محامون فلسطينيون يتحدون إسرائيل

جوليان فون ميتلستادت

صحيفة دير شبيغل الألمانية

5 يونيو 2009

بعد مرور أربعة شهور على الحرب في غزة، أعد المحامون الفلسطينيون 936 دعوى قضائية ضد الجيش الإسرائيلي بشأن جرائم حرب مزعومة، ومن الممكن أن يتم رفع بعض من هذه الدعاوى أمام المحكمة الوطنية في إسبانيا بموجب مبدأ الولاية القضائية الدولية.

عندما يريد إياد العلمي استعراض الخسائر الناجمة عن حرب غزة، فإن عليه ببساطة أن يخرج من مكتبه ويصعد إلى الطابق العلوي من المبنى الذي يعمل فيه.  هناك، تجد أكواماً من الشظايا، وقذائف صاروخية معوجة، وقذائف مضادة للدروع مخزنة في المكان.

بالنسبة للعلمي، فإن الأنقاض تشكل دليلاً على جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي، ويأمل بأن يتم استخدام هذه الأسلحة مرة أخرى، ولكن هذه المرة في قاعة المحكمة.

العلمي هو الرجل الذي يقف خلف الجهود لجمع أكبر موجة من الدعاوى القضائية ضد إسرائيل.  وهو يرأس الدائرة القانونية في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في مدينة غزة.  ومن مكتبه الخالي من النوافذ، يحاول المحامي قليل الكلام إقناع المحاكم في أنحاء العالم تبني قضيته.  ويشبه العلمي، البالغ من العمر 45 عاماً، قليلاً الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، الذي يعلق صورته على الجدار.

وعلى الرغم من أنه غير محب للدعاية على الإطلاق، يشير العلمي إلى "جرائم الحرب الإسرائيلية" كما لو كان يناقش حقيقة بديهية، ولكنه يعتبر نفسه حيادياً أو على الأقل حيادياً بقدر ما يمكن لفلسطيني يعيش في قطاع غزة أن يكون.  وقد دافع عن أعضاء حماس في سجون فتح، وعن أعضاء فتح في سجون حماس.  ومثل المئات، بل ربما الآلاف حتى، في قضاياهم ضد الجيش الإسرائيلي منذ أن شارك في تأسيس المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قبل 14 عاماً.  وفي أحسن الأحوال، دفعت إسرائيل تعويضات للضحايا أو أدانت جنودها بالسرقة، ولكن انتصارات المركز كلها كانت محدودة.  "إننا نعيش في ظل نظام من الحصانة،" يقول العلمي.

لقد أفضي مقتل 4747 فلسطينياً خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي بدأت في شهر سبتمبر من عام 2000، وفقاً لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بيتسيلم، إلى توجيه 30 تهمة جنائية ضد جنود إسرائيليين، من بينها 5 إدانات وواحدة حكم فيها بالسجن.  ووفقاً لمعلومات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، قتل 1417 فلسطينياً خلال حرب إسرائيل الأخيرة ضد حركة حماس في قطاع غزة، وكان العديد من القتلى هم من المدنيين.  يقول العلمي: "يجب ألا يحدث ذلك مرة أخرى."  ويحلم بأن يرى تشكيل محكمة دولية بشأن غزة، تقدم فيها ملفاته وأدلته، ويبدو وكأن رؤياه قد تتحق قريباً، بصورة جزئية على الأقل.

إن العشرات من المحامين في مختلف أنحاء العالم – في النرويج، وبريطانيا، ونيوزيلندا، وإسبانيا، وهولندا – يعملون على دعاوى قضائية بشأن غزة.  وفي عالم تسوده العولمة، العدالة هي أيضاً عالمية:  أساس هذه المبادرة هو مبدأ الولاية القضائية الدولية في القانون الدولي، والذي يجعل بالإمكان رفع دعاوى في مختلف أنحاء العالم بشأن جرائم الحرب، والإبادة الجماعية، والتعذيب، والجرائم ضد الإنسانية.

ففي النرويج، رفع ستة محامين دعوى قضائية ضد إسرائيل بشأن انتهاكات لحقوق الإنسان، سعياً وراء إصدار أمر أوروبي لاعتقال مسئولين إسرائيليين كبار، بمن فيهم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت. 

وفي لندن، ينتظر المحاميان مانييل ماكوڨر وكيت ماينارد اللذان يعملان في مؤسسة هيكمان أند روز سفر أي واحد من الأشخاص المسئولين عن الحرب في الجانب الإسرائيلي إلى الخارج.  في حال سفر ذلك المسئول إلى أي بلد يمكن فيه من الناحية القانونية توجيه تهم له بارتكاب جرائم حرب، سيتقدم محامٍ محلي على الفور بطلب في ذلك البلد لاعتقال ذلك المسئول الإسرائيلي. 

