تقرير حول أعمال التجريف والهدم للأراضي الزراعية والمنازل السكنية

والممتلكات المدنية التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي

خلال الفترة بين 29/9/2000 - 28/9/2001

المركـــز الفلسطــيني لحقـــوق الإنســان

يتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة

عضـــــو لجنــــــة الحقـوقـييــــن الدوليــــــــة جنيـــف

عضـــو الفدراليـــة الدوليــة لحقــوق الإنســان - باريس

عضــو الشبكـة الأوروبيـة المتوسطية لحقوق الإنسانa

 

 


 

مقدمـــــة

لم تقتصر الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 29/9/2000، على قتل المدنيين الفلسطينيين، وقصف الأحياء المدنية براً وبحراً وجواً، وفرض عقوبات جماعية وحصار شامل على الشعب الفلسطيني.  بل طالت كافة مناحي الحياة الفلسطينية، وبهذا الصدد فقد عمدت إلى سياسة تجريف الأراضي الزراعية وهدم منازل وممتلكات المواطنين الفلسطينيين في المناطق التي تخضع لسيطرة قواتها، أو تلك التي تخضع للسيطرة الفلسطينية في قطاع غزة، وبشكل خاص تلك الأراضي التي تقع بالقرب من الطرق الجانبية التي تسلكها قوات الاحتلال والمستوطنين، أو بالقرب من المستوطنات الإسرائيلية والطرق المؤدية إليها، أو الأراضي التي تقع في المناطق الحدودية، أو تلك التي تقع بالقرب من المواقع العسكرية لقوات الاحتلال.

 هذا هو التقرير السادس الذي يصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان حول أعمال التجريف والهدم في الأراضي الزراعية والمنازل السكنية والممتلكات المدنية في قطاع غزة منذ بدء انتفاضة الأقصى.  ويغطي التقرير فترة عام منذ بداية الانتفاضة في 29/9/2000 حتى 28/9/2001.[1]

 بلغ مجموع الأراضي التي تم تجريفها في قطاع غزة خلال الفترة من 29/9/2000- 28/9/2001،[2] حوالي 13576 دونم من الأراضي، بينها 11372 دونم، (84.3%) من الأراضي الزراعية، وحوالي 2134 دونم (15.7%) من الأراضي الحرجية والرملية. ولا تشمل هذه الأرقام مساحات المنازل والمنشآت المدنية والزراعية التي تقع خارج تلك الأراضي والتي تعرضت هي الأخرى للتجريف والهدم. وخلال عمليات التجريف دمرت قوات الاحتلال مئات من آبار المياه ومضخات المياه وشبكات الري والغرف الزراعية التي تستخدم كمخازن للمعدات الزراعية في أراضي المواطنين، ومئات الدفيئات المزروعة بالخضار، علماً بأن الدفيئة الزراعية الواحدة تبلغ مساحتها 1 دونم.  فضلاً عن تدمير عشرات مزارع الطيور والحيوانات التي تقع في تلك الأراضي، وعددا من المعدات الزراعية التي تستخدم في زراعة الأرض.  

 

توزيع الأراضي الزراعية التي تم تجريفها حسب كل محافظة:-

 

المحافظة

المساحة بالألف دونم

النسبة المئوية

رفح

2.565

18.9%

خان يونس

2.889

21.3%

الوسطى

1.740

12.8%

غزة

1.978

14.5%

شمال غزة

4.404

32.4%

الإجمالي

13.576

100%

 

