|
|
PCHR المركز الفلسطيني لحقوق الانسان |
التقرير السنوي للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان 2003
أصدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تقريره السنوي للعام 2003 عن الفترة الواقعة بين 1 يناير وحتى 31 ديسمبر 2003. وعملاً بالنهج الذي يتبعه المركز منذ عدة سنوات، يتضمن التقرير ثلاثة أجزاء: الأول، تقرير أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ الثاني، تقرير نشاطات المركز؛ والثالث، التقرير المالي للمركز الذي تعده مؤسسة مهنية مستقلة متخصصة في تدقيق الحسابات.
نستعرض فيما يلي أهم ما جاء في التقرير الخاص بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال العام 2003 والتوصيات التي يوجهها المركز للمجتمع الدولي والسلطة الوطنية الفلسطينية. ويمكن الحصول على التقرير كاملاً بالاتصال مع المركز مباشرة أو من خلال زيارة موقعه الإلكتروني المبين أدناه.
لم تكن حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أقل سوءاً في العام 2003 عن الأعوام السابقة، في ظل التصعيد المستمر والمنهجي في الانتهاكات الجسيمة التي تواصل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي اقترافها ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، خصوصاً منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000. وشهد هذا العام سلسلة طويلة من الانتهاكات المصنفة كجرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، اقترفتها قوات الاحتلال بأوامر صريحة من أعلى القادة السياسيين والعسكريين في إسرائيل، بمن فيهم رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان، وبغطاء قانوني في كثير من الأحيان من أعلى هيئة قضائية في دولة إسرائيل – المحكمة العليا.
وقد استمرت حقوق الإنسان في التدهور، مع التوظيف المنهجي للقوة الفتاكة من قبل قوات الاحتلال ضد المدنيين، دون أدنى مراعاة في معظم الأحيان لمبدأي التمييز والتناسب. ويشمل هذا التوظيف المفرط للترسانة العسكرية الإسرائيلية استخدام الطائرات الحربية المقاتلة والطائرات المروحية في قصف أهداف مدنية، وتوظيف الدبابات في أعمال قصف بالمدفعية ومختلف أنواع الرصاص، من الأعيرة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، خصوصاً خلال أعمال الاجتياح والتوغل في عمق المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية. وأضحت أعمال الاجتياح والتوغل هذه أمراً روتينياً تنفذه قوات الاحتلال يومياً، بل عدة مرات يومياً لذات المكان أحياناً، بفضل الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية التي ترابط على مشارف هذه المدن والقرى والمخيمات وتحكم سيطرتها على المدنيين في كافة أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأسفرت هذه الجرائم عن سقوط المزيد من الضحايا الفلسطينيين خلال العام 2003، معظمهم من المدنيين العزل الذين قتلوا في أعمال قتل عمد أو في سياقات مختلفة، تدل التحقيقات بشأنها على الاستهتار وعدم الاكتراث الواضحين بحياة المدنيين من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهي القوة المحتلة التي يقع على عاتقها ضمان سلامتهم وأمنهم بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني. ولحق المزيد من الدمار في المنازل السكنية مخلفاً مئات آخرين من المدنيين لينضموا إلى قوافل من آلاف الأفراد، ومعظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، الذين باتوا بلا مأوى بعد أن دمرت قوات الاحتلال منازلهم بشكل متعمد ومنهجي على مدى نحو 40 شهراً. ولحقت أعمال تدمير واسعة النطاق في الممتلكات المدنية الأخرى، بما فيها المنشآت الصناعية والمرافق العامة والمباني الأثرية والبنى التحتية من الطرق وشبكات المياه والكهرباء والهاتف والصرف الصحي. وتحولت آلاف أخرى من الدونمات في الأراضي الزراعية التي تشكل عماد الاقتصاد الفلسطيني إلى مناطق قاحلة جرداء بفعل استمرار أعمال التجريف والتدمير في المزارع والمنشآت الزراعية في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. وواصلت قوات الاحتلال خلال هذا العام فرض حقائق جديدة على الأرض من خلال المضي قدماً في أعمال بناء الجدار الذي يتغلغل في عمق الضفة الغربية المحتلة ويهدف إلى ضم نحو نصف أراضيها لإسرائيل، وتحويل ما تبقى إلى معازل جماعية للفلسطينيين. هذا فضلاً عن الاستمرار في أعمال التوسع الاستيطاني ومصادرة المزيد من الأرض الفلسطينية لهذا الغرض. وأحكمت قوات الاحتلال الإسرائيلي قبضتها أكثر فأكثر على المدنيين الفلسطينيين وشددت من خناقها عليهم بفعل سياسة الحصار وفرض القيود المشددة على التنقل، وبفعل إجراءات فرض حظر التجول على المدن والقرى والبلدات الفلسطينية، خصوصاً أثناء عمليات الاجتياح والاقتحام المتكررة لها والتي باتت أمراً روتينياً خلال العام 2003. ونفذت قوات الاحتلال خلال هذا العام المزيد من أعمال الاعتقال العشوائية، وكان المعتقلون عرضة للتعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية، أثناء اعتقالهم والتحقيق معهم.
ولم تتوقف هذه الجرائم المنهجية والمنظمة حتى خلال الفترة القصيرة التي أعلن فيها الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي البدء في تنفيذ خطة السلام المعروفة بـ "خارطة الطريق" في أواخر يونيو 2003. وكان إخفاق الخطة في التأكيد على احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني سبباً لفشلها بعد عدة أسابيع، حيث لم تفلح في وضع حد لجرائم الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم.
ومن المستهجن حقاً أن هذه الجرائم تنفذ تحت سمع وبصر المجتمع الدولي بأسره، دون أن يحرك ساكناً لوقفها. وبعد نحو 40 شهراً من التصعيد اليومي على نطاق واسع وفي جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، يبدو أن ما نجح به شارون وحكومته هو جعل جرائم قوات الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من الحياة اليومية للمدنيين الفلسطينيين ونمطاً من أنماط معيشتهم، اعتاد العالم على سماعها بلا اكتراث أو رد فعل. ومن السخرية بمكان أن يتحول الجلاد إلى ضحية والضحية إلى جلاد. ومن الواضح أن هذا الصمت الدولي على مستوى معظم حكومات العالم، بمن فيها حكومات الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، هو نتاج لحالة التسييس المتواصلة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وتغليب المصالح السياسية على الاعتبارات القانونية، ما يجعل الحديث عن العدالة الدولية رهناً بتلك الاعتبارات. وأمام هذا الإخفاق من جانب الحكومات، فإن ما يهزم هو القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان التي بات التعامل بها يتم بازدواجية مقيتة يلمسها كل فرد.
يذكر المركز بأنه يقع على عاتق الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 واجب ضمان احترام تنفيذ الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن المؤسف القول أن الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أحد الأطراف السامية، تواصل دعمها غير المحدود لدولة إسرائيل وقوات احتلالها، وتوفر لها الغطاء السياسي في هيئة الأمم المتحدة، مما يبقي هذه الهيئة الدولية عاجزة عن التدخل الفاعل في توفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين ووضع حد لجرائم قوات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم. أما بقية الأطراف السامية المتعاقدة، وفي الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، فقد واصلت مؤامرة الصمت حيال تلك الجرائم، وهو ما يعطي حكومة إسرائيل التي يقودها مجرم حرب الضوء الأخضر للمضي في جرائمه بلا تردد.
