المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان

 

 

" تقرير خاص حول معبر رفح "

 

 

 

مقدمــة

منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر 2000، تقوم قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بإغلاق معبر رفح الحدودي مع مصر بين الفترة والأخرى. ووفقاً لما تدعيه تلك القوات، أن الإغلاق يأتي كرد فعل على أحداث معينة أو كإجراء وقائي لمنع حدوث هجمات، أو لمنع تهريب الأسلحة، وغيرها من المبررات التي ليس لها أساس من الصحة في معظم الأوقات. وبموجب هذا الإغلاق التي تقوم به قوات الاحتلال يمنع آلاف المواطنين من سكان قطاع غزة من حرية التنقل والسفر من وإلى قطاع غزة. وفي كل مرة يترك هذا الإغلاق آثاراً سلبية تمس مجمل الحقوق المدنية والسياسية، فضلا عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لحوالي مليون ونصف المليون، هم سكان قطاع غزة.

و مما زاد من تفاقم القيود على حرية الحركة والتنقل على معبر رفح، قيام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتدمير مهبط مطار غزة الدولي، وذلك بتاريخ 14/2/2001م. وجراء ذلك، أصبح المواطنون الفلسطينيون يعتمدون على معبر رفح البري الذي عادة ما يشهد ازدحاماً شديداً بالمسافرين.

ولعل الإغلاق الأخير الذي تعرض له معبر رفح بتاريخ 18/7/2004، يعتبر الأطول منذ بداية انتفاضة الأقصى، حيث استمر قرابة تسع عشرة يوماً بشكل متواصل،  مما خلق واقعاً إنسانياً لم تشهده المنطقة من قبل. وعلى الرغم من إعادة فتحه بتاريخ 6/8/2004، إلا أنه مازال يشهد ازدحاماً شديداً بالمسافرين، لا سيما المغادرين الذين تعطلت أعمالهم جراء الإغلاق الأخير. 

يهدف هذا التقرير إلى إلقاء الضوء حول الإغلاق الإسرائيلي لمعبر رفح في ظل انتفاضة الأقصى، والآثار المترتبة عليه، وتحليل ذلك من منظور حقوق الإنسان. وتحديداً سوف يتناول العناوين التالية:

· خلفية العمل بسياسة الإغلاق.

· إغلاق المعبر في ظل انتفاضة الأقصى.

· أثر إغلاق المعبر على تمتع المواطنين الفلسطينيين بحقوقهم.

· الإغلاق الإسرائيلي في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

· دور المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تجاه إغلاق المعبر.

· خلاصة وتوصيات.


 

·خلفية العمل بسياسة الإغلاق[1]

منذ أن احتلت إسرائيل قطاع غزة أصدرت الأمر العسكري رقم 1، والذي أعلن عن إغلاق منطقة قطاع غزة من اليوم الأول لاحتلاله ومنعت بموجبه دخول أو خروج أي فرد من المنطقة ما لم يحصل على تصريح خاص من القائد العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة.  وقد نجم عن هذا الأمر منع سكان القطاع من التوجه إلى الخارج أو إلى إسرائيل أو إلى الضفة الغريبة بما فيها القدس وفي نفس الوقت حظرت بموجب ذلك الأمر عودة سكان القطاع المتواجدين خارجه سواء في الدول العربية أو غيرها من الدول الذين تواجدوا وقت الحرب في تلك الدول للتعليم أو للزيارة أو لظروف عملهم وحالت الحرب دون عودتهم وقد ترتب على هذا حرمان هؤلاء السكان من حق العودة إلى القطاع بشكل نهائي.

وبعد عام تقريباً أصدر القائد العسكري تصريحاً عاماً سمح من خلاله لسكان القطاع بالخروج منه إلى الضفة الغربية فقط دون الحاجة إلى تصريح من القائد العسكري شرط أن يكون الشخص حاملاً لبطاقة الهوية وجرى تحديد الساعات المسموح فيها للخروج من القطاع والدخول إليه. وفي العام 1972 أصدر القائد العسكري لقطاع غزة تصريحاً عاماً جديداً سمح من خلاله لسكان القطاع بالخروج إلى إسرائيل وكذلك الحال الضفة الغربية ما بين الساعة الخامسة صباحاً والواحدة ليلاً. وما يجدر ذكره في هذا السياق أن القائد العسكري للمنطقة بإعطائه تصريحاً عاماً لسكان القطاع بالخروج منه والدخول إليه لم يلغ مطلقاً الأمر العسكري رقم 1 الخاص بإغلاق قطاع غزة بل حافظ عليه نصاً وروحاً، حيث اشترط الأمر المشار إليه الحصول على تصريح للخروج من المنطقة وهو ما قام به عملياً مع جميع السكان.