ويرافق عمليات التجريف التي تنفذها قوات الاحتلال في كثير من الأحيان أعمال هدم للمنازل السكنية الفلسطينية والممتلكات المدنية الواقعة في تلك الأراضي.   خلال الفترة  قيد البحث هدمت الجرافات الإسرائيلية 316 منزلا في قطاع غزة هدما كليا، إضافة إلى هدم 33 منزلا هدما جزئياً (تحدد هذه الأرقام عدد المنازل التي تم هدمها كليا أو جزئياً، دون الإشارة إلى عدد الطبقات في المنزل الواحد.  وقد يتكون البيت من أكثر من طابق واحد يشمل أكثر من شقة سكنية، ويحتوي على أكثر من عائلة واحدة، لذا ارتأي إبراز هذا التفصيل في الجدول المرفق في التقرير).[3]  وشردت عشرات العائلات الفلسطينية.  ولا يشمل هذا الرقم عشرات البيوت التي هدمت كلياً أو تضررت جراء القصف الإسرائيلي المتواصل لها منذ بداية الانتفاضة في جميع محاور الاحتكاك في قطاع غزة.  كما هدمت خلال ذات الفترة 39 مصنعا وورشة.

 سيتطرق التقرير إلى أعمال التجريف والهدم التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الزراعية والمنازل السكنية والمنشآت المدنية، بما فيها الورش والمصانع والمشاريع الاستثمارية، في قطاع غزة في الفترة بين 29/9/2000 حتى 28/9/2001.  وسيستعرض التقرير الكيفية التي تتم فيها أعمال التجريف والهدم وأين تتم هذه الأعمال؛ مبررات قوات الاحتلال لاقترافها هذه الأعمال؛ ورأي القانون الدولي الإنساني بهذه الأعمال.  وفي نهاية التقرير مرفق ثلاثة جداول: يحتوي الأول منها على قائمة الخسائر التي ألحقتها جرافات الاحتلال بالاراضي الزراعية في قطاع غزة، موزعة حسب المحافظة، خلال الفترة قيد البحث.  والثاني، يحتوي على قائمة بالمنازل التي هدمت خلال نفس الفترة.  أما الثالث فيضم قائمة بالمصانع والورش الصناعية التي هدمت خلال ذات الفترة.

 

الكيفية التي تتم فيها عمليات التجريف والهدم

في معظم الحالات تفرض قوات الاحتلال الإسرائيلي جو من الرعب والهلع في نفوس المواطنين الفلسطينيين أثناء عمليات التجريف والهدم للأراضي الزراعية والمنازل السكنية والممتلكات المدنية.  حيث تقوم غالبا باقتحام المنطقة التي تنوي القيام بعملية التجريف أو الهدم فيها تحت جنح الظلام، في ظل تعزيزات عسكرية كبيرة من جنود الاحتلال ومزيد من الدبابات العسكرية والجرافات.  وبعد أن تكون قد أحكمت إغلاق المنطقة تماما تبدأ بإطلاق مصابيح الإضاءة، وإطلاق النار في الهواء لخلق جو من الرعب والهلع، ومن ثم تبدأ بالنداء على المواطنين بضرورة إخلاء البيوت خلال دقائق معدودة، للبدء بعملية التجريف والهدم.  وتحت ضغط التهديد والخوف على الحياة، يضطر المواطنون إلى القيام من نومهم مفزوعين، يحملون أطفالهم  ومرضاهم على عجل تاركين وراءهم ممتلكاتهم وأثاثهم هربا من المكان.  وهنا تبدأ الجرافات العسكرية بعملية الهدم حيث تنهي عملها في دقائق معدودة على مرأى من أصحابها الذين لا حول لهم ولا قوة.  وقد أفاد أحد المواطنين الذين تم تجريف أراضيهم وهدمت منازلهم بالتالي:

"يوم الأربعاء 8/11/2000، وفي حوالي الساعة 10:00 مساءً، انتشر حول المنزل والأرض التي أملكها قوات معززة من جيش الاحتلال يقدر بثلاث مدرعات و7 جيبات عسكرية وعشرات الجنود، بالإضافة إلى ثلاثة جرافات عسكرية، ودون إعطائي مهلة لإخراج أثاث المنزل أخذت الجرافات بتجريف الأرض المزروعة بأشتال البطاطا والبندورة والخيار وأشجار الزيتون، وتدمير أربعة دفيئات زراعية فضلاً عن تدمير 8 دونمات من أشجار الزيتون، كما هدمت مزرعة دواجن.  ودون أن أتمكن من إخراج الأثاث هدموا البيت  على ما به من أثاث ثمين."