كان صمت الديمقراطيات الغربية ماثلاً خلال العام 2003 في أكثر من محطة، مخلفاً آثاراً سلبية على صعيد احترام القانون الدولي الإنساني واحترام حقوق الإنسان. ويتضح أكثر من أي وقت مضى أن شعارات الحرية والعدالة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان التي ترفعها هذه البلدان، فيما يخص القضية الفلسطينية بالذات، ما هي إلا شعارات سياسية تفتقر لإرادة التنفيذ، إذ سرعان ما يُغض النظر عنها إذا ما تعارضت مع المصالح السياسية. المحطة الأولى كانت من خلال امتناع دول الاتحاد الأوروبي أو معارضتها، للسنة الثالثة على التوالي، التصويت لصالح قرارات تدين إسرائيل في مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي عقدت اجتماعاتها في مارس وإبريل 2003.[1] والمحطة الثانية كانت في الامتناع عن التصويت من قبل معظم دول الاتحاد الأوروبي على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر بتاريخ 8 ديسمبر الذي أحال قضية الجدار إلى محكمة العدل الدولية من أجل أن تعطي مجرد رأي استشاري في القضية. والمحطة الثالثة تتصل باتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، وامتناع الاتحاد الأوروبي حتى الآن عن تفعيل المادة الثانية من الاتفاقية التي تشترط احترام حقوق الإنسان. ومن وجهة نظر المركز، تشكل هذه المحطات مؤشرات أساسية لحالة الإخفاق بل والعجز عن اتخاذ مواقف حقيقية من أجل وضع حد لجرائم قوات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين. أما المحطة الرابعة فتتمثل في موقف دول الاتحاد الأوروبي السلبي في مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الذي انعقد في يوليو 1999 وديسمبر 2002 وأخفق في اتخاذ إجراءات فعالة لوضع حد لانتهاكات إسرائيل وقوات احتلالها المستمرة للاتفاقية.
أما سويسرا، وهي ليست طرفاً سامياً متعاقداً على اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب فحسب، وإنما هي أيضاً الدولة المودعة لاتفاقيات جنيف الأربع ويقع على عاتقها التزامات أخلاقية وقانونية معاً حيال احترام الاتفاقية وضمان احترامها، فقد انخرطت في نشاطات تتنافى والتزاماتها بموجب الاتفاقية وذلك من خلال رعايتها وتأييدها لما يُعرف بـ "وثيقة جنيف." والوثيقة هي مقترح غير رسمي للسلام صاغته وتبنته مجموعة من الشخصيات الفلسطينية والإسرائيلية برعاية وزارة الخارجية السويسرية، تم التوقيع عليها في أكتوبر 2003 في مراسم احتفالية خاصة عقدت في جنيف. وقد أكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في حينه أن توصيات الوثيقة تشكل تقويضاً غير شرعي للحقوق الفردية والجماعية للفلسطينيين وتمس بسيادة القانون من خلال المراوغة حول التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي، خصوصاً اتفاقية جنيف الرابعة. ومن هذا المنطلق أدان المركز دعم ومشاركة سويسرا في الوثيقة واعتبر أن تأييدها لها يتعارض مع واجباتها كدولة مودعة لاتفاقيات جنيف وكطرف سامٍ موقع على اتفاقية جنيف الرابعة.[2]
وفي ظل الدعم الأمريكي غير المحدود، وأمام هذا الموقف الرسمي العاجز والصامت للدول الأوروبية وبقية الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، ماذا يتوقع من مجرم حرب كأرئيل شارون الذي يقود ائتلافاً حكومياً من أحزاب يمينية يمثلها غلاة المتطرفين ممن يطالبون بطرد العرب؟ لم تكن أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بهذا السوء منذ أن احتلتها إسرائيل في العام 1967، ومخاوف المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من تدهور أوضاع حقوق الإنسان بشكل أكثر في المستقبل لها ما يبررها. فبقراءة متأنية لما يجري على الأرض وما اقترف خلال العام 2003 وقبله من جرائم حرب، من الواضح أن شارون يدفع باتجاه خيار الترانسفير أكثر من أي وقت مضى. فأعمال القتل والتدمير والحصار وقضم الأرض من خلال مواصلة بناء الجدار والتوسع الاستيطاني، وما يرافق كل ذلك من خنق اقتصادي وتدهور مستمر في الظروف المعيشية للمدنيين الفلسطينيين، كل ذلك يدفع باتجاه خيار الترانسفير لا غير. إن كل ما يريده شارون هو نكبة جديدة لترحيل من تبقى من الفلسطينيين وطردهم خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.
حصدت جرائم الحرب التي اقترفتها قوات الاحتلال وجماعات المستوطنين خلال العام 2003، أرواح 571 شخصاً، جميعهم من الفلسطينيين باستثناء اثنين من الأجانب.[3] كما أصيب الآلاف في الأراضي المحتلة، بينهم 1283 مصاباً من قطاع غزة. ووفقاً لتحقيقات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، كان بين الضحايا 473 مدني أعزل قتلوا في ظروف لم ينشأ في أغلبها أي تهديد على حياة جنود الاحتلال أو المستوطنين، بل استخدمت القوة دون أدنى مراعاة لمبدأي التمييز والتناسب. وكان بين الضحايا 114 طفلاً، و27 امرأة، و20 كهلاً ممن تزيد أعمارهم عن الستين. وبذلك يرتفع عدد القتلى الفلسطينيين على أيدي قوات الاحتلال والمستوطنين خلال الانتفاضة إلى 2402 شخصاً، بينهم 462 طفلاً، فيما أصيب عشرات الآلاف، بينهم المئات ممن أصيبوا بإعاقات دائمة.
وقد سقط 132 مدني فلسطيني في 48 جريمة من جرائم القتل خارج نطاق القضاء (الاغتيال السياسي) نفذتها قوات الاحتلال خلال العام 2003 في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان بين ضحايا هذه الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال بدعم علني وتوجيه من أعلى المستويات الحكومية في إسرائيل 71 مستهدفاً، إلى جانب 61 آخرين غير مستهدفين ممن صادف وجودهم في مكان وقوع الجريمة، بينهم 13 طفلاً، و7 نساء، و6 شيوخ. كما أصيب في تلك الجرائم 441 فلسطيني بجروح متفاوتة، بينهم 15 مستهدفاً، و426 آخرين من غير المستهدفين. ويرتفع بذلك عدد جرائم الاغتيال السياسي التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين منذ بدء الانتفاضة في أواخر سبتمبر 2000 وحتى نهاية العام 2003 إلى 160 جريمة، راح ضحيتها 327 مدني فلسطيني، أي ما نسبته 13.7 % من إجمالي الضحايا الفلسطينيين خلال ذات الأجل.
ولم تسلم طواقم الإسعاف وفرق الدفاع المدني وغيرها ممن يقدمون خدمات إنسانية من جرائم الاحتلال. وخلال العام 2003، قتلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أربعة من أفراد الطواقم الطبية الفلسطينية وفرق الدفاع المدني، وأصابت عدداً منهم بجراح مختلفة أثناء تأديتهم واجبهم الإنساني. وسجلت عشرات الحالات التي منعت فيها قوات الاحتلال فرق الإسعاف والأطقم الطبية من الوصول إلى الجرحى. وفي كثير من الأحيان أعاقت قوات الاحتلال أو منعت نقل الجرحى وغيرهم من المرضى إلى المشافي بواسطة سيارات الإسعاف التي كانت تنتظر لساعات على الحواجز العسكرية، ما أدى إلى وفاة ستة مدنيين على الأقل خلال هذا العام، بينهم أطفال حديثي الولادة. وفي الضفة الغربية انخفضت حالات الولادات في المستشفيات منذ بداية انتفاضة الأقصى بنسبة 50%، علاوة على عدم تمكن سيارات الإسعاف، من الوصول إلى بيت المريض في حوالي 70% من الحالات، واشتكى ما يزيد عن 72% من الفلسطينيين من الصعوبة التي تواجههم في الحصول على العلاج.
وقتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي اثنين من الصحفيين، أحدهما فلسطيني والآخر بريطاني، أثناء تغطيتهم للأحداث الجارية في الأراضي المحتلة. فبتاريخ 19/4/2003، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي المصور الصحفي نزيه عادل دروزة، 45 عاماً من نابلس، بينما كان يقوم بتصوير طفل ملقى على الأرض بالقرب من دبابة تابعة لقوات الاحتلال، بعد تعرضه لإطلاق النار من قبل جنود الاحتلال، في مدينة نابلس. وبتاريخ 2/5/2003، أطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي النار على الصحفي البريطاني، جيمس ميلر، 34 عاماً، وأصابوه برصاصة قاتلة في عنقه بينما كان يقوم مع عدد من الصحفيين بتغطية أعمال التجريف والهدم التي تقوم بها جرافات الاحتلال لأراضي ومنازل الفلسطينيين قرب الشريط الحدودي في رفح. وبذلك يرتفع عدد القتلى من الصحفيين والعاملين في وكالات الأنباء المحلية والعالمية منذ بدء الانتفاضة إلى 7 صحفيين.
وخلال العام 2003، تصاعدت جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق المتضامنين الدوليين ونشطاء السلام، بما فيها جرائم القتل. وتسعى إسرائيل وقوات احتلالها من وراء ذلك لمنع تواجد شهود عيان دوليين على ما تقترفه من جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم. فبتاريخ 16/3/2003، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي ناشطة السلام الأمريكية راشيل كوري، بعد أن سحقتها جرافة تابعة لتلك القوات أثناء احتجاجها مع مجموعة من زملائها من حركة التضامن الدولية على أعمال تجريف أحد المنازل المدنية جنوب مدينة رفح.[4] وبتاريخ 5/4/2003، أصيب ناشط السلام الأمريكي، بريان آفري، 24 عاماً، من "منظمة التضامن الدولي لحماية الشعب الفلسطيني"، بعيار ناري من النوع الثقيل أطلقه عليه جنود الاحتلال أثناء تجوله في مدينة جنين برفقة زملاء له. وبتاريخ 11/4/2003، فتح جنود الاحتلال النار باتجاه الناشط البريطاني توماس بيتر هيرندل، 22 عاماً، عندما كان يحاول حماية أطفال فلسطينيين في رفح، مما أسفر عن إصابته بعيار ناري في رأسه، دخل على إثرها في حالة موت دماغي"سريري"، وأعلن عن وفاته بتاريخ 14/1/2004 في أحد مستشفيات لندن. وفضلاً عن جرائم القتل هذه، شددت قوات الاحتلال من قيودها على دخول الزائرين الدوليين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال العام 2003، ومنعت عشرات وفود التضامن ونشطاء السلام من الوصول إليها.
تندرج الاعتداءات المنظمة على الصحفيين، الأجانب والمحليين، والناشطين الدوليين في إطار تدابير منهجية للتعتيم على ما تقترفه قوات الاحتلال الإسرائيلي من جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين. وفي ذات السياق كانت منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية هدفاً لإسرائيل، عندما ادعى وزير خارجيتها سيلفان شالوم أن "فلسطينيين قاموا بتنفيذ هجمات يختبئون في مكاتب حقوق الإنسان،" وأن "معظم مكاتب حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة تؤوي إرهابيين فلسطينيين."[5] وفي حينه أدان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بشدة تلك التصريحات واعتبر أنها تهدف إلى "ترهيب وإخافة وردع منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية لثنيها عن أداء عملها في مراقبة أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة."[6]
ويشكل موضوع الجدار الذي تواصل قوات الاحتلال بناؤه في عمق أراضي الضفة الغربية منذ أواسط حزيران 2002 أحد أهم القضايا وأكثرها خطورة على مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة من النواحي الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية. وليس ممكناً فهم أبعاد الجدار إلا من زاوية السعي المتواصل من جانب إسرائيل وقوات احتلالها للتوسع الإقليمي وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وضمها بالقوة إلى دولة إسرائيل، بصورة غير قانونية. لقد كانت الأرض دوماً عنصر الصراع الأساسي في المنطقة، ومنذ نشأتها عام 1948، عملت إسرائيل جاهدة من أجل التوسع الإقليمي، وما الجدار إلا أحدث تجليات هذا التوسع على حساب المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وإقامة الجدار على النحو الذي تخطط له إسرائيل سيعني فعلياً ضم قرابة 50% من أراضي الضفة الغربية المحتلة إلى إسرائيل، وتحويل ما تبقى إلى مناطق منعزلة. وعلى مدار العام 2003، سرّعت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في أعمال بناء الجدار بوتائر غير مسبوقة. وفي 2 أكتوبر 2003، أصدر قائد قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية أمراً عسكرياً جديداً يعلن كافة الأراضي الواقعة بين الجدار وحدود إسرائيل قبل عام 1967 في شمال الضفة الغربية "منطقة مغلقة." وبموجب الأمر، سيكون تنقل المدنيين الفلسطينيين من سكان المنطقة، بل ومجرد بقائهم في منازلهم رهناً بتصريح كتابي بذلك من قائد قوات الاحتلال.
وخلال العام 2003، وسعت قوات الاحتلال نطاق جرائم تدمير الممتلكات المدنية، بما في ذلك تدمير المرافق العامة والبنى التحتية، تجريف الأراضي الزراعية، تدمير المنشآت الصناعية وتدمير وهدم المنازل السكنية. وفي قطاع غزة، بلغ مجموع مساحات الأراضي الزراعية التي جرفتها قوات الاحتلال على مدار العام حوالي 7174 دونم، ليرتفع مجموع ما دمرته تلك القوات منذ اندلاع الانتفاضة إلى 24.340 ألف دونم، غالبيتها من الأراضي الزراعية. وأدت هذه الأعمال إلى إنقاص مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة بنسبة حوالي (15.5%)، والتي قدرتها وزارة الزراعة الفلسطينية بحوالي 156.720 ألف دونم. وطالت جرائم التدمير أيضاً 191 مصنعاً وورشة صناعية، في قطاع غزة.
كما تصاعدت وتيرة هدم المنازل في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي قطاع غزة فقط هدمت قوات الاحتلال على مدار العام 847 منزل بصورة كلية، إضافة إلى 809 منازل أخرى تم هدمها بصورة جزئية. وقد أدت جرائم هدم المنازل خلال العام 2003 إلى تشريد أكثر من 2024 عائلة فلسطينية في القطاع، تضم قرابة 16.372ألف نسمة، ناهيك عن إلحاق الأضرار البالغة بمنازل أخرى مجاورة. وكانت مدينة رفح ومخيمها مسرحاً للقدر الأعظم من جرائم هدم المنازل التي اقترفتها قوات الاحتلال في قطاع غزة على مدى العام 2003، حيث هدمت تلك القوات هناك 486 منزل بصورة كلية (55% من العدد الكلي للمنازل التي دمرتها في قطاع غزة)، و370 منزل بصورة جزئية. وفي بعض الأحيان أدت تلك الجرائم إلى تشريد عائلات بكاملها للمرة الثانية والثالثة، ملحقة أضراراً بالغة بهذه العائلات. أما في الضفة الغربية، فقد وثق المركز 152 حالة هدم لمنازل فلسطينية، بينها 60 منزلاً في القدس لوحدها. ولا يدخل في هذه الأعداد المنازل التي هدمتها قوات الاحتلال في إطار أعمال الردع ومعاقبة الأهل، وهو ما سنأتي على ذكره أدناه.
