لا
يستطيع أبو جهادِ شاهين سوى زراعة 20 دونماً من أصل 86
دونماً من الأراضي الزراعية التي يمتلكها في شرق غزة، بسبب
المخاطر التي تشكلها ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي
على حياة المزارعين الذين يعيشون بالقرب من الحدود مع دولة
إسرائيل.
تبدو
قرية عبسان الجديدة التي تقع جنوب شرق قطاع غزة شبه
مسكونة، فمن بين كل ثلاثة أو أربعة بيوت، يكون هناك بيت قد
تحول إلى كومة من الحطام، أو قد تم تدميره بشكل جزئي. أما
شوارع القرية، فيتطاير فيها الغبار وتبدو مفرغة من الحياة.
لقد تم إجبار مواطني القرية على النزوح عنها بسبب
الإجتياحات الوحشية الإسرائيلية. لقد قامت قوات الاحتلال
الإسرائيلي بتجريف مساحات واسعة من الأراضي في قرية عبسان
الجديدة ومحيطها، كما قامت بتدمير عشرات المنازل في
المنطقة.
ما
وراء حدود القرية، يوجد أكثر من مئة دونم من الأراضي
الزراعية الخصبة بالقرب مع الحدود الشرقية لقطاع غزة مع
إسرائيل. هناك، يملك المزارع أبو جهاد شاهين مزرعة، على
بعد قرابة كيلو متر واحد خارج قرية عبسان الجديدة. اعتاد
أبو جهاد العيش مع عائلته في مزرعتهم، ولكن بعد سنوات من
الاجتياحات الإسرائيلية لأرضه، اضطر أبو جهاد إلى هجر أرضه
عندما قامت قوات الاحتلال الإسرائيلية بتدمير بئر المياه
الزراعية الذي يمد أرضه بالمياه في وقت سابق من هذا العام.
وعندما رحل هو وعائلته من المزرعة، قامت قوات الاحتلال
بتدمير المنزل الذي يمتلكه أبو جهاد في مزرعته.
يعيش
أبو جهاد وعائلته الآن في قرية عبسان الجديدة. كنا نقف عند
بداية حدود أرضه نتفرس في الخط الحدودي عندما قال: " أنا
وأخي يوسف شركاء في المزرعة. تبلغ مساحة الأرض التي
نمتلكها 86 دونماً، ولكننا لا نستطيع زراعة سوى العشرين
دونماً الأبعد عن الحدود. إنه لمن الخطورة الكبيرة أن نقوم
بممارسة عملنا على باقي أرضنا".
يحيطنا
عشرون دونماً من البقدونس الطازج، الذي حان حصاده بعد أن
بلغ الحد المناسب من النضج، ولكن بعد ذلك يمتد 66 دونماً
من الأرض القاحلة الصفراء التي تقود إلى الحدود مباشرةً.
مشينا باتجاه نهاية حدود حقل البقدونس، ووقفنا على بعد 450
متراً من الحدود الإسرائيلية عندما توقف أبو جهاد عن
السير. اغرورقت عيناه بالدموع عندما كان يشير لنا باتجاه
حطام بيته الذي كان على بعد حوالي 200 متر فقط. "أنا وأخي
يوسف خسرنا أكثر من 300000 دولار لأننا لم نعد نتمكن من
زراعة أرضنا. كنا نزرع اللوزيات والزيتون وأشجار الحمضيات،
وكنا نصدر الفاكهة والخضروات إلى الضفة الغربية والأردن
وإلى إسرائيل. الآن سنكون محظوظين إذا حصلنا على 300 دولار
من بيع البقدونس".
إن
الشيء الأكثر لفتاً للانتباه في اتساع الأراضي الزراعية
على طول الحدود الجنوبية الشرقية لقطاع غزة هو خلوها شبه
التام من الأشخاص: فعدا عن أبي جهاد وابنه وأخيه يوسف
وعامل آخر جاء لمساعدتهم في حصاد البقدونس، فإننا لم نر
أحداً قط. أبلغنا أبو جهاد شاهين وأخوه يوسف، اللذان يضخان
المياه من منزل قريب لسقي حقل البقدونس، أن عشرات العائلات
الزراعية اضطرت إلى النزوح من المنطقة تاركة أراضيها
وبيوتها. وأضاف أبو جهاد أن التهدئة التي دخلت حيز
التنفيذ في 19 يونيو/ حزيران لم تغير شيئاً فيما يخص وصوله
إلى أرضه: " ما زلت غير قادر على زراعة أرضي". ووافقه أخوه
يوسف بقوله: "إنهم [الإسرائيليون] ما زالوا يطلقون النار
كل يوم. إنهم يقومون بإطلاق رصاصات تحذيرية في الهواء، كما
أن طائرات الاستطلاع والطائرات المروحية تحلق في السماء
فوق رؤوسنا كل يوم. إننا لا نشعر بالأمان هنا على أرضنا".
