|
|
PCHR المركز الفلسطيني لحقوق الانسان |
التقرير السنوي
للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان 2004

يتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة
عضـــــو لجنــــــة الحقـوقـييــــن الدوليــــــــة – جنيـــف
عضـــو الفدراليـــة الدوليــة لحقــوق الإنســان - باريس
عضــو الشبكـة الأوروبيـة المتوسطية لحقوق الإنسان – كوبنهاجن
عضـــــو المنظمــــة العربيـــة لحقـــوق الإنسان - القاهرة
نستعرض فيما يلي أهم ما جاء في التقرير الخاص بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال العام 2004، والتوصيات التي يوجهها المركز للمجتمع الدولي والسلطة الوطنية الفلسطينية. ويمكن الحصول على التقرير كاملاً بالاتصال مع المركز مباشرة أو من خلال زيارة موقعه الالكتروني المبين أدناه.
في الحادي عشر من نوفمبر 2004، فُجع الشعب الفلسطيني بوفاة الرئيس ياسر عرفات، بعد صراع مع المرض لم يمهله طويلاً. وبوفاة زعيمهم ورمز مسيرتهم النضالية في سبيل الحرية والاستقلال على مدى العقود الأربعة الماضية، وُضع الفلسطينيون أمام مفترق طرق هام في اختبار صعب ودقيق يتعلق بكيفية انتقال السلطة، في ظل تكهنات كثيرة بأن مرحلة ما بعد عرفات ستتسم بالفوضى، وأن الأوضاع الداخلية الفلسطينية مرشحة لحالة من الاقتتال والصراع لا يعرف إلى أين ستؤول. ولكن خلافاً لتلك التكهنات، وفي ذات اليوم الذي أعلن فيه عن وفاة الرئيس عرفات، بدأت عملية انتقال السلطة في إطار القيادة الفلسطينية بشكل هادئ وسلمي، وفقاً للقوانين المرعية. وأثبت الشعب الفلسطيني حضاريته وأن لديه مؤسسات فاعلة رغم كل الصعوبات، يتم من خلالها ملء الفراغ في القيادة السياسية بطريقة منظمة وسلسة، أكان ذلك على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها السلطة السياسية العليا التي تمثل الشعب الفلسطيني بأسره، أو على مستوى السلطة الوطنية الفلسطينية. فقد اختير السيد محمود عباس (أبو مازن) رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، خلفاً للرئيس عرفات الذي شغل هذا المنصب منذ عقود، وذلك وفقاً للقوانين التي تحكم عمل المنظمة ومؤسساتها. وأدى السيد روحي فتوح، رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، اليمين الدستورية ليتولى مؤقتاً مهام رئيس السلطة الوطنية لمدة لا تزيد عن 60 يوماً تجري خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد، وذلك طبقاً للقانون الأساسي الفلسطيني. وبتاريخ 15 نوفمبر، صدر عن رئيس السلطة الوطنية الجديد مرسوم رئاسي حدد يوم التاسع من يناير 2005 موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية. ومع انتهاء العام 2004، كانت الحملات الانتخابية في أوجها، وكان جلياً أن الفلسطينيين قد اختاروا صناديق الاقتراع طريقاً لاختيار قيادتهم السياسية وأن مرحلة الشخصية الكارزمية والزعيم الملهم قد وصلت إلى نهايتها.
وأثناء إعداد هذا التقرير، كانت الانتخابات الرئاسية قد عقدت في موعدها المحدد في التاسع من يناير 2005. ووفقاً لتقارير هيئات الرقابة المحلية والدولية، ومن ضمنها المركز الفلسطيني، فقد اتسمت الانتخابات بالنزاهة رغم بعض المخالفات التي لم تمس جوهر النتائج. وأثناء إعداد هذا التقرير أيضاً،
وقبل إجراء مراسيم انتقال السلطة، أعلن الرئيس فتوح عن يوم 17 يوليو 2005 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية، وهي خطوة إيجابية تحظى أيضاً بدعم ومساندة المركز الفلسطيني، في إطار التحولات المنشودة.
وفي أوج عملية انتقال السلطة، كانت التحضيرات تجري على قدم وساق من أجل إجراء انتخابات مجالس الهيئات المحلية الفلسطينية. وبتاريخ 23 ديسمبر 2004 عقدت الانتخابات في 26 هيئة محلية في الضفة الغربية، ضمن المرحلة الأولى المقرر أن تشمل 36 هيئة محلية، من ضمنها 10 هيئات محلية في قطاع غزة.[1]
استقبل الفلسطينيون العام 2005 بقيادة سياسية جديدة، تحذوهم آمال كبيرة وتطلعات بتحقيق انفراج سياسي في طريقهم نحو الحرية والاستقلال والانعتاق من نير الاحتلال الحربي الإسرائيلي المستمر منذ العام 1967. وبكل المقاييس فإن العام الجديد يتسم بعدم اليقين، وهو مفتوح على كل الاحتمالات السياسية من أكثرها تفاؤلاً إلى أشدها تشاؤماً. ويبقى من غير الواضح بعد ما إذا كانت التطورات السياسية ستتجه نحو وضع جديد يتم فيه احترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أم أننا سنلج في دوامة سياسية جديدة لا تنتهي تقتل معها كل أمل بالانفراج.
قبل هذه التطورات الهامة والمحورية وأثناءها، شهد العام 2004 المزيد من التدهور في حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في ظل التصعيد المستمر والمنهجي في الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب التي تواصل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي اقترافها ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم. وما يدعو للأسف حقاً أن تنفذ جرائم الحرب هذه تحت سمع وبصر العالم أجمع دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكناً، باتجاه توفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين، أو التحقيق في هذه الجرائم. وبرغم بشاعة الجرائم المقترفة بحق المدنيين الفلسطينيين خلال العام 2004، على نحو خاص، إلا أن ذلك لم يدفع المجتمع الدولي والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة إلى اتخاذ إجراءات عملية من شأنها وضع حد لهذه الممارسات. ومن الواضح جداً وبعد أكثر من 4 سنوات من التصعيد اليومي على نطاق واسع وفي جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون وحكومته قد نجحا في جعل جرائم قوات الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من الحياة اليومية للمدنيين الفلسطينيين ونمطاً من أنماط معيشتهم، اعتاد العالم على سماعها بلا اكتراث أو رد فعل. ومن المؤكد أن هذا الصمت الدولي على مستوى معظم حكومات العالم، بمن فيها حكومات الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، هو نتاج لحالة التسييس المتواصلة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وتغليب المصالح السياسية على الاعتبارات القانونية، ما يجعل الحديث عن العدالة الدولية رهناً بتلك الاعتبارات. وأمام هذا الإخفاق من جانب الحكومات، فإن ما يهزم هو القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان التي بات التعامل بها يتم بازدواجية مقيتة يلمسها كل فرد.
شهد العام 2004 تطورين جوهريين في ظل التصعيد المستمر في الانتهاكات التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين. ففي أبريل 2004، عرض رئيس الحكومة الإسرائيلية، أريئيل شارون ما يُسمى بـ "خطة فك الارتباط"، أو "خطة الانفصال أحادي الجانب" من قطاع غزة. وكجزء من هذه الخطة تقوم قوات الاحتلال الإسرائيلي بإعادة انتشارها في قطاع غزة، وتزيل المستوطنات القائمة في القطاع، فيما تقوم بتفكيك أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية. وفي صيغتها المعدلة، عرضت الحكومة الإسرائيلية خطتها للانسحاب من قطاع غزة على ثلاث مراحل حتى
سبتمبر 2005. وتقضي الخطة بإزالة المستوطنات الثلاث القائمة على شارع صلاح الدين، وهي مستوطنات موراغ، كفار داروم، ونتساريم كمرحلة أولى. وفي المرحلة الثانية تُزال مستوطنات غوش قطيف، وفي المرحلة الثالثة تُزال مستوطنات شمال القطاع.
