تقرير حول الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق العمال الفلسطينيين

في قطاع غزة خلال انتفاضة الأقصى

29 سبتمبر 2000 30 إبريل 2002

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان

يتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة

عضــــــو لجنــــة الحقوقييــــن الدوليـــــة – جنيــــــف

عضــــو الفدراليــة الدولية لحــقوق الإنســان – باريس

عضو الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان - كوبنهاجن

الصفحة الإلكترونية:  www.pchrgaza.org

البريد الإلكتروني: pchr@pchrgaza.org

 

 

 

 

جدول المحتويات

 

 

توطئــــــــــــــة

مقدمــــــة

آثار سياسة الحصار والإغلاق الإسرائيلي على أوضاع العمالة الفلسطينية

الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق العمال الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى

أولاً: انتهاك الحق في الحياة والأمان الشخصي للعمال الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى

ثانياً : اعتقال العمال الفلسطينيين على الحواجز العسكرية الإسرائيلية

ثالثاً: تعرض العمال الفلسطينيون للتفتيش والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية على الحواجز الإسرائيلية

* معاناة عمال منطقة  المواصي على الحواجز العسكرية الإسرائيلية

* معاناة عمال المنطقة الصناعية " إيرز" على حواجز التفتيش الإسرائيلية

رابعاً: حرمان العمال الفلسطينيين من حقهم الأساسي في العمل

1.  إغلاق المعابر وحرمان العمال الفلسطينيين من الوصول لأماكن عملهم داخل إسرائيل

2.  تقطيع أوصال المدن الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض

3.  عدم توفر المواد الخام اللازمة للصناعة

4.  إغلاق المعابر وعدم السماح بدخول مواد البناء

5.   تجريف الأراضي الزراعية، وحرمان المزارعين من مصدر رزقهم.

6.   تدمير المنشآت الصناعية الفلسطينية

خامساً: حرمان العمال الفلسطينيين من التعويضات عن الضرر الذي لحق بهم نتيجة الإغلاق

برامج المساعدات الطارئة المقدمة للعمال الفلسطينيين

الخلاصـــــة

التوصيـــات

الملاحــــق


 

 

 

 

توطئــــــــــــــة   

 

 يتطرق هذا الجزء التمهيدي من التقرير إلى تطور العمالة الفلسطينية في السوق الإسرائيلي، لمعرفة الظروف والكيفية التي أدت إلى التحاق العمال الفلسطينيين بالسوق الإسرائيلي.  إضافة إلى معرفة أوضاع العمالة الفلسطينية في السوق الإسرائيلي، وظروف العمل المفروضة عليها.

 لقد أخذ اتجاه العمالة الفلسطينية نحو العمل في سوق العمل الإسرائيلي ينمو بشكل متسارع منذ عام 1970، وذلك أمام السياسة الإسرائيلية التي أدت إلى ضرب وتحجيم القطاعات الإنتاجية الفلسطينية، وإضعاف قدرة الاقتصاد الفلسطيني على خلق فرص عمل لاستيعاب العمالة الفلسطينية المتزايدة.

 فقد تمكنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي طوال سنوات احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، من خلال استخدام كافة الوسائل العسكرية والإدارية، من إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي كتابع له، وتحويل الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى سوق للسلع الاستهلاكية الإسرائيلية.  كما فتحت السلطات الإسرائيلية الأسواق الإسرائيلية أمام العمالة الفلسطينية دون قيود، مما شجع العديد من صغار السن على ترك التعليم والالتحاق بسوق العمل الإسرائيلي، وأصبحت الأراضي الفلسطينية مصدرا أساسيا للأيدي العاملة الرخيصة في الاقتصاد الإسرائيلي.

 والتحق العمال الفلسطينيون بسوق العمل الإسرائيلي ضمن شروط عمل سيئة ومجحفة، حيث تم تخصيص الأعمال الشاقة ( العمل الأسود ) التي تحتاج إلى جهد جسدي للعمال الفلسطينيين.  وإضافة لذلك برز التمييز واضحا في الأجور مقارنة مع العمال الإسرائيليين في العمل المماثل، حيث تقاضى العمال الفلسطينيون أجرا أقل بنسبة كبيرة من أجور العمال الإسرائيليين على نفس العمل.  وقد كرست سلطات الاحتلال الإسرائيلي مسألة التمييز في الحقوق الاجتماعية للعمال الفلسطينيين، حيث تقتطع نسبة من أجورهم تساوي نفس النسبة المقتطعة من أجور العمال الإسرائيليين، لكن دون أن تعود تلك الاستقطاعات على العمال الفلسطينيين بأي نوع من الخدمات في حال البطالة أو الشيخوخة أو العجز في حين تعود على العمال الإسرائيليين بفوائد وخدمات متنوعة.  فضلا عن ذلك منعت النقابات العربية من حق الدفاع عن العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، الأمر الذي يشكل انتهاكا لحق التنظيم النقابي.

 وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر عام 1987 تعرضت العمالة الفلسطينية العاملة في السوق الإسرائيلي لعدة إجراءات استهدفت الحد منها، فبدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بفرض قيود وإجراءات تعسفية بحق العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، بحيث أصبح يتم تفتيشهم بشكل استفزازي، ويتعرضون للإذلال والإهانة على الحواجز الإسرائيلية.  وفي بعض الأحيان يتعرضون للضرب المبرح دون سبب من قبل الجنود الإسرائيليين.[1]  وفي أيار 1989 فرضت سلطات الاحتلال إجراءً جديدا يلزم العمال الفلسطينيين وأي شخص فلسطيني يريد الدخول إلى إسرائيل التزود ببطاقة ممغنطة يسمح لصاحبها الدخول إلى إسرائيل شرط ألا يكون من نشطاء الانتفاضة، وأدى هذا الإجراء إلى حرمان آلاف العمال الفلسطينيين من مزاولة أعمالهم في إسرائيل كالسابق.

 وخلال حرب الخليج في العام 1991 صعدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي من إجراءاتها تجاه العمال الفلسطينيين، وبدأت باستخدام سياسة إحلال العمالة الأجنبية؛ فقامت بالاستغناء عن عدد كبير من العمال الفلسطينيين لديها واستقدام عمال أجانب بدلا منهم.  وقد أدى ذلك إلى فقدان العديد من العمال الفلسطينيين لأماكن عملهم في إسرائيل، الأمر الذي ساهم في ارتفاع معدلات البطالة واتساع نطاق الفقر في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  كما فرضت سلطات الاحتلال إجراءً آخرا يقضي بحصول العمال الفلسطينيين على تصاريح للعمل في إسرائيل إضافة للبطاقة الممغنطة.  ولا يعطى العامل هذا التصريح إلا بعد الحصول على براءة ذمة من الجهات الأمنية والضرائبية.  وإضافة لذلك أن يكون العامل مسجلا في مكتب العمل الإسرائيلي، وأن يكون هناك طلب خطي من صاحب العمل الإسرائيلي.  ونتيجة لهذه الإجراءات أصبح يتعين على العامل الفلسطيني أمام كل حاجز إسرائيلي إبراز البطاقات الثلاث التي بحوزته: بطاقة الهوية الشخصية، البطاقة الممغنطة، وتصريح العمل.  وقد نتج عن هذا الإجراء حرمان آلاف أخرى من العمال الفلسطينيين من الالتحاق بأعمالهم داخل إسرائيل.

 وعلى الرغم من بدء عملية السلام بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل،وتوقيع اتفاقية إعلان المبادئ بين الجانبين في 13/9/1993، وما تلاها من اتفاقيات أفضت إلى إعادة انتشار قوات الاحتلال الإسرائيلي من بعض المناطق المأهولة بالسكان، وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في الأجزاء التي تم إعادة الانتشار فيها، إلا أن حجم العمالة الفلسطينية في إسرائيل استمر في الهبوط منذ العام 1993 نتيجة لتشديد إسرائيل من شروط الحصول على تصاريح العمل، بسبب سياسة الإغلاق وزيادة نسبة العمال الأجانب في إسرائيل الذين أخذوا يحلون محل العمال الفلسطينيين.  فلم تتغير السياسة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة خلال المرحلة الانتقالية من عملية السلام، حيث شددت إسرائيل من استخدام سياسة الإغلاق الشامل على الأراضي الفلسطينية، والذي كان له انعكاسات سلبية على عملية السلام ذاتها، وعلى الاقتصاد الفلسطيني، وبشكل خاص على العمالة الفلسطينية.

 جدير بالذكر أن اتفاق باريس الاقتصادي، الموقع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بتاريخ 29/4/1994، تناول موضوع العمالة الفلسطينية.  ومن أهم ما جاء في الاتفاقية بخصوص العمال: المحافظة على حرية حركة العمال بين الجانبين، ويكون لكل جانب مكتب استخدام في الجانب الآخر ينظم تشغيل العمال وفقا لقوانينه وتشريعاته.  وأن يؤمن على العمال الفلسطينيين في نظام التأمين الاجتماعي الإسرائيلي بالاتفاق بين مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية.  كما نص الاتفاق على أن تقوم إسرائيل بتحويل الاقتطاعات التي تجبيها من العمال الفلسطينيين إلى السلطة الفلسطينية، على أن تتولى السلطة الفلسطينية بعد استلامها تلك الاقتطاعات المسؤولية الكاملة فيما يتعلق بتقديم تأمين التقاعد لهؤلاء العمال.  كما ستحسم إسرائيل من أجور العمال الفلسطينيين رسوم التأمين الصحي (طابع الصحة)، وستحوله إلى السلطة الفلسطينية، التي لها الحق في دمج مشروع التأمين الصحي للعمال في أجهزتها للتأمين الصحي.  ويؤخذ على هذه الاتفاقية أنها لم تحدد عدد العمال الفلسطينيين الذين سيسمح لهم بالعمل في إسرائيل، مما أعطى لإسرائيل إمكانية التحكم في عدد العمال المسموح لهم بالعمل فيها.  كما أن هذه الاتفاقية لم تعالج الاستقطاعات التي حصلتها إسرائيل من أجور العمال الفلسطينيين خلال السنوات التي سبقت توقيع الاتفاقية.  بالإضافة إلى ذلك لم تعالج الاتفاقية قضايا إغلاق إسرائيل للمناطق الفلسطينية المحتلة، وهذا ترك المجال مفتوحا أمام إسرائيل لتكرار فرض الإغلاق وقتما شاءت، مما كان له انعكاسات خطيرة على ثبات حركة العمال، وحرم العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل.

 وخلاصة الأمر، فإن عملية السلام لم تسهم في تحسين أوضاع العمالة الفلسطينية، بل شددت إسرائيل من وضع القيود على انتقال العمال الفلسطينيين للعمل داخلها، ومارست بحقهم انتهاكات جسيمة تمثلت في التمييز ضدهم، والتنكيل بهم عل الحواجز، واستخدام أساليب تفتيش مهينة ومذلة، إضافة إلى ملاحقتهم واعتقالهم من أماكن عملهم.

 ويلتحق العمال الفلسطينيون بالعمل في إسرائيل عن طريق مكاتب العمل (وهي الطريقة الرسمية والمنظمة)، أو عن طريق متعهدي العمال، أو المبادرة الفردية وهي طرق غير رسمية وغير منظمة.  وتقضي الطريقة الأولي أن يقوم العمال بتسجيل أسماءهم لدى مكاتب العمل، والتي تقوم بدورها بتوزيعهم على فرص عمل بناءً على طلب أصحاب العمل الإسرائيليين، وعن طريقها يحصل العامل على تصريح للعمل داخل إسرائيل.  وأما عن العمال الفلسطينيين الذين يعملون عن طريق متعهدي العمال أو بالمبادرة الفردية فانهم يتعرضون لاستغلال مضاعف ولا يتمتعون بأية حماية قانونية.  إضافة إلى أنهم عرضة لمضايقات الشرطة وللمخالفات ودفع الغرامات المالية الباهظة في حال تم القبض عليهم داخل إسرائيل وليس بحوزتهم تصاريح العمل المطلوبة.  فضلا عن ذلك، يتعرض العمال الفلسطينيون العاملون داخل إسرائيل إلى تمييز وهدر لحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، حيث يتعرض الكثير منهم للفصل التعسفي من العمل دون أي سبب، وأحيانا دون دفع التعويضات لهم.  كما أن الكثير من العمال الفلسطينيين لا يحصلون على حقوقهم الاجتماعية في الإجازات السنوية والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي أسوة بالعمال الإسرائيليين، لاسيما العمال غير المسجلين عن طريق مكاتب العمل.

 ويتميز عدد العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل بعدم الثبات والاستقرار، وذلك لأسباب سياسية تحددها الحكومة الإسرائيلية من خلال تحكمها في عدد التصاريح، ومن خلال فرض سياسة الإغلاق الشامل على الأراضي الفلسطينية من فترة لأخرى، وما يتضمنه ذلك من حرمان للعمال من الالتحاق بأعمالهم داخل إسرائيل، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة.  وعلى ضوء ذلك تعيش شريحة كبيرة من الأسر الفلسطينية أوضاعا قلقة من حيث عدم ثبات مصدر الدخل وغياب الأمن الوظيفي.