في
بداية الإنتفاضة الثانية في شهر سبتمبر من العام 2000، تم
إنشاء منطقة عازلة بعرض 150 متراً على حدود قطاع غزة مع
دولة إسرائيل. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، قامت
قوات الاحتلال الإسرائيلي، من جانب واحد، بتوسيع عرض
المنطقة العازلة إلى أكثر من 300 متر، بينما استمرت في نفس
الوقت في التعمد في تدمير آلاف الدونمات من الأراضي
الزراعية في قطاع غزة، بما في ذلك أراضٍ زراعية بعيدة عن
المنطقة العازلة. إن وجود منطقة عازلة بعرض 400 متر حول
قطاع غزة يمثل خسارة لـ 20 كيلو متراً مربعاً من الأراضي
الزراعية الخصبة على أقل تقدير. وخلال هذه السنة وحدها،
قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتجريف حوالي 3400 دونم من
الأراضي الزراعية داخل قطاع غزة، غالبيتها تقع على طول
الحدود الجنوبية الشرقية، بما في ذلك أراضٍ تقع على بعد
2.5 كيلو متراً من الحدود مع دولة إسرائيل.
إن
التدمير المتعمد للممتلكات المدنية يعتبر غير قانوني بموجب
القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي،
بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة [ المادتين 33 و 53].
وبالرغم من أن قوات الاحتلال الإسرائيلي أوقفت عمليات
تجريف الأراضي الزراعية في قطاع غزة، إلا أن الكثير من
المزارعين الذين يقطنون بالقرب من المناطق الحدودية ما
زالوا متخوفين من العودة إلى أراضيهم.
أخذنا
أبو جهاد لرؤية مزارع آخر، هو يونس خليل أبو لطيفة الذي
يبلغ من العمر 56 عاماً. أجلسنا يونس أبو لطيفة، الذي يملك
أراضٍ بمساحة 50 دونماً، تحت أشجار الزيتون المزروعة أمام
منزله وقدم لنا ثمار التين الطازجة التي قطفها من حديقته.
أبلغنا يونس أبو لطيفة أنه: "كنت أملك خلف منزلي عشرة
دونمات مزروعة بأشجار الفاكهة، ولكن الإسرائيليين قاموا
بتجريفها. أرضنا خصبة، ولكننا لم نعد نستطيع زراعتها".
وفيما يخص التهدئة، يقول أبو لطيفة أنه يلمس بعض
التغيير: "تشعر عائلتي الآن بأمان أكثر في هذه المنطقة لأن
الإسرائيليين لم يعودوا يطلقون النار ولم يعودوا يجتاحوا
[منطقتنا] في كل يوم]. ولكنني ما زلت غير قادر على زراعة
أرضي".
قبل
دخول التهدئة حيز التنفيذ بأسبوع واحد، ضرب صاروخ
أطلقته قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل أبي لطيفة. لم يصب
أحد بأذى، ولكن تضرر المنزل بشكل كبير. لقد أكد أبو لطيفة
أنه لم يكن هناك إطلاق لأية صواريخ من الجانب الفلسطيني:
"نحن جميعنا مزارعون هنا، وكل ما نريد فعله هو الزراعة".
وفجأة، لوح أبو لطيفة باتجاه الحدود: "أملك 40 دونماً من
الأراضي الخصبة هناك. إنها تبعد فقط 800 متر من هنا،
ويمكنني أن أصل إليها في عشر دقائق. ولكن حتى هذه اللحظة،
إن ذهب أحد ما إلى أرضه [ بالقرب من الحدود]، فإنه سيردى
قتيلاً لا محال. إنني غير قادر على زراعة أرضي هذه منذ
أكثر من أربع سنوات".