وقد استمر العمل بهذا التصريح العام حتى العام 1988 (الانتفاضة الأولى)، حيث أصدر القائد العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة أمراً عسكرياً علق بموجبه التصريح العام الذي منح لسكان القطاع وألزم جميع سكان القطاع من الرجال الذين أتموا السادسة عشر من العمر وممن ينوون الخروج من القطاع بالحصول على البطاقة الممغنطة على أن يحصل من يود الخروج إلى الضفة وإسرائيل على تصريح آخر. " إن البطاقة الممغنطة هي وسيلة هدفت أساسا لتشديد التحكم بالسكان الفلسطينيين فقد شكلت أساساً لتصنيف السكان الفلسطينيين أمنياً وضريباً إضافة إلى أنها لا تعني إطلاقاً تصريحاً للشخص المعني بحرية الخروج من القطاع.

وقد قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق قطاع غزة وكذلك الحال الضفة الغربية منذ ذلك التاريخ بشكل كامل عدة مرات ولفترات طويلة وقد حرم حتى من يحملون البطاقة الممغنطة والتصاريح اللازمة من الخروج من القطاع أثناء سريان مفعول الإغلاق، وما يجدر ذكره أن القوات الإسرائيلية وبعد كل إغلاق تضع ترتيبات جديدة وقيود إضافية على حرية الحركة والمغادرة حيث تلغى التصاريح المعمول بها وتصدر تصاريح جديدة وتضع السن كشرط من ضمن الشروط العديدة للسماح بالخروج من القطاع.

·     إغلاق المعبر في ظل انتفاضة الأقصى

يعتبر معبر رفح المنفذ البري الوحيد الذي يربط قطاع غزة بالعالم الخارجي، بعد تدمير قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي مطار غزة الدولي بتاريخ 14/2/2004[2].  ويقع المعبر في جنوب مدينة رفح، على الشريط الحدودي الذي يفصل الأراضي الفلسطينية عن أراضي جمهورية مصر العربية. وبعد قدوم السلطة الوطنية في العام 1994، أشرفت على المعبر، ولكن دون إعطائها صلاحيات في الإشراف على الجوانب الأمنية، التي هي من صلاحيات الجانب الإسرائيلي.  ومنذ ذلك التاريخ، ومعبر رفح يعمل على مدار الساعة، وطوال أيام السنة. باستثناء عيدين، هما عيد الأضحى المبارك لدى المسلمين، و عيد الغفران لدى اليهود، حيث يتم إغلاق المعبر فيهما. جدير بالذكر أنه يوجد أربع منافذ أخرى تصل قطاع غزة بالعالم الخارجي وبالضفة الغربية وإسرائيل، ولكنها ليست تستخدم للتبادل التجاري وتنقل العمال[3].

وفي أعقاب اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من شهر أيلول/ سبتمبر للعام 2000، أغلقت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي معبر رفح، وذلك بتاريخ 9/10/2000. كما أغلقت جميع المنافذ والمعابر التي تصل قطاع غزة بالعالم الخارجي والضفة الغربية و إسرائيل.  ووفقاً لتوثيق المركز، بلغ عدد الأيام الذي أغلق فيها المعبر بشكل كلي حوالي 170 يوماً، وذلك منذ بداية الانتفاضة وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير. فيما تم إغلاقه بشكل جزئي باقي الفترة المشار إليها. 

 وبموجب إغلاق المعبر يمنع المسافرون من الحق في حرية التنقل والسفر من وإلى قطاع غزة، في انتهاك سافر لأبسط حقوق الإنسان.

ولعل الإغلاق الأخير الذي تعرض له معبر رفح بتاريخ 18/7/2004، يعتبر الأطول منذ بداية انتفاضة الأقصى، حيث استمر قرابة تسع عشرة يوماً بشكل متواصل، مما خلق واقعاً إنسانياً لم تشهده المنطقة من قبل. وعلى الرغم من إعادة فتحه يوم الجمعة الموافق 6/8/2004، إلا أنه مهدد بالإغلاق في أية لحظة.