 وفي كثير من الأحيان، تتم هذه الأعمال العدوانية في وضح النهار، حيث تقتحم جرافات الاحتلال معززة بقوة كبيرة من جنود الاحتلال الأراضي الفلسطينية وتقوم بأعمال التجريف والهدم.  وتتركز معظم هذه الأعمال في الأراضي الزراعية الواقعة في المناطق الحدودية.  وقد قامت قوات الاحتلال في مناسبات عدة باقتحام أراضي خاضعة للسلطة الفلسطينية بعمق يصل في بعض الأحيان إلى 1 كيلو متر، وممارسة أعمال تجريف وهدم واسعة للأراضي الزراعية والمنازل والممتلكات المدنية، على غرار ما حدث حين توغلت قوات الاحتلال في بعمق في الأراضي الزراعية التي تقع إلى الشرق من بيت حانون، شمال قطاع غزة.  وفي بعض الأحيان تقوم قوات الاحتلال باحتلال منازل المواطنين الواقعة في تلك الأراضي القريبة من المستوطنات وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، بحجة حماية أمن المستوطنات أو الطرق الجانبية من عمليات المقاومة، حيث يسيطر جنود الاحتلال في غالب الأحيان على أسطح المنازل أو الطابق العلوي من المنزل، وإبقاء أصحاب المنزل في الطابق السفلي، قيد "الإقامة الجبرية" حيث لا يسمح لهم بمغادرة المنزل إلى العمل أو التسوق أو قضاء أمر ما إلا بإذن من الجنود الذين يعتلون السطح.  كما لا يسمح لهم بمغادرة المنزل بشكل جماعي، وإجبار بقاء شخصين من سكان المنزل على الأقل في البيت حين المغادرة خشية التعرض لهجمات من قبل الفلسطينيين.  وإمعاناً في معاناة أصحاب هذه المنازل لا يسمح لهم بمغادرة البيت أو استقبال زوار في ساعات الليل، وإلا أطلقت النيران على الأجسام المتحركة مباشرة. وقد أفاد أحد المواطنين الذي هدم بيته وجرفت أرضه للمركز بالتالي:

"في حوالي الساعة 2:00 ظهر يوم الأحد 25/3/2001، كنت متواجدا في أرضي التي أمتلكها مع أسرتي والمزروعة بالحمضيات والزيتون والفواكه والتي تبلغ مساحتها 35 دونم، التي تقع إلى الشرق من بيت حانون.  وبينما كنا معتصمين في أرضنا حيث يقع أيضا منزلي المقام على مساحة 150م2 ويقطنه 16 فرداً، شاهدت عددا من دبابات الاحتلال تقتحم أرضنا، حيث أطلق جنود الاحتلال النار في الهواء لإرهابنا وإجبارنا على ترك الأرض تمهيداً لتجريفها.  في هذه الأثناء كانت طائرتان إحداهما مروحية، أما الأخرى فيبدو أنها استطلاعية تحلقان في السماء على علو منخفض.  وقد رأيت الطائرة المروحية ترمي بجسمٍ يشبه البرميل سقط داخل أرضنا على مسافة نحو 150م من مكان تواجدنا، وقد دوى صوت انفجار ضخم وتصاعد من المكان دخان أبيض.  وقد أصيب والدي ووالدتي بحالة هستيرية من الخوف والهلع تم نقلهما على إثرها إلى مستشفى الشفاء بمدينة غزة.  وعقب الانفجار ألقت إحدى الدبابات قذيفة مدفعية اخترقت جدران الصفيح لمزرعتين للحمام مسقوفتين بالأسبستوس وسط الأرض فيما سقطت قذيفة أخرى بمحاذاة المنزل دون أن تنفجر.  عقب ذلك، اقتحمت كاسحة ألغام إسرائيلية الأرض لتمشيطها، ثم انتشرت الدبابات والجرافات في جميع أنحاء المنطقة وبدأت بأعمال التجريف.  حاولت التصدي لمحاولة التجريف في أرضي غير أن إحدى الأشجار سقطت ف وقي مما أدى إلى فقداني الوعي، حيث نقلت إلى المستشفى.  وعلمت فيما بعد أن أعمال التجريف استمرت ساعة ونصف الساعة، انتهى خلالها كل شيء."