فقد واصلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي جرائمها المتمثلة بهدم منازل ذوي الفلسطينيين على خلفية اتهامهم في أعمال مقاومة، كشكل من أشكال العقوبة الجماعية لأهلهم. وتُقترف هذه الجرائم في نطاق سياسة رسمية معلنة من قبل الحكومة الإسرائيلية بادعاء أنها تهدف إلى ردع المقاومة. وخلال العام 2003، هدمت تلك القوات 173 منزلاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، أدت إلى تشريد قرابة 220 عائلة فلسطينية، مكونة مما يقرب من 1800 فرداً، معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال، فضلاً عن تدمير عشرات البيوت المجاورة والملاصقة لتلك المنازل، وتشريد سكانها. وبذلك يصل عدد المنازل التي هدمت على هذه الخلفية منذ بداية الانتفاضة إلى 312 منزل، أدت إلى تشريد 448 عائلة، تضم أكثر من 3400 فرداً.
ولا يمكن النظر إلى أعمال البناء في الجدار وأعمال التدمير المستمرة في الممتلكات المدنية الفلسطينية، بما فيها الأراضي الزراعية، بمعزل عن النشاطات الاستيطانية التي تواصل قوات الاحتلال تنفيذها دون توقف. فجميع هذه الأعمال تخدم غايات محددة تتمحور في تكريس وقائع غير قابلة للتغيير تسيطر بموجبها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة وتضييق الخناق على سكانها الفلسطينيين وتدفع باتجاه ترحيلهم أو محاصرتهم في معازل (كانتونات) غير متصلة جغرافياً. وعلى مدار العام 2003، واصلت قوات الاحتلال والمستوطنين أعمال التوسع الاستيطاني رأسياً وأفقياً في أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة من أجل خلق أمر واقع على الأرض الفلسطينية من إقامة مستوطنات جديدة، وتوسيع المستوطنات القائمة على حساب أراضي الفلسطينيين المجاورة لتلك المستوطنات، وإنشاء طرق التفافية جديدة تخدم المستوطنين وتحاصر المدن والقرى الفلسطينية استراتيجياً. كما واصل المستوطنون اعتداءاتهم على المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وفضلاً عن أعمال التخريب والتدمير في الممتلكات، قتل المستوطنون اليهود في الضفة الغربية خمسة مدنيين فلسطينيين، فيما أصابوا عددا آخر بجروح مختلفة. وبذلك يرتفع عدد المدنيين الفلسطينيين الذين قتلوا على أيدي المستوطنين منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر 2000، إلى 40 فلسطينياً، بينهم 9 أطفال.
وعلى مدار العام 2003، واصلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تنفيذ سياسة العقاب الجماعي المتمثلة في فرض الحصار الشامل المفروض على جميع الأراضي المحتلة، وهو ما خلف آثاراً مأساوية مست بكافة جوانب الحياة للمدنيين الفلسطينيين وأسفرت عن تدهور خطير في حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فقد استمرت القيود المشددة المفروضة على حرية الحركة عبر المنافذ الحدودية، وبلغت تلك القيود الإغلاق التام في كثير من الأحيان. وتواصل إغلاق المنافذ التي تربط الأراضي المحتلة بإسرائيل، الأمر الذي قيد حرية حركة الأفراد والبضائع، وحال دون وصول عشرات آلاف العمال الفلسطينيين للعمل داخل إسرائيل. كما عززت تلك القوات من إجراءات الحصار الداخلي وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية المحتلة وتحويلها إلى عشرات المعازل المنفصلة. وتتجسد إجراءات الحصار الخانق بإقامة ما يزيد عن ستمائة حاجز وساتر ترابي غير محصن على مداخل التجمعات السكانية الفلسطينية وعشرات الحواجز المحصنة، في الضفة الغربية وحدها، مما يجعل من تنقل المواطنين الفلسطينيين أمراً محالاً في أحيان كثيرة. أما في قطاع غزة، فتحكم قوات الاحتلال سيطرتها على المنطقة بفعل أكثر من مائة من المواقع وأبراج المراقبة والحواجز العسكرية. هذا ناهيك عن إجراءات حظر التجول التي تفرضها قوات الاحتلال على المدنيين الفلسطينيين في كثير من الأحيان وتحرمهم من مغادرة منازلهم لفترات تصل إلى عدة أسابيع، وهو ما بات أمراً نمطياً يكاد لا يذكر في وسائل الإعلام. وفي قطاع غزة، تكرر إغلاق البحر أمام الصيادين الفلسطينيين ومنعوا من ممارسة مهنة الصيد، وظلوا على مدار العام عرضة لانتهاكات قوات البحرية الإسرائيلية، مما أدى إلى تدهور أكثر في ظروفهم المعيشية.
وواصلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي فرض حصارها على مدينة القدس المحتلة، وظلت المدينة معزولة تماماً عن محيطها، حيث يُحظر دخولها على المواطنين الفلسطينيين من بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 من الضفة الغربية وقطاع غزة. أما مخطط التهويد وفرض وقائع جديدة على الأرض فقد استمر بلا توقف، في سبيل التطهير العرقي للمدينة من خلال إفراغها من سكانها الفلسطينيين والاستمرار في مشاريع الاستيطان التي باتت تحاصر كافة التجمعات السكانية الفلسطينية فيها وحولها.
وواصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقال آلاف الفلسطينيين بصورة تعسفية وإخضاعهم للتعذيب والمعاملة القاسية والحاطة بالكرامة. ومنذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر 2000، تعرض عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين للاعتقال، ومع نهاية العام 2003 كان ما يزال على الأقل 6000 فلسطيني يقبعون خلف القضبان في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، بينهم أكثر من 150 طفلاً. وبين هؤلاء المعتقلين على الأقل 650 شخصاً يخضعون للاعتقال بموجب أوامر اعتقال إداري. ويتم احتجاز المعتقلين الفلسطينيين في ظروف اعتقال لا إنسانية وغاية في السوء ويحرمون من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في الالتقاء بمحامٍ والحق في تلقي زيارة عائلية والرعاية الصحية والغذاء الملائم. ويخشى المركز أن يكون الإهمال الطبي السبب وراء وفاة اثنين من المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال خلال العام 2003، وهما كل من: وليد عمرو، 34 عاماً من دورا الخليل، الذي توفى بتاريخ 19 فبراير 2003 في سجن نفحة الصحراوي، وبشير عويس، 28 عاماً من مخيم بلاطة في نابلس، الذي توفى بتاريخ 8 ديسمبر 2003 في مستشفى هعيمق في العفولة بعد نقله إليه من سجن مجدو حيث كان يمضي فترة اعتقال إداري.
وما يزال المعتقلون الفلسطينيون عرضةً للتعذيب وسوء المعاملة، أثناء احتجازهم في مراكز الاعتقال والسجون الإسرائيلية، في داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. وخلال العام 2003، تلقى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، مزيداً من الإفادات والتقارير من معتقلين ومن محاميهم، الذين تمكنوا من زيارتهم أحياناً، تؤكد تعرض عدد من المعتقلين لأساليب تعذيب وسوء معاملة، أثناء اعتقالهم واحتجازهم والتحقيق معهم، على أيدي أفراد جهاز الأمن العام (الشين بيت) وغيرهم من أفراد قوات الاحتلال. ويحظى مقترفو جرائم التعذيب بحماية قانونية خاصة من قبل المستشار القضائي للحكومة إلياكيم روبنشتاين الذي تعهد بتوفير حماية قانونية لأي محقق يلجأ إلى استخدام وسائل خاصة في حالات محددة.[7]
وواصلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال العام 2003، العمل بسياسة النفي أو الإبعاد القسري والنقل غير المشروع للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى قطاع غزة. وفي جريمة هي الأوسع خلال العام 2003، أصدر قائد قوات الاحتلال في الضفة أمرا عسكرياً بإبعاد وتحديد إقامة 18 معتقلاً إدارياً فلسطينياً من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، لفترات تتفاوت بين الستة شهور والعامين. وكان هؤلاء الفلسطينيون قد اعتقلوا خلال حملات عسكرية على المدن الفلسطينية خلال الانتفاضة، ووضعوارهن الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر بحجج أمنية. وقد تم تجديد الاعتقال الإداري لعدد منهم أكثر من مرة، حيث مكث البعض منهم لفترة أكثر من عامين. وقد أتمت قوات الاحتلال إبعاد الثمانية عشر فلسطينياً إلى غزة بالفعل على فترات، حيث تم إبعاد آخرهم في 31 ديسمبر من العام 2003. وبذلك بلغ عدد الفلسطينيين الذين تم نفيهم أو إبعادهم قصراً من الضفة الغربية إلى قطاع غزة منذ بدء الانتفاضة 49 فلسطينياً، فيما سجلت حالة إبعاد مماثلة خلال العام 2003 لأحد المدنيين الفلسطينيين من سكان منطقة المواصي الخاضعة لسيطرة قوات الاحتلال الأمنية، غرب خان يونس. وتتم عمليات الإبعاد هذه بتواطؤ مع المحكمة العليا الإسرائيلية التي توفر الغطاء القانوني والشرعي لهذه الجرائم.
