PCHR

المركز الفلسطيني لحقوق الانسان

في زمن إخلاء المستوطنات وتفكيك المواقع العسكرية

معاناة المدنيين الفلسطينيين تتضاعف

عائلة العايدي نموذجاً

 

التاريخ: 31 أغسطس 2005

التوقيت: 12:00 بتوقيت جرينتش

 

عائلة العايدي … واحدة من العائلات الفلسطينية التي ذاقت الأمرين جراء ممارسات الاحتلال وانتهاكاته بل هي واحدة من العائلات التي عانت كثيراً لمجرد أن أفرادها رفضوا التخلي عن منازلهم وأصروا رغم كل ما طالهم من أذى وخروقات على التشبث بهذه المنازل وبحقهم في أن يعيشوا فيها …

معاناة العائلة التي تضاعفت خلال سنوات انتفاضة الأقصى، لم تكن أبدا وليدة اندلاع هذه الانتفاضة بل إنها سبقتها بسنوات طويلة قد تناهز سنوات الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة فبدءاً باعتقال رب المنزل وأبنائه الذكور مروراً بهدم منزل العائلة وصولاً لاستشهاد أحد أفرادها …

ومع اندلاع الانتفاضة الحالية، وباعتبار أن العائلة المذكورة تقطن في على بعد حوالي 150م شرق شارع المنطار "كارني-نتساريم" الذي يمتد شرق شارع صلاح الدين الرئيسي من مفترق الشهداء حتى منطقة الشجاعية في مدينة غزة، بات أفراد العائلة، كبيرهم وصغيرهم، رجالهم ونساءهم، مستهدفون … وباتت ممتلكات العائلة أيضاً مشاعاً لآلة الدمار الإسرائيلي ولقوات الاحتلال … تدمر وتجرف، وتحول دون وصول الماء أو الكهرباء لمنازل العائلة، وتعرقل تنقل أفرادها من وإلى منازلهم، وتحظر عليهم استقبال أية زيارات، وتنفذ بحقهم العديد من الأعمال الهادفة لإرهابهم وتخويفهم وإجبارهم على مغادرة المنطقة …

أم حسين العايدي

 

لماذا ؟؟؟ لأن العائلة لم تكن تعلم عندما اختارت عقب هدم منزلها منطقة شرق شارع المنطار مكاناً تشيد فيه منازلاً جديدة وتقطن فيها، أن هذه المنطقة ستتحول عقب اندلاع انتفاضة الأقصى إلى واحدة من أكثر المناطق سخونة وتوتراً حيث أن مفترق الشهداء تحول عقب اندلاع الانتفاضة إلى مركز للعديد من المواجهات بين المقاومة الفلسطينية وجنود الاحتلال، ناهيك عن إغلاق شارع المنطار وتحويله لطريق عسكري يتعرض كل من يحاول المرور عبره لخطر الموت. 

قوات الاحتلال الإسرائيلي سعت منذ بداية الانتفاضة لتفريغ المنطقة المحيطة بمفترق الشهداء والمنطقة الواقعة على جانبي طريق المنطار "كارني – نتساريم" من سكانهما، ولم تدخر تلك القوات جهداً لدفع العائلات الفلسطينية القاطنة في المنطقتين إلى مغادرتهما، مدعية أن المقاومة الفلسطينية تتخذ من المنازل والأشجار سواتراً تنفذ عبرها ومن خلالها هجماتها ضد المستوطنة والجنود المتمركزين في المواقع العسكرية المحاذية.

آلاف الدونمات الزراعية جرفت وتم تسويتها … مئات المنازل هدمت … تحت وطأة الرصاص العشوائي أو هرباً من دوي الآليات والجرافات التي اعتادت أن تداهم المنطقة ليلاً لتنفذ ما يحلو لها من أعمال تجريف وتسوية وهدم، عشرات الأسر أرغمت على مغادرة مكان سكنها … وحدها عائلة العايدي تشبثت بمنازلها وأصر أفرادها على مواصلة العيش في هذه المنازل رغم إدراكهم لحقيقة أن قوات الاحتلال لن تألو جهداً للتضييق عليهم ولإجبارهم على الفرار من منازلهم …

منزل العائلة، حوصر عقب اندلاع انتفاضة الأقصى بأشهر قليلة، ومورس بحق أبناء العائلة أشكالا شتى من الانتهاكات وصلت لحد احتلال الطابق الثالث من المنزل من قبل جنود الاحتلال والتمركز فيه طيلة 11 شهر.

"فرضوا علينا الإقامة جبريا في الطابق الثاني من المنزل، واحتلوا الطابق الثالث.  أغلقوا علينا الأبواب ووضعوا حارساً يحول دون تنقلنا من وإلى هذا الطابق.  كنت أخاطر بحياتي للخروج من المنزل بحثاً عن لقمة العيش لسد رمق الأطفال.  الرصاص والنيران، حدث ولا حرج، كانوا باستمرار يطلقون النيران العشوائية حول المنازل وتجاهها، ناهيك عن الحركة الدؤوبة والمتواصلة لجرافاتهم ودباباتهم وآلياتهم.  حتى المدارس، حالوا أياماً طويلة دون وصول الأطفال الذين كانوا عرضة طيلة تلك الفترة للرصاص ولأبشع الممارسات، إليها.  عقب مغادرتهم منزلنا، أقاموا موقعا عسكريا على بعد أمتار قليلة منه، وقد كان هذا الموقع مصدر شقائنا فمنه كانوا يطلقون النيران ليل نهار، وكلما حاول أحدنا الخروج من المنزل دون إذن، كان يتعرض للرصاص العشوائي، ناهيك عن تجوالهم ليلا ونهاراً، ناهيك عن كلاب الحراسة وأصوات الآليات".

