خلال اليومين
الأخيرين من شهر أغسطس، سمحت السلطات المصرية بعبور حوالي
3300 مواطن من قطاع غزة إلى مصر عبر معبر رفح "لأسباب
إنسانية". كان من بين الذين سمح لهم بالدخول إلى الأراضي
المصرية بعض المرضى من قطاع غزة وبعض الطلبة وعدد غير
معروف من المصريين الذين كانوا عالقين في قطاع غزة. مشهد
أكثر من خمسين حافلةً تقل مسافرين يغادرون قطاع غزة قد
يكون أوحى بوجود تسهيلات، منحت أخيراً، على القيود
المفروضة على الحركة في قطاع غزة. إلا أنه تم إعادة حوالي
900 من سكان قطاع غزة الذين كانوا على متن الحافلات عند
وصولهم إلى النقطة الحدودية بين مصر وغزة. من بين الذين تم
إعادتهم إلى قطاع غزة، كانت نيفين أبو تيمة، 20 عاماً من
مدينة رفح، التي ما تزال تحاول، يائسة، أن تعود إلى
الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة دراستها في العلوم
السياسية.
"تعيش أسرتي
في مخيم البرازيل للاجئين، في [جنوب] رفح. في عام 2005،
قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتدمير منزلنا، وبعدها
عشنا لمدة ستة شهور في إحدى المدارس التابعة لوكالة
الغوث. عائلتنا كبيرة، مكونة من الأب والأم و11 من
الأبناء. كذلك بعض أخوتي وأخواتي متزوجون ولديهم أطفال.
جميعنا كنا نعيش في فصل واحد في المدرسة. هل تتخيلون
ذلك؟". غادرت نيفين قطاع غزة بينما كانت أسرتها ما تزال
تعيش في المدرسة. " كنت في السادسة عشرة من عمري، ولكن
درجاتي في المدرسة كانت جيدة جدا، وحصلت على منحة في
الكلية العالمية المتحدة في إيطاليا. عشت لمدة عامين في
مدينة تريستي [ في شمال إيطاليا]. كان علي أن أتعلم
اللغتين الإيطالية والإنجليزية في وقت واحد، وبعد عامين،
حصلت على شهادة البكالوريا العالمية".
وأثناء
إقامتها في إيطاليا، كانت نيفين تسافر إلى مصر في إجازة كل
صيف لتحاول أن ترى أسرتها في غزة: "سافرت مرتين إلى مدينة
رفح المصرية وانتظرت في كل مرة قرابة ثلاثة شهور حتى يفتح
المعبر. كان جميع أفراد عائلتي في غزة، وكنت أرغب أن أراهم
بشدة. لم أنجح قط في عبور الحدود، وكل مرة عدت إلى إيطاليا
دون أن أتمكن من رؤيتهم".
لقد أدى
الإغلاق الذي تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة
إلى فصل عشرات الآلاف من فلسطينيي القطاع عن عائلاتهم، فلم
يسمح بعودة الفلسطينيين الذين سافروا خارج قطاع غزة، وبقوا
بعيداً عن ذويهم لسنوات، أو أنهم ارتابوا من العودة لقطاع
غزة خشية أن يعلقوا هناك، كما حدث مع الكثيرين. وفي ظل هذا
الوضع، لا يبقى للكثير من العائلات في قطاع غزة سوى الصور
والمكالمات الهاتفية والإنترنت للتواصل مع أهليهم وذويهم،
رغم أنه حتى خدمات الإنترنت تقتصر على من يستطيعون
توفيرها.
لم تر نيفين
والديها على مدار ثلاث سنوات. بعد حصولها على شهادة
البكالوريا، حصلت نيفين على منحة لمدة أربع سنوات لدراسة
العلوم السياسية في جامعة سانت لورانس في ولاية نيويورك
الأمريكية. بلغت قيمة المنحة التي حصلت عليها نيفين لتغطية
تكاليف المعيشة والرسوم الدراسية 50000 دولار أمريكي لكل
سنة. سافرت نيفين من إيطاليا إلى نيويورك، وأمضت السنة
الدراسية 2007/2008 في جامعة سانت لورانس. حصلت نيفين هناك
على عمل بدوام جزئي لتتمكن من توفير تكاليف رحلة الطائرة
التي ستقلها إلى مصر، لكي تحاول أن ترى عائلتها. "سافرت
إلى القاهرة بتاريخ 9 مايو من هذا العام، وتوجهت مباشرة
إلى مدينة رفح المصرية وانتظرت حتى فتح المعبر. على
الحدود، كنت أنام في العراء تحت بضعة أشجار مع العديد من
الفلسطينيين الذين كانوا ينتظرون مثلي لحظة دخولهم إلى
قطاع غزة. كان هناك أشخاص مسنين ومرضى. لم يكن هناك أحد
ليقدم لنا المساعدة. انتظرنا قرابة شهرين، ووصلت بي الحال
أن طرقت على الأبواب طلباً للطعام".