وكانت قوات الاحتلال قد اتخذت قراراً في العام 2003، يقضي بمنع المواطنين الفلسطينيين ممن تتراوح أعمارهم ما بين 16- 35 عاماً من السفر عبر معبر رفح على الحدود المصرية الفلسطينية. و بموجب ذلك حرمت هذه الفئة من السفر عبر المعبر، وذلك ابتداءً من 8/1/2003 - 3/3/2003، حيث ألغي العمل بالقرار لمدة أسبوع، لتعود قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى وضع شروط جديدة، من بينها أن لا يتجاوز عدد المسافرين من هذه الفئة 40 مسافراً على أن يتم توزيعهم على أربع حافلات في كل حافلة 10 مسافرين، إضافة إلى مقابلتهم من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية المتواجدة في المعبر. يشار أيضاً إلى أن القرار السابق كان قد استثنى فئة النساء.  وفي يوم الجمعة الموافق 16/4/2004، اتخذت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي القرار نفسه. وما زال هذا القرار ساري المفعول حتى تاريخ إعداد هذا التقرير. جدير بالذكر أن القرار الجديد قد شمل كلا الجنسين، أي ما نسبتهم حوالي 13% من المجموع الكلي للسكان في قطاع غزة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء. وبموجب ذلك حرم عشرات المرضى ممن يضطرون إلى السفر خارج البلاد لتلقي العلاج، نظراً لتردي الأوضاع الصحية، ونظراً لعدم توفر الإمكانيات الضرورية لعلاج بعض الأمراض مثل السرطان.  و كذلك يحرم القرار مئات الطلاب الدارسين في الجامعات خارج قطاع غزة. جدير بالذكر أن قوات الاحتلال الإسرائيلي عادت بعد مضي شهر على القرار وسمحت للنساء من الفئة المذكورة بالسفر عبر المعبر.

وفي أيام الإغلاق الجزئي لا يعمل المعبر إلا بطاقة إنتاجية محدودة جداً، وصلت تقريباً إلى 20%. و بموجب ذلك وصل معدل المسافرين عبر المعبر حوالي 200 مسافراً يومياً من المغادرين، و200 مسافراً من القادمين، من أصل حوالي 1000 مسافر في الأوضاع الطبيعية.[4]  علاوة على ذلك تفرض تلك القوات إجراءات تعسفية وقيود مذلة على المسافرين، مما يخلق واقعاً مأساوياً داخل المعبر جراء تكدس آلاف المسافرين من القادمين والمغادرين على جانبي المعبر. هؤلاء المسافرون محرومون من التمتع بأبسط أنواع الخدمات التي تسد أدنى احتياجاتهم الأساسية. ولا يستثنى من ذلك الأطفال والشيوخ والنساء والمرضى أيضاً. وفي أوقات كثيرة يضطر المسافرون القادمون إلى قطاع غزة للمبيت داخل المعبر في الجانب المصري.

وقد تصاعدت وتيرة هذه الإجراءات والقيود المجحفة التي تضعها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في الفترة ما بين بداية شهر أبريل 2004 وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير.  وجراء ذلك، يشهد المعبر ازدحاماً أكثر شدة، حيث يتكدس آلاف المسافرين من القادمين إلى قطاع غزة أو المغادرين منه. وتفيد المعلومات التي حصل عليها المركز عن حركة المسافرين خلال الشهور أبريل ومايو ويونيو، ومنتصف يوليو/2004،  أن المعدل اليومي للمغادرين بلغ في أقصاه 285، أما للقادمين فقد بلغ 202، وذلك خلال شهر يونيو 2004.  في حين أن المعدل اليومي للمغادرين بلغ في أدناه 97، وللقادمين 138، وكان ذلك خلال شهر مايو 2004. 