علاوة على ذلك، يتعرض العمال الفلسطينيون العاملون في إسرائيل، والمستوفون لكافة الشروط الإسرائيلية، لصنوف من العذاب وإساءة المعاملة ابتداءً من مشكلة الحصول على التصريح، ومروراً بالتفتيش المذل والمهين على الحواجز، ووصولاً إلى ظروف وشروط العمل غير الإنسانية، وانتهاءً بالأجر الزهيد ومصادرة الحقوق الاجتماعية.  وأسوأ ما في الأمر التنكيل الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق العمال الفلسطينيين على الحواجز والمعابر الإسرائيلية خلال رحلة الذهاب والإياب من وإلى العمل، والذي يصل حد الضرب والاعتداء الجسدي، والاعتقال وإطلاق النار في بعض الحالات،إضافة إلى الانتظار في طوابير طويلة على المعابر ونقاط التفتيش، وتحديدا على معبر إيرز.  ويبدأ يوم العمل بالنسبة للعامل الفلسطيني من الساعة الواحدة أو الثانية فجرا، ويستمر حتى السادسة أو السابعة مساءً، أي ما يقارب 14 ساعة يوميا.

 إلى جانب ذلك تحاول المخابرات الإسرائيلية استغلال حاجة العمال الفلسطينيين للعمل، وتقوم بمحاولة ابتزازهم وتشغيلهم كعملاء للمخابرات الإسرائيلية، حيث تقوم باستدعاء عدد من العمال الفلسطينيين أثناء توجههم لتجديد البطاقة الممغنطة أو تصريح العمل، أو أثناء توجههم للعمل أو عودتهم منه.  ويتم احتجاز العمال في زنازين خاصة، ويقوم ضباط المخابرات الإسرائيلية بالتحقيق معهم للحصول على معلومات حول نشاط بعض الأحزاب الفلسطينية في مناطق سكناهم، وتتم مساومتهم إما بالتعامل مع جهاز المخابرات الإسرائيلي كعملاء، أو يتم سحب التصاريح التي بحوزتهم، وبالتالي حرمانهم من حقهم في العمل.

 


 

 

مقدمــــــة

 

تشكل منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يتألف منها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أهمية بالغة لما تنطوي عليه من جملة حقوق إنسانية ينبغي الوفاء بها، ولا تقل أهمية عن الحقوق المدنية والسياسية، بل وأكثر من ذلك فهي تشترط بعضها البعض.  ومن أبرز تلك الحقوق التي يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الحق في العمل، حيث يؤكد على حق كل إنسان في العمل وفي الوصول إليه بما يتيح له إمكانية كسب رزقه، والحق في مستوى معيشي يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته.  وتشمل حقوق العمال المتعارف عليها دوليا، الحق في الأجور المنصفة والإجازات المدفوعة، والحق في الاستراحة وأوقات الفراغ، والحق في الضمان الاجتماعي والتأمينات الصحية، والحق في تحقيق شروط الصحة والسلامة المهنية في العمل، إضافة إلى الحق في التنظيم النقابي، الذي يشمل الحق في تكوين النقابات والانضمام إليها، والحق في الإضراب لتحسين شروط العمل.  وهذه الحقوق في مجموعها  كفلتها المواثيق الدولية، وتشكل الحد الأدنى لما يجب أن يتمتع به العمال، وعليه فان الدول والحكومات ملزمة بحماية تلك الحقوق من خلال تضمينها في تشريعاتها المحلية واحترامها من خلال الممارسة الفعلية اليومية.

 وخلافاً لذلك، تمارس سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وطوال سنوات عديدة، انتهاكات واسعة وجسيمة بحق العمال الفلسطينيين، وقد تصاعدت وتيرة وشدة هذه الانتهاكات خلال انتفاضة الأقصى.  فقد أدت الإجراءات الإسرائيلية العدوانية، التي أعقبت اندلاع انتفاضة الأقصى في 29/9/2000، والمتمثلة في فرض سياسة الإغلاق والحصار العسكري والاقتصادي إلى حرمان آلاف العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم، ونتج عن ذلك ارتفاع نسبة البطالة بين الفلسطينيين، حيث تجاوزت نسبتها 65% في قطاع غزة، الأمر الذي ينطوي عليه انعكاسات خطيرة على المستوى الاقتصادي والمعيشي للفلسطينيين.  ولم تكتف سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمحاربة العمال في مصدر رزقهم وحرمانهم من الوصول لأماكن عملهم، بل مارست بحقهم شتى أساليب القمع والتنكيل على الحواجز والمعابر، بحيث يتعرضون للتفتيش المهين والمذل ولإطلاق النار عليهم، إضافة إلى الاعتقال والضرب والمبرح، والقتل بدم بارد أيضا.

 ويهدف المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من إعداد هذا التقرير إلى كشف ما يتعرض له العمال الفلسطينيون من انتهاكات إسرائيلية جسيمة لحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى حقوقهم المدنية والسياسية، وعلى رأسها حقهم في الحياة والأمان الشخصي وحقهم  في حرية الحركة، لاسيما خلال انتفاضة الأقصى وما رافقها من إجراءات الإغلاق والحصار على الأراضي الفلسطينية وتداعياتها على العمالة الفلسطينية.  ويغطي هذا التقرير أبرز الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق العمال الفلسطينيين، وتحديدا عمال قطاع غزة منذ بداية انتفاضة الأقصى في 29/9/2000 وحتى 30/4/2002.  وخلال هذه الفترة، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبدم بارد ودون مبرر (27) عاملاً من قطاع غزة، أطلقت النار باتجاههم أثناء ممارستهم لأعمالهم، أو أثناء ذهابهم أو عودتهم من أماكن عملهم.  فيما أصيب (57) عاملاً آخرين بجروح مختلفة، وذلك في انتهاك سافر للحق في الحياة والأمان الشخصي.  كما تعرض مئات العمال الفلسطينيين من قطاع غزة للاعتقال الإسرائيلي التعسفي أثناء مرورهم على الحواجز العسكرية الإسرائيلية في طريقهم لأماكن عملهم، أو في أماكن عملهم أثناء مزاولتهم لأعمالهم خلال الفترة قيد البحث.  إلى جانب ذلك يتطرق التقرير إلى المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية والتفتيش الدقيق الذي يتعرض له العمال الفلسطينيون على الحواجز والمعابر الإسرائيلية.  كما يتناول التقرير انتهاك القوات الإسرائيلية، وعلى نطاق واسع، حق العمال الفلسطينيين في العمل، وتقييد حركتهم وحرمانهم من الوصول لأماكن عملهم.  ويستثني هذا التقرير مئات العمال الذين قتلوا وأصيبوا أو اعتقلوا في المواجهات، أو خلال القصف الإسرائيلي على منازلهم وأحياءهم السكنية، ويتناول التقرير فقط أولئك العمال الذين تعرضوا للاعتداءات الإسرائيلية، وهم في مواقع العمل، أو في طريقهم لأماكن العمل.  كما يستثني هذا التقرير الانتهاكات الإسرائيلية التي تعرض لها الصيادون الفلسطينيون والعاملون في مجال الصيد البحري، لصدور تقرير خاص عن المركز يتناول معاناتهم والمضايقات الإسرائيلية التي يتعرضون لها خلال ممارسة عملهم في صيد الأسماك.

 وتتناقض الممارسات الإسرائيلية، وغير المبررة، بحق العمال الفلسطينيين، مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وتشكل انتهاكا سافرا لقواعد القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وبشكل خاص تتناقض مع المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948، والتي تنص على أنه  1. " لكل شخص حق في العمل، وفى حرية اختياره لعمله، وفى شروط عمل عادلة ومرضية، وفى الحماية من البطالة ؛ 2.  لجميع الأفراد، دون تمييز، الحق في أجر متساوي على العمل المتساوي؛ 3. لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية وتستكمل عند الاقتضاء بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية؛ 4. لكل شخص حق إنشاء النقابات مع آخرين والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه."

 كما تتناقض الإجراءات الإسرائيلية بحق العمال الفلسطينيين مع المادة 25(1) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أنه "لكل شخص حق في مستوى معيشي يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته وخاصة على صعيد المأكل والملبس والسكن والعناية الطبية. وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه."

 وتؤكد المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966، على ضرورة أن  1. " تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لهذا الحق؛ 2.  يجب أن تشمل التدابير التي تتخذها كل من الدول الأطراف في هذا العهد لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق توفير برامج التوجيه والتدريب التقنيين والمهنيين, والأخذ في هذا المجال بسياسات وتقنيات من شأنها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية مطردة وعمالة كاملة ومنتجة تضمن للفرد الحريات السياسية والاقتصادية الأساسية."

 إلى جانب ذلك تنص المادة العاشرة من إعلان التقدم والإنماء الاجتماعي للعام 1969 على ضرورة " تأمين الحق في العمل على جميع المستويات، وحق كل إنسان في تكوين النقابات ورابطات العمال وفى المفاوضات الجماعية، وتعزيز العمالة المنتجة، والقضاء على البطالة والعمالة الناقصة وتهيئة شروط وظروف العمل العادلة والملائمة للجميع، بما في ذلك تحسين الظروف المتعلقة بالصحة والسلامة، وكفالة العدل في المكافأة على العمل دون أدنى تمييز وضمان أجر أدنى يكون كافيا لتوفير العيش الكريم وحماية المستهلك.

 

عدا عن السابق، هنالك العديد من الإعلانات والاتفاقيات الدولية التي تحظر الإجراءات والانتهاكات الإسرائيلية

الجسيمة واللاإنسانية بحق العمال الفلسطينيين، والتي لا مجال لحصرها في هذا التقرير.

 


 

آثار سياسة الحصار والإغلاق الإسرائيلي على أوضاع العمالة الفلسطينية

 مع اندلاع انتفاضة الأقصى بتاريخ 29/9/2000 أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض الحصار الشامل على الأراضي الفلسطينية المحتلة.  وتتجلى ملامح سياسة الحصار العسكري والاقتصادي الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية في عزل قطاع غزة والضفة الغربية عن بعضهما البعض، وعزل كلاهما عن العالم الخارجي، حيث تغلق كافة المعابر والحدود.  هذا بالإضافة إلى تقطيع أوصال المدن الفلسطينية داخليا وتحويلها إلى جزر معزولة عن بعضها البعض، مما يؤدي إلى إعاقة حركة الأفراد والبضائع بين المدن والمحافظات الفلسطينية.  وكنتيجة مباشرة للحصار الخارجي والداخلي تصبح المناطق الفلسطينية معازل منفصلة عن بعضها البعض، ويحرم الفلسطينيون بموجب ذلك من العمل والتنقل والسفر للتعليم أو العلاج.  وقد باتت سياسة فرض الإغلاق الشامل على الأراضي الفلسطينية المحتلة سياسة ثابتة تطبقها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

 وتندرج سياسة الإغلاق، التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، في إطار سياسة العقاب الجماعي الذي تمارسه سلطة الاحتلال الحربي الإسرائيلي بحق أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، أصبحوا يعيشون في سجون جماعية منعزلة عن بعضها البعض ومنعزلة عن العالم الخارجي.  ويشكل ذلك انتهاكا صارخا للاتفاقيات والمواثيق الدولية، لاسيما اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949، حيث تنص المادة (33) على أنه " لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصيا.  تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب. السلب محظور.  تحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم."

 وعلى ضوء ذلك، يمثل الإغلاق الإسرائيلي شكل من أشكال الاقتصاص أو الثأر من السكان المدنيين، والدليل على ذلك أن سياسة الإغلاق والحصار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة تمس بالحقوق الأساسية للسكان المدنيين، ومن أهم هذه الحقوق: الحق في حرية الحركة، الحق في العمل، الحق في تلقي الرعاية الصحية، الحق في العبادة، الحق في التعليم، والحق في السفر، وغير ذلك.[2]

 كما تؤكد الصرامة والشمولية للحصار الذي تفرضه قوات الاحتلال أن الهدف منه ليس أمنيا بقدر ما هو تدميري هدفه تضييق الخناق على السكان الفلسطينيين، وتدمير اقتصادهم.  والدليل على ذلك أن الاقتصاد الفلسطيني يتكبد خسائر فادحة جراء استمرار الإغلاق على مستوى الإنتاج والاستثمار والاستهلاك والتجارة الخارجية والعمالة.

 وقد ترتب على الإغلاق الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى انعكاسات خطيرة على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والصحية والنفسية للفلسطينيين، فقد فرض الإغلاق على نحو ثلاثة ملايين فلسطيني العيش في سجون جماعية ومنعزلة، وتدهورت أوضاعهم المعيشية، وباتت أوضاعهم كارثية على كافة المستويات.  فقد أصيبت كافة القطاعات الاقتصادية الفلسطينية بشلل شبه تام جراء الإغلاق الإسرائيلي المتواصل، وشكل قطاع العمالة أكثر القطاعات تضررا جراء الإغلاق الإسرائيلي المفروض منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، ولعل أهم ما يتركه الإغلاق على العمال الفلسطينيين كتأثير واضح ومباشر، يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة إلى أرقام قياسية في صفوفهم. 