قبل أربعة أعوام، نجح المحاميان في استصدار أمر اعتقال بحق دورون ألموج، الذي أصدر الأوامر عندما كان قائداً للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي بارتكاب ما يسمى عمليات قتل مستهدف.  ولكن ألموج الذي تلقى تحذيراً مسبقاً نجح في تجنب تنفيذ أمر الاعتقال في مطار هيثرو بلندن من خلال رفضه مغادرة الطائرة التي كانت تقله وعودته إلى إسرائيل.  ومنذ ذلك الحين، فإن المسئولين العسكريين الإسرائيليين الكبار، وحتى بعض السياسيين، غير مستعدين للمجازفة بالسفر إلى بريطانيا.

يعلق العلمي آماله حالياً على المحكمة الوطنية الإسبانية في مدريد، والتي أصبحت تمثل ما يشبه محكمة عالمية غير رسمية.  وكانت المحكمة الوطنية قد أصدرت أمر اعتقال بحق الدكتاتور التشيلي السابق أوغستو بينوشيه، وهي الآن تحقق في مزاعم بشأن تعذيب أحد المعتقلين في غوانتانامو.  ويحقق أحد قضاة المحكمة الآن مع ثلاثة وزراء صينيين حول دورهم في قمع انتفاضية التبت في عام 2008.  وتحقق المحكمة الآن أيضاً في تهم ضد قيادة إسرائيل، وهي بلد ديمقراطي والطرف الوحيد في الحرب الذي يمكن مقاضاته.  في ذات الوقت، تبقى حركة حماس دون عقاب على أعمالها الإرهابية.

إن أساس الإجراءات التي تقوم بها المحكمة الإسبانية هو دعوى قضائية رفعت ضد سبعة مسئولين عسكريين وسياسيين إسرائيليين كبار في عام 2008 بشأن القتل المستهدف لقائد ميليشيا حماس الشيخ صلاح شحادة، وهو اعتداء قتل فيه 14 مدنياً.  ومن الممكن تعليق هذه القضية، ولكن من أجل منع حدوث ذلك، ينوي المحامي الإسباني غونزالو بوي توسيع الدعوى القضائية لتشمل ما مجموعه 13 قضية أعدها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.  وتشمل تلك القضايا حوادث اختفاء، وتعذيب، وقتل تعود إلى عام 1983، ولكن معظمها يعود إلى شهر يناير 2009.  ويسعى بوي إلى إثبات أن إسرائيل ارتكبت جرائم منظمة، وهذا هو السبب في أن ضحايا الحملة على غزة هم الأساس في الدعوى القضائية.  يقول بوي: "القضية الواحدة هي جريمة حرب، فما بالك بعشر قضايا؟ ذلك شيء آخر."  وتشمل التهم الجديدة جرائم ضد الإنسانية.

وفي حال أصبح ضرورياً، ربما بسبب أن الحكومة الإسبانية تحاول حالياً الحد من الدعاوى الدولية في محاكمها نتيجة لضغوط من الخارج، فإن بوي مستعد لتقديم ضحية ذي علاقة بإسبانيا: فلسطيني له أقرباء في مدينة برشلونة.

لقد رفضت إسرائيل حتى الآن التعاون مع أية تحقيقات نظامية، فهي تعارض المحكمة الجنائية الدولية، ولا تتعاون مع ريتشارد غولدستون، رئيس بعثة تقصي الحقائق التي أوفدها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى غزة.  ولم تجر أيضاً أيه تحقيقات جنائية في التهم التي وجهها الصليب الأحمر ومنظمات الحقوق الإنسان حول عدم السماح بإخلاء الجرحي خلال حرب غزة، وإطلاق النار على سيارات الإسعاف، ومهاجمة المدنيين واللاجئين.

وقد تعامل التحقيق الإسرائيلي الوحيد حتى الآن مع إفادات أدلى بها جنود ادعوا فيها بأنهم شاهدوا عمليات إطلاق نار عشوائية على المدنيين الفلسطينيين، ولكن بعد 11 يوماً من التحقيق في هذه المزاعم، خلصت لجنة التحقيق إلى أن عمليات القتل المزعومة ليست سوى إشاعات.

لقد أنهى الجيش الإسرائيلي الآن مراجعة داخلية لحرب غزة، وخلص إلى أن الجنود ارتكبوا أخطاء فقط في "عدد قليل جداً من الحوادث التي لم يكن بالإمكان تجنبها" وهي من النوع الذي "يحدث في كافة الأوضاع القتالية."

إن جرائم الحرب المنظمة من النوع الذي يتهم العلمي الجيش الإسرائيلي بارتكابها ليس من السهل إثباتها، فعلى المحامين أن يثبتوا أن الجيش الإسرائيلي هاجم المدنيين دون سبب، وربما حتى بشكل متعمد.  وعليهم أن يثبتوا أيضاً بأن تلك الهجمات لم تكن جزءاً من الحرب ضد مقاتلي حماس، وأنها لم تكن ببساطة عبارة عن أخطاء فنية أو بشرية، بل عمليات قتل بلا أية مشاعر.  ولكن، من الذي يقرر ما إذا كانت عمليات القتل هذه عرضية أم متعمدة وما إذا كان فيها إهمال أو قسوة؟