تعكس الخطة الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى لرئيس الوزراء الإسرائيلي والنوايا الحقيقية من وراء طرحها. والتحليل الموضوعي والقانوني لتفاصيل الخطة وما صدر عن المسؤولين الإسرائيليين من تصريحات يظهر أن الخطة أبعد ما تكون عن وصفها خطة للانفصال من خلال انسحاب حقيقي، بل هي تكريس للاحتلال وخنق اقتصادي واجتماعي وسياسي من خلال حصار بري وجوي وبحري على القطاع. ومقابل الوهم والتضليل بالانسحاب من قطاع غزة، وإزالة أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية، فإن أنظار الحكومة الإسرائيلية تتجه نحو تكريس نظام الاحتلال العسكري في الضفة الغربية عبر الاستمرار في توسيع نطاق الاستيطان والقضم التدريجي للأراضي الفلسطينية وضمها لإسرائيل. ويشكل استمرار البناء في جدار الضم الوسيلة العملية والآلية الأكثر نجاعة في تنفيذ هذا المخطط.
ويتعلق التطور الثاني والهام الذي شهده العام 2004 بإصدار محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيها الاستشاري في القضية المتعلقة بقانونية الجدار، وذلك استجابة لطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارٍ صدر عنها بتاريخ 8 ديسمبر 2003. وجاء في حيثيات قرار المحكمة الذي صدر في 9 يوليو أن الجدار الذي تبنيه إسرائيل، القوة المحتلة، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها في مدينة القدس وحولها، يتناقض مع القانون الدولي. وأضاف القرار أن إسرائيل ملزمة بوقف انتهاكاتها للقانون الدولي، وبوقف أعمال البناء في الجدار وبإزالة ما تم بناؤه فيه، وإلغاء كافة التشريعات والأوامر ذات الصلة به، وبدفع تعويضات عن الأضرار التي نتجت عن بنائه. وبيّن القرار أن جميع الدول ملزمة بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناجم عن بناء الجدار، وبعدم تقديم المساعدة التي من شأنها الإبقاء على هذا الوضع. وأضاف أن الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب ملزمة، إضافة إلى ذلك، بضمان إذعان إسرائيل للقانون الدولي الإنساني، وفقاً لأحكام الاتفاقية. كما دعت المحكمة في قرارها الأمم المتحدة، خصوصاً الجمعية العامة ومجلس الأمن، إلى النظر في ما يمكن اتخاذه من خطوات لإنهاء الوضع غير القانوني الناجم عن بناء الجدار.
يعتبر "جدار الضم" الذي تبنيه قوات الاحتلال الإسرائيلي في عمق الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية منذ أواسط حزيران 2002، أبرز أشكال الانتهاكات التي تواصل تلك القوات اقترافها بحق الفلسطينيين. وليس ممكناً فهم أبعاد الجدار إلا من زاوية السعي المتواصل من جانب إسرائيل وقوات احتلالها للتوسع الإقليمي وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وضمها بالقوة إلى دولة إسرائيل، بصورة غير قانونية. ولا يتم بناء الجدار في معظم أجزائه على امتداد الخط الأخضر (خط الهدنة عام 1949)، بل يمتد إلى داخل الأراضي الفلسطينية بعمق يصل أحياناً إلى 22 كيلومتراً. وإذا ما قدر للجدار أن يكتمل البناء فيه على النحو المخطط له، بحيث سيبلغ طوله حوالي 730 كم، فإنه سيعني ضم أكثر من50% من مساحة الضفة الغربية لدولة إسرائيل بالقوة، وسيجد أكثر من 16% من فلسطينيي الضفة الغربية أنفسهم خارج الجدار، أي داخل الأراضي التي ستضم عملياً إلى إسرائيل، بما يعني تضييق الخناق على مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين وإجبارهم على ترك أراضيهم وقراهم، بمن فيهم 200.000 من سكان القدس الشرقية الذين سيجدون أنفسهم معزولين تماماً عن الضفة الغربية. وسيكون 98% من سكان المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية داخل المناطق التي ستضم عملياً إلى إسرائيل.[2]
وفي ضوء المخاطر الاستراتيجية التي ينطوي عليها الجدار وما يشكله من تهديد على مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن قرار محكمة العدل الدولية ينطوي على أهمية خاصة، لدعم النضال المشروع في سبيل إزالة الجدار وإزالة الآثار الناجمة عنه، ولحشد التأييد الدولي لذلك. ويضع القرار المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، خصوصاً الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة التي يقع على عاتقها واجب الالتزام باحترام وضمان احترام الاتفاقية في كل الظروف.
وخلال العام 2004، استمرت حالة حقوق الإنسان الفلسطيني في التدهور الخطير وغير المسبوق جراء استمرار قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في اقتراف المزيد من جرائم الحرب بحق المدنيين الفلسطينيين، وتوظيف القوة المفرطة دون أدنى مراعاة لمبدأي التمييز والتناسب في القوة، خصوصاً خلال عمليات الاجتياح واسعة النطاق التي نفذتها تلك القوات في أنحاء مختلفة من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد أدى ذلك إلى سقوط (835) مواطناً على أيدي قوات الاحتلال والمستوطنين، جميعهم من الفلسطينيين، باستثناء أجنبي واحد. وكان من بين الضحايا (667) مدنياً أعزلاً قتلوا في ظروف لم ينشأ في أغلبها أي تهديد على حياة جنود الاحتلال أو المستوطنين. وقد حظيت محافظات قطاع غزة بالعدد الأكبر من ضحايا جرائم الحرب الإسرائيلية خلال العام 2004، حيث بلغ عدد الذين قتلوا في تلك الجرائم (482) مدنيين، أي نحو 72% من مجموع الضحايا المدنيين، مقابل (185) مدنياً سقطوا في محافظات الضفة الغربية(28% من مجموع الضحايا). وسجل أعلى رقم للضحايا من محافظات قطاع غزة في شمال غزة (172) مدنياً، يليها رفح (127) مدنياً، ثم غزة (100) مدني. وكانت هذه المحافظات قد شهدت أعمال الاجتياح الأوسع نطاقاً التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال العام 2004 (اجتياح حي الزيتون في محافظة غزة يومي 11-12 مايو، اجتياح رفح خلال الفترة بين 13-24 مايو، اجتياح شمال غزة الذي استمر من 28 سبتمبر إلى 15 أكتوبر 2004.) كما أصيب آلاف المواطنين الفلسطينيين بجراح، بينهم (1844) مصاباً من قطاع غزة.