 وتتركز مجمل أعمال التجريف والهدم التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الزراعية والمنازل والممتلكات المدنية، منذ بداية انتفاضة الأقصى في 29/9/2000، في عدة مناطق، أهمها:

1)  بالقرب من الطرق الجانبية التي يسلكها المستوطنون وقوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تقطع أوصال قطاع غزة من الجنوب إلى الشمال.  وقد أقدمت قوات الاحتلال على أعمال تجريف وهدم واسعة في تلك المناطق، حيث دمرت عشرات البيوت وجرفت مئات الدونمات من الأراضي الزراعية على جانبي طريق كيسوفيم الذي يصل بين شارع صلاح الدين ومستوطنة كيسوفيم داخل الخط الأخضر، في منطقة القرارة. كذلك الأمر بالنسبة لطريق المواصي، الشارع الذي يربط بين شارع صلاح الدين ومجمع مستوطنات غوش قطيف.  وينطبق هذا على الطريق الجانبية التي تصل بين مستوطنة نتساريم جنوب مدينة غزة، وإسرائيل.  على طول جانبي الطريق حيث دمرت مساحات شاسعة وهدمت عشرات البيوت والمصانع في تلك المنطقة.

2)  في محيط المستوطنات والطرق المؤدية لها.  حيث تم تجريف مساحات شاسعة من أراضي المواطنين وهدم عشرات المنازل وعددا من المصانع القريبة من المستوطنات.  وفي بعض الأحيان يتم ضم بعض الأراضي الزراعية القريبة من هذه المستوطنات لتصبح جزءً من المستوطنة، كما حدث في أراضي المواطنين من آل بشير التي تقع أراضيهم بالقرب من مستوطنة كفار داروم، شرق دير البلح.

3)  المناطق الحدودية.  ويضم هذا الشريط، أراضي وبيوت المواطنين في رفح التي تقع على طول الشريط الحدودي مع جمهورية مصر العربية إلى الجنوب من رفح، والأراضي الزراعية التي تقع على طول الشريط الحدودي الذي يفصل بين غزة وإسرائيل،إلى الشرق من قطاع غزة.  وقد دمرت قوات الاحتلال آلاف الدونمات وعشرات البيوت في تلك المناطق.  وفي كثير من الحالات توغلت في أراضي الفلسطينية لعمق وصل في بعض الأحيان حتى 1كم، وقامت بأعمال تجريف واسعة.

4)    بالقرب من المواقع العسكرية لقوات الاحتلال التي تنتشر على أطراف التجمعات السكانية الفلسطينية.

 