في المقابل، لم يتم مطلقاً توثيق أية حرب مثلما كانت هي الحال مع نزاع غزة على الرغم من الحظر الإسرائيلي الذي فرض على الصحفيين.  قطاع غزة صغير، ولا يمكن لشهود العيان أن يغادروه، والأدلة محفوظة.  مع أخذ ذلك بعين الاعتبار، بدأ العلمي وفريقه المكون من ثمانية محامين، يساعدهم العشرات من المتطوعين، في سؤال شهود العيان خلال عملات القصف.  وقد جمعوا الشظايا، والتقطوا الصور، وصوروا الأضرار وسجلوها بكاميرات الفيديو، معرضين حياتهم للخطر في الكثير من الأحيان.  يقول العلمي: "كان علينا أن نجمع الأدلة بأسرع ما يمكن قبل أن تزال، وقبل أن يختفي الشهود، فقد مات الضحايا ودفن الموتى."

بهذه الطريقة، أعادوا بناء الحرب يوماً بيوم وقذيفة بقذيفة، وقارنوا إفادات شهود العيان بمجريات الحرب والتقارير الإعلامية.  وأعد خبراء أسلحة دوليون تحليلات، وأعطى الأطباء الفلسطينيون شهادات لأسباب الوفيات.  وتوجه الفريق حتى إلى المقابر للتأكد ما إذا كان عدد القبور يساوي عدد الضحايا.  يقول العلمي: "علينا التأكد من أن كل شيء صحيح."

لقد سجل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان 936 قضية تمثل التوثيق الأكثر شمولية لهذه الحرب، وتشمل حوادث مزعومة لإطلاق النار على أطفال من مسافات قريبة، واحتراق نساء بقذائف الفوسفور الأبيض، ودفن عائلات كاملة تحت ركام منازلها.

يقول العلمي: "الفوز في قضية، فقط قضية واحدة، كافٍ، عندها سأتقاعد على الفور لأنني سأكون قد حققت كل شيء."  فقط قضية واحدة من بين 936 قضية.  يحتاج العلمي إلى القضية الأمثل.      

تتسم القضية المثالية بخصائص معينة: القتلي يجب أن يكونوا مدنيين؛ وهنالك حاجة إلى شهود يتمتعون بالمصداقية؛ ويجب ألا يكون مقاتلو حماس قد تواجدوا في المنطقة لأنهم ربما يكونوا قد استخدموا السكان المحليين كدروع بشرية؛ ويجب أن تكون هوية من أصدر الأوامر ومن قام بالقتل واضحة.

يعود العلمي مراراً وتكراراً إلى المغلفات الزرقاء الثلاثة عشر الموجودة على مكتبه، حيث يمثل كل مغلف قضية من الثلاث عشر قضية، وتمثل هذه القضايا معاً ما مجموعه 100 قتيل.  إنها القضايا الأسوأ المعدة للعدالة الدولية، وسيستخدم المحامي الإسباني غونزالو بوي بعضها كدليل لتدعيم قضيته بشأن الجرائم ضد الإنسانية.  هنالك مغلف واحد لـ 48 فرداً من عائلة السموني قتلوا خلال العدوان على غزة، وآخر لستة أفراد من عائلة أبو حليمة احترقوا بقذائف الفوسفور الأبيض.  وهنالك مغلف لأحد عشر فرداً من عائلة القيادي في حماس نزار ريان، الذي دمر منزله بواسطة غارة جوية إسرائيلية.  وهنالك مغلف خاص بأولئك الذين قتلوا في أكاديمية عرفات للشرطة، وآخر لأحد أفراد عائلة عامر الداية.

عامر الداية، 28 عاماً، هو الفرد الوحيد من عائلة تتألف من 23 فرداً الذي نجا من قصف منزل عائلته.  وكان القتلى هم والداه، أخوته الثلاثة وزوجاتهم، أختاه، و12 ابن أو بنت أخ أو أخت.  يعرض العلمي بعض الصور الموجودة في الملف، وتظهر إحداها رأس طفل بين الأنقاض، وعيونه مفتوحة، وأطرافه مبتورة.  ولم يبق أثر لتسعة من الضحايا، ووجد الداية أجزاء من جثة والدته على بعد نحو 100 متر.  يقول الداية، وهو رجل بدين ذو وجه طفولي: "اختفت عائلتي."

إن مصير عائلته هو أحد القضايا الأولى التي ينوي غونزالو بوي رفعها في مدريد.  ويعقد الداية، الناجي الوحيد، آماله على المحكمة الأوروبية، وهو يعلم أيضاً بأن الأمر قد يستغرق سنوات قبل النطق بالحكم، إن حدث ذلك.

في تقريره النهائي، علق الجيش الإسرائيلي على مقتل أفراد عائلة الداية، حيث يشير تقرير الطيار إلى أنه تسلم عن طريق الخطأ إحداثيات غير صحيحة، وبدلاً من الهدف المقصود وهو عبارة عن مخزن، سقطت القنبلة على منزل عائلة الداية.  بكلمات أخرى، كان "خطأ مهنياً" ليس أكثر.