وقد سقط هؤلاء المدنيون في إطار استخدام قوات الاحتلال الإسرائيلي للقوة المفرطة المفضية إلى الموت، عن طريق القصف المتكرر للمناطق الفلسطينية؛ اجتياح المدن والقرى والمخيمات؛ الاغتيالات السياسية؛ إطلاق النار خلال التظاهرات والمواجهات مع المدنيين الفلسطينيين؛ القتل على الحواجز العسكرية؛ واستخدام القناصة في أوقات تتسم بالهدوء التام. ومن بين الضحايا المدنيين، قتل (165) طفلاً، و(13) امرأة، و(19) كهلاً ممن تزيد أعمارهم عن الستين. على جانب آخر، قتل (168) فلسطينياً مسلحاً، سقط أغلبهم أثناء تصديه لقوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء عمليات الاجتياح للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية. وبذلك يرتفع عدد القتلى الفلسطينيين على أيدي قوات الاحتلال والمستوطنين خلال الانتفاضة إلى (3214) شخصاً، بينهم (618) طفلاً، فيما أصيب عشرات الآلاف بجراح، بينهم (8545) مصاباً في قطاع غزة، أصيب المئات منهم بإعاقات دائمة.
وخلال العام 2004، سقط (142) مدنياً فلسطينياً في (58) جريمة من جرائم القتل خارج نطاق القضاء (الاغتيال) بحق الناشطين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وكان بين الضحايا (106) مستهدفين، أحدهم طفل في الخامسة عشر من عمره، إلى جانب (36) شخصاً غير مستهدف، كانوا متواجدين مصادفة في مكان وقوع تلك الجرائم، بينهم (6) أطفال. كما أصيب في تلك الجرائم (95) مواطناً بجروح متفاوتة، بينهم (7) مستهدفين، و(88) من غير المستهدفين. وبذلك يرتفع عدد جرائم القتل خارج نطاق القضاء التي اقترفتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر 2000 وحتى نهاية العام 2004، إلى (218) جريمة، راح ضحيتها (470) فلسطينياً، أي ما نسبته (14.5%) من إجمالي الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الانتفاضة. ووفقاً لما وثقه المركز، فإن من بين الضحايا (309) مستهدفين، فضلاً عن (161) مواطناً غير مستهدفين، تواجدوا مصادفة في مكان وقوع تلك الجرائم، بينهم (46)
طفلاً. أما عدد المصابين فقد بلغ (829) شخصاً، بينهم (45) مستهدفاً، إلى جانب (784) آخرين غير مستهدفين، أصيبوا بجروح مختلفة، تسبب بعضها بإعاقات دائمة.
ولم تسلم طواقم الإسعاف وفرق الدفاع المدني وغيرها ممن يقدمون خدمات إنسانية من جرائم الاحتلال. وخلال العام 2004، سجلت عشرات الحالات التي منعت فيها قوات الاحتلال فرق الإسعاف والأطقم الطبية من الوصول إلى الجرحى. وفي كثير من الأحيان أعاقت قوات الاحتلال أو منعت نقل الجرحى وغيرهم من المرضى إلى المشافي بواسطة سيارات الإسعاف التي كانت تنتظر لساعات على الحواجز العسكرية. وقد وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان خمس حالات وفاة لفلسطينيين على خلفية إعاقة نقلهم إلى المستشفيات على الحواجز العسكرية أو بسبب القيود المشددة المفروضة على الحركة على المعابر الحدودية أو بين المدن والقرى.
وكان بين الضحايا المدنيين أحد الصحفيين وهو محمد عادل أبو حليمة الذي يعمل مراسلاً متطوعاً في قسم الصحافة بجامعة النجاح الوطنية، وقد سقط برصاص قوات الاحتلال في مخيم بلاطة بنابلس بتاريخ 22 مارس 2004، أثناء تأديته لعمله المهني. وبذلك يرتفع عدد القتلى من الصحفيين والعاملين في وكالات الأنباء المحلية والعالمية الذين سقطوا برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء الانتفاضة إلى 8 صحفيين، في دليل آخر ليس فقط على استخدام القوة المفرطة بحق المدنيين ولكن أيضاً على استهداف الصحفيين أحياناً، على الرغم من الحماية الخاصة التي يحظون بها بموجب القانون الدولي حتى في حالات الحرب.
وشهد العام 2004، تصعيداً ملحوظاً في جرائم تدمير الممتلكات المدنية الفلسطينية على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك تدمير المرافق العامة والبنى التحتية، تجريف الأراضي الزراعية، تدمير المنشآت الصناعية وتدمير وهدم المنازل السكنية. وخلال العام 2004، تعرضت الأراضي الزراعية الفلسطينية في قطاع غزة إلى أعمال تجريف واسعة النطاق طالت ما مجموعه (9456) دونماً من الأراضي الزراعية، أي ما نسبته 30% من مجمل الأراضي الزراعية التي جرفتها قوات الاحتلال خلال الانتفاضة البالغة مساحتها حوالي (31494) دونماً. وقد تركزت معظم هذه الأعمال في محافظة شمال غزة، خاصة مدينة بيت حانون، حيث تعرضت هذه المحافظة لأسوأ هجمة خلال العام 2004. فقد بلغت نسبة الأراضي التي تم تجريفها فيها نحو 56% من الأراضي المجرفة في قطاع غزة خلال العام 2004. وقد تسببت أعمال التجريف منذ بدء الانتفاضة إلى إنقاص مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة بنسبة20%، إذا ما أخذنا في الحسبان حجم الأراضي الزراعية في قطاع غزة والذي قدر بحوالي (156.720) دونماً.
وفي السياق نفسه، واصلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أعمال هدم المنازل السكنية في قطاع غزة بشكل غير مسبوق. فقد تعرض قطاع غزة خلال العام 2004 لأسوأ حملة هدم وتجريف للمنازل السكنية منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر 2000، حيث طالت 2098 منزلاً سكنياً، بينها (1199) منزلاً هدم بصورة كلية، فيما هدم (899) منزلاً بصورة جزئية، أدت إلى تشريد آلاف الفلسطينيين. وبذلك يصل عدد المنازل التي هدمت خلال الانتفاضة إلى (4885) منزلاً، بينها (2699) منزلاً بشكل كلي، فيما هدم (2186) منزلاً هدم بشكل جزئي. وعلى هذا تبلغ نسبة المنازل التي هدمت خلال العام 2004 قرابة 43% من المجموع الكلي للمنازل التي هدمت على مدار الانتفاضة.
وكانت مدينة رفح ومخيمها أكثر عرضة من بقية المناطق لجرائم تدمير المنازل التي اقترافتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال العام 2004. ووفقاً لتوثيق المركز الفلسطيني، بلغ عدد المنازل السكنية التي دمرتها تلك القوات على مدار العام 1056 منزل، بينها (598) منزلاً دُمرت بصورة كلية، و(458) منزلاً دُمرت بصورة جزئية. وتمثل نسبة ما هدم من منازل في مدينة رفح ومخيمها 50% من إجمالي
المنازل التي هدمتها قوات الاحتلال خلال العام 2004. وفي واحد من أعنف حملات الهدم التي شهدتها المدينة ومخيمها خلال العام 2004، شهدت الفترة بين 12 إلى 24 مايو 2004، عملية اجتياح كبيرة نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، أسفرت عن تدمير (532) منزلاً سكني بينها (261) منزلاً دُمرت بشكلٍ كلي، كانت تأوي (7000) نسمة، ناهيك عن مقتل العشرات وتدمير البنية التحتية في المدينة. كما شهدت كل من محافظتي خان يونس وشمال غزة حملات عسكرية خلال العام، أسفرت عن تدمير عشرات المنازل. فخلال الفترة بين 29 يونيو إلى 5 أغسطس اجتاحت قوات الاحتلال مدينة بيت حانون، هدمت خلالها (70) منزلاً، بينها (20) منزلاً بصورة كلية. وخلال الفترة بين 23-26 سبتمبر 2004، هدمت قوات الاحتلال قرابة (80) منزلاً، بينها (60) منزلاً هدمت بصورة كلية في مخيم خان يونس. وتعرض مخيم جباليا لحملة مماثلة خلال الفترة بين 28 سبتمبر إلى 14 أكتوبر، أدت إلى تدمير (87) منزلاً بصورة كلية.