 ويشكل الارتفاع القياسي لمعدلات البطالة بين الفلسطينيين خلال الإغلاق مؤشرا واضحا على مدى تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي.  فقد استمرت معدلات البطالة في تصاعد مع استمرار إجراءات الإغلاق الإسرائيلي الخانق والجائر المفروض على الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، فقد أدى الإغلاق الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية منذ 29/9/2000 إلى حرمان آلاف العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل.  هذا فضلا عن إجراءات عزل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض، وتدمير المصانع وتجريف المزارع، وإقامة الحواجز ومطاردة العمال واعتقالهم، الأمر الذي أدى إلى إفراز بطالة محلية إضافية.  فقد أدى الإغلاق الداخلي المحكم على المحافظات الفلسطينية إلى توجيه ضربة قوية إلى أسواق العمل المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى تفتيت سوق العمل المحلي على مستوى كل محافظة، مما حرم آلاف العمال من الريف من الوصول لأماكن عملهم في المدن، أو من مدينة إلى أخرى.  وقد أسفر ذلك عن تحويل عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين العاملين في السوق المحلي إلى عاطلين عن العمل، وتعطيل العملية الإنتاجية في المصانع والمؤسسات الفلسطينية.

 وإزاء ذلك، تضاعفت معدلات البطالة بين الفلسطينيين بصورة غير مسبوقة، مما أدى إلى انخفاض مستوى المعيشة واتساع نطاق الفقر والحرمان في الأراضي الفلسطينية.  وأشار تقرير البنك الدولي إلى أنه خلال الثلاثة شهور الأولى من الانتفاضة انخفض عدد الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل والمستوطنات، بشكل دراماتيكي، حيث فقد 100.000 عامل فلسطيني أعمالهم تماما داخل إسرائيل، من أصل 120.000 عامل كانوا يعملون داخل السوق الإسرائيلي.  وتأرجح هذا العدد خلال شهور الانتفاضة وفقا لإجراءات الحصار، التي تراوحت بين حصار جزئي وحصار كلي، إلا أن الثابت وفقا لتقديرات البنك الدولي، أن ما بين 70 ألف ـ 80 ألف فلسطيني فقدوا أعمالهم تماماً في إسرائيل والمستوطنات، بينما فقد 60 ألف فلسطيني لأعمالهم داخل الأراضي الفلسطينية، منذ سبتمبر 2000 وحتى نهاية عام 2001.  يضاف إلى ذلك 100 ألف فلسطيني دخلوا سن العمل في هذه الفترة.  وقد ارتفعت نسبة البطالة من 10%  في سبتمبر /2000 لتصل إلى 26% في نهاية عام 2001، أو 35% من مجموع القوى العاملة الفلسطينية ( وفقا للتعريف الرخو للبطالة المستخدم من قبل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني) .[3]

 وقد أشارت نتائج مسح القوى العاملة الذي ينفذه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن عدد المتعطلين عن العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال الربع الثاني من عام 2001 بلغ نحو 280 ألف شخص، أي ما نسبته 35.3% من مجموع القوى العاملة.  وتتوزع هذه النسبة بواقع 29.2% في الضفة الغربية، مقابل 48.4% في قطاع غزة.  وارتفعت خلال الربع الثالث من عام 2001(أي مع نهاية العام الأول من انتفاضة الأقصى)، ليصل عدد الذين لا يعملون (سواء يبحثون عن عمل أو لا يبحثون) إلى 291 ألف شخص، وفقا لتعريف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للبطالة، ويمثل هذا ما نسبته 36.5% من مجموع القوى العاملة الفلسطينية.  بينما بلغ عدد العاطلين عن العمل خلال الربع الأخير من عام 2001 نحو 285.000 شخص في الأراضي الفلسطينية، يتوزعون بواقع 166 ألف في الضفة الغربية، مقابل 119 ألف في قطاع غزة.  ويشكل هذه العدد ما نسبته 35.5% من مجموع القوى العاملة في الأراضي الفلسطينية، وتمثل هذه النسبة معدل البطالة خلال الربع الأخير من عام 2001، وفقا للتعريف المستخدم من قبل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وتتوزع هذه النسبة بواقع 30.3% في الضفة الغربية، مقابل 46.4% في قطاع غزة.[4]

 بينما أشارت تقارير وزارة العمل الفلسطينية إلى أن معدلات البطالة في الأراضي الفلسطينية ارتفعت إلى أكثر من 55% من مجموع القوى العاملة خلال انتفاضة الأقصى، وتتراوح نسبة البطالة في قطاع غزة ما بين 63 ـ 65%، مقابل 47 ـ 48% في الضفة الغربية.  كما أشارت ذات المصادر إلى أن عدد العمال المتضررين جراء الإغلاق بلغ نحو 360 ألف عامل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك من المجموع الكلي للعمالة الفلسطينية البالغ 650 ألف عامل.  وقد بلغ عدد العمال الفلسطينيين المتعطلين عن العمل في السوق المحلي نحو 240 ألف عامل، منهم 80 ألف عامل كانوا يعملون في السوق المحلي في قطاع غزة.  بينما بلغت نسبة العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل والمستوطنات حوالي 22% من مجموع القوى العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل الإغلاق الأخير في 29/9/2000، وقد بلغ عددهم نحو 120 ألف عامل من الضفة الغربية وقطاع غزة، منهم 40 ألف عامل كانوا يعملون بشكل منظم ( أي عن طريق مكاتب العمل)، و80 ألف عامل كانوا يعملون بشكل غير منظم.  وقد بلغ عدد العمال من قطاع غزة العاملين في إسرائيل بشكل منظم قبل الإغلاق نحو 24 ألف عامل.[5]

 وتقدر وزارة العمل الفلسطينية الخسائر المباشرة على صعيد العمالة الفلسطينية بنحو 6.550.000 دولار يوميا، موزعة على العمالة في السوق المحلي والعمالة الفلسطينية داخل إسرائيل.  فقد بلغت الخسائر المباشرة على صعيد العمالة الفلسطينية في السوق المحلي حوالي 3.300.000 دولار يوميا، بينما بلغت الخسائر المباشرة على صعيد العمالة الفلسطينية في إسرائيل حوالي 3.250.000 دولار يوميا.  هذا عدا عن الأموال التي تفقدها السلطة الوطنية الفلسطينية من مدخولات الضرائب والتأمين الصحي،والتي تجبى من العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل وتحول إلى السلطة الفلسطينية، وتقدر بنحو 5 مليون دولار شهريا. 

 وأظهرت نتائج تقرير أعده الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين أن خسائر العمال الفلسطينيين منذ الأول من تشرين أول/2000 وحتى الأول من أيلول/2001 بلغت نحو 780 مليون دولار.[6]  فيما أشارت تقديرات المنسق الخاص للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية إلى أن إجمالي خسائر الدخل خلال العام الأول من الانتفاضة تقدر ما بين 2.4 و 3.2 مليار دولار، في حين قدر الخسائر الناجمة عن فقدان العمال الفلسطينيين أعمالهم في إسرائيل بنحو 594 مليون دولار، بواقع 2.1 مليون دولار لكل يوم عمل. 

 وعلى ضوء ذلك، يتضح أن سياسة الحصار الإسرائيلية أفضت إلى نتائج كارثية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان، بحيث فقد مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين فرص عملهم، وانضموا إلى مجموع الأسر الفلسطينية التي تعتمد في معيشتها على المساعدات الغذائية المقدمة من مؤسسات دولية ومحلية.  ووفقا لتقرير الأونسكو فقد حصلت زيادة بنسبة 50% على عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر في الأراضي الفلسطينية المحتلة.[7]

 كما أشارت تقديرات البنك الدولي إلى أن 40 ـ 50% من مجموع السكان الفلسطينيين أصبحوا يعيشون تحت خط الفقر حتى نهاية عام 2001.  و2/3 من الأشخاص الذين أصبحوا فقراء منذ أكتوبر عام 2000(الفقراء الجدد) موجودين في قطاع غزة، يتركز نصفهم في منطقتي مدينة غزة وخان يونس.  بينما أشارت تقديرات المنسق الخاص للأمم المتحدة (وفقا لتعريف خط الفقر من قبل الأمم المتحدة ب2.1 دولار/لكل شخص يوميا) إلى أن نسبة الفقر في الأراضي الفلسطينية المحتلة وصلت حتى نهاية عام 2000 حوالي 42%، وارتفعت لتصل في أغسطس/2001 إلى 64.2%. [8]

 بينما أشارت نتائج المسح الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حول أثر الإجراءات الإسرائيلية على الأوضاع الاقتصادية للأسرة الفلسطينية خلال دورة تموز ـ آب، 2001 إلى أن نسبة الأسر الفلسطينية التي تقع تحت خط الفقر بلغت 60.8%، وذلك بالمقارنة مع خط الفقر المكافئ لعام 2001، والذي يعادل 1642 شيكل شهري لأسرة مكونة من بالغين وأربعة أطفال.  وتتوزع هذه النسبة بواقع 50.5% في الضفة الغربية، مقابل 81.5% في قطاع غزة، وهذا يعني أن أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون تحت خط الفقر.[9]

 وفي ظل التدهور الاقتصادي والمعيشي لآلاف الأسر الفلسطينية التي فقدت مصدر رزقها خلال انتفاضة الأقصى، اضطرت العديد من هذه الأسر إلى بيع مجوهرات العائلة، وتأجيل دفع الفواتير، أو إلى استدانة المال من الأقارب والمعارف حتى تتمكن من تجاوز ظروفها الاقتصادية الصعبة.

جدير بالذكر أن ما تقوم به قوات الاحتلال العسكري الإسرائيلي من فرض سياسة الإغلاق ومنع العمال من التوجه إلى أماكن عملهم، إضافة إلى أعمال التجريف الواسعة النطاق للأراضي الزراعية، وهدم المنشآت الصناعية، وغيرها من العقوبات الجماعية تهدف من ورائه إلى تدمير الاقتصاد الفلسطيني، وبالتالي القضاء على أية إمكانية للاستقلال السياسي للفلسطينيين، وبما يحقق لها إرغام الفلسطينيين على القبول بالشروط الإسرائيلية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 
 

الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق العمال الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى

يتعرض العمال الفلسطينيون بشكل شبه يومي لاعتداءات قوات الاحتلال والمستوطنين وأرباب العمل الإسرائيليين، وتمارس بحقهم سلسلة من الانتهاكات اللاإنسانية، بدءا بالملاحقة والمطاردة في أماكن عملهم، إضافة إلى الاعتقال التعسفي والابتزاز الأمني وإطلاق النار باتجاههم على الحواجز الإسرائيلية، وانتهاءً بالطرد والفصل والاحتيال من قبل أرباب العمل الإسرائيليين الذين يستغلون الظروف السياسية الراهنة لطرد العمال الفلسطينيين ونهب مستحقاتهم.

 ومنذ بداية انتفاضة الأقصى وحتى الآن ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي جرائم تعد من أخطر وأبشع الجرائم التي ترتكب بحق البشر من خلال الاستخدام المفرط للقوة العسكرية في مواجهة شعب أعزل، فقتلت، واغتالت، واعتقلت، وهدمت، ودمرت، واستولت على منازل، وصادرت أراضي، وحاصرت المدن والمناطق السكنية، وأغلقت الطرق والمعابر والحدود.  وقد أفضت تلك الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى إلى إلحاق بالغ الضرر بالمدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم.

 وقد تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية على العمال الفلسطينيين بشكل ملحوظ خلال انتفاضة الأقصى، وتعددت أساليب قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين في إلحاق الأذى بالعمال ومحاربتهم في مصدر رزقهم، وحرمانهم من الوصول إلى أماكن عملهم.  وتقوم قوات الاحتلال بمطاردة واعتقال العمال الفلسطينيين، فيما تسحب تصاريح العمل من آخرين، كما تطلق نيران أسلحتها باتجاههم.  ويشكل ارتفاع حجم تلك الممارسات انتهاكا صارخا للحق في العمل وحرية الحركة، وللحق في الحماية من الاعتقال والحق في الحياة والأمان الشخصي.  وقد أصبحت لقمة عيش العامل ممتزجة بالدم في معظم الأحيان، الأمر الذي شكل كابوسا يوميا لعشرات الآلاف من العمال المتوجهين لأعمالهم، وأصبح العامل الفلسطيني يعيش تحت مطرقة جرائم القتل والبطش الإسرائيلي، وسنديان البطالة وشبح الفقر المدقع.