وأمام هذه الجرائم وغيرها يقف نظام العدالة في دولة إسرائيل، بما فيه المحكمة العليا، عارياً ليعكس الدور الذي يلعبه في التغطية القانونية على تلك الجرائم وإعفاء الضالعين في اقترافها من المساءلة الحقيقية. ولا تحقق إسرائيل في آلاف الجرائم التي تقترف بحق المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي الحالات الصارخة فقط، التي يعلن عن التحقيق فيها، يتولى التحقيق القضاء العسكري الإسرائيلي التابع لقوات الاحتلال المنحاز بالتأكيد للمحتل، والذي يصدر في غالب الأحيان أحكاما تدين البريء "الضحية" وتبرئ المتهم "الجاني". وفي الحالات النادرة التي تدين فيها "الجاني" فإن العقوبة تكون مخففة جداً، لدرجة تثير السخرية، كنقله من الوحدة التي يعمل بها إلى وحدة أخرى، أو تغريمه بمبلغ زهيد للغاية، أو إدانته بالتصرف غير اللائق أو حبسه مع وقف التنفيذ على جريمة قتل!
* * *
تعكس جرائم الحرب التي تقترفها قوات الاحتلال نفسها على كافة مناحي الحياة للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وخلفت هذه الجرائم وما تزال آثاراً مدمرة على أداء السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية. بل إن هذه المؤسسات بحد ذاتها كانت هدفاً لهذه الجرائم مما أدى إلى شل عملها بالكامل أحياناً، وأبقاها رهناً لإرادة إسرائيل وقوات احتلالها. فالرئيس الفلسطيني، وهو رأس الهرم في السلطة الوطنية الفلسطينية ورمز السلطة التنفيذية ما يزال محاصراً في مقر الرئاسة في رام الله، في ظل ما يشبه السجن أو الإقامة الجبرية. وبعد أشهر من الحصار وأعمال القصف والتدمير التي طالت مقر إقامته في المدينة، تواصل الحكومة الإسرائيلية فرض حظر على تنقل الرئيس الفلسطيني داخل وخارج الأراضي الفلسطينية. وما تزال الكثير من المؤسسات التابعة للسلطة التنفيذية بما فيها الوزارات ومقرات الأجهزة الأمنية تعاني من آثار التدمير المنهجي والمنظم والنهب اللذان لحقا بها على أيدي قوات الاحتلال خلال الانتفاضة.
والمجلس التشريعي الفلسطيني الذي يمارس صلاحيات السلطة التشريعية فلا ينعقد إلا بموافقة إسرائيلية في ظل استمرار سياسة الحصار والإغلاق وحرمان أعضائه من حقهم في التنقل، شأنهم في ذلك شأن جميع المدنيين الفلسطينيين. وقد أثر ذلك على أدائه وأصابه في كثير من الأحيان بحالة من الشلل التام. وعلى مدار العام لم يتمكن المجلس من عقد جلساته بانتظام كما لم تتمكن لجانه من الالتئام في معظم الأحيان. وفي ذات الوقت تواصل قوات الاحتلال اعتقال اثنين من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني وهما النائبان مروان البرغوثي وحسام خضر، بدون وجه مشروع.
أما السلطة القضائية فقد مست جرائم الاحتلال الإسرائيلي بأدائها بحيث استحال في كثير من الأحيان عمل المحاكم في كافة أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. فبسب الحصار والإغلاق وعمليات الاجتياح وإجراءات حظر التجول المتكررة، كثيراً ما تعذر على القضاة والمحامين ووكلاء النيابة والمواطنين الوصول إلى المحاكم. أما الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، وهي الأجهزة المتصلة بضمان تنفيذ قرارات المحاكم، فكانت كما أشرنا آنفاً عرضة للضربات المتكررة من قبل قوات الاحتلال، ناهيك عن عدم قدرة أفرادها على التنقل والحركة بحرية.
وفي ظل هذا الاستهداف المنهجي من قبل قوات الاحتلال لمؤسساتها، وفي ما تبقى من مساحة وهامش لعملها، فإن السلطة الوطنية الفلسطينية تتحمل المسؤولية عن الكثير من انتهاكات حقوق الإنسان في حدود صلاحياتها وممارساتها.
شهد هذا العام تطورات متلاحقة على صعيد بنى السلطة الفلسطينية، ضمن الجهود التي تدخل في نطاق الإصلاح السياسي. ففي 18 مارس 2003، تم تعديل القانون الأساسي الذي كان قد صدر عن السلطة الفلسطينية في 7 يوليو 2002. وبموجب التعديل، تم استحداث منصب جديد في السلطة التنفيذية وهو منصب رئيس الوزراء. وقد كلف الرئيس عرفات محمود عباس (أبو مازن) مهمة تشكيل الحكومة الجديدة. وبتاريخ 3/4/2003 نال عباس وحكومته الثقة من المجلس التشريعي.
وأعقب ذلك جملة من الإجراءات التي رحب المركز الفلسطيني بها، خصوصاً ما يتصل بنظام العدالة. ففي 12 مايو 2003 تم تعيين نائب عام جديد للسلطة الفلسطينية. وفي 14 مايو 2003، أعيد تشكيل مجلس القضاء الأعلى بما يراعي أحكام قانون السلطة القضائية الصادر في 18 مايو 2002، بعد أن كان تشكيل المجلس في السابق محل انتقاد للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. وفي 27 يوليو 2003، أصدر وزير العدل الفلسطيني، عبد الكريم أبو صلاح، قراراً بإنهاء العمل في محاكم ونيابة أمن الدولة، وتحويل اختصاصاتها للمحاكم النظامية. وقد رحب المركز بهذا القرار، لكنه دعا الرئيس الفلسطيني إلى إصدار أمر رئاسي يلغي هذه المحاكم ويبطل المرسوم الرئاسي رقم 49 لعام 1995 الذي قضى بتشكيلها قبل أكثر من ثمانية أعوام. ومن وجهة نظر المركز فطالما أن محاكم أمن الدولة لم تُلغَ بأمر رئاسي مماثل لأمر تشكيلها فإنها ستبقى سيفاً مسلطاً يمكن أن يستخدم في أي وقت.