وخلال العام 2004، استمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي في تدمير الأعيان المدنية في قطاع غزة، سواء تلك التي تقع في الأراضي الزراعية، أو تلك التي تقع داخل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية التي تتعرض لحملات اجتياح متكرر تحت حجج الضرورة الأمنية. وفي هذا الإطار، تعرضت المؤسسات التعليمية والصناعية والثقافية والمباني التاريخية والأثرية ومراكز الشرطة الفلسطينية ومباني الإذاعة والتلفزيون إلى حملة تدمير منهجية على أيدي قوات الاحتلال خلال العام. وقد طالت تلك الأعمال، (328) منشأة اقتصادية (تجارية وصناعية)، أي ما نسبته 49% من إجمالي عدد المنشآت الاقتصادية التي دمرتها قوات الاحتلال خلال الانتفاضة والبالغ عددها (659) منشأة. كما طالت 35 منشأة تعليمية، أي 46% من إجمالي المنشآت التعليمية التي دمرتها قوات الاحتلال خلال الانتفاضة والبالغ عددها (76) منشأة.
وواصلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي سياستها المتمثلة بهدم منازل ذوي الفلسطينيين الذين تدعي أنهم نفذوا، أو خططوا، أو ساعدوا في تنفيذ أعمال ضد أهداف إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو داخل إسرائيل. فقد هدمت تلك القوات (106) منازل في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينها (24) منزلاً تعود لأهالي شهداء، (53) منزلاً لأهالي معتقلين في سجون الاحتلال، (24) منزلاً لأهالي أشخاص تدعي أنهم مطلوبون لها، و(5) منازل تدعي أنها تأوي مطلوبين. وقد أدت تلك الجرائم إلى تشريد (176) عائلة فلسطينية في العراء، تتكون من (1064) فرداً، معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، فضلاً عن تدمير عشرات البيوت الملاصقة لتلك المنازل، وتشريد سكانها. وبذلك يصل عدد المنازل التي هدمتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على هذه الخلفية من بداية الانتفاضة في سبتمبر 2000، إلى (419) منزلاً، مما أدى إلى تشريد (624) عائلة مكونة من أكثر من (4464) فرداً.
وعلى مدار العام 2004، تواصلت أعمال الاستيطان على قدمٍ وساق في أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة من أجل خلق أمر واقع على الأرض الفلسطينية من إقامة مستوطنات جديدة، وتوسيع المستوطنات القائمة على حساب أراضي الفلسطينيين المجاورة لتلك المستوطنات، وإنشاء طرق التفافية جديدة تخدم المستوطنين. وتخصص غالبية الأراضي الفلسطينية التي يتم السيطرة عليها من قبل المستوطنين لتوفير مناطق عازلة حول تلك المستوطنات، أو لشق الطرق الالتفافية الخاصة بمرور المستوطنين، أو لغاية التوسع الاستيطاني المستقبلي، فيما تخصص مساحات أقل لغاية البناء الاستيطاني.
كما واصل المستوطنون اعتداءاتهم على المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وفضلاً عن أعمال التخريب والتدمير في الممتلكات، قتل المستوطنون اليهود في الضفة الغربية مدنياً فلسطينياً، فيما أصابوا عددا آخر بجروح مختلفة. وبذلك يرتفع عدد المدنيين الفلسطينيين الذين قتلوا على أيدي المستوطنين منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر 2000، إلى (41) فلسطينياً، بينهم (9) أطفال.
وشكلت سياسة الحصار والإغلاق الشامل للأراضي الفلسطينية المحتلة أبرز محطات جرائم العقاب الجماعي التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين خلال العام 2004. وتشمل إجراءات الحصار: استمرار إغلاق أو تشديد القيود على المعابر الدولية - معبر رفح مع مصر ومعبر الكرامة مع الأردن- وهما المنفذان الوحيدان لكل من غزة والضفة على العالم الخارجي، بما في ذلك حرمان المواطنين من قطاع غزة من الفئة العمرية 16-35 عاماً من السفر؛ إغلاق أو تشديد القيود على المعابر مع إسرائيل، مما يعني منع التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة عبر الأراضي الإسرائيلية، بما في ذلك حرمان الطلاب الجامعيين من قطاع غزة من إكمال تعليمهم في جامعات الضفة الغربية، فضلاً عن تقييد الحركة بين الأراضي المحتلة وإسرائيل؛ بالإضافة إلى فرض القيود الداخلية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتتمثل القيود الداخلية في تحكم مئات الحواجز العسكرية الإسرائيلية المقامة على مداخل المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وعزلها عن محيطها الخارجي ومنع وتقييد الحركة بين المدن والقرى والمخيمات. وفي قطاع غزة أيضاً، عمدت قوات الاحتلال الإسرائيلي في كثير من الأحيان إلى تقسيم القطاع إلى ثلاثة أجزاء منفصلة عن بعضها، مما ضاعف من معاناة المدنيين الفلسطينيين وأسفر عن المزيد من التدهور في ظروفهم المعيشية.
من ناحية ثانية، واصلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي فرض حصارها على مدينة القدس المحتلة، وظلت المدينة معزولة تماماً عن محيطها، حيث يُحظر دخولها على المواطنين الفلسطينيين من بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 من الضفة العربية وقطاع غزة. لقد حرمت هذه الإجراءات مئات الآلاف من المسلمين والمسيحيين من ممارسة شعائرهم الدينية في الأماكن المقدسة داخل المدينة. هذا فضلاً عن حرمان آلاف المرضى من تلقي العلاج في مستشفياتها، وآلاف الطلبة من تلقي العلم في مدارسها وجامعاتها، وآلاف الموظفين من الالتحاق بأعمالهم فيها. إن استمرار عزل المدينة، وإضافة حواجز جديدة، وبناء مقاطع من الجدار الفاصل حولها، عمل على تدمير نسيج العلاقات الاجتماعية بين سكانها، وبخاصة بين العائلات التي تقطن داخل الحدود البلدية للمدينة، والتي تقطن في ضواحيها.
وخلال العام 2004، واصلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي اعتقال آلاف الفلسطينيين بصورة تعسفية تخضعهم خلالها للتعذيب والمعاملة القاسية والحاطة بالكرامة. وحتى نهاية العام 2004، كان أكثر من (6000) فلسطيني ما زالوا يقبعون خلف القضبان في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، بينهم نحو (400) طفل. ومن بين هؤلاء المعتقلين نحو (850) شخصاً يخضعون للاعتقال الإداري، أي بدون محاكمة ودون أن توجه لهم لوائح اتهام. ويقبع غالبية هؤلاء المعتقلين في سجون ومعتقلات خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، في مخالفة واضحة وصريحة لاتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، إذ تنص المادة 76 من الاتفاقية على أنه يجب أن يتم احتجاز المعتقلين في مراكز اعتقال موجودة في البلد المحتل، يمضون فيها فترة عقوبتهم.