 

· الآثار المترتبة على إغلاق المعبر [5]

أدت الإجراءات التي تفرضها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على معبر رفح، إلى حرمان الفلسطينيين من التمتع بحقهم في حرية الحركة والتنقل. وهو حق مكفول لكل مواطن دونما تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو أي سبب من الأسباب. كما ترتب على إغلاق قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لمعبر رفح طوال فترة الانتفاضة إلى انتهاكات لمجمل الحقوق التي من الضروري أن يتمتع بها المواطنون الفلسطينيون، والتي كفلها القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وفيما يلي إبراز لهذه الانتهاكات نذكرها على سبيل التوضيح وليس الحصر:

 

1- الإهانة و المعاملة الحاطة بالكرامة

جراء إغلاق المعبر، وجراء العراقيل والإجراءات المعقدة التي تضعها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، يتكدس أعداد كبيرة من المسافرين على جانبي المعبر. وفي معظم الأحيان يضطر كثير منهم إلى المبيت داخل المعبر، في ظل عدم وجود أي نوع من الخدمات الأساسية، فضلاً عن افتقار المعبر لأي مرافق صحية مناسبة. وجراء ذلك يفترش المواطنون الأرض ليستريحوا من عناء السفر. جدير بالذكر أن معبر رفح غير مهيأ لإقامة المسافرين، فهو معد للمرور فقط، وعليه لا يوجد استعدادات كافية ومناسبة في الأيام الذي يضطر فيها المسافرون للمبيت داخل المعبر. هذه الأوضاع تسبب الأذى والإهانة والحط من كرامة المسافر. خاصة وأن من بين المسافرين أطفال ونساء وشيوخ ومرضى. 

 

2- انتهاك الحق في التعليم

شكل إغلاق قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لمعبر رفح منذ بدء الانتفاضة، انتهاكا فاضحا للحق في التعليم، لا سيما المادتين (13، 14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبالنظر إلى التحاق الآلاف من الطلبة الفلسطينيين للدراسة الجامعية خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبإغلاق قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لمعبر رفح على الحدود المصرية الفلسطينية، تحرم تلك القوات هؤلاء الطلبة من حقهم في الوصول إلى جامعاتهم. كما تلجأ إلى مساومة الطلاب المغادرين من قطاع غزة، وإخضاعهم للتحقيق. كذلك تقوم بمنعهم من السفر لتفويت فرصة التحاقهم بجامعاتهم.  وقد ساهم القرار، الذي اتخذته قوات الاحتلال الإسرائيلي والقاضي بمنع الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 16 – 35 عاماً، إلى مضاعفة معاناة الطلاب الفلسطينيين،  حيث لا يزال مئات من الطلاب المنتسبين في الجامعات خارج قطاع غزة محرومين من مواصلة دراستهم. جدير بالذكر أن معظم الطلاب يقعون ضمن هذه الفئة العمرية. 

 

3- انتهاك الحق في الصحة

أدى الإغلاق و الإجراءات الإسرائيلية المفروضة على معبر رفح إلى انتهاكات جسيمة في تمتع المواطنين الفلسطينيين بالحق في الصحة. وتمنع القوات الحربية الإسرائيلية المرضى من حقهم في تلقي العلاج خارج الوطن. و تستمر في عرقلة سفرهم ويجبر العشرات منهم على إجراء مقابلات مع ضباط الأمن الإسرائيلي.  فوفقاً لمعلومات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، يوجد عشرات المرضى الذين منعوا من السفر لتلقي العلاج بالخارج.[6]  فضلأ عن ذلك، قد يتعرض المسافرون المرضى أو ذويهم لاعتقالات من قبل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي.[7] 

كما نجم عن الإجراءات والعراقيل الإسرائيلية على معبر رفح، وفاة عدد من المرضى، وقد وثق المركز الفلسطيني 4 حالات ممن توفاهم الله جراء العراقيل والإجراءات المشددة على معبر رفح[8].  ووفقاً لآخر المعلومات التي حصل عليها المركز، أجهضت عدة حالات داخل المعبر أثناء الإغلاق الأخير الذي استمر تسعة عشر يوماً، فضلاً عن وجود حالات ولادة.[9]  عدا عن ذلك، وفي أوقات كثيرة، حال إغلاق قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي دون السماح للإمدادات الإنسانية الطبية والغذائية من المرور عبر معبر رفح. في الوقت الذي كان فيه قطاع غزة بحاجة ماسة لهذه المعونات نتيجة لما خلفته الاعتداءات و الاجتياحات المتكررة التي تقوم بها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على بعض المناطق الفلسطينية في قطاع غزة، مثلما حصل في رفح وبيت حانون والزيتون والشجاعية، وغيرها من المناطق. وفي كل مرة اعتداء واجتياح تخلف قوات الاحتلال واقعاً مأساوياً يستلزم تقديم المعونات والخدمات الإنسانية العاجلة لأهالي المناطق المعتدى عليها.