غير أن عمر الحكومة الجديدة لم يدم طويلاً. فبتاريخ 6 سبتمبر 2003 قدم محمود عباس استقالته للرئيس الفلسطيني، لأسباب داخلية وخارجية.[8] وقد قبل الرئيس الاستقالة وكلف أحمد قريع (أبو العلاء)، رئيس المجلس التشريعي، بتشكيل حكومة جديدة. غير أن جهود قريع قد تعثرت بسبب خلافات داخلية أيضاً، وبدا واضحاً أنه لن يتمكن من تشكيل حكومته خلال المهلة الدستورية. وبتاريخ 5 أكتوبر أصدر الرئيس مرسوماً بإعلان حالة الطوارئ لمدة لا تزيد عن الشهر، وتشكيل حكومة طوارئ برئاسة قريع. وكان هذا الإجراء محل انتقاد كبير من قبل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الذي اعتبر أن الحكومة المشكلة غير قانونية. وفي 4 نوفمبر انتهت مدة الطوارئ المحددة في المرسوم الرئاسي، ولكن جهود رئيس الوزراء بتشكيل حكومة عادية في حينه لم تكن قد تكللت بالنجاح، ولكن الحكومة ظلت تمارس عملها بطلب من الرئيس كحكومة تسيير أعمال، وهو ما اعتبره المركز مخالفة أخرى للقانون الأساسي. وفي 10 نوفمبر تم تشكيل الحكومة الموسعة برئاسة قريع، وفي 12 نوفمبر نالت الحكومة الجديدة ثقة المجلس التشريعي.
وبالتوازي مع هذه التطورات في إطار بنى السلطة الفلسطينية، سجلت العديد من انتهاكات حقوق الإنسان التي تتحمل السلطة الفلسطينية المسؤولية عنها. فسرعان ما تبين أن مخاوف المركز كانت حقيقية بشأن محاكم أمن الدولة. وهذا ما تأكد في الأسابيع التالية لقرار وزير العدل المذكور، حيث سجل المركز انعقاد محكمة أمن الدولة الجزئية بتاريخ 2 سبتمبر 2003، للنظر في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتموين، يعود اختصاصهما في الأصل للقضاء المدني. ويبقى المركز على موقفه الداعي لإصدار مرسوم رئاسي بإلغاء هذه المحاكم التي يشكل استمرار وجودها وعملها عقبة أساسية تعترض الجهود الرامية لتدعيم استقلال القضاء وإصلاح المؤسسات في السلطة الفلسطينية.
ويعتبر استمرار العمل بعقوبة الإعدام محل انتقاد أيضاً من قبل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. وفيما يؤكد على مبدأ سيدة القانون، سوف يوصل المركز نضاله المشروع من أجل إلغاء هذه العقوبة التي ما تزال سارية في التشريعات الفلسطينية، وهو ما يشكل انتهاكاً للحق الأساسي في الحياة الذي تكفله الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. ومع ذلك يشير المركز بارتياح إلى التراجع الملحوظ في أحكام الإعدام الصادرة خلال العام 2003، والتي بلغ عددها أربعة أحكام صدر أحدها عن محكمة عسكرية والثلاثة الأخرى عن محكمة مدنية، مقارنة بالعام الماضي 2002، الذي صدر فيه 17 حكماً بالإعدام، منها 15 حكماً صدرت عن محاكم أمن الدولة، وحكمان عن محكمة عسكرية. كما يشير المركز بارتياح لعدم تنفيذ أي من الأحكام وجميعها مرهونة بمصادقة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وهو ما لم يتم حتى الآن، ويناشد المركز الرئيس عرفات عدم المصادقة على هذه الأحكام. ولكن كان من المؤسف أن يتمكن أحد المواطنين بتاريخ 8 ديسمبر من الدخول مسلحاً إلى سجن غزة المركزي ويقترف جريمة قتل بحق سجين محكوم عليه بالإعدام بتهمة قتل لشقيق الأول، علماً بأن السلطة الفلسطينية تتحمل المسؤولية في حماية السجين.
وشهد العام 2003 العديد من حالات الاعتقال غير القانونية للمواطنين من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية، في انتهاك صارخ للقانون الأساسي وقانون الإجراءات الجزائية لعام 2001، وفي انتهاك للمعايير الدولية ذات العلاقة. وقد تابع المركز خلال هذا العام 49 حالة اعتقال، بينها 26 حالة تابعها المركز في العام الحالي، 23 حالة من عامي 2002 و2001، وقد تم الإفراج عن 22 حالة من مجموع الحالات. وتنفذ الكثير من الاعتقالات دون اتباع الإجراءات المنصوص عليها في القانون، حيث كان واضحاً أن الجهة المكلفة بإنفاذ القانون، هي من تقوم بانتهاكه وخرقه. إذ أن هذه العمليات تتم دون وجود أمر قبض من النائب العام، كما لا يتم توجيه تهم محددة للمعتقلين، فضلاً عن عدم التحقيق معهم بشكل فوري، وعدم تقديمهم للقضاء لتمديد فترة توقيفهم أو التقرير بشأنهم، إضافة إلى ذلك فإنه في الغالب لا يتم إبلاغ ذويهم بمكان احتجازهم. وإمعاناً في انتهاك القانون وعدم احترام سيادته، تم تجاهل العديد من القرارات الصادرة عن محكمة العدل العليا الفلسطينية، التي تعتبر أعلى سلطة قضائية، والقاضية بالإفراج عن المعتقلين.
ولم تكتف الأجهزة الأمنية باعتقال المواطنين بصورة غير قانونية، بل مارست التعذيب وعاملت المعتقلين بشكل مهين، وفقاً لإفادات تلقاها المركز من عدد من المعتقلين الذين أفرج عنهم خلال العام 2003. وفي ضوء ذلك يشدد المركز الفلسطيني على دعوة السلطة التنفيذية إلى الالتزام بتطبيق القانون، كما يدعو إلى التزام الموظفين المكلفين بالحفاظ على كرامة المعتقلين وحقوقهم الأساسية، ويدعو إلى معاقبة الأشخاص الذين يمارسون التعذيب أو يأمرون بممارسته.
وفي مارس 2003 انتهت أعمال الدورة السابعة للمجلس التشريعي، التي تعد الدورة الأقصر من نوعها منذ تنصيبه في العام 1996، حيث استمرت لمدة ستة أشهر فقط (سبتمبر 2002 – مارس 2003)، وبدأت أعمال الدورة الثامنة التي استمرت خلال العام. ونتيجة مباشرة لإجراءات الاحتلال آنفة الذكر، لم تنتظم جلسات المجلس التشريعي ولجانه. ومع الإدراك التام من قبل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان لحجم المعيقات والعقبات التي تعترض عمل المجلس التشريعي المتصلة بجرائم الحرب التي تقترفها قوات الاحتلال، إلا أن تقييم أداء المجلس التشريعي خلال العام 2003 على مستوى المساحات المتبقية من عمله لم يكن بحجم التوقعات، خصوصاً في مجالي التشريع والرقابة.
ورغم كل ذلك فإن أهم التحفظات على أداء المجلس التشريعي تتمثل في استمرار تجاوز التفويض الشعبي المتمثل في انتخابات يناير 1996 والذي انتهي في مايو 1999. فالفترة القانونية للمجلس انتهت عملياً منذ مايو 1999، وفقاً لاتفاقيات التسوية المرحلية. ومنذ ذلك الحين يمارس المجلس عمله بموجب مراسيم رئاسية تقضي بتمديد ولايته، وهو ما يفقد العملية الديمقراطية أهم دعاماتها وهي الانتخابات الحرة والنزيهة والدورية، ويجعل بالتالي السلطة التنفيذية مصدراً لشرعية المجلس بدلاً من الشعب. وفي ضوء ذلك، يجدد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان دعوته لعقد انتخابات عامة جديدة حرة ونزيهة.[9]
وينطبق ذلك أيضاً على حالة الهيئات المحلية التي يستمر تعيين مجالسها من قبل السلطة التنفيذية دون اكتراث أيضاً لمبدأ الانتخابات. وعليه يدعو المركز أيضاً إلى عقد انتخابات حرة ونزيهة ودورية لاختيار أعضاء مجالس الهيئات المحلية.