 

وقد تمثلت أهم الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق العمال الفلسطينيين منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في الآتي:

 

أولاً:-  انتهاك الحق في الحياة والأمان الشخصي للعمال الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى

 لم تقف الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية على حقوق العمال الفلسطينيين عند حد انتهاك حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، بل تجاوزتها لتطال حقهم في الحياة.  فقد بلغ العدوان الإسرائيلي أعلى درجات الاستهتار بحياة المدنيين الفلسطينيين الأبرياء، وذلك في ظل الصمت الدولي والعربي المطبق تجاه الممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل.  فأمعنت قوات الاحتلال الإسرائيلي في الاستخدام المفرط للقوة، وأطلقت نيران أسلحتها الرشاشة عشوائيا تجاه المدنيين الفلسطينيين ومن ضمنهم العمال، فأصابت وقتلت العشرات منهم.

 فلم تستهدف الانتهاكات الإسرائيلية التي اقترفت بحق العمال الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى، لقمة عيشهم فقط، بل استهدفت حقهم في الحياة أيضاً، وذلك في نطاق جرائم القتل العمد وبدم بارد والاستخدام المفرط للقوة التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين.  فقد تكرر قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بإطلاق النار على سيارات فلسطينية مدنية كانت تقل عمالا في طريقهم إلى أماكن عملهم، الأمر الذي أدى إلى إصابة واستشهاد العشرات منهم.  هذا فضلا عن قتل مئات العمال الفلسطينيين في مواجهات غير متكافئة مع جنود الاحتلال خلال الانتفاضة الحالية.

 وقد بلغ عدد العمال الفلسطينيين من قطاع غزة، الذين تعرضوا للقتل العمد وبدم بارد على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، أو نتيجة الاستخدام المفرط للقوة ضد الفلسطينيين، وذلك أثناء مزاولة هؤلاء العمال لأعمالهم، أو أثناء مرورهم على الحواجز العسكرية الإسرائيلية، وهم في طريقهم لأماكن عملهم (27) عاملاً خلال الفترة الزمنية الممتدة من 29/9/2000 وحتى 30/4/2002.  فيما أصيب (57) عاملاً آخرين بجروح مختلفة نتيجة لتعرضهم لإطلاق النار، أو تعرضهم للضرب المبرح من قبل جنود الاحتلال خلال الفترة قيد البحث.  ومرفق بالتقرير ملحق تفصيلي بأسماء العمال الذين قتلوا بدم بارد ودون مبرر،أو أصيبوا بجروح على أيدي جنود الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة خلال انتفاضة الأقصى.[10] وتدلل هذه الأرقام، وبما لا يدع مجالا للشك، إلى انتهاك الحق في الحياة للعمال الفلسطينيين، وتعمد قوات الاحتلال إطلاق النار عشوائيا باتجاههم، ودون مبرر، وذلك أثناء ممارستهم لأعمالهم، أو أثناء توجههم إلى أماكن عملهم.[11]  كما يدلل هذا العدد المرتفع للضحايا من العمال الفلسطينيين إلى لجوء قوات الاحتلال الإسرائيلي للاستخدام المفرط للقوة والقوة المميتة ضد المدنيين الفلسطينيين، بما فيهم العمال.

 إلى جانب ذلك، قتل عدد آخر من العمال من قطاع غزة أثناء محاولتهم التسلل إلى إسرائيل بحثا عن عمل في ظل الأوضاع الاقتصادية بالغة السوء في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  وقد استخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي ضدهم القوة المفرطة، من خلال إطلاق قذائف مدفعية باتجاههم،ودون أن تلجأ لاستخدام وسائل أقل فتكا لمنعهم من التسلل، أو لإلقاء القبض عليهم بدلاً من قتلهم، وذلك على الرغم من كونهم غير مسلحين.

 وتمكن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من توثيق الحالات التالية، والتي تدلل بوضوح على لجوء قوات الاحتلال إلى استخدام القوة المفرطة تجاه العمال، الذين حاولوا التسلل إلى إسرائيل بحثا عن عمل، دون اللجوء إلى وسائل أقل فتكا لمنعهم من التسلل:

 

  •              بتاريخ  27/8/2001، وفي وقت مبكر من هذا اليوم، استشهد الفتى إبراهيم محمد حسن شرف، 18 عاماً من حي تل الزعتر في جباليا، جراء إصابته بقذيفة مدفعية أطلقها جنود الاحتلال باتجاهه بالقرب من الشريط الحدودي، شرق بيت لاهيا.  وتدل  تحقيقات المركز الأولية على استخدام مفرط للقوة من جانب قوات الاحتلال الذين أطلقوا قذائف المدفعية باتجاهه دون سابق إنذار، ودون أن يلجأوا لاستخدام أية وسيلة أقل فتكاً، خصوصاً أنه لم يكن مسلحاً.  وعلى الأرجح كان الفتى مع زملاء له يحاولون التسلل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية بحثاً عن العمل، في ظل الضائقة الاقتصادية الراهنة في قطاع غزة.  ووفقاً للمعلومات التي جمعها طاقم المركز، كان الفتى شرف قد غادر منزله مع اثنين من زملائه، وهما فتيان في السابعة عشر من عمرهما، في حوالي الساعة العاشرة من مساء الموافق 26/8/2001.  وذكر والده أنه لم يعد إلى المنزل تلك الليلة، وعلم عند ظهر يوم الاثنين بنبأ استشهاده، حيث توجه إلى مستشفى الشفاء، وتعرف على جثة ابنه التي فصلتها القذيفة المدفعية إلى قسمين.  ووفقاً للمعلومات التي توفرت للمركز عن الحادث، كان الفتية الثلاثة قد توجهوا لمنطقة الشريط الحدودي، شرق بيت لاهيا، وهي منطقة قريبة في كل الأحوال من منطقة سكناهم.  وعندما أصبح الفتية على مسافة نحو 200 متر إلى الغرب من الشريط الحدودي، أطلق جنود الاحتلال المتمركزون هناك قذيفة مدفعية باتجاههم دون سابق إنذار، وفروا ثلاثتهم من المنطقة دون أن يصابوا بأذى.  ثم أطلق  جنود الاحتلال قذيفة ثانية أصابت الفتى شرف بصورة مباشرة مما أدى إلى استشهاده على الفور، فيما تمكن الفتيان الآخران من الفرار.

 

  •              وبتاريخ 8/10/2001، وفي حوالي الساعة 8:00 مساءً، أطلقت قوات الاحتلال المتمركزة على الشريط الحدودي، شرق معبر المنطار الواقع إلى الشرق من مدينة غزة، قذائف مدفعية باتجاه ثلاثة مدنيين فلسطينيين، مما أدى إلى استشهادهم جراء إصاباتهم المباشرة بشظايا القذائف في مختلف أنحاء أجسامهم.  وتشير التحقيقات الأولية إلى أن المدنيين الثلاثة لم يكونوا مسلحين، ومن المرجح أنهم كانوا ينوون التسلل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية بحثاً عن العمل، في ظل استمرار قوات الاحتلال فرض حصار مشدد على جميع الأراضي الفلسطينية ومنع عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين من التوجه إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل.  كما تؤكد الدلائل أن جنود الاحتلال أطلقوا قذائف المدفعية باتجاه المدنيين الثلاثة بهدف قتلهم، دون أن يلجأوا لوسائل أقل فتكاً لمنعهم من التسلل أو إلقاء القبض عليهم بدلاً من قتلهم.  وقد احتفظت قوات الاحتلال بجثث الشهداء الثلاثة لمدة يومين، قبل تسليمهم للجانب الفلسطيني.  والشهداء هم: 1) جمعة جميعان السواركة، 27 عاماً من منطقة مشروع عامر في بيت لاهيا بمحافظة شمال غزة؛ 2) صلاح حسين أبو ذيب، 21 عاماً من مخيم البريج في محافظة الوسطى؛ و3) أحمد عبيد عطيوي، 28 عاماً من مخيم النصيرات في محافظة الوسطى.

 

  •              وبتاريخ 5/12/2001، وفي حوالي الساعة 10:00 مساءً، أعلن في مستشفى "سوروكا" في مدينة بئر السبع، في إسرائيل عن استشهاد الشاب صقر أحمد حماد الدباري، 21 عاماً من مدينة رفح متأثراً بجراحه التي أصيب بها بتاريخ 28/11/2001، جراء إصابته بعيار ناري في الرأس.  ووفقاً لتحقيقات المركز الفلسطيني، فإنه في حوالي الساعة 7:00 مساء من تاريخ 28/11/2001، أطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي المتمركزون على الشريط الحدودي، شرق مدينة رفح، النار باتجاه شابين فلسطينيين كانا على ما يبدو يحاولان التسلل داخل إسرائيل للعمل هناك.  وأعلن الناطق العسكري الإسرائيلي في حينه، عن إصابة مواطنين فلسطينيين جراح أحدهما خطيرة والآخر متوسطة، وانه تم نقلهما إلى إحدى المستشفيات الإسرائيلية للعلاج.  أما المصاب الآخر فهو الشاب سلمان منصور الدهيني، 27 عاماً من مدينة رفح، وأصيب بعيارين ناريين في الساقين. واستناداً لتحقيقات المركز، فإن الشابين غير مسلحين، ولم يشكلا أي نوع من الخطر على جنود الاحتلال، حيث كان بإمكان الجنود استخدام وسائل أقل فتكاً لإبعادهم عن المنطقة.

 

فضلا عن ذلك تعرض العمال الفلسطينيون لاعتداءات عنصرية من قبل المتطرفين الإسرائيليين أثناء تواجدهم في أماكن عملهم داخل إسرائيل.  فبتاريخ 9/10/2000، وفي حوالي الساعة الثانية فجرا، اقتحمت مجموعة من المتطرفين اليهود بيت في تل أبيب، يبيت فيه عدد من العمال الفلسطينيين، وأمعنوا فيهم طعنا بالسكاكين والأدوات الحادة.  وعرف من بين العمال المصابين: محمد فتحي حمدان النجار، وعبد الله رمضان فياض، ومحمد فتحي برهم، وهم من سكان بني سهيلا في خان يونس، إضافة إلى محمود حماد، وموسى أبو نقيرة، وكليهما من سكان رفح.

 وفي نفس السياق، فقد صدرت تصريحات عنصرية ضد العمال الفلسطينيين على لسان بعض المسؤولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم وزير السياحة الإسرائيلي السابق رحبعام زئيفي، الذي وصف فيها العمال الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل ب " القمل"، ودعا إلى إلقائهم خارج إسرائيل قائلا أن على الحكومة الإسرائيلية أن " تلتقط هذا القمل وتلقيه خارجا."[12]

 وإلى جانب خطر الموت الذي يتعرض له العمال الفلسطينيون يوميا، فإنهم يواجهون أيضا اعتداءات وانتهاكات أخرى تتمثل في الملاحقة والاعتقال على الحواجز الإسرائيلية.  وفيما يلي سنأتي على الشكل الثاني من أشكال الانتهاكات الإسرائيلية التي تعرض لها العمال الفلسطينيون خلال انتفاضة الأقصى، ويتمثل في:

 

ثانياً :-  اعتقال العمال الفلسطينيين على الحواجز العسكرية الإسرائيلية

 صعد جنود الاحتلال الإسرائيليين المتواجدين على الحواجز ونقاط العبور، خلال انتفاضة الأقصى، من وتيرة اعتداءاتهم بحق العمال الفلسطينيين المتوجهين لأماكن عملهم.  ورغم أن آلاف العمال، الذين كانوا يتوجهون يوميا لأماكن عملهم داخل إسرائيل، لم يشكلوا بأي مستوى من المستويات أي خطر حقيقي على حياة جنود الاحتلال، كونهم يخضعون لعمليات تفتيش مذلة ومهينة، إلا أن قوات الاحتلال قامت باعتقال العديد من العمال الفلسطينيين أثناء توجههم إلى أماكن عملهم.

 وقد تعرض مئات العمال الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى للاعتقال الإسرائيلي التعسفي على معبر بيت حانون "إيرز" أثناء توجههم أو عودتهم من العمل داخل إسرائيل، أو من أماكن عملهم، أو أثناء مرورهم في طريقهم لأعمالهم على الحواجز العسكرية الإسرائيلية المقامة بين التجمعات الفلسطينية، وفي محيط المستوطنات.