ويتم احتجاز المعتقلين الفلسطينيين في ظروف اعتقال لا إنسانية وغاية في السوء نتيجة السياسة المنهجية التي تتبعها دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي بحقهم. ويشكو المعتقلون من الاكتظاظ والظروف الصحية البائسة، بما في ذلك سوء التهوية وسوء الرعاية الطبية وإهمال المرضى وعدم تقديم العلاج لهم أو التأخر في تقديمه، أو التعرض لهم بالضرب المبرح بشكل مستمر. كما تقوم تلك القوات بمنع المعتقلين من الالتقاء بمحاميهم، وتمنعهم كذلك من زيارة ذويهم، بشكل ينافي معايير حقوق الإنسان والشروط الدنيا لمعاملة السجناء.
ويخشى المركز من أن تكون وفاة اثنين من المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي خلال العام 2004، ناجمة عن تعمد الإهمال الطبي والتأخير في تقديم العلاج في كلتا الحالتين من قبل قوات الاحتلال. وكان المعتقل فواز حسان بلبل، 30 عاماً، من عتيل قضاء طولكرم، قد توفي في معتقل مجدو
العسكري بتاريخ 16 سبتمبر 2004. وبتاريخ 4 نوفمبر 2004، توفي المعتقل محمد حسن أبو هدوان، 65 عاماً، من شعفاط، في مستشفى أساف هروفيه داخل إسرائيل.
وما يزال المعتقلون الفلسطينيون عرضة للتعذيب والمعاملة المهينة في سجون ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي داخل إسرائيل والأراضي المحتلة. وعلى مدار العام، ورد للمركز الفلسطيني مزيد من الإفادات والتقارير من معتقلين أو محامين تؤكد تعرض عدد من المعتقلين الفلسطينيين لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل والمعاملة الحاطة بالكرامة في السجون أو مراكز الاعتقال أو أثناء التحقيق على أيدي أفراد جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) وغيرهم من أفراد قوات الاحتلال. وتشمل هذه الأساليب: ربط الأيدي وأحياناً الأرجل بوثاق من البلاستيك وشده بصورة تحدث آلاماً شديدة في الجسم؛ الضرب المبرح؛ الشبح وغيره من الأوضاع التي تسبب آلاماً شديدة؛ الحرمان من النوم لساعات طويلة؛ الإجبار على البقاء وقوفاً لساعات طويلة؛ السب والشتم والإهانة؛ عزلهم في غرف باردة جداً، وإعطاؤهم بطانيات مبللة وتشغيل أجهزة التبريد شتاءً؛ الحجز في زنازين لا يدخلها الهواء ونوافذها معتمة، وفي زنازين يبلغ طولها متراً ونصف المتر، وعرضها متراً واحداً، لا تحتوي على مراحيض؛ عصب الأعين لساعات طويلة؛ إضافة لاحتجازهم في زنازين مع عملاء لحساب قوات الاحتلال، وغير ذلك من وسائل التعذيب الجسدي والنفسي.
وخلال العام 2004، واصلت قوات الاحتلال العمل بسياسة الإبعاد القسري للمدنيين الفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى الخارج أو من الضفة الغربية إلى قطاع غزة أو من مدينة لأخرى في الضفة الغربية. ومنذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر 2000، أبعدت قوات الاحتلال أكثر من (50) شخصاً من الضفة الغربية إلى قطاع غزة. والملفت للنظر خلال هذا العام أن جميع المبعدين من الضفة الغربية إلى قطاع غزة كانوا من الأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية، منهم من كان معتقلاً إدارياً، ومنهم من كان محكوماً وشارفت مدة محكوميته على الانتهاء. وخلال العام 2004، أصدر قائد قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية أوامره بإبعاد ستة أسرى من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، فيما تم إبعاد أسير من الخليل إلى رام الله وحُددت إقامته لمدة عامين، وأُبعد أسير آخر من رام الله إلى الأردن. وانتهى العام 2004، دون أن يتمكن (39) مواطناً كانت قوات الاحتلال قد أبعدتهم في مايو 2002 من بيت لحم، بينهم (26) مبعداً إلى قطاع غزة و(13) مبعداً إلى أوروبا من العودة إلى ديارهم.[3]
وتعكس نتائج لجان التحقيق الإسرائيلية في الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين الدور الخطير الذي يلعبه نظام العدالة في دولة إسرائيل، بما في ذلك المحكمة العليا، في التغطية على تلك الجرائم. ففي الحالات الصارخة فقط، التي يعلن عن التحقيق فيها، يتولى التحقيق فيها القضاء العسكري الإسرائيلي التابع لقوات الاحتلال المنحاز بالتأكيد للمحتل، والذي يصدر في غالب الأحيان أحكاما تدين البريء "الضحية" وتبرئ المتهم "الجاني". وفي الحالات النادرة التي تدين فيها "الجاني" فإن العقوبة تكون مخففة جداً، لدرجة تثير السخرية، كنقله من الوحدة التي يعمل بها إلى وحدة أخرى، أو تغريمه بمبلغ زهيد للغاية، أو إدانته بالتصرف غير اللائق، أو إصدار حكم بحبسه لبضعة أشهر مع وقف التنفيذ.
* * *
عكست جرائم الحرب التي اقترفتها قوات الاحتلال نفسها على كافة مناحي الحياة للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وخلفت هذه الجرائم وما تزال آثاراً مدمرة على أداء السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية. بل إن هذه المؤسسات بحد ذاتها كانت هدفاً لهذه
الجرائم مما أدى إلى شل عملها بالكامل أحياناً، وأبقاها رهناً لإرادة إسرائيل وقوات احتلالها. فقد ظل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات محاصراً في مقره في المقاطعة بمدينة رام الله، منذ ثلاثة أعوام. وبعد تدهور حالته الصحية بشكل كبير، وبعد ضغوطات من قبل المجتمع الدولي، سمحت إسرائيل له بالسفر للخارج من أجل العلاج، حيث نقل إلى مستشفى عسكري في باريس في أواخر أكتوبر. وبعد مضي قرابة أسبوعين في المستشفى، فارق الرئيس عرفات الحياة في 11 نوفمبر، ونقل جثمانه إلى مدينة رام الله ودفن في فناء المقاطعة التي كان محاصراً فيها فترة تزيد عن ثلاثة أعوام، على عكس رغبته في الدفن في مدينة القدس. وما تزال الكثير من المؤسسات التابعة للسلطة التنفيذية بما فيها الوزارات ومقرات الأجهزة الأمنية تعاني من آثار التدمير المنهجي والمنظم والنهب اللذان لحقا بها على أيدي قوات الاحتلال خلال الانتفاضة.
أما المجلس التشريعي الفلسطيني فلا ينعقد إلا بموافقة إسرائيلية في ظل استمرار سياسة الحصار والإغلاق وحرمان أعضائه من حقهم في التنقل، شأنهم في ذلك شأن جميع المدنيين الفلسطينيين. وقد أثر ذلك على أدائه وأصابه في كثير من الأحيان بحالة من الشلل التام. وعلى مدار العام لم يتمكن المجلس من عقد جلساته بانتظام كما لم تتمكن لجانه من الالتئام في معظم الأحيان. وفي ذات الوقت، تواصل قوات الاحتلال اعتقال اثنين من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني وهما النائبان مروان البرغوثي وحسام خضر، بدون وجه مشروع.
كما مست جرائم الاحتلال الإسرائيلي بأداء السلطة القضائية بحيث استحال في كثير من الأحيان عمل المحاكم في كافة أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. فبسبب الحصار والإغلاق وعمليات الاجتياح وإجراءات حظر التجول المتكررة، كثيراً ما تعذر على القضاة والمحامين ووكلاء النيابة والمواطنين الوصول إلى المحاكم. أما الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، وهي الأجهزة المتصلة بضمان تنفيذ قرارات المحاكم، فكانت كما أشرنا آنفاً عرضة للضربات المتكررة من قبل قوات الاحتلال، ناهيك عن عدم قدرة أفرادها على التنقل والحركة بحرية.