وشهد العام 2003 المزيد من انتهاكات الحق في حرية التعبير، خصوصاً بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية. ورصد المركز حالات أخرى تم فيها استدعاء صحفيين على خلفية ما ينشرونه من أخبار. كما تعرضت مؤسسات إعلامية للإغلاق من قبل الشرطة الفلسطينية، بينها صحف ومحطات إذاعة خاصة. كما سجلت خلال العام 2003 اعتداءات أخرى على الصحفيين ووسائل الإعلام لم يكشف النقاب عن مصدرها. وتركت هذه الانتهاكات والاعتداءات، أكان مصدرها السلطة الفلسطينية أو غيرها، آثاراً سلبية على تمتع المواطنين بالحق في حرية الرأي والتعبير وفرضت مناخاً من الخوف من شأنه فرض المزيد من القيود الذاتية على عمل الصحفيين بشكل خاص.
كما سُجلت انتهاكات أخرى للحق في التجمع السلمي. وفيما تسامحت الشرطة الفلسطينية مع عدد كبير من المسيرات والاعتصامات التي نُظمت احتجاجاً على جرائم قوات الاحتلال الإسرائيلي، بدت أنها أقل احتمالاً لفعاليات تنتقد السلطة الفلسطينية، إذ غضت النظر عنها أحياناً بينما تدخلت لمنعها في أحيان أخرى. هذا مع العلم أن الفعاليات التي تم تنظيمها احتجاجاً على ممارسات فلسطينية كانت محدودة بطبيعة الحال.
وتنطوي الكثير من ممارسات السلطة الفلسطينية على انتهاك للحق الدستوري في تكوين الجمعيات. وكان أبرز الانتهاكات خلال العام 2003 قرار النائب العام الذي صدر بموجبه تعميم عن سلطة النقد الفلسطينية لكافة المصارف العاملة في فلسطين، بتاريخ 24 أغسطس، ويقضي بتجميد حسابات 39 جمعية خيرية وهيئة أهلية عاملة في محافظات قطاع غزة. وبناء على توكيل من جمعية الصلاح، وهي واحدة من أهم الجمعيات التي طالها التعميم، تقدم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بتاريخ 10 سبتمبر 2003، بطلب لمحكمة العدل العليا الفلسطينية، لاستصدار قرار مؤقت بوقف التعميم المذكور الصادر عن سلطة النقد الفلسطينية، وبيان الأسباب الداعية لإصداره. إلا أن المحكمة توالي التأجيل في الطلب المقدم بصورة غير مبررة، وانتهى العام وما يزال التعميم ساري المفعول.
وشهد العام 2003 تزايداً ملحوظاً في عدد الضحايا الذين قتلوا أو أصيبوا بجراح في جرائم وحوادث تتصل بانتشار السلاح وسوء استخدامه وتوظيفه في نزاعات شخصية وعائلية وأحياناً لتصفية حسابات سياسية، فضلاً عن حالات أخرى سقط فيها فلسطينيون جراء العبث بالسلاح أو بسبب سوء حفظه من قبل مالكيه. ووثق المركز 53 جريمة قتل على هذه الخلفية، وقعت خلال العام 2003، بينها 31 جريمة في الضفة الغربية و22 جريمة في قطاع غزة. ولا يدخل في هذا الرقم الضحايا على خلفية التعامل مع إسرائيل وهو ما سيتم التطرق له في بند خاص سيرد أدناه. وتشير المعطيات إلى زيادة في عدد ضحايا هذه الجرائم خلال العام 2003 مقدارها 26% مقارنة مع العام الماضي 2002 الذي شهد 42 جريمة مماثلة، وهو بحد ذاته رقم مرتفع ومؤشر خطير عن هذه الظاهرة. وتعكس هذه الأرقام الفوضى التي تسيطر على انتشار السلاح، وعدم خضوع حمل السلاح لضوابط ومراقبة فعالة من قبل السلطة الفلسطينية.
وأخيراً، فقد وثق المركز 12 جريمة على الأقل من جرائم القتل لفلسطينيين بتهمة العمالة لقوات الاحتلال الإسرائيلي، وفقاً لما وثقه المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وقعت جميعها في الضفة الغربية. ورغم أن هناك انخفاضاً ملحوظاً في عدد ضحايا هذا النوع من الجرائم، مقارنة بالعام 2002 الذي شهد 50 حالة قتل على ذات الخلفية، إلا أن استمرارها يشكل انتهاكاً خطيراً لمبدأ سيادة القانون. وفيما يؤكد المركز الفلسطيني مجدداً على موقفه المعلن بوجوب ملاحقة هؤلاء العملاء باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من بنية الاحتلال، ومن أخطر أدواته وأذرعه المزروعة في جسم الشعب الفلسطيني، فأنه يعلن رفضه لسيطرة شريعة الغاب، وظاهرة أخذ القانون باليد، حيث يفترض أن تتم ملاحقة العملاء بشكل قانوني من قبل السلطة الفلسطينية.
يقدم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان توصياته التالية لكل من المجتمع الدولي وللسلطة الفلسطينية. ويأمل المركز أن تأخذ الأطراف الدولية التوصيات الواردة على محمل الجد وأن تظهر قدرة وإرادة على فرض القانون الدولي والالتزام به. كما يأمل المركز أن تعمل السلطة الفلسطينية بموجب التوصيات الخاصة بها الواردة أدناه، وذلك في نطاق ما تتحمله من مسئوليات. ولا يوجه المركز أية توصيات لقوات الاحتلال الإسرائيلي، لعلمه المسبق أن إسرائيل لن تحترم التزاماتها القانونية التي تحددها قواعد القانون الدولي الإنساني.
1. يتوجب على الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، منفردة أو مجتمعة، تحمل مسئولياتها القانونية والأخلاقية والوفاء بالتزاماتها، والعمل على ضمان احترام إسرائيل للاتفاقية وتطبيقها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بموجب المادة الأولى من الاتفاقية. ويرى المركز أن الصمت الدولي على الانتهاكات الجسيمة للاتفاقية التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي يشجع إسرائيل على التصرف كدولة فوق القانون وعلى ارتكاب المزيد من الجرائم بحق المدنيين الفلسطينيين دون ملاحقة.
2. وعلى هذا، يدعو المركز إلى عقد مؤتمر جديد للأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب، لبلورة خطوات عملية لضمان فرض تطبيق الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتوفير الحماية الفورية للمدنيين الفلسطينيين.
3. ومقابل ضعف أو انعدام آليات ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام القضاء الإسرائيلي الذي يشارك في التغطية على جرائمهم، يؤكد المركز على أنه يقع على عاتق الأطراف السامية ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.
4. ويوصي المركز منظمات المجتمع المدني الدولية بما فيها منظمات حقوق الإنسان، نقابات المحامين، ولجان التضامن الدولية بالانخراط أكثر في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين وحث حكوماتهم على تقديمهم للمحاكمة.
5. يدعو المركز الاتحاد الأوروبي و/أو الدول الأعضاء في الاتحاد إلى العمل على تفعيل المادة الثانية من اتفاقية الشراكة الإسرائيلية – الأوروبية التي تشترط ضمان احترام إسرائيل لحقوق الإنسان، باستمرار التعاون الاقتصادي بين الطرفين. ويناشد المركز دول الاتحاد الأوروبي بوقف كل أشكال التعامل مع السلع والبضائع الإسرائيلية، خاصة تلك التي تنتجها المستوطنات الإسرائيلية المقامة فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة.
6. يناشد المركز الحكومات الأوروبية إلى تغيير مواقفها الخاصة بالقضية الفلسطينية في أجسام الأمم المتحدة، خصوصاً في الجمعية العامة ومجلس الأمن ومفوضية حقوق الإنسان.
7. يشير المركز بارتياح إلى إحالة موضوع جدار الضم الذي تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي بناءه في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي من أجل إعطاء رأي استشاري في قانونيته. ولا يجادل أحد بأن الجدار غير قانوني وأن القانون سينتصر في المحكمة، وهو ما يستوجب من المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات تكون بمستوى استحقاقات قرار المحكمة المنتظر.