وفيما يلي بعض النماذج حول اعتقال العمال الفلسطينيين على معبر بيت حانون " إيرز " أثناء توجههم لأماكن عملهم داخل إسرائيل، وفقا لتوثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان:

    v    بتاريخ 17/1/2001 قامت قوات الاحتلال باعتقال العامل رفيق حسن اليازجي، 28 عاما من سكان بيت حانون أثناء توجهه لمكان عمله في المنطقة الصناعية.

    v    بتاريخ 8/2/2001 قامت قوات الاحتلال باعتقال ثلاثة عمال فلسطينيين على معبر بيت حانون أثناء عودتهم من العمل داخل إسرائيل.  والعمال المعتقلون هم:  1) العامل كمال شحدة حمدان، 37 عاما من سكان بيت حانون؛ 2) العامل زاهر محمد  الكفارنة، 37 عاما من سكان بيت حانون؛ 3) العامل جمال محمد العثامنة، 38 عاما من سكان بيت حانون.

    v     بتاريخ  1/3/2001 اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي العامل عبد الرازق أحمد الترابين، من سكان مدينة رفح، وذلك على معبر إيرز أثناء قيامه بتجديد تصريحه الممغنط.

    v    وبتاريخ 2/5/2001، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي العامل ممدوح إبراهيم أبو موسى،39 عاما، وذلك على معبر إيرز أثناء قيامه بتجديد تصريحه الممغنط.

    v    بتاريخ 14/5/2001 اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي العامل عادل موسى الشاعر، 35 عاما من سكان خان يونس، وذلك على معبر إيرز أثناء توجهه إلى عمله داخل إسرائيل.

    v    بتاريخ 14/8/2001 اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي العامل سعدي فهمي صلاح أبو صلاح، 40 عاما من سكان بلدة بيت حانون، وذلك على معبر إيرز أثناء قيامه بتجديد تصريحه الممغنط.

    v    بتاريخ 9/9/2001 قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باعتقال العامل سمير محمد محمد عيسى، 44 عاما من سكان مخيم الشابورة في رفح، وذلك على معبر إيرز أثناء قيامه بتجديد تصريحه الممغنط.

 

نماذج أخرى حول اعتقال العمال الفلسطينيين من مكان عملهم، أو أثناء مرورهم في طريقهم لأعمالهم على الحواجز العسكرية الإسرائيلية المقامة بين التجمعات الفلسطينية، وفقا لتوثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان:

 

   v    بتاريخ 15/2/2001 اعتقلت قوات الأمن الإسرائيلي العاملة في معبر رفح البري السائق نافذ عثمان العايدي، 37 عاما من سكان مدينة رفح.  والمذكور سائق حافلة تابعة لشركة سيارات غزة ( أبو رمضان )، وكان يقوم بنقل المسافرين من أمام الصالات إلى معبر رفح البري.  وعندما توجه السائق في ذلك اليوم بحافلته وعلى متنها حوالي 40 مسافرا إلى معبر رفح البري في ساعات بعد الظهر، وبعد دخوله المعبر وإجراء فحص أمني له وللحافلة وللمسافرين، تم حجزه واعتقاله من قبل أفراد الأمن الإسرائيليين.

 

   v    بتاريخ 30/4/2001 اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة على مفترق المطاحن شمال بلدة القرارة سائق شاحنة، وهو محمد يوسف حامد بهلول، 26 عاما، وكان يقود شاحنة محملة بالبترول قادما من غزة باتجاه محافظة خان يونس، وبرفقته ابن أخيه الطفل يوسف أحمد بهلول، 4.5 سنة.  وقد أوقفه جنود الاحتلال عند مفترق المطاحن، وقاموا باقتياده إلى داخل موقع عسكري محاذي للحاجز، أجروا تفتيش دقيق للشاحنة، وطلبوا منه الاتصال بذويه للحضور لاستلام الشاحنة والطفل، ومن ثم قاموا باعتقاله ونقله مقيد اليدين ومعصوب العينين إلى جهة مجهولة.

 

   v    بتاريخ 20/8/2001 قامت قوات الاحتلال باعتقال العامل رامي محمد علي عقل، 22 عاما من سكان جباليا، وذلك أثناء ممارسته لعمله في معبر المنطار، حيث كان يعمل سائق على رافعة تقوم بتفريغ البضائع من الشاحنات.

 

فضلا عن ذلك، تمارس سلطات الاحتلال أعمالاً استفزازية بحق العمال الفلسطينيين على معبر بين حانون " إيرز "، حيث تقوم باحتجاز بعض العمال في غرف تحقيق خاصة، والتحقيق معهم، وتقوم بسحب تصاريح العمل من بعضهم دون وجود أي سبب لهذا الإجراء.  كما تستغل سلطات الاحتلال الإسرائيلي الظروف الصعبة التي يمر بها العمال وتقوم بمحاولة ابتزازهم وإسقاط بعضهم للتعامل مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية لتقديم معلومات حول نشطاء الانتفاضة.


 

ثالثاً:-  تعرض العمال الفلسطينيون للتفتيش والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية على الحواجز الإسرائيلية

 يتم أحيانا تخفيف الحصار بشكل بسيط وجزئي، كأن يسمح لبضعة مئات أو آلاف من العمال بالدخول إلى إسرائيل ضمن شروط معينة من حيث السن والحالة الاجتماعية، إلا أنه ما يلبث أن تقوم السلطات الإسرائيلية بتشديد الإغلاق مرة أخرى.  وبعد كل إغلاق يتم فرضه ومن ثم تخفيفه، تزداد إجراءات التفتيش والفحص للعمال الفلسطينيين تعقيدا، أثناء مرورهم على الحواجز الإسرائيلية في طريقهم لأماكن عملهم.

 فقد أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 13/12/2000 عن اتخاذ إجراءات لتخفيف الحصار، حيث أصدرت تصاريح عمل جديدة لنحو 3000 عامل من قطاع غزة، ولكن ضمن شروط جديدة، تتطلب أن يكون عمر العامل أكثر من 37 سنة، ومتزوج، وليس لديه سوابق أمنية حسب وجهة النظر الإسرائيلية.  وقد وصل عدد التصاريح التي تسلمتها وزارة العمل الفلسطينية حتى تاريخ 18/12/2000 ما مجموعه 5600 تصريح عمل، وذلك ضمن الشروط الجديدة سابقة الذكر.

 ولا يتمكن جميع عمال قطاع غزة الحاملين للتصاريح الجديدة من الوصول إلى مكان عملهم داخل إسرائيل، بسبب إجراءات التفتيش الإسرائيلية المشددة والمذلة، فضلا عن استفزازات جنود الاحتلال المدججين بالسلاح والمتواجدين بكثافة على الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش.  بحيث يخضع العمال الفلسطينيون المتوجهون إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل لإجراءات تفتيش دقيقة ومذلة من قبل جنود الاحتلال المتواجدين في معبر بيت حانون " إيرز ".  وقد تصاعدت أعمال التنكيل التي تقترفها قوات الاحتلال بحق العمال الفلسطينيين خلال انتفاضة الأقصى، وذلك من خلال تشديد إجراءات التفتيش على الحواجز والمعابر الإسرائيلية، إضافة إلى التعرض للعمال بالألفاظ البذيئة والضرب والاعتداء الجسدي.  هذا فضلا عن استغلال الحاجة الملحة للعمال الفلسطينيين للعمل، ومحاولة ابتزازهم وتشغيلهم كعملاء للمخابرات الإسرائيلية.  وكان آخر ما استحدثته قوات الاحتلال الإسرائيلي من أعمال التنكيل بحق العمال الفلسطينيين شروعها بتاريخ 17/12/2000 في استخدام الكلاب البوليسية في تفتيش العمال الفلسطينيين على الحاجز العسكري المقام في منطقة إيرز، حيث يتم إدخال كل عشرة عمال سويا غرفة الفحص ويجبروهم على خلع ملابسهم ووضعها على طاولة أعدت لهذا الغرض.  ومن ثم إعطاء إشارة للكلاب لتفحص العمال وتفحص الملابس.  هذا عدا عن الانتظار الطويل والشاق في طوابير، والمرور وسط أسلاك شائكة وجنود مدججين بالسلاح، وفي حالة جاهزية قتالية وبنادقهم مصوبة باتجاه العمال وما يشكله ذلك من تهديد جدي على حياتهم.

 ونتيجة لهذه الإجراءات، يتردد العمال الفلسطينيون، الذين بحوزتهم تصاريح العمل من الالتحاق بأعمالهم، ويغامر بعضهم من أجل قوت أطفالهم.  وقد وثق المركز الفلسطيني عدد العمال الفلسطينيين الذين اجتازوا معبر بيت حانون " إيرز " بتاريخ 17/12/2000 نحو 1223 عامل، وتقلص عددهم بتاريخ  18/12/2000 إلى 750 عامل فقط.  ومن ثم أعيد إغلاق المعبر ثانية، وألغيت تصاريح العمل التي بحوزة العمال.

 وبتاريخ 27/3/2001 أعادت سلطات الاحتلال الإسرائيلي فتح معبر إيرز جزئيا، وسلمت وزارة العمل الفلسطينية نحو 1559 تصريح عمل لعمال من قطاع غزة، وعلى الرغم من هذا العدد المحدود الذي سمح له بالعودة إلا أنه لم يتمكن جميعهم من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل نتيجة لإجراءات التفتيش المذلة والمعقدة على الحواجز الإسرائيلية.  ففي تاريخ 28/3/2001 توجه عشرة عمال فقط إلى عملهم داخل إسرائيل.  وبتاريخ 15/4/2001 توجه 744 عامل فقط من قطاع غزة إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل..

 جدير بالذكر أن وزارة العمل الفلسطينية تسلمت منذ إصدار التصاريح الجديدة بتاريخ 27/3/2001 وحتى تاريخ 22/5/2001 نحو 6262 تصريح عمل لعمال من قطاع غزة.  وهذا من أصل 24000 عامل من قطاع غزة كانت بحوزتهم تصاريح عمل قبل الإغلاق الأخير بتاريخ 29/9/2000.  وقد بلغ عدد عمال قطاع غزة الذين توجهوا لأماكن عملهم داخل إسرائيل بتاريخ 22/5/2001 نحو 4500 عامل من أصل 6227 عامل يحملون تصاريح عمل سارية المفعول.[13] وفي نهاية شهر مايو /2001 وصل عدد التصاريح التي تسلمتها وزارة العمل الفلسطينية نحو 6370 تصريح عمل لعمال قطاع غزة، تمكن منهم حوالي 5200 عامل فقط من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل.

 جدير بالذكر أن هذا العدد المحدود من العمال الفلسطينيين الذين يسمح لهم بالوصول لأماكن عملهم داخل إسرائيل وسط إجراءات تفتيش مشددة غير ثابت، حيث لا يلبث أن يغلق المعبر ويحرمون من الوصول إلى أماكن عملهم مرة أخرى.  فقد أعادت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق معبر " إيرز " كليا أمام العمال الفلسطينيين من قطاع غزة بتاريخ 1/6/2001.  وبعد ذلك استمر إغلاق معبر إيرز كليا أمام العمال نحو أربعة شهور حتى أعيد فتحه جزئيا بتاريخ 21/9/2001 أمام عدد محدود جدا من عمال الزراعة، وضمن شروط معينة تقضي بأن يكون عمر العامل فوق 35سنة ومتزوج ولديه أطفال.  وكذلك أن يتولى المشغلون الإسرائيليون لهؤلاء العمال أخذهم في الصباح من المعبر، وإعادتهم إليه بعد انتهاء يوم العمل.   وقد استمر هدا الوضع حتى نهاية شهر مارس /2002، حيث بلغ عدد العمال، الذين يسمح لهم بالوصول إلى مكان عملهم داخل إسرائيل نحو 2470 عامل زراعة فقط من قطاع غزة، ولم يسمح بالعمل لغير هذا العدد المحدود من عمال الزراعة .  ولم يدم ذلك طويلا، فقد أعادت سلطات الاحتلال إغلاق المعبر أثناء اجتياحها لمدن وقرى الضفة الغربية في التاسع والعشرين من مارس/2002، وحرم هؤلاء العمال من الوصول لأماكن عملهم داخل إسرائيل حتى لحظة إعداد هذا التقرير. [14]

 على صعيد آخر، يتعرض العمال الفلسطينيون للتفتيش والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية ليس فقط على المعابر المشتركة مع إسرائيل، بل أيضا على الحواجز المقامة حول التجمعات الفلسطينية داخل قطاع غزة.  وتشكل منطقة المواصي، أحد الشواهد البارزة على عمليات التنكيل التي يمارسها جنود الاحتلال بحق العمال الفلسطينيين على الحواجز الإسرائيلية.

 

* معاناة عمال منطقة  المواصي على الحواجز العسكرية الإسرائيلية

 يعاني سكان منطقة المواصي في قطاع غزة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى معاناة مريرة تكشف عن الوجه العنصري لقوات الاحتلال الإسرائيلي.  فقد فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية شهر تشرين الثاني/ 2000 حصارا مشددا على منطقة المواصي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في كل من مدينتي رفح وخان يونس، وقامت بإغلاق حاجز التفاح الذي يفصل مدينة خان يونس عن منطقة المواصي بالكتل الإسمنتية، وكذلك أغلقت بالكتل الإسمنتية حاجز تل السلطان الذي يفصل مدينة رفح عن منطقة المواصي. وقد تم تضييق طريق المواصي الرئيسي بالسواتر الترابية، وتم نشر مدرعات عسكرية تقوم بأعمال الدورية والحراسة في المنطقة.  ويخضع الفلسطينيون من سكان تلك المنطقة لإجراءات تفتيش مشددة ومهينة على تلك الحواجز أثناء دخولهم وخروجهم من منطقة المواصي.  ولا يسمح بمرور السيارات من خلال حاجز المواصي، بحيث يضطر الموطنون بما فيهم المسنون والنساء والأطفال السير مشيا على الأقدام مسافات طويلة لقطع الحاجز .  ويتعرض العمال والموظفون والطلبة لاستفزازات جنود الاحتلال على الحاجز، مما يعطل انتظامهم في أعمالهم ومدارسهم.[15] وبهذا باتت منطقة المواصي وكأنها سجن، لا مجال للدخول أو الخروج منها إلا عبر بوابة التفاح، وفي الأوقات ما بين الساعة السادسة صباحا وحتى الخامسة مساءً.