وفي ظل هذا الاستهداف المنهجي من قبل قوات الاحتلال لمؤسساتها، وفيما تبقى من مساحة وهامش لعملها، فإن السلطة الوطنية الفلسطينية تتحمل المسؤولية عن الكثير من انتهاكات حقوق الإنسان في حدود صلاحياتها وممارساتها.
شهدت الأسابيع الأخيرة من العام 2004 تطورات إيجابية هامة في السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك في أعقاب الوفاة المفاجئة للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بتاريخ 11 نوفمبر 2004. وكما ذكر في بداية هذا الملخص، وخلافاً لتكهنات ومخاوف عديدة بسيادة حالة من الفوضى والصراعات الداخلية، اتسمت عملية انتقال السلطة بطابع سلمي وهادئ ومنظم، في تماثل تام مع أحكام القانون. ويُعرب المركز عن ارتياحه إزاء هذه التطورات الإيجابية ويأمل أن تستمر خلال الفترة القادمة بما يؤسس لنظام سياسي ديمقراطي يقوم على فصل السلطات وسيادة حكم القانون واحترام حقوق الإنسان.
إلى ذلك، شهد العام 2004 حالات انتهاك لحقوق الإنسان على الصعيد الفلسطيني، وما تزال الكثير من التحفظات والانتقادات الجوهرية التي سبق وأن أبداها المركز قائمة حتى الآن.
فمن ناحية، وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان خلال العام 2004 العديد من حالات الاعتقال غير القانوني التي نفذتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية المختلفة، مما يشكل انتهاكاً لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني، التي تؤكد على عدم جواز القبض على أحد أو تفتيشه أو اعتقاله، أو تقييد حريته، أو منعه من التنقل دون إذن قضائي. وهو ما يشدد عليه أيضاً قانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001. ورغم أن هذا العام شهد تراجعاً ملحوظاً في عدد حالات الاعتقال بشكل غير قانوني، إلا أن عدم قيام
السلطة التنفيذية بإغلاق هذا الملف بشكل نهائي من شأنه أن يشكل تهديداً لأمن وسلامة المواطنين، وتقويضاً لمبدأ سيادة القانون.
وفي دليل آخر على انتهاك أجهزة الأمن الفلسطينية للقانون وعدم احترام سيادته، فإن أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لا يزال معتقلاً منذ 15 يناير 2002 وحتى اللحظة لدى أجهزة الأمن الفلسطينية في سجن أريحا المركزي، وذلك خلافاً لقرار صدر عن المحكمة العليا الفلسطينية بتاريخ 3 يونيو 2002 بعدم قانونية اعتقاله، والإفراج عنه. وكان اعتقال سعدات قد تم استجابة لضغوط أمريكية وإسرائيلية، حيث تزعم إسرائيل أن سعدات يقف وراء مقتل وزير السياحة الإسرائيلي السابق رحبعام زئيفي في 17 أكتوبر 2001.
وبالرغم من شعور المركز بالارتياح إزاء عدد من خطوات الإصلاح في مجال السلطة القضائية خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة، ما تزال هناك حاجة للمزيد من الإصلاحات تأكيداً على استقلال السلطة القضائية. بدأت هذه الخطوات الإصلاحية بإصدار قانون السلطة القضائية في 18 مايو 2002، وهو يعتبر أحد أهم الانجازات القانونية وجاء ليؤكد على استقلال السلطة القضائية. وبتاريخ 12 مايو 2003، تم تعيين نائب عام جديد للسلطة الوطنية الفلسطينية. وبتاريخ 14 مايو 2003، أعيد تشكيل مجلس القضاء الأعلى بما يراعي أحكام القانون المذكور. غير أن من الواضح، وفقاً لمتابعة المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وجود إشكاليات جدية بين كل من وزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام تتعلق بتنازع الاختصاصات فيما بينهم. هذه المشاكل كانت وما تزال قائمة، غير أنها برزت بشكل واضح مع تطبيق قانون السلطة القضائية. وفي هذا السياق فإن المركز الفلسطيني يدعم تطبيق قانون السلطة القضائية دون مساومة، ولكنه في ذات الوقت يدعو إلى ضرورة إيجاد صيغ وحلول لأية إشكاليات تضمن إدارة العدالة واستقلال السلطة القضائية باعتبارها واحدة من ثلاث سلطات وليست تابعة لأية سلطة أخرى سواء إدارياً أو مالياً.
ويشعر المركز بارتياح إزاء التراجع الملحوظ خلال العام 2004 في عمل محاكم أمن الدولة، امتداداً لقرار وزير العدل السابق عبد الكريم أبو صلاح، بتاريخ 27 يوليو 2003 بوقف العمل بمحاكم ونيابة أمن الدولة، إلا أن المركز ما يزال يشعر بقلق في هذا الجانب ويخشى من إعادة العمل بها في أي وقت. ويرى المركز أن قرار وزير العدل غير كافٍ، ويطالب بإصدار مرسوم رئاسي يلغي هذه المحاكم التي تشكلت بموجب مرسوم رئاسي صدر في فبراير 1995.
وفي مارس 2004، انتهت أعمال الدورة الثامنة للمجلس التشريعي، وبدأت أعمال الدورة التاسعة التي استمرت خلال العام. ونتيجة مباشرة لإجراءات الاحتلال آنفة الذكر، لم تنتظم جلسات المجلس التشريعي ولجانه. ومع الإدراك التام من قبل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان لحجم المعيقات والعقبات التي تعترض عمل المجلس التشريعي المتصلة بجرائم الحرب التي تقترفها قوات الاحتلال، إلا أن تقييم أداء المجلس التشريعي خلال العام 2004 على مستوى المساحات المتبقية من عمله لم يكن بحجم التوقعات، خصوصاً في مجالي التشريع والرقابة.
ورغم كل ذلك فإن أهم التحفظات على أداء المجلس التشريعي تتمثل في استمرار تجاوز التفويض الشعبي المتمثل في انتخابات يناير 1996 والذي انتهي في مايو 1999. وعلى ذلك، انتهت المدة القانونية لولاية المجلس التشريعي دون إجراء انتخابات جديدة. غير أن المجلس التشريعي قد مُددت فترة ولايته منذ العام 1999، بناءً على قرار محكمة استئناف قضايا الانتخابات الذي صدر في 4 فبراير 1999، ومنح بموجبه رئيس السلطة الوطنية الصلاحية في تقرير مدة ولاية المجلس، وما إذا كان سيستمر في عمله أو يصار إلى عقد انتخابات جديدة. وفي ضوء ذلك قرر الرئيس عرفات في حينه
استمرار عمل المجلس التشريعي بدون إجراء انتخابات تشريعية لأعضائه، وذلك في رسالة بعث بها إلى المجلس التشريعي بتاريخ 7 مارس 1999، وهو ما يُعتبر مساساً خطيراً بالديمقراطية ومبدأ الانتخابات.