وقد أدت عمليات التجريف والهدم هذه في المناطق المشار إليها إلى خلق مناطق فارغة قاحلة دون بيوت أو أشجار على طول الحدود مع إسرائيل بعرض عشرات الأمتار-  قد يصل في بعض المناطق إلى بضعة مئات من الأمتار، كما هو الحال إلى الشرق من الحدود مع إسرائيل- .  كما أدت هذه العمليات إلى خلق مناطق معزولة وفارغة على جانبي الطرق الجانبية التي تسلكها قوات الاحتلال والمستوطنين ويحظر على المواطنون الفلسطينيون الاقتراب منها والسير عليها منذ بدء الانتفاضة، حيث قامت بتجريف آلاف الدونمات وعشرات البيوت التي تقع على جانبي هذه الطرق تاركة مساحات واسعة.  كذلك الأمر بالنسبة إلى المناطق المحاذية للمستوطنات والمواقع العسكرية لقوات الاحتلال. كما تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين في محاولة إلى الاستيلاء على المزيد من الأراضي الزراعية وضمها إلى المستوطنات القائمة أصلا بالقرب من هذه الأراضي.  وتجدر الإشارة هنا إلى أن قوات الاحتلال أقامت العديد من المواقع العسكرية فوق الأراضي المصادرة، أو المنازل التي سيطرت عليها بالقوة. كما شرعت في بناء عدة طرق استيطانية جديدة تربط بين المستوطنات والطرق الجانبية بحجة توفير الأمن للمستوطنين وجنود الاحتلال الذين يتعرضون لإطلاق النار والكمائن على هذه الطرق.  فقد شقت قوات الاحتلال الإسرائيلي طريقا استيطانيا جديدا يربط بين شارع صلاح الدين ومستوطنة موراج إلى الشرق من مدينة رفح، وذلك على حساب أراضي المواطنين الفلسطينيين من آل ضهير.  كما شرعت قوات الاحتلال بأعمال تجريف واسعة وشق طريق استيطانية جديدة بعرض 50م وطول 1000متر، تربط بين


شارع صلاح الدين ومجمع مستوطنات غوش قطيف، على حساب أراضي زراعية تعود ملكيتها لعائلة أبو هولي في المنطقة المعروفة بـ"أبو هولي"، جنوب دير البلح.[4]

 ويحظر على المواطنين الفلسطينيين في غالب الأحيان دخول الأراضي التي يتم تجريفها التي تقع بالقرب من الطرق الجانبية، وبمحاذاة المستوطنات أو على الشريط الحدودي، أو بالقرب من المواقع العسكرية لقوات الاحتلال.  وفي عديد الحالات التي حاول المواطنون فيها دخول أراضي أو العمل بها باشرت قوات الاحتلال بإطلاق النار عليهم مما أدى لاستشهاد تسعة مواطنين خلال الفترة قيد البحث.[5]  كما يشكل السير عبر الطرق الرئيسة القريبة من الطرق الجانبية خطرا كبيرا على أرواح المواطنين نتيجة لتربص قناصة جنود الاحتلال بهم، مما حذا بالمواطنين لتجنب السير بالأقدام على هذه الطرقات خوفا على حياتهم.

 وقد أدت هذه السياسة التي انتهجتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر العام الماضي إلى تدمير الاقتصاد الفلسطيني على المستوى الزراعي والصناعي على حدٍ سواء.  فقد أدى تجريف آلاف الدونمات من الأراضي المزروعة بالخضار، واقتلاع عشرات آلاف الأشجار المثمرة، وتدمير مئات الآبار الجوفية، وإتلاف خطوط وشبكات الري ومواتير المياه، وإتلاف المعدات والآلات الزراعية، وتدمير عشرات مزارع الدواجن والحيوانات إلى خسائر مادية جسيمة تكبدها الاقتصاد الزراعي الفلسطيني النامي، وفقدان آلاف الأشخاص لمصدر رزقهم الوحيد.  وقد يكلف هذا الأمر في حال استمراره الفلسطينيين سنوات طويلة كي يتعافى مما لحقه من أذى، على مستوى إنقاص مساحة الأراضي الزراعية بنسبة 7.25%، من المساحة الإجمالية للأراضي الزراعية في قطاع غزة التي تصل إلى 156.720 ألف دونم.[6]  وهي نسبة مهولة إذا ما أخذنا في الحسبان ضعف الإمكانيات الفلسطينية وتخلفها في هذا المجال.  كما أن الدول المتقدمة تسعى إلى تطوير اقتصادها الزراعي من خلال زيادة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، بوضع خطة خمسية وتوفير الإمكانيات الهائلة لزيادة تلك المساحة بنسبة 1% أو 2% خلال بضعة سنين.  وإذا ما تحقق هذا الأمر فإنه يعتبر إنجاز كبير.