في بداية شهر
يوليو من هذا العام، وافقت السلطات المصرية على إعادة فتح
معبر رفح لمدة ثلاثة أيام للسماح للحالات الإنسانية بدخول
غزة والخروج منها. صارعت نيفين لتشق طريقها بين الحشود
المندفعة نحو قطاع غزة، وتمكنت أخيرا من الدخول للقطاع يوم
3 يوليو. " بقيت في الخارج لمدة 3 سنوات، وبالتالي كان حجم
التغيير فظيعاً، حتى أنني لم أعد أعرف الطريق إلى المنزل.
لقد حدث الكثير من التدمير منذ أن غادرت. كان من الرائع أن
أعود إلى المنزل، ولكن حتى أرضنا تم تجريفها. لم أتوقع
حقاً أن يكون الوضع بهذا السوء". كانت نيفين تعلم أن
مغادرة غزة لن يكون بالأمر اليسير، ولذلك بدأت تقوم
بالاستفسار بعد وصولها إلى المنزل بحوالي أسبوع. كان عليها
أن تعود إلى الولايات المتحدة مع نهاية شهر أغسطس لتتمكن
من الالتحاق بدراستها الجامعية في السنة الثانية في جامعة
سانت لورانس.
عندما ذاعت
الإشاعات حول إعادة فتح معبر رفح قبل شهر رمضان بيومين،
توجهت نيفين مباشرة إلى خان يونس حيث ينتظر فلسطينيو قطاع
غزة لاستقلال الحافلات المتوجهة إلى مصر. بعد يومين، سمح
لها باستقلال إحدى الحافلات التي التحقت بالحافلات الأخرى
التي سبقتها إلى معبر رفح. "تم ختم جواز السفر خاصتي [على
معبر رفح] من الجانب الفلسطيني، واعتقدت حتماً أننا سنتمكن
من العبور. ولكن بعد الانتظار في الحافلة لمدة أربع ساعات،
وبينما كنا عالقين بين مصر وقطاع غزة، تلقى سائق الحافلة
أمراً بالعودة إلى قطاع غزة، لأنه لن يتم السماح للمزيد من
الناس بالعبور. كان جميع من في الحافلة يبكون ويصرخون طوال
طريق العودة".
خلال اليومين
اللذين فتح فيهما معبر رفح بشكل جزئي، تمكن 200 طالب
فلسطيني من قطاع غزة، ممن هم مسجلين في جامعات أجنبية، من
العبور إلى مصر، بينما ما يزال نحو 200 طالب آخرين، مثل
نيفين، عالقين في قطاع غزة. وفضلا عن ذلك، يوجد هناك حوالي
1200 طالب آخرين ممن أنهوا دراستهم المدرسية، وهم في طور
التقديم للدراسة في الجامعات الأجنبية. من الجدير بالذكر
أن مستقبل هؤلاء الطلبة سبقى مرهوناً إما بإصدار تصاريح من
الجانب الإسرائيلي للتمكن من مغادرة قطاع غزة والالتحاق
بدراستهم الجامعية في الخارج، وإما بالصراع من أجل التمكن
من العبور إلى مصر من خلال معبر رفح. لا يوجد ساعات محددة
لفتح معبر رفح، وحتى عندما يتم فتح المعبر، فإنه لا يكون
هناك ضمانات لأن يتمكن مواطنو قطاع غزة من دخول الأراضي
المصرية. وما يزال فلسطينيو قطاع غزة غير قادرين على
التمتع بحقهم في حرية الحركة، وذلك حتى بعد شهرين من
التوصل إلى فترة التهدئة بين إسرائيل وقطاع غزة تحت وساطة
مصرية.
إن المفارقة
المريرة بالنسبة لنيفين هو أن جامعة سانت لورانس أرسلت
إليها برسالة بريد إلكتروني تفيد بأنه من المكلف استبقاء
المنحة التي حصلت عليها نيفين سارية المفعول أثناء غيابها:
وإذا لم تتمكن بطريقة ما من الوصول إلى الولايات المتحدة
حتى يوم الاثنين، فإنه عليها استيعاب وقف منحتها أو
إلغائها. كذلك يتعين على نيفين إعادة تقديم أوراقها لتتمكن
من دخول الولايات المتحدة مرة أخرى، وهنا قد يتم إلغاء
تأشيرة دخول الطالب خاصتها، وبالتالي تركها في سجن مطبق.
"إن الجامعة التي أدرس فيها لا تفهم شيئاً عن الحياة في
غزة. إن أسرتي تعيش في مخيم للاجئين، ولا يمكن لها أن
تتحمل تكاليف دراستي في إحدى جامعات غزة. إنني الآن أحاول
السفر عبر معبر إيرز [إلى داخل إسرائيل]، ومن ثم السفر من
الأردن إلى الولايات المتحدة، إلا أنني لا أملك إلا القليل
من الوقت".