ورغم أن هناك تراجعاً في مستوى الانتهاكات الصادرة عن السلطة الفلسطينية خلال العام 2004، إلا أن هذه الفترة شهدت تزايداً ملحوظاً في الانتهاكات الصادرة عن جهات مجهولة أو معلومة، يرتبط بعضها بقوى سياسية أو بأجهزة أمن. ولا يعتبر تراجع الانتهاكات الرسمية دليلاً على تحسن حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، بقدر ما يعتبر ضعفاً في المؤسسة الرسمية الفلسطينية بأجهزتها المختلفة، وهذا الضعف راجع بطبيعة الحال إلى اعتداءات قوات الاحتلال المتكررة على المؤسسات الفلسطينية، ومقرات الأجهزة الأمنية والسجون. خاصة وان هذا التراجع لم يرافقه أية تعديلات على القوانين الصادرة منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، والتي تتضمن مواد تتعارض مع المعايير والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان، إضافة إلى ذلك فلم يتم إلغاء أي من المراسيم والقرارات التي تقيد حق المواطنين في تبني الآراء التي يريدون والتعبير عنها. وفيما يتعلق بتزايد الانتهاكات التي تقيد ضد مجهولين، فإن السبب الذي يقف وراء تزايدها هو حالة الفوضى والفلتان الأمني الذي تعاني منه الأراضي الفلسطينية، والصراعات الداخلية بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية، إضافة إلى أن القانون لا يزال مهمشاً، فحتى الجهات الرسمية لا تقوم بتطبيق أحكامه، ولا يتم تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث. كما ساهم تقاعس النيابة العامة عن ملاحقة الجناة في زيادة عدد هذه الانتهاكات، و تفاقم حالة الفلتان الأمني التي تعيشها الأراضي الفلسطينية.
وتنطوي الكثير من ممارسات السلطة الفلسطينية على انتهاك للحق الدستوري في تكوين الجمعيات. كانت أبرز حالات الانتهاك للحق في تكوين وعمل الجمعيات التي شهدها العام 2004 هو استمرار العمل بقرار تجميد حسابات (39) جمعية خيرية وهيئة أهلية إسلامية في قطاع غزة على الرغم من صدور قرار المحكمة في 21 مارس 2004، القاضي بالإفراج عن أرصدة جمعية الصلاح. ورغم ذلك فما لبثت السلطة التنفيذية أن عادت لتمارس انتهاكها لهذا الحق، ولحق الجمعيات في العمل دون قيود إلا تلك التي يفرضها القانون، بدل أن يتم التقيد بتنفيذ قرار المحكمة. فقد أصدرت سلطة النقد تعميماً في 27 مارس 2004 طلبت فيه من جميع المصارف العاملة في فلسطين التجميد التحفظي لحسابات (39) جمعية ومؤسسة إسلامية عاملة في قطاع غزة. توالت إثر ذلك التعميم قرارات أخرى صادرة عن سلطة النقد في محاولة للالتفاف على قرار المحكمة، والتظاهر بتنفيذه مع استمرار تجميد أرصدة هذه الجمعيات، حيث صدر في 31 مارس التعميم رقم (48) الذي يذكر أن الصرف من حسابات الجمعيات التي شملها التجميد يتم بناءً على قرار يصدر مباشرة عن وزير الداخلية، دون الحاجة إلى موافقة سلطة النقد. وبعد هذا التعميم بأيام صدر التعميم رقم (56) في 6 أبريل، الموجه لكافة المصارف باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ قرار المحكمة. وفي اليوم التالي صدر تعميم آخر إلى كافة المصارف بضرورة الالتزام بالتعميم الصادر عنها رقم (48).
شهد العام 2004 زيادة غير مسبوقة في حالات سوء استخدام السلاح التي وثقها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، حيث أدى انتشار السلاح واستخدامه في نزاعات فصائلية وعشائرية وشخصية إلى إصابة وقتل عدد كبير من المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما تم توثيق حالات أخرى سقط فيها فلسطينيون أو أصيبوا نتيجة العبث بالسلاح أو سوء تخزينه، أو نتيجة الإعداد لعبوات ناسفة أو زرع ألغام من قبل المقاومة الفلسطينية في مناطق مأهولة بالسكان. وقد وثق المركز عدداً كبيراً من جرائم القتل والإصابات على هذه الخلفية بين المواطنين الفلسطينيين، حيث بلغ عدد ضحايا هذه الظاهرة الخطيرة (131) ضحية، كان بينها (72) ضحية في قطاع غزة و(59) ضحية في الضفة الغربية.
وتشير المعطيات إلى زيادة في عدد ضحايا هذه الجرائم خلال العام 2004 مقدارها نحو (250%) مقارنة مع العام الماضي الذي شهد 53 جريمة مماثلة، وهو بحد ذاته رقم مرتفع ومؤشر خطير عن هذه
الظاهرة. وتعكس هذه الأرقام الفوضى التي تسيطر على انتشار السلاح، وعدم خضوع حمل السلاح لضوابط ومراقبة فعالة من قبل السلطة الفلسطينية. ومقارنة بالأعوام الأربعة الماضية فإن مجموع عدد الضحايا في تلك الأعوام مجتمعة يبلغ (122) شخصاً، مما يدل على خطورة هذه الظاهرة وتفاقمها بشكل كبير، ويدق ناقوس الخطر لضرورة التحرك بشكل سريع وعاجل لمكافحة هذه الظاهرة والحد منها، واتخاذ إجراءات قضائية صارمة بحق مرتكبيها.
وأخيراً، شهد العام 2004 تزايداً ملحوظاً في عدد المواطنين الذين قتلوا على خلفية الاشتباه بتعاونهم مع قوات الاحتلال الفلسطيني. وقد وثق المركز (22) حالة قتل على هذه الخلفية، وقعت (16) منها في الضفة الغربية و(6) أخرى في قطاع غزة، وذلك مقابل (12) حالة مماثلة وثقها المركز خلال العام 2003. وفيما يشدد المركز على موقفه المطالب بملاحقة العملاء وتقديمهم لمحاكمات عادلة، فإنه ينتقد بشدة منهج أخذ القانون باليد وتجاوز سيادة القانون ويرى أن ملاحقة العملاء هي مسؤولية وواجب السلطة الوطنية الفلسطينية، وأنها تتم فقط وفق القانون.
يجدد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان توصياته لكل من المجتمع الدولي وللسلطة الفلسطينية. ويأمل المركز أن تأخذ الأطراف الدولية التوصيات الواردة على محمل الجد وأن تظهر قدرة وإرادة على فرض القانون الدولي والالتزام به. كما يأمل المركز أن تعمل السلطة الوطنية الفلسطينية بموجب التوصيات الخاصة بها الواردة أدناه، وذلك في نطاق ما تتحمله من مسئوليات.
1. يدعو المركز الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، منفردة أو مجتمعة، إلى تحمل مسئولياتها القانونية والأخلاقية والوفاء بالتزاماتها، والعمل على ضمان احترام إسرائيل للاتفاقية وتطبيقها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بموجب المادة الأولى من الاتفاقية. ويرى المركز أن الصمت الدولي على الانتهاكات الجسيمة للاتفاقية التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي يشجع إسرائيل على التصرف كدولة فوق القانون وعلى ارتكاب المزيد من الجرائم بحق المدنيين الفلسطينيين دون ملاحقة.
2. يقع على عاتق الأطراف السامية ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، في ظل عدم وجود نية للقضاء الإسرائيلي في تقديم مرتكبي جرائم الحرب للمحاكمة، وفي كثير من الأحيان توفير الغطاء القانوني لهم.
3. يدعو المركز منظمات المجتمع المدني الدولية بما فيها منظمات حقوق الإنسان، نقابات المحامين، ولجان التضامن الدولية إلى حث حكوماتهم على تقديم مجرمي الحرب الإسرائيليين للمحاكمة.