 من ناحية أخرى، أدت سياسة هدم المنازل إلى تشريد مئات العائلات الفلسطينية من بيوتها وأصبحت بلا مأوى، حيث أقامت لهم بعض مؤسسات الإغاثة خيام للعيش فيها.  وإذا ما أخذنا في الحسبان أن معدل عدد الأسرة الفلسطينية هو سبعة أفراد، فإن 2212 شخص في قطاع غزة قد اصبحوا بلا مأوى جراء تجريف وهدم منازلهم.  ناهيك عن إلحاق خسائر مادية جسيمة بسبب هدم البيوت التي يمتلكونها، والأثاث أو حتى المصوغات الذهبية والأموال في بعض الأحيان نتيجة عدم تمكنهم من نقلها قبل عملية الهدم المفاجئة.

 كما أدى تدمير عشرات المصانع وورش العمل إلى إلحاق الأذى بالاقتصاد الصناعي الفلسطيني الوليد، وانضمام أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين إلى جيش البطالة المتفشية في قطاع غزة نتيجة الإغلاق الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وعدم السماع للعمال الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل.

 

مبررات قوات الاحتلال

تعتبر إسرائيل الحالة التي تشهدها الأراضي المحتلة منذ 29/9/2000، (انتفاضة الأقصى) بأنها حالة نزاع مسلح بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وذلك بحجة تبرير عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني.  وترى إسرائيل أنها لم تعد ملزمة بالتصرف وفقا لقواعد إنفاذ القانون بل أنها في حالة نزاع مسلح يحق فيه لها أن تستخدم الوسائل العسكرية، بما في ذلك استخدام الأسلحة القاتلة من أجل قمع المظاهرات السياسية وقتل الفلسطينيين بدم بارد وتدمير المنازل والممتلكات بحكم الضرورة الأمنية.

 وتبرر قوات الاحتلال أعمال التجريف والهدم على نطاق واسع من الأراضي الزراعية الفلسطينية والمنازل السكنية بقيام الفلسطينيين بأعمال "تخريبية" ضد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين من هذه الأراضي.  حيث تجتاح قوات الاحتلال المنطقة التي يتعرض فيها جنودها أو المستوطنين لعمليات مقاومة وتقوم باقتلاع الأشجار وتسوية الأرض وهدم المنازل التي يطلق منها النار، بحجة كشف المكان لضرورات أمنية.  وبالرغم أن أعمال المقاومة في تلك المناطق انخفضت بشكل ملحوظ عما كانت عليه في بداياتها، إلا أن أعمال التجريف والهدم استمرت بشكل متسارع.  وفي كثير من الأحيان تتم هذه العمليات في فترات هدوء تشهدها المنطقة ودون حوادث تذكر.

 وتهدف هذه الأعمال فيما تهدف إليه، إلى زيادة المعاناة على المواطنين الفلسطينيين، وهذا بحد ذاته يدحض الافتراءات والأكاذيب التي تسوقها سلطات الاحتلال بأن هذه العمليات تندرج في إطار الضرورات الأمنية وحفاظا على أرواح الجنود والمستوطنين حيث تطلق النيران من خلف البيوت والأشجار.  إذ لو كان الأمر كذلك، فلماذا إذاً تتم هذه العمليات في الليل؟  ولماذا لا يتم إخطار أصحاب البيوت بنية الهدم قبل وقت قصير ولو لعدة ساعات على الأقل ليتسنى لهم نقل محتويات المنزل؟ ولماذا يتم فرض منع التجول على المنطقة وإطلاق النار لإرهاب المواطنين؟  وإذا كانت قوات الاحتلال تستطيع الوصول إلى تلك المناطق بسهولة ويسر دون أن تتعرض للخطر، فلماذا إذاً تتم عمليات هدم البيوت والآبار الجوفية وإتلاف شبكات الري والمزروعات التي لا تشكل أي خطر يتهدد حياة الجنود والمستوطنين.  وإذا كان هنالك خطر على حياة الجنود والمستوطنين من خلف الأشجار التي تقع على جانبي الطريق، فلماذا يتم اقتلاعها من جذورها ولا تكتف سلطات الاحتلال بتقليم هذه الأشجار، وتقليل الضرر إلى أقل حد ممكن.  لا يمكن فهم هذه التصرفات العدوانية كما تدعي قوات الاحتلال تحت حجة الضرورات الحربية، بل هي تندرج في إطار العقوبات الجماعية على الشعب الفلسطيني وإمعاناً في زيادة المعاناة عليه.