 ويعمل غالبية سكان المواصي في الزراعة لخصوبة أراضيها، وجراء الحصار المشدد الذي تفرضه قوات الاحتلال على المنطقة، يعاني المزارعون فيها معاناة لا مثيل لها، حيث يمنعون من نقل منتجاتهم الزراعية المحملة بالسيارات عبر الحاجز من منطقة المواصي إلى الأسواق الرئيسية في المدن، أو من إدخال المعدات والآلات الزراعية والسيارات إلى المنطقة. وبالتالي يضطر المزارعون إلى نقل محاصيلهم الزراعية بالسيارات من داخل المواصي حتى نقطة الحاجز، ومن ثم يقوم المزارعون بحملها على الأكتاف والسير بها مشيا على الأقدام للوصول إلى الجانب الآخر، حيث تتواجد سيارات أخرى يتم تحميل المحاصيل فيها وتنقل إلى السوق في المدينة.  وجراء ذلك يلحق بمزارعي المواصي خسائر فادحة نتيجة للصعوبات البالغة التي تواجههم أثناء تنقلهم من وإلى منطقة المواصي المحاصرة لتسويق منتجاتهم الزراعية، حيث يضطرون للانتظار ساعات طويلة على الحواجز للخروج بمنتجاتهم الزراعية أو الدخول باحتياجاتهم الرئيسية من معدات وأسمدة زراعية.  وإمعانا من قوات الاحتلال الإسرائيلي في تضييق الخناق على المزارعين في منطقة المواصي، قامت تلك القوات بتاريخ 15/1/2001 بإغلاق وسد أكثر من 20 طريق فرعية بالكتل الإسمنتية، كان يستخدمها المزارعون في التنقل بين مزارعهم في منطقة مواصي خان يونس. 

 إلى جانب ذلك، أقام جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال شهر مايو/2001 حاجزا آخرا من الكتل الإسمنتية على بعد 70م من حاجز التفاح، ويجبر المواطنون المتجهون لمنطقة المواصي على الانتظار خلفه لحين سماح الجنود الإسرائيليين المتواجدين في برج المراقبة لهم بالتقدم باتجاه الحاجز.  وقد يضطر المواطنون إلى الانتظار على الحاجز لفترات طويلة تصل أحيانا إلى أكثر من ساعتين لحين السماح لهم بالمرور.  وينادي الجنود على المواطنين بواسطة مكبر الصوت، وفي أغلب الأحيان يتلفظ الجنود الإسرائيليون بألفاظ بذيئة بحق المواطنين، أو يطلب منهم الركض ،أو أن يدور الشخص حول نفسه، أو يطلب منهم رفع ملابسهم إلى أعلى بشكل استفزازي.  وقبل وصولهم إلى الحاجز يمرون عبر جهاز لكشف المعادن، وفي حالة أعطى الجهاز إشارة بوجود معادن لا يسمح للمواطن بالدخول ويعود من حيث أتى.  وبعد المرور على جهاز الكشف عن المعادن يتقدم المواطنون من الحاجز، حيث تتواجد كلاب بوليسية مدربة تقوم بفحص المواطنين وأمتعتهم.  ومن ثم يتوجه المواطنون نحو غرفة محاطة بالكتل الإسمنتية لفحص بطاقاتهم الشخصية للتأكد من أن الشخص من منطقة المواصي أم لا.   وفي أعقاب هذه الإجراءات منع العديد من المواطنين، ومنهم المزارعون والصيادون من دخول منطقة المواصي تحت دواعي أمنية.  وبالتالي حرم هؤلاء العمال من العودة إلى منازلهم وأراضيهم الزراعية في منطقة المواصي، وذلك في انتهاك صارخ لأبسط حقوق الإنسان في حرية الحركة والإقامة في منطقة سكناه.

 ولم تكتف سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتلك الإجراءات التعسفية والعنصرية التي فرضتها على سكان منطقة المواصي، بل أتبعتها بفرض إجراءات أخرى لتقييد حركة سكان المواصي المحاصرة.  ففي منتصف شهر تموز /2001 فرضت قوات الاحتلال على سكان المواصي نظاما جديدا ، بات يعرف باسم نظام الترقيم.  ويقضي النظام الجديد بإعطاء صاحب كل بطاقة هوية يقطن منطقة المواصي رقما معينا، وبموجب ذلك حرم عدد من المزارعين، الذين يملكون أراضي زراعية في المنطقة من الدخول إليها، وباتت أراضيهم الزراعية دون رعاية، الأمر الذي كبدهم خسائر فادحة.

 علاوة على ذلك يعاني سكان المواصي من اعتداءات المستوطنين المتكررة عليهم وعلى ممتلكاتهم من خلال مصادرة أراضيهم واستفزازهم بهدف إجبارهم على الرحيل من المنطقة ليتسنى لهم السيطرة عليها.  ففي تاريخ 15/1/2001 اقتحم مئات المستوطنين المسلحين منطقة المواصي بحراسة جنود الاحتلال مستغلين الحصار المفروض على المنطقة.  وقاموا بالاعتداء على المنشآت المدنية والمنازل السكنية والأراضي الزراعية، وأشعلوا النار بالدفيئات الزراعية، وأتلفوا المحاصيل الزراعية في المنطقة.  كما أطلق المستوطنون النار في الهواء لترويع المدنيين وأشاعوا جوا من الإرهاب والخوف بين السكان الآمنين، وذلك في انتهاك خطير لأبسط حقوق الإنسان.

 كما تتعرض منطقة السيفا في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة  لحصار مشابه لما تتعرض له منطقة المواصي، فمنذ بداية انتفاضة الأقصى قامت قوات الاحتلال الإٍسرائيلي بأعمال تجريف وهدم واسعة النطاق، إضافة إلى ردم العشرات من آبار المياه، وإطلاق النار تجاه المزارعين والمناطق السكنية بهدف إرهاب سكان المنطقة من الفلسطينيين وإجبارهم على الرحيل ليتسنى لها ضمها إلى المستوطنتين المجاورتين.[16]  ففي منتصف شهر حزيران /2001 أقامت قوات الاحتلال جدارا من الأسلاك الشائكة بطول 500 متر بين مستوطنتي دوغيت وإيلي سيناي شمال غرب مدينة بيت لاهيا.   وبموجب هذا الإجراء تكون سلطات الاحتلال قد فرضت حصارا مشددا على منطقة السيفا، وبالتالي لا يستطيع سكانها الدخول أو الخروج منها إلا بإذن مسبق وعبر بوابة خاصة أنشأتها قوات الاحتلال عبر الأسلاك الشائكة، وخلال أوقات محددة وهي ما بين الساعة السابعة إلى التاسعة صباحا، وما بين الساعة الثالثة والخامسة مساء، وذلك في انتهاك سافر لحق المواطنين في الحركة والتنقل.  كما لا تسمح قوات الاحتلال لأية وسيلة نقل بالمرور من خلال البوابة، فقط المرور سيرا على الأقدام، الأمر الذي يزيد من معاناة الموطنين، لاسيما المزارعين الذين يذوقون صنوف العذاب أثناء نقل منتجاتهم الزراعية إلى الأسواق،أو عند إدخال المواد اللازمة للزراعة.

 

* معاناة عمال المنطقة الصناعية " إيرز" على حواجز التفتيش الإسرائيلية

 تقع المنطقة الصناعية " إيرز" داخل قطاع غزة المحتل بالقرب من الحدود الفاصلة مع إسرائيل، للغرب من قرية بيت حانون.  وتخضع المنطقة الصناعية للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، ويحظر على العمال الفلسطينيين دخولها من دون تصاريح عمل خاصة وبطاقات ممغنطة.  ويبلغ عدد العمال الفلسطينيين العاملين في المنطقة الصناعية " إيرز" نحو 3500 عامل ومهني، ويتذبذب هذا العدد وفقا للظروف السياسية، وعدد تصاريح العمل التي يصدرها الجانب الإسرائيلي.  ويخضع العمال الفلسطينيون العاملون في المنطقة الصناعية لشروط عمل مجحفة، حيث أن غالبية الشركات التي تستثمر في المنطقة هي شركات إسرائيلية، تسعى لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة من رخص الأيدي العاملة الفلسطينية.[17] ولا تنطبق على هذه المنطقة القوانين الفلسطينية أو التشريعات العمالية الإسرائيلية، وبالتالي لا يلتزم أرباب العمل الإسرائيليين في تعاملهم مع العمال بأي قانون، مما يعرض العمال الفلسطينيون فيها لأبشع استغلال.  ومن ناحية أخرى، تخضع المنطقة الصناعية لإجراءات حراسة مشددة، بحيث يصطف العمال الفلسطينيون في طوابير طويلة حتى يتم التدقيق في تصاريح عملهم ووثائقهم الشخصية قبل السماح لهم بالوصول لمكان عملهم داخلها.

 وقد تصاعدت الاعتداءات والاستفزازات الإسرائيلية بحق العمال الفلسطينيين العاملين في المنطقة الصناعية "إيرز" خلال انتفاضة الأقصى، ويومياً تزداد إجراءات دخول العمال الفلسطينيين إلى مكان عملهم تعقيداً.  وتقتضي الإجراءات الإسرائيلية التعسفية إلزام العمال الفلسطينيين السير مشياً على الأقدام مسافة طويلة من الجانب الفلسطيني حتى الجانب الإسرائيلي، ومن ثم الاصطفاف في طوابير طويلة حتى الانتهاء من عمليات التفتيش والفحص الأمني لمدة تقارب الساعتين.  ويجبر العمال الفلسطينيون عند دخولهم للمنطقة الصناعية على المرور وسط أسلاك شائكة، وكلاب بوليسية مدربة، وجنود مدججين بالسلاح وفوهات بنادقهم موجهة نحو صدور العمال، ويتعرضون لأساليب تفتيش مذلة ومهينة.  وقد وصلت الإجراءات العسكرية الإسرائيلية بحق العمال الفلسطينيين أقصى حد لها في إلحاق الإذلال والإهانة بهم، حيث تحرمهم الإجراءات الجديدة من حمل أكياس تحتوي على طعامهم، أو ملابس لاستبدالها في مكان العمل، إضافة إلى إلزامهم بخلع السترات الخارجية والمعاطف قبل الاقتراب من مدخل المنطقة الصناعية، كما فرضت على سيارات الأجرة التي تقلهم إلى المنطقة التوقف على بعد مسافة طويلة، مما يجبر العمال السير مشياً لمئات الأمتار قبل الوصول إلى مدخل المنطقة الصناعية.  علاوة على ذلك، تكرر قيام جنود الاحتلال بفتح نيران رشاشاتهم باتجاه العمال الفلسطينيين أثناء اصطفافهم في الطوابير الطويلة عند مدخل المنطقة الصناعية في انتظار السماح لهم بالدخول لأماكن عملهم، وذلك لمجرد قيام العمال بالاحتجاج على إجراءات التفتيش المهينة والمذلة، الأمر الذي نتج عنه إصابة عدد من العمال بجروح مختلفة.

 إلى جانب ذلك، تقوم قوات الاحتلال بإغلاق المنطقة الصناعية في وجه العمال، في أي وقت ودون مبرر، الأمر الذي يحرم آلاف العمال الفلسطينيين من الوصول لأماكن عملهم.  وتشكل الممارسات الإسرائيلية المتبعة ضد العمال الفلسطينيين انتهاكا صارخا لحقهم في العمل، وحقهم في حرية التنقل والحركة، فضلاً عن حقهم في الحياة والأمان الشخصي.  وقد دفعت تلك الإجراءات اللاإنسانية بحق العمال الفلسطينيين، وما تلحقه بهم من إهانة لكرامتهم وتهديد جدي على حياتهم، وتأخيرهم عن مواعيد عملهم إلى عدم توجه العديد منهم إلى العمل رغم حاجتهم الملحة إليه.

 

رابعاً: -  حرمان العمال الفلسطينيين من حقهم الأساسي في العمل

يشكل حرمان آلاف العمال الفلسطينيين من حقهم في العمل، أبرز النتائج المباشرة لسياسة الإغلاق والحصار الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، وذلك في انتهاك صارخ لحقوق العمال الفلسطينيين في العمل والحماية من البطالة.  لاسيما المادة 23(1) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948، والتي تنص على أن:  1. " لكل شخص حق في العمل، وفى حرية اختياره لعمله، وفى شروط عمل عادلة ومرضية، وفى الحماية من البطالة."  كما أكدت المادة 6(1) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966، على الحق في العمل، ونصت على أن " تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لهذا الحق." وتؤكد المادة 1(2) من ذات العهد على أن: " لجميع الشعوب سعيا وراء أهدافها الخاصة التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي، ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة."