8. يدعو المركز اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى زيادة عدد عامليها وتكثيف نشاطاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك، ضمان تقديم المساعدات الإنسانية والمساعدات الطبية العاجلة للمتضررين، وزيارة الأهالي لأبنائهم المعتقلين الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال وضمان تمتعهم بحقوقهم التي كفلتها المواثيق الدولية.
9. على الرغم من التراجع الملحوظ في دور لجان التضامن الدولية في تقديم المساعدات للمدنيين الفلسطينيين، بسبب إجراءات قوات الاحتلال التي تمنعهم من الوصول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، يؤكد المركز على أهمية دور هذه اللجان في فضح جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفي كسر مؤامرة الصمت التي تمارسها الحكومات الأوروبية حيال هذه الجرائم.
10. أمام الاستهداف الواضح من جانب حكومة إسرائيل وقوات احتلالها ضد وفود التضامن الدولي ومنع أعضائها من الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل ومنعهم حتى من الدخول إلى إسرائيل أحياناً، يدعو المركز البلدان الأوروبية على نحو خاص إلى اتباع سياسة التعامل بالمثل مع رعايا دولة إسرائيل.
11. أخيراً، يؤكد المركز مرة أخرى، بأنه لا يمكن التضحية بحقوق الإنسان بذريعة التوصل إلى سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما يؤكد أن أية تسوية سياسية مستقبلية لا تأخذ في عين الاعتبار معايير القانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان، لن يكتب لها النجاح، ولن تؤدي إلى تحقيق حل عادل للقضية الفلسطينية. وستبقي المنطقة عرضة لمزيد من التوتر وعدم الاستقرار. وبناءً عليه، فإن الحكومات ومنظمات المجتمع المدني مطالبة جميعاً بالعمل على تطبيق القانون الدولي في الحالة الفلسطينية.
على الرغم من الإدراك الكامل لاستمرار محاولات قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال العام 2003، لتقويض أركان السلطة الوطنية الفلسطينية وتهميش دورها من خلال جرائم الحرب التي تقترف بحق المدنيين الفلسطينيين، من حصار للأراضي المحتلة وقتل وتدمير للبنية التحتية لمؤسسات السلطة الوطنية، بما فيها الوزارات والمقرات الأمنية والمؤسسات التعليمية والثقافية والصحية. إلا أن هذا كله لا ينفي حقيقة أن تعمل السلطة بشكل جاد لتفادي هذه المعضلات، والعمل على إرساء نظام حكم مؤسسي يرتكز لمبادئ الديمقراطية وفصل السلطات وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان. ومن أجل الدفع باتجاه دولة المؤسسات والقانون، فإن المركز يدعو السلطة الفلسطينية إلى الأخذ بالتوصيات التالية.
1. الشروع في عملية إصلاح حقيقية وفقاً لحاجات المجتمع الفلسطيني، وبما يخدم أهدافها في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية التي ترتكز على مبادئ الديمقراطية واحترام سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان.
2. على الرغم من المعيقات والعراقيل التي تضعها قوات الاحتلال الإسرائيلي من خلال الحصار المفروض على الأراضي المحتلة وأعمال القتل والتدمير، في وجه عقد انتخابات رئاسية وتشريعية في الأراضي المحتلة، فإن المركز يدعو السلطة الفلسطينية إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة، تضمن حرية الشعب الفلسطيني في اختيار مرشحيه بشكل دوري.
3. إصدار مرسوم رئاسي بإلغاء محاكم أمن الدولة، علماً بأن القرار الوزاري الذي أصدره وزير العدل الفلسطيني، لم يتم الالتزام به وتم تجاوزه.
4. إلغاء عقوبة الإعدام من التشريعات الفلسطينية. ويدعو المركز المجلس التشريعي على نحو خاص إلى المبادرة في تحقيق ذلك من خلال مراجعة القوانين ذات العلاقة وتعديلها بما يتلاءم والمعايير الدولية.
5. احترام قرارات المحاكم الفلسطينية، بما في ذلك القرارات الخاصة بالإفراج عن معتقلين سياسيين.
6. إصلاح الأجهزة الأمنية وتحديد اختصاصاتها بدقة وتنظيم عملها في إطار سيادة القانون وفهمها لدورها الممثل بإنفاذ القانون.
7. خلق إدارة مركزية واحدة فيما يخص عمليات الاعتقال بما يكفل عدم تعدد الجهات التي تقوم بالاعتقال والاحتجاز وإلغاء التعدد الحالي في مراكز الاعتقال والاحتجاز التابعة لعدد من الأجهزة الأمنية.
8. إخضاع السجون ومراكز الاعتقال لرقابة السلطة القضائية وضمان عدم وجود أي معتقل فيها على نحو مخالف للقانون.
9. ضبط ظاهرة سوء استخدام السلاح الرسمي وغير الرسمي، والتحقيق في جميع حوادث إطلاق النار على المواطنين من قبل المكلفين بإنفاذ القانون، وغيرهم، وتقديم المتورطين للعدالة.
10. ضمان تمتع المواطن الفلسطيني بممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير وحق التجمع السلمي.
11.احترام الحق في تكوين الجمعيات ورفع القيود عن عملها ونشاطها، بما في ذلك إلغاء قرار تجميد أرصدة الجمعيات الخيرية الإسلامية في الأرضي المحتلة، واستبدال مرجعية التسجيل والإشراف على الجمعيات الأهلية من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل.
*** للحصول على النسخة الكاملة من التقرير السنوي الرجاء الضغط هنــــا (PCHR Annual Report 2003.pdf) (Size 4411KB)
[1] الإشارة هنا للقرار رقم (UN Doc. E/CN.4/2003/L.12) الذي تبنته المفوضية بـ 33 صوتاً فقط وامتنعت البلدان الأوروبية عن التصويت باستثناء ألمانيا التي عارضت القرار مع الولايات المتحدة وكندا والبيرو.
[2] بالإمكان الإطلاع ورقة الموقف التي أصدرها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بعنوان "سويسرا ووثيقة جنيف: تقويض سيادة القانون،" بزيارة موقعه الإلكتروني (www.pchrgaza.org).
[3] قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال العام 2003، ناشطة سلام أمريكية، وصحفي بريطاني في مدينة رفح. أنظر التفاصيل أدناه في بندي جرائم القتل بحق الصحفيين، وقتل الأجانب.
[4] حول هذا الموضوع، راجع الإفادات والتفاصيل على موقع المركز الإلكتروني (www.pchrgaza.org).
[5] نُشرت هذه التصريحات على الموقع الإلكتروني باللغة العربية لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بتاريخ 21 مايو 2003 (www.arabynet.com).
[6] أنظر بهذا الشأن البيان الصحفي الصادر عن المركز بتاريخ 22 مايو 2003 بعنوان "وزير الخارجية الإسرائيلي يدعي بأن منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية لها صلة بالإرهاب،" (www.pchrgaza.org).
[7] وردت تصريحات روبنشتاين في أعقاب صدور قرار محكمة العدل العليا في سبتمبر 1999 الذي منع استخدام وسائل التعذيب. حول تصريحات روبنشتاين وموقف المركز النقدي من قرار المحكمة هذا الموضوع راجع التقارير السنوية للأعوام 1999، 2000 و2001.
[8] لمزيد من التفصيل حول أسباب استقالة محمود عباس راجع نص خطاب الاستقالة الموجه منه إلى الرئيس الفلسطيني بتاريخ 6/9/2003. راجع أيضاً الخطاب الذي ألقاه عباس في ذات اليوم في المجلس التشريعي الفلسطيني.
[9] لمزيد من المعلومات حول المجلس التشريعي الفلسطيني، راجع التقارير السنوية الدورية التي يصدرها المركز بعنوان "المجلس التشريعي الفلسطيني: تقييم الأداء."