4- الحق في العمل

يعمل آلاف الفلسطينيين في بعض الدول العربية والأجنبية بوظائف شتى. وفي كل عام يعود أعداد كبيرة منهم لزيارة أسرهم وأهلهم في قطاع غزة. وجراء إغلاق المعبر، والقيود المفروضة عليه، يفقد العديد من هؤلاء العاملين وظائفهم وإقامتهم في الدول التي يعملون بها. ويشكل ذلك انتهاكاً واضحاً لحق هؤلاء في العمل.  ووفقاً لمصادر الشئون المدنية في السلطة الوطنية الفلسطينية، هناك مئات الحالات من الذين يعملون في الدول العربية جاءوا لزيارة أقاربهم، ولم يتمكنوا من العودة بسبب إغلاق المعبر من الفترة ما بين 18/8-6/8/2004.  هؤلاء انتهت إقامتهم في الدول العربية، و باتوا مهددون بفقدان وظائفهم وأعمالهم.

5- حرية ممارسة الشعائر الدينية

خلال انتفاضة الأقصى، وجراء تحكم قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في معبر رفح، حرم المئات من مواطني قطاع غزة من حقهم في ممارسة الشعائر الدينية.  فقد منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وعلى مدار سنتين متتاليتين، هما 2002، 2003م، عدداً كبيراً من الحجاج الفلسطينيين في قطاع غزة من السفر إلى الديار الحجازية، في المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج.  هؤلاء الحجاج كانوا من ذوي شهداء انتفاضة الأقصى الحالية. وكذلك ممن هم ضمن الفئة العمرية ما بين 16 وحتى 35 عام.  علاوة على عدد من الحجاج الذين منعتهم قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بدعاوى أمنية.[10]

6- اعتقال الفلسطينيين

تقوم قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بين الحين والآخر، باعتقال عدد من المواطنين سواء القادمين أو المغادرين، بعد عرضهم على ضباط المخابرات الإسرائيلية الذين يمارسون سياسة المساومة والابتزاز بحق المسافرين.[11] ومن بين المعتقلين طلاب ومرضى وأفراد يعملون في الأجهزة الأمنية والشرطية الفلسطينية.  

 

· الإغلاق الإسرائيلي في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان

منذ أن احتلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها مدينة القدس، في حرب عدوانية في العام 1967م، قامت بفرض حكمها العسكري عليها.  ومنذ ذلك التاريخ والمجتمع الدولي يقر ويؤكد على أن القوات الإسرائيلية هي قوة احتلال حربي وأن الأراضي الفلسطينية هي أراض محتلة، وأن أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية السكان المدنيين وقت الحرب للعام 1949، تنطبق عليها قانوناً، وأن سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ملزمة بتطبيق أحكام الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  ورغم ذلك فإن سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أمعنت في انتهاكها وبشكل منظم لأحكام الاتفاقية ومجمل قواعد القانون الدولي فيما يتعلق بإدارتها للأراضي الفلسطينية المحتلة وعلاقتها بالسكان الفلسطينيين المدنيين الذين يخضعون للحماية.  جدير بالذكر أن القانون الدولي الإنساني وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة تهدف لتوفير الحماية لضحايا الحروب وتحديدا للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة، لذا فهي تؤكد على أن دولة الاحتلال ليست مطلقة اليدين في استخدام ما تشاء من القوة أو الإجراءات أو السياسات في إدارتها للأراضي المحتلة، ويجب على الدوام أن تراعي إلى أقصى حد مصالح السكان المدنيين وحماية ممتلكاتهم وألا تغير من الوضع القانوني لتلك الأراضي.

وتمثل سياسة الحصار شكلاً من أشكال العقوبة الجماعية التي يحظرها القانون الدولي الإنساني، خاصة أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية السكان المدنيين وقت الحرب، والقانون الدولي لحقوق الإنسان.  فالمادة 33 من الاتفاقية المشار إليها "تحظر على قوات الاحتلال الحربي القيام بمعاقبة الأشخاص المحميين على جرائم لم يرتكبونها، كما تحظر على تلك القوات اتخاذ تدابير اقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم"[12]

وتؤكد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على حق كل شخص في التنقل والحركة، وتنص المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 1966، "على حق كل شخص يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما في حرية التنقل واختيار مكان إقامته، وحقه في حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده" [13].  كما تتناقض هذه الأعمال العدوانية غير المبررة مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966، بموجب المادة (1)، حيث تنص على أنه "لا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة."[14].  وبموجب المادة (5) من نفس العهد " تحظر على أي دولة أو جماعة أو شخص مباشرة أي نشاط أو القيام بأي فعل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد…"[15].  