4. يدعو المركز الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد إلى العمل على تفعيل المادة الثانية من اتفاقية الشراكة الإسرائيلية – الأوروبية التي تشترط ضمان احترام إسرائيل لحقوق الإنسان. ويناشد المركز دول الاتحاد الاوروبي بوقف كل أشكال التعامل مع السلع والبضائع الإسرائيلية، خاصة تلك التي تنتجها المستوطنات الإسرائيلية المقامة فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة.
5. يشير المركز بارتياح إلى إصدار محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيها الاستشاري القاضي باعتبار جدار الفصل الذي تبنيه قوات الاحتلال الإسرائيلي في عمق الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية غير قانوني. ويدعو المركز المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عملية، انسجاماً مع قرار المحكمة، من شأنها إزالة الجدار.
6. على الرغم من التراجع الملحوظ في دور لجان التضامن الدولية في تقديم المساعدات للمدنيين الفلسطينيين، بسبب إجراءات قوات الاحتلال التي تمنعهم من الوصول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، يؤكد المركز على أهمية دور هذه اللجان في فضح جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفي كسر مؤامرة الصمت التي تمارسها الحكومات الأوروبية حيال هذه الجرائم.
7. أمام الاستهداف الواضح من جانب حكومة إسرائيل وقوات احتلالها ضد وفود التضامن الدولي ومنع أعضائها من الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل ومنعهم حتى من الدخول إلى إسرائيل أحياناً، يدعو المركز البلدان الأوروبية على نحو خاص إلى اتباع سياسة التعامل بالمثل مع رعايا دولة إسرائيل.
8. أخيراً، يؤكد المركز مرة أخرى، وفي ظل التطورات السياسية الجارية، بأنه لا يمكن التضحية بحقوق الإنسان بذريعة التوصل إلى سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما يؤكد أن أية
9. تسوية سياسية مستقبلية لا تأخذ في عين الاعتبار معايير القانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان، لن يكتب لها النجاح، ولن تؤدي إلى تحقيق حل عادل للقضية الفلسطينية. وستبقي المنطقة عرضة لمزيد من التوتر وعدم الاستقرار. وبناءً عليه، فإن الحكومات ومنظمات المجتمع المدني مطالبة جميعاً بالعمل على تطبيق القانون الدولي في الحالة الفلسطينية.
يشير المركز بارتياح للتطورات الايجابية التي طرأت على صعيد بنية السلطة الوطنية الفلسطينية، خاصة خلال الأسابيع الأخيرة من العام 2004، والتي أعقبت وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بتاريخ 11 نوفمبر 2004. فقد اتسمت عملية انتقال السلطة بطابع سلمي وهادئ ومنظم، في تماثل تام مع أحكام القانون، على صعيد منظمة التحرير الفلسطينية ورئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية. وأثناء إعداد هذا التقرير كانت الانتخابات الرئاسية قد جرت في التاسع من يناير 2005 لاختيار رئيس جديد للسلطة الوطنية الفلسطينية. وسبق ذلك إجراء الانتخابات في 26 هيئة محلية في الضفة الغربية بتاريخ 23 ديسمبر 2004، في إطار المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية. وأثناء إعداد هذا التقرير أيضاً، جرت الانتخابات في عشر هيئات محلية في قطاع غزة بتاريخ 27 يناير 2005، فيما أعلن أن الانتخابات ستجري في بقية الهيئات المحلية على مرحلتين خلال العام 2005. وبتاريخ 7 يناير 2005، صدر مرسوم رئاسي عن رئيس السلطة الوطنية حدد فيه 17 تموز 2005 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية.
وفي ضوء هذه التطورات الإيجابية، ومن أجل الدفع باتجاه دولة المؤسسات والقانون، فإن المركز يدعو السلطة الفلسطينية إلى الأخذ بالتوصيات التالية:
1. مواصلة الخطوات الايجابية الخاصة بإجراء الانتخابات، والتطلع إلى إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر خلال العام 2005، واستكمال إجراء الانتخابات في بقية مجالس الهيئات المحلية خلال العام.
2. اتخاذ إجراءات فعلية تخدم إعادة الاعتبار والهيبة لسيادة القانون ووقف كافة أشكال الاعتداءات على القانون التي تزايدت في الآونة الأخيرة.
3. ضبط حالة الفلتان الأمني والتحقيق الجدي في جميع حوادث إطلاق النار على المواطنين من قبل المكلفين بإنفاذ القانون، وغيرهم، وتقديم المتورطين للعدالة.
4. التأكيد مجدداً على التزام السلطة الوطنية الفلسطينية بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وفقاً لما جاء في الإعلانات والعهود والمواثيق الدولية ذات الصلة، ومراعاة أن جميع الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطة تتماثل مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وتحترم الحقوق الأساسية للمواطنين.
5. إصدار مرسوم رئاسي بإلغاء محاكم أمن الدولة، علماً بأن القرار الوزاري الذي أصدره وزير العدل الفلسطيني، لم يتم الالتزام به وتم تجاوزه.
6. إلغاء عقوبة الإعدام من التشريعات الفلسطينية، ويدعو المركز المجلس التشريعي على نحو خاص إلى المبادرة في تحقيق ذلك من خلال مراجعة القوانين ذات العلاقة وتعديلها بما يتلاءم والمعايير الدولية.
7. التأكيد على استقلال القضاء، بما في ذلك احترام قرارات المحاكم الفلسطينية.
8. إصلاح الأجهزة الأمنية وتحديد اختصاصاتها بدقة وتنظيم عملها في إطار سيادة القانون وفهمها لدورها الممثل بإنفاذ القانون.
9. إخضاع السجون ومراكز الاعتقال لرقابة السلطة القضائية وضمان عدم وجود أي معتقل فيها على نحو مخالف للقانون.
10. ضمان تمتع المواطن الفلسطيني بممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير وحق التجمع السلمي، وإعادة النظر في التشريعات ذات الصلة، بما فيها قانون المطبوعات والنشر لعام 1995، وكذلك إصدار تشريع لتنظيم عمل محطات الإذاعة والتلفزة الخاصة.
11. احترام الحق في تكوين الجمعيات ورفع القيود عن عملها ونشاطها، بما في ذلك إلغاء قرار تجميد أرصدة الجمعيات الخيرية الإسلامية في الأرضي المحتلة، واستبدال مرجعية التسجيل والإشراف على الجمعيات الأهلية من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل.
*** للحصول على النسخة الكاملة من التقرير السنوي الرجاء الضغط على العناوين التالية:
تقريـر النشاطــات PDF format
التقريـر المالـي PDF format
[1] أثناء إعداد هذا التقرير، استكمل الجزء الثاني من المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية، حيث أجريت الانتخابات بتاريخ 27 يناير 2005 في 10 هيئات محلية في قطاع غزة، في ظروف اتسمت بالنزاهة وفقاً للتقييم الأولي الذي أصدره المركز الفلسطيني باعتباره هيئة رقابة محلية.
[2] هذه المعلومات مقتبسة من الموقع الإلكتروني لحملة مقاومة جدار الفصل العنصري (شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية) (www.stopthewall.org).
[3] أثناء إعداد هذا التقرير، سمحت قوات الاحتلال بعودة 20 مبعداً من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، بتاريخ 20 فبراير 2005 أعادت 16 مبعداً، وبتاريخ 15 مارس 2005 أعادت 4 آخرين.