 كما تتناقض الممارسات الإسرائيلية بحق العمال الفلسطينيين مع اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الاحتلال، حيث أكدت المادة  (52) من الاتفاقية على ضرورة حماية العمال وحقوقهم، ونصت على أن:  " تحظر جميع التدابير التي من شأنها أن تؤدي إلى بطالة العاملين في البلد المحتل، أو تقيد إمكانيات عملهم بقصد حملهم على العمل في خدمة دولة الاحتلال."

 وتندرج سياسة الإغلاق والحصار الشامل التي دأبت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على فرضه على الأراضي الفلسطينية المحتلة، في إطار العقوبات الجماعية والأعمال الانتقامية ضد المدنيين، التي يحظرها القانون الدولي الإنساني، لاسيما المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949، حيث تنص على أنه " لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصيا.  تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب. السلب محظور.  تحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم." وعليه يفتقر الإغلاق الإسرائيلي كليا إلى أي أساس قانوني، ويعتبر انتهاكاً لأحكام القانون الدولي، الذي يحظر العقوبات الجماعية أو الثأرية من الأفراد المحميين.

 وقد أدت سياسة العقوبات الجماعية التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء الشعب الفلسطيني وممتلكاته إلى حرمان آلاف العمال الفلسطينيين من حقهم في العمل، هذا الحق الذي تكفله الشرائع والمواثيق الدولية. 

 

وقد كان للحرمان من العمل صورًا  مختلفة، نشير إليها فيما يلي:

 

1.  إغلاق المعابر وحرمان العمال الفلسطينيين من الوصول لأماكن عملهم داخل إسرائيل

 أدى فرض الإغلاق والحصار الإسرائيلي الشامل على الأراضي الفلسطينية في التاسع والعشرين من سبتمبر/ 2000 إلى حرمان أكثر من 120 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة من الالتحاق بأعمالهم داخل إسرائيل، منهم حوالي 24 ألف عامل من قطاع غزة، وقد نجم عن   ذلك ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الفلسطينيين بشكل غير مسبوق.  وفي قطاع غزة تجاوزت نسبة البطالة 65% من مجموع القوى العاملة.  وقد انعكس ارتفاع معدل البطالة سلبا على مستوى المعيشة للفلسطينيين، وأدى إلى اتساع نطاق الفقر والحرمان بين الأسر الفلسطينية.  كما تنسحب آثار الحصار الشامل على مجمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للفلسطينيين، وتصاب كافة مرافق الحياة بشلل شبه تام.

 جدير بالذكر أن السلطات الإسرائيلية تقوم بعد كل إغلاق بفرض قيود وإجراءات جديدة على دخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل من حيث السن والحالة الاجتماعية وألا يكون قد سبق له الاعتقال.  وعلى الرغم من سماح السلطات الإسرائيلية بدخول عدد محدود من العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل في فترات الإغلاق الجزئي، وفقا لشروط معقدة، إلا أن جنود الاحتلال المتمركزين على الحواجز الإسرائيلية يقومون بالتنكيل بالعمال، مما يدفع العمال إلى الذهاب لأعمالهم تخوفا من الاعتداءات الإسرائيلية، وبالتالي يحرمون من حقهم في العمل .  كما يقوم جنود الاحتلال المتمركزون على الحواجز العسكرية وفي نقاط التفتيش على المعابر الحدودية بسحب تصاريح العمل الخاصة بالعديد من العمال الفلسطينيين، أثناء مرورهم عبر هذه الحواجز، دون أي مبرر قانوني أو منطقي، مما يشكل حرمان لهؤلاء العمال من حقهم في العمل دون وجه حق. 

 ومن ناحية أخرى، فقد أدى  إغلاق المعابر إلى إلحاق بالغ الضرر بالمزارعين الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث تكدست  المزروعات الفلسطينية التي تصدر إلى إسرائيل والخارج على المعابر في انتظار السماح لها بالعبور، مما أدى إلى تلف كميات كبيرة منها، لاسيما المزروعات التي لا يمكن تخزينها لفترة طويلة.  واضطر العديد من المزارعين إلى تسويق منتجاتهم في السوق المحلي بأسعار زهيدة، نتيجة لإغلاق المعابر أمام تصدير منتجاتهم.

 إضافة إلى ذلك، أدى الإغلاق الإسرائيلي للمعابر الحدودية إلى تعطيل حركة التجارة، مما أثر على تسويق المنتجات الصناعية الفلسطينية، الأمر الذي ألحق خسائر فادحة بقطاع الصناعة الفلسطيني.  كما تكبد أصحاب المصانع خسائر إضافية جراء دفع غرامات تأخير في الموانئ الإسرائيلية، ودفع أرضيات لهذه الموانئ لحين السماح للبضائع الفلسطينية بالدخول إلى أراضي السلطة الفلسطينية.  هذا عدا عن تكلفة النقل المرتفعة الثمن بالشاحنات الإسرائيلية، والتي يتكبدها أصحاب المصانع والتجار الفلسطينيين وذلك بسبب عدم السماح للشاحنات الفلسطينية بالمرور على المعابر كما كان الأمر قبل الإغلاق. 


 

 

2.  تقطيع أوصال المدن الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض

 أدى فرض الإغلاق الإسرائيلي الداخلي المحكم على المحافظات الفلسطينية إلى توجيه ضربة قوية إلى أسواق العمل المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى تفتيت سوق العمل المحلي على مستوى كل محافظة، مما حرم آلاف العمال الفلسطينيين من الريف من الوصول لأماكن عملهم في المدن، أو من مدينة إلى أخرى.  وقد أسفر ذلك عن تحويل عشرات الآلاف من العمال إلى عاطلين عن العمل، وتعطيل العملية الإنتاجية في المصانع والمؤسسات الفلسطينية.  فلم تقتصر آثار الإغلاق على صعيد العاملين في إسرائيل فقط، بل طالت أيضا العاملين داخل مناطق السلطة الفلسطينية، بحيث انقطع آلاف العمال الفلسطينيين الذين يعملون داخل أراضي السلطة الفلسطينية عن عملهم بسبب القيود المشددة المفروضة على حرية الحركة بين المدن والقرى الفلسطينية. 

 كما أدى الإغلاق الإسرائيلي المفروض حول المدن والقرى الفلسطينية إلى منع وإعاقة الكثير من المزارعين من الوصول إلى أراضيهم للعناية بها، إضافة إلى العراقيل التي تعترضهم لتسويق منتجاتهم الزراعية في الأسواق.  ولعل منطقة المواصي في مدينتي رفح وخان يونس من أكثر المناطق التي يعاني فيها المزارعون حيث تمنع قوات الاحتلال المواطنين من خارج المنطقة من التوجه إلى مزارعهم الموجودة في منطقة المواصي.  كما يواجه مزارعو المواصي صعوبات لا مثيل لها أثناء نقل منتجاتهم إلى خارج المنطقة، أو عند إدخال أدوات ومعدات الزراعة، حيث يمنع جنود الاحتلال مرور السيارات والمركبات عبر الحواجز المحيطة بالمنطقة، فيضطر المزارعون لحمل منتجاتهم على الأكتاف، والعبور بها عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية للوصول بها إلى الأسواق في المدينة.  وتشكل تلك الممارسات الإسرائيلية انتهاكا صارخا للحق في العمل، والحق في الحركة أيضا.

 ومن ناحية أخرى، فقد لحق بالسائقين وبقطاع النقل والمواصلات خسائر كبيرة جراء سياسة الحصار وتقطيع أوصال الطرق وعزل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض، وحفر الخنادق حول المدن والقرى الفلسطينية بهدف إحكام الحصار حولها، الأمر الذي أدى إلى توقف آلاف المركبات والشاحنات المستخدمة في نقل المواطنين والبضائع عن العمل.  وتعرض قطاع النقل والمواصلات لشلل تام خلال فترات منع التجول، والاضرابات، والحصار المشدد، وهذا يعني توقف قسري للعاملين في هذا القطاع عن العمل،  وبالتالي حرمانهم من حقهم في العمل.

 فضلا عن ذلك تكبدت سلطة الطيران الفلسطيني خسائر فادحة نتيجة تكرار إغلاق مطار غزة الدولي في انتهاك صارخ لقوانين الطيران الدولي، وللاتفاقيات الموقعة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل.  ولم تكتف قوات الاحتلال بذلك بل أقدمت على تدمير مطار غزة الدولي، بهدف القضاء على أحد رموز السيادة الفلسطينية.  وقد أدت هذه الخطوة التعسفية إلى حرمان مئات من العمال الفلسطينيين العاملين في المطار من حقهم في العمل.

 

3.  عدم توفر المواد الخام اللازمة للصناعة

 أدى فرض الإغلاق والحصار الإسرائيلي الشامل على الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى تراجع القدرة الإنتاجية لدى العديد من المصانع المحلية، وهدد أخرى بالتوقف عن العمل بسبب عدم توفر المواد الخام اللازمة للصناعة.  فقد تضرر عدد كبير من أصحاب المصانع والمعامل الفلسطينية نتيجة توقف دخول المواد الخام اللازمة لعملية التصنيع، وإغلاق منافذ التصدير والتسويق، الأمر الذي أدى إلى توقف عجلات الإنتاج في العديد من المصانع الفلسطينية وتكبيدها خسائر فادحة.  وهذا بدوره أدى إلى قيام العديد من أصحاب المصانع والمنشآت المحلية بتسريح عمالهم أو منحهم إجازات مفتوحة وغير مدفوعة الأجر لعدم قدرتهم على دفع رواتبهم بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن استمرار الحصار الإسرائيلي، الأمر الذي حرم أعدادا إضافية من العمال الفلسطينيين من حقهم في العمل، وبالتالي ضاعف من عدد العاطلين عن العمل.

 

4.  إغلاق المعابر وعدم السماح بدخول مواد البناء

 تعرض قطاع البناء والإنشاءات في قطاع غزة  لشلل شبه تام بسبب إغلاق المعابر وعدم السماح بدخول مواد البناء الأساسية، وتحديدا الإسمنت والحصمة والحديد.  وجراء التوقف شبه التام في حركة البناء في قطاع غزة، اضطرت معظم شركات البناء إلى تسريح عمالها، وكذلك المهندسين العاملين فيها، فيما قامت بعضها بإعطائهم إجازات غير مدفوعة الأجر لحين انتهاء الإغلاق وعودة الحياة إلى طبيعتها.   وقد نتج عن ذلك، حرمان آلاف العمال من الذين كانوا يعملون في قطاع البناء من حقهم في العمل، وانضمامهم إلى صفوف العاطلين عن العمل.

 ومن جهة أخرى، فقد أدى منع إدخال مواد البناء الأساسية إلى توقف العمل في مصانع ومعامل الباطون والبلوك والبلاط، وتوقف معها  آلاف العمال الذين يعملون في هذا القطاع عن العمل.  كما توقفت المشاريع التطويرية والعمرانية ومشاريع البنية التحتية في قطاع غزة، بسبب عدم توفر مواد البناء اللازمة لتنفيذها، وقد أدى توقف تلك المشاريع إلى توقف مئات العمال من الذين كانوا يعملون في تلك المشاريع عن العمل.

 

5.  تجريف الأراضي الزراعية، وحرمان المزارعين من مصدر رزقهم

 نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبشكل غير مسبوق، أعمال تجريف وهدم واسعة النطاق للأراضي الزراعية خلال انتفاضة الأقصى، وقامت باقتلاع آلاف الأشجار الزراعية والحرجية، وتدمير مئات الدفيئات الزراعية، وإتلاف المزروعات وشبكات الري.  وترتبط أعمال تجريف الأراضي الزراعية وإتلاف المزروعات، ومصادرة الأراضي، وحرمان المزارعين من الوصول إليها، بشكل وثيق بالحرمان من العمل، باعتبار أن الأرض هي مصدر العمل لهؤلاء المزارعين الذين فقدوا مصدر رزقهم.  وقد نتج عن ذلك فقدان آلاف من العمال والمزارعين لمصدر رزقهم، الأمر الذي ينعكس سلباً على مستوى المعيشة بين الفلسطينيين ويؤدي إلى اتساع دائرة الفقر بينهم.  وتتناقض تلك الممارسات الإسرائيلية مع المادة 17(2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948، والتي تنص على أنه " لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا."

