين حماس
وإسرائيل على اتفاق لفتح المعابر التجارية لقطاع غزة، وهي
كارني، وصوفا، وكرم أبو سالم، من أجل زيادة حجم التجارة
بين قطاع غزة والخارج. ولكن مزارعي قطاع غزة لم يلحظوا أي
تغير ملموس فيما يخص البضائع التي بإمكانهم تصديرها. لقد
اضطرت سياسة الحصار والإغلاق المفروضة على قطاع غزة مزارعي
القطاع لبيع منتجاتهم الزراعية في أسواق القطاع بأسعار
بخسة، مما تسبب في وقف النشاطات الزراعية التي يقوم بها
العديد من المزارعين. يتسم قطاع غزة بتقاليد زراعية ضاربة
في الأصالة، حيث تقوم آلاف العائلات في القطاع بزراعة
التوت الأرضي والحمضيات والزهور والجوافة وأشجار النخيل
واللوزيات والزيتون. وتنتقل ملكية الأرض من الآباء للأبناء
ثم للأحفاد، وكذلك يتم توارث المعرفة حول المحاصيل التي
تتم زراعتها، ففي بيت لاهيا شمال قطاع غزة، يتم زراعة
التوت الأرضي، وتوجد مزارع زهور تجارية في رفح، بينما تنضج
الجوافة بشكل أفضل في منطقة المواصي. إن الإغلاق الذي
تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة لا يؤدي فقط
إلى تدمير قطاع الزراعة في غزة، بل أيضاً يعمل على تآكل
وتلاشي نمط حياة بأكمله.
وبينما
كنا نتجول بتمهل في المزرعة، كان سعيد الأغا يتفحص أشجاره
ويقطف لنا ثمار الجوافة لنعود بها إلى مدينة غزة. كان
رمضان، وبالتالي لم نأكل الثمار، ولكن كنا نجلس في ظلال
أشجار الجوافة حيث الهواء العليل. "لا يمكنني أبدا أن أهجر
أرضي. هذه طريقة عائلتي في العيش، فأبي وجدي كلاهما زرعا
أشجار الجوافة هنا في هذه المزرعة، وأنا سأبقى هنا لعمل
الشيء نفسه".