 

أعمال مناقضة للقانون الدولي الإنساني

لقد أقر المجتمع الدولي منذ العام 1967، أن القوات الإسرائيلية هي قوة احتلال حربي، وأن الأراضي الفلسطينية هي أراضي محتلة تنطبق عليها أحكام اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، المتعلقة بحماية السكان المدنيين وقت الحرب. وبصفة دولة الاحتلال طرفا متعاقدا على الاتفاقية، يتحتم على دولة الاحتلال تطبيق أحكام هذه الاتفاقية.  كما وتفرض هذه الاتفاقية، والقانون الدولي الإنساني برمته، على المتعاقدين توفير الحماية للسكان المدنيين.

وقد أقرت إسرائيل بتطبيق الاتفاقية على أساس الأمر الواقع وتطبيق الشق الإنساني ولم تعترف بأنها دولة احتلال حربي على أراضي ال67.  وفيما يتعلق بما تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 29/9/2000 وحتى الآن "الانتفاضة الفلسطينية" ترفض إسرائيل قطعيا التعامل معها على أساس احتلال للأراضي الفلسطينية خاصة فيما يتعلق بالمناطق "أ" التي تخضع للسيادة الفلسطينية الكاملة.  سبب آخر تدعيه هو الأسلحة المستخدمة في هذه الانتفاضة على عكس ما كان الحال عليه في انتفاضة العام 1987 التي كانت الحجارة بينما الآن تستخدم أسلحة متقدمة وبنادق وأسلحة أثقل مما كانت عليه في السابق.  لذا توصف الحالة التي تشهدها الأراضي المحتلة "الانتفاضة" بأنها حالة نزاع مسلح بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وذلك بحجة تبرير عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني.  وترى إسرائيل أنها لم تعد ملزمة بالتصرف وفقا لقواعد إنفاذ القانون بل أنها في حالة نزاع مسلح يحق فيه لها أن تستخدم الوسائل العسكرية، بما في ذلك استخدام الأسلحة القاتلة من أجل قمع المظاهرات السياسية وقتل الفلسطينيين وتدمير المنازل والممتلكات المدنية بحكم الضرورة الأمنية.

 غير أن عديد من لجان التحقيق التي شكلتها منظمات حقوق الإنسان الدولية ترى أن حالة الأراضي الفلسطينية هي حالة شعب محتل يخضع لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ولذا يحق له مقاومة هذا الاحتلال بشتى الوسائل العسكرية.  وترفض هذه المنظمات توصيف إسرائيل بأنها الحالة بمثابة حالة نزاع مسلح " ومن الواضح أنه ليس هناك نزاع دولي مسلح في المنطقة، حيث إن المعايير المقبولة لقيام الدولة لم تستوف بعد في حالة فلسطين رغم ما تحظى به من اعتراف واسع النطاق.[7]"كما ترى اللجنة ذاتها "أن النزاع يظل يخضع لقواعد اتفاقية جنيف الرابعة.  ولا تقبل اللجنة الحجة الإسرائيلية التي تعتبر أن اتفاقية جنيف الرابعة لا تنطبق بسبب عدم وجود سلطة متبقية ذات سيادة في الأرض الفلسطينية المحتلة."[8]

 المادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب تنص على أنه "يحظر على دولة الاحتلال الحربي أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو السلطات العامة أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير."  كما تحظر المادة (147) من نفس الاتفاقية عل