بهذه الكلمات كانت المواطنة أم حسين العايدي قد تحدثت إلينا في وقت سابق من عام 2001، موضحة معاناة أسرتها بفعل حصار الاحتلال وإجراءاته.  تجاعيد وجهها كانت تقص الكثير الكثير من حكايا معاناتهم بفعل ممارسات الاحتلال.  حكايا مخضبة بالدموع والآلام … حكايا، خيل للبعض أنها ستتحول، إثر إخلاء المستوطنات وهدم المواقع العسكرية المحاذية لها، لمجرد ذكريات مؤلمة تدور حول مسلسل البطش والصمود الذي عاشته العائلة طيلة سنوات الانتفاضة … ولكن، هيهات … وكأن جنود الاحتلال الإسرائيلي مصرون حتى الرمق الأخير، على تنفيذ أبشع الممارسات بحق المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم … وكأنهم يتعمدون ألا يخلفوا للمواطنة أم حسين سوى المزيد من القهر والحسرة … وكأنهم يعتزمون ألا يتيحوا للفلسطينيين فرصة التمتع بمذاق إخلاء إسرائيل لمستوطناتها المقامة بشكل غير شرعي في قطاع غزة وتفكيكها لمواقعها العسكرية التي طالما كانت بؤر قتل وتنكيل …

أم حسين، التي تمكنت رغم التهديد الذي واجهته كعادتها في كل مرة تغادر فيها منازل العائلة أو تعود لها من الوصول للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان للإدلاء بشهادتها حول ظروفهم الحالية والتطورات في المنطقة التي يسكنون فيها قالت: "استبدلت قوات الاحتلال الإسرائيلي المواقع العسكرية الخمسة المقامة في محيط مفترق الشهداء بخمسة دبابات، بحيث تمركزت كل دبابة منها مكان أحد المواقع التي تم هدمها، هذا بالإضافة لعشرات الدبابات والآليات التي تجوب المنطقة ليل نهار، جيئة وذهاباً، مصدرة أصواتاً مخيفة تزرع مزيد من الرعب والهلع في قلوب الأطفال ونفوسهم."  أم حسين، التي تمكنت من مغادرة منزل العائلة رغم التواجد الإسرائيلي المكثف في محيطه تحدثت مشيرة للتطورات الأخيرة التي شهدتها منطقة سكنهم إثر إخلاء مستوطنة "نتساريم" وهدم المواقع العسكرية المحيطة بها.  وأضافت والدموع تملأ مقلتيها: "العذاب الذي ذقناه خلال الأيام المنصرمة غير مسبوق.  صحيح أننا ذقنا طعم الموت مرات عدة خلال السنوات الخمس السابقة، لكن ما حدث إثر إخلاء المستوطنة وتفكيك المواقع العسكرية لم نكن نتوقعه.  فوجئنا بهم يحاصرون منازلنا، ويعتلون سطح أحدها، ومن ثم، بدأت آلياتهم بتنفيذ اعمال تجريف وتسوية وردم طالت مختلف أنحاء المنطقة.  كانوا يأتون بالرمال والركام ويلقون به على منازلنا وبجوارها، حتى أنهم ردموا أجزاء كبيرة من منزل ابني حسين ومنزل ابني عدنان، وقد حالوا جراء حصارهم المشدد دون تمكننا من التنقل حتى بين منازل العائلة".

أعمال التسوية والتجريف المنفذة في محيط سكن عائلة العايدي، أدت لقطع خراطيم المياه التي كانت عائلة العايدي تستخدمها لسحب المياه من بئر يبعد نحو 2 كم عن منزلهم عقب إقدام قوات الاحتلال منذ سنوات على قطع المياه والكهرباء عنهم … العائلة، وبضمنها الـ 21 طفلاً، تواجه الحصار الإسرائيلي المنفذ في ظل توجد مكثف لقوات الاحتلال وآلياتها … وتواجه العائلة خطر الافتقار لمياه الشرب والمواد التموينية والأغذية حيث تنجح طواقم الصليب الأحمر على فترات متباعدة فقط، في إيصال بعض المساعدات والمواد التموينية للأسرة …

هذا كله، يحدث في زمن الإخلاء وتفكيك المواقع العسكرية … لماذا !!!

هل من مجيب ؟؟؟

 

***************

لمزيد من المعلومات الاتصال على المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة: تليفون: 2825893 – 2824776 8 972 +

ساعات العمل ما بين 08:00 – 16:00 (ما بين 05:00 – 13:00 بتوقيت جرينتش) من يوم الأحد – الخميس.