 ووفقا لتوثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فقد بلغ مجموع الأراضي التي قامت قوات الاحتلال بتجريفها في قطاع غزة منذ بداية انتفاضة الأقصى وحتى 31/3/2002 نحو 14.000 دونما، منها 11782 دونما من الأراضي الزراعية، أي بنسبة 84.2%، والباقي عبارة عن أراضي حرجية بلغت حوالي 2218 دونما، بنسبة 15.8% من مجموع الأراضي المجرفة.  وتشكل نسبة الأراضي الزراعية التي تم تجريفها على أيدي قوات الاحتلال حوالي 7.5% من مجموع الأراضي الزراعية في قطاع غزة. [18]

 ويستدل من اتساع مساحة الأراضي الزراعية التي تم تجريفها، أن الهدف هو الانتقام من السكان المدنيين وإلحاق أكبر الضرر بهم، كما تدحض أعمال التجريف الواسعة الادعاءات الإسرائيلية حول وجود ضرورة عسكرية لتلك الممارسات.  ووفقا لتحقيقات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فإن أعمال التجريف واسعة النطاق للأراضي، وأعمال هدم المنازل تهدف إلى الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وخلق مناطق عازلة على امتداد حدود قطاع غزة، وعلى محيط المستوطنات والشوارع الالتفافية.

 وتأتي هذه الممارسات العدوانية في إطار سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وممتلكاته.  وتشكل انتهاكا للمادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949 ، والتي تنص على أنه " يحظر على دول الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير."

 

6.  تدمير المنشآت الصناعية الفلسطينية

 قامت قوات الاحتلال، في خطوة غير مسبوقة، بتدمير عشرات المصانع والمنشآت الفلسطينية، وذلك في إطار العقوبات الجماعية التي تنفذها بحق المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم.  فقد قامت باستهداف المصانع الفلسطينية استهدافا مباشرا في عمليات القصف والتجريف التي طالت العديد منها وسوتها بالأرض.  وقد نجم عن ذلك حرمان مئات العمال الفلسطينيين من عملهم، وانضمامهم لصفوف العاطلين عن العمل.  هذا عدا عن انعكاسات هذه الخطوة على الاقتصاد الفلسطيني الناشئ، وحرمانه من مقومات وجوده.  كما أن هذه الخطوة، والتي تأتي عادة دون توجيه أية إخطارات لأصحاب المصانع والشركات والورش، تهدف إلى إلحاق أكبر قدر من الخسائر بأصحاب المصانع، حيث تسوى مصانعهم بالأرض بما فيها من آلات ومعدات، الأمر الذي يعني استحالة إنقاذ أي شيء، وبالتالي فإن الخسائر جسيمة وتقدر بملايين الدولارات.   ووفقا لتوثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فقد بلغ عدد المصانع التي تم تدميرها في قطاع غزة منذ بداية انتفاضة الأقصى وحتى 31/3/2002، حوالي 60 مصنعا وورشة صناعية، وذلك في انتهاك صارخ للمادة 17(2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948، والتي تنص على أنه " لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا."

 

خامساً:-  حرمان العمال الفلسطينيين من التعويضات عن الضرر الذي لحق بهم نتيجة الإغلاق

بالإضافة إلى الحرمان من العمل فإن العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل لا يحصلون على أي نوع من التعويضات عن أيام العمل التي يحرمون فيها من الوصول إلى أماكن عملهم، وذلك بالرغم من أن العمال الفلسطينيين يدفعون مستحقات الحماية من البطالة.  ويجري اقتطاع ما نسبته 10% كحد أدنى من الأجر اليومي للعمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل أسوة بالعمال الإسرائيليين، إلا أن العمال الإسرائيليين يحصلون مقابل ذلك على مجموعة من الحقوق الاجتماعية ومن ضمنها الحق في الحماية من البطالة، في حين يحرم العامل الفلسطيني من غالبية هذه الحقوق، لاسيما الحق في الحماية من البطالة.

جدير بالذكر أن المواثيق والمعاهدات الدولية تكفل للعمال الحق في الحماية من البطالة، كما أن التشريعات العمالية الإسرائيلية أيضا تكفل هذا الحق.  وتنص المادة 23(1) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948 على الحق في الحماية من البطالة، حيث تؤكد على أن:  1. " لكل شخص حق في العمل، وفى حرية اختياره لعمله، وفى شروط عمل عادلة ومرضية، وفى الحماية من البطالة."  

 كما ينجم عن الإغلاق إلغاء التصاريح السابقة والتي لم ينته مفعولها، وفي بعض الأحيان لا يكاد الشخص يحصل على تصريح جديد حتى يعقبه إغلاق آخر يلغي مفعول ذلك التصريح.  وبالتالي يحرم هؤلاء العمال من حقهم في العمل، وحقهم في الوصول لأماكن عملهم، ويلتحقوا بصفوف العاطلين عن العمل.  وتتدهور الظروف المعيشية للعمال الفلسطينيين أثناء الإغلاق مما يضطرهم إلى استنزاف مدخراتهم إن وجدت، وقد يضطر البعض إلى بيع مقتنيات بيوتهم من الأثاث لتأمين حاجيات أطفالهم وأسرهم.

 ومن ناحية أخرى فان الإغلاق والحصار الإسرائيلي يعطي الفرصة لأرباب العمل الإسرائيليين للتهرب من دفع أجور العمال الفلسطينيين عن أيام العمل التي أمضوها قبل فرض الإغلاق، أو فصلهم بشكل تعسفي دون دفع مستحقات نهاية الخدمة لهم.  كما درج أصحاب العمل الإسرائيليين على استخدام العديد من الأساليب والحيل للتهرب من الالتزام بحقوق العمال الفلسطينيين، ومنها:

-         وقف تصريح العامل دون إعطائه أجره ومستحقاته الأخرى.

-          تحويل اسم الشركة إلى اسم جديد، وبالتالي لا تعترف للعامل بحقوقه لأنه لم يعمل لديها.

-          الاستغناء عن العمال الفلسطينيين دون إعطائهم ورقة فصل، وهذا يضيع على العمال حقهم في الحصول على مستحقاتهم.

-         تغيير صاحب العمل لمكان عمله وبالتالي عدم وصول بلاغات المحاكم للمشغل، ومن ثم سقوط القضية في المحكمة.

 

وفي هذا السياق يشار إلى أن المحاكم الإسرائيلية أسقطت خلال انتفاضة الأقصى نحو 56 قضية لعمال من قطاع غزة رفعت من قبل محامي مركز الديمقراطية وحقوق العاملين، وذلك بدعوى عدم حضور العمال لجلسات المحكمة رغم معرفة القضاة بكون العمال الفلسطينيين يخضعون لحصار عسكري مشدد، ولا يستطيعون المثول أمام المحكمة.[19]

 وعلى صعيد آخر، ترفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعويض الفلسطينيين عن الضرر الذي يلحق بهم نتيجة الأعمال العدوانية الإسرائيلية، والتي استهدفت فيها الأراضي الزراعية والمنشآت الصناعية، إضافة إلى هدم المنازل.  وقد بلغ مجموع الأراضي التي قامت قوات الاحتلال بتجريفها في قطاع غزة، في إطار سياسة العقوبات الجماعية التي تقترفها بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته منذ بداية انتفاضة الأقصى وحتى 31/3/2002 نحو 14.000 دونما، وفقا لتوثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.  وتشكل نسبة الأراضي الزراعية التي تم تجريفها على أيدي قوات الاحتلال حوالي 7.5% من مجموع الأراضي الزراعية في قطاع غزة.  وفي هذا الصدد، تقدم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان باعتراضات لدى المحكمة الإسرائيلية ضد أعمال التجريف والتدمير التي تنفذها قوات الاحتلال بحق ممتلكات الفلسطينيين في قطاع غزة، وطالبها بتعويض المدنيين الفلسطينيين عن الضرر الذي لحق بهم نتيجة الأعمال العدائية الإسرائيلية.  وفي رد السلطات الإسرائيلية على الشكاوي التي تقدم بها المركز بررت أن هذه الأعمال تنفذ في إطار الضرورات الحربية، وبالتالي لا تتحمل السلطات الإسرائيلية مسئولية تعويض المواطنين المتضررين أو جبر الضرر عنهم.  وهذا يعني حرمان للفلسطينيين المتضررين من حقهم في التعويض عن الضرر الذي لحق بهم نتيجة العدوان الإسرائيلي غير المبرر.

 يذكر أن أعمال التجريف الواسعة النطاق التي تنفذها قوات الاحتلال في قطاع غزة، تدحض الادعاءات الإسرائيلية التي تبرر ذلك بأنها تتم لضرورات عسكرية.  فالوقائع تشير إلى أن الهدف منها الانتقام من السكان المدنيين، والاستيلاء على المزيد من الأراضي، والتخطيط لخلق مناطق عازلة حول محيط المستوطنات والطرق الالتفافية، وعلى امتداد حدود قطاع غزة، وذلك على حساب أراضي وممتلكات المواطنين الفلسطينيين.

 

برامج المساعدات الطارئة المقدمة للعمال الفلسطينيين

 ارتفعت نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى معدلات قياسية نتيجة لسياسة الحصار والإغلاق الإسرائيلي المفروض على الضفة الغربية وقطاع غزة منذ بداية انتفاضة الأقصى في 29/9/2000.  وفي ظل هذا الحصار الجائر والخانق والمتواصل على الأراضي الفلسطينية، باتت أزمة البطالة تطفو على سطح أولويات المجتمع الفلسطيني.  ومن هذا المنطلق حظيت قضية البطالة في الأراضي الفلسطينية باهتمام واسع، على المستويين الرسمي والأهلي الفلسطيني،  وعقدت عشرات الندوات وورشات العمل بغرض مواجهة هذه الأزمة، وإيجاد السبل الكفيلة لتخفيف الفقر والحرمان الذي تعيشه أسر العمال الفلسطينيين.

 وفي هذا الصدد، بذلت جهود حثيثة على الصعيدين الرسمي والأهلي الفلسطيني بهدف التخفيف من حدة البطالة، وتقديم المساعدات الضرورية لفئة العمال العاطلين عن العمل، وتعزيز صمود العامل الفلسطيني لأن صمود العامل هو من صميم صمود الشعب الفلسطيني.

 

  •         دور السلطة الوطنية الفلسطينية

 

قامت السلطة الوطنية الفلسطينية بتشكيل لجنة رئاسية لدعم ومساندة العمال، برئاسة المهندس نبيل الشريف وعضوية عدد من الوزارات هي: وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وزارة العمل، وزارة الشؤون الاجتماعية، وزارة التموين، ووزارة الأشغال، وفيما بعد انضم لهذه اللجنة الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، وذلك بهدف توزيع المساعدات على العمال المتضررين.  وقد استقبلت هذه اللجنة مساعدات وتبرعات تم التبرع بها لصالح العمال من دول عربية وأجنبية ومن رجال أعمال فلسطينيين وعرب.  وبعد مضي شهور متواصلة على فرض الحصار الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، وما نجم عنه من انعكاسات خطيرة على الطبقة العاملة الفلسطينية، اتخذ المجلس التشريعي الفلسطيني قراراً يقضي بإنشاء الصندوق الوطني الفلسطيني للتنمية والتشغيل، بهدف تشغيل العمال العاطلين عن العمل. 

 وبتاريخ 3/12/2000 بدأ توزيع المساعدات الطارئة على العمال المتضررين، وشملت الدفعة الأولى العمال العاملين داخل إسرائيل والمسجلين لدى وزارة العمل، وعددهم حوالي 40 ألف عامل من الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد تم توزيع هذه الدفعة عبر مكاتب وزارة العمل الموزعة على المحافظات الفلسطينية،وتم صرف مبلغ 600 شيكل ( أي ما يعادل 150 دولار) لكل عامل.  ويعود السبب وراء بدء التوزيع على العمال الذين كانوا يعملون في إسرائيل ويحملون تصارح عمل سارية المفعول، إلى كون كشوفاتهم كانت جاهزة، كما تم إعفائهم أيضا من رسوم التأمين الصحي.

 وتولى الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين صرف الدفعة الثانية من المساعدات الطارئة للعمال، بعد أن قام بإعداد قوائم للعمال المتضررين.  وبعد التوزيع تبين أن هناك عددا من العمال الذين سجلوا لدى الوزارة قد سجلوا أيضا لدى النقابة واستلموا المساعدة النقدية مرة أخرى.  ويبدو أن هذه الإشكالية في التوزيع ظهرت عند الاتحاد العام للنقابات نتيجة لعدم وجود آلية للتدقيق أمام الكم الهائل من العمال الذين قاموا بتسجيل أسمائهم.  وقد تقدم العديد من العمال بشكاوي عن وجود تجاوزات في عملية التوزيع في الدفعة الثانية، وإزاء تلك الشكاوي فقد تقرر تشكيل لجنة من قبل وزارة العمل للتحقيق في التجاوزات التي حدثت في صرف المستحقات العمالية.  وبتاريخ 3/2/2001 أعلن وزير العمل رفيق النتشة نتائج لجنة التحقيق الخاصة بالتجاوزات في صرف المستحقات العمالية، وأكد على " أنه تبين أن هناك بعض التكرار لنفس الأسماء مما استدعى إيقاف شيكاتهم، وأن التجاوز هو لعشرات الحالات فقط."  وأشار النتشة إلى وقوع بعض الأخطاء في التسجيل سواء كان متعمدا أو غير متعمد، وهو لعدد محدود من الأسماء التي لا ت