علاوة على ذلك اعتبرت لجنة مناهضة التعذيب[16]، أن سياستي الحصار وهدم المنازل اللتين تمارسهما قوات الاحتلال تشكلان انتهاكا للمادة (16) من اتفاقية منع التعذيب و المعاملة القاسية والحاطة بالكرامة، ولا يمكن تبرير استخدام هاتين السياستين تحت أي ظرف من الظروف. إن أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان ملزمة لدولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي كونها طرفاً في معظم الاتفاقيات الدولية.      

 

·       دور المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تجاه إغلاق المعبر

منذ اللحظات الأولى من اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر للعام 2000، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يتابع ما تمارسه قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي من انتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين. وقد حظي معبر رفح وما يتعرض له المسافرون داخل المعبر على اهتمام خاص من قبل المركز. ويمكن ذكر دور المركز الفلسطيني تجاه معبر رفح على النحو التالي:

1.     فضح انتهاكات سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بحق المسافرين الفلسطينيين، المغادرين والقادمين، وذلك من خلال البيانات الصحفية والمناشدات التي يوجهها المركز الفلسطيني للمجتمع الدولي ومؤسساته المعنية بحقوق الإنسان.

2.     إصدار نشرة خاصة حول الإغلاق الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة، وتأثير ذلك على تمتع المواطنين بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.فضلا عن تمتعهم بحقوقهم المدنية والسياسية. وقد أصدر المركز حوالي 24 عدداً من هذه النشرة، وذلك منذ بداية الانتفاضة وحتى تاريخ 30/6/2004. جدير بالذكر أن المركز كان قد أصدر 22 عدداً من النشرة في العام 1996، إثر قيام قوات الاحتلال الحربي بالإسرائيلي بإغلاق قطاع غزة على ضوء الأحداث التي دارت في القطاع أنذاك.

3.     تقديم المساعدة القانونية من خلال محامي المركز للأشخاص الذين منعتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي من السفر إما لاستكمال دراستهم أو لتلقي العلاج. ومنذ بداية الانتفاضة وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، تلقى المركز حوالي 75 طلباً بهذا الخصوص. وقد تمكن المركز من الحصول على قرارات إيجابية من المستشار القانوني الإسرائيلي،  يسمح بموجبها سفر العديد من الحالات التي تقدمت للمساعدة. وفي بعض الحالات يكون رد المستشار على طلبات المركز سلبي وتحت ذرائع أمنية. وفي هذه الحالة يلجأ محامو المركز إلى رفع الشكوى إلى المحكمة الإسرائيلية العليا، وغالباً ما يكون قرارها سلبياً أيضاً. جدير بالذكر أنه ما زال هنالك طلبات في انتظار الرد عليها[17].

 

· الخلاصـة و التوصيـات

بعد مرور حوالي 46 شهراً على الحصار الشامل الذي تفرضه قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة تستمر معاناة الشعب الفلسطيني وتتدهور ظروفه المعيشية بصورة غير مسبوقة وغير محتملة. كما يعيش المواطنون في قطاع غزة حالة من الإحباط والقهر جراء الممارسات القمعية وسياسة التجويع والعقاب الجماعي التي تمارسها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي.  وقد بات قطاع غزة اليوم مقسما إلى عدة مناطق منعزلة بعضها عن بعض،  حيث سدت جميع منافذه إلى العالم الخارجي.  

وإزاء ذلك يكرر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مطالبته بوقف سياسة الحصار والتجويع ضد أبناء الشعب الفلسطيني.  كما يناشد الهيئات والمنظمات الدولية لممارسة ضغوطها على حكومة الاحتلال الإسرائيلي من أجل الكف عن احتجاز أكثر من 3 مليون فلسطيني رهائن لديها دون مبرر.  لقد أصبح الوضع كارثيا بشكل غير معقول وغير مسبوق منذ الاحتلال الإسرائيلي في 5 يونيو / حزيران 1967م.  إزاء ذلك يدعو المركز إلى ما يلي:

1-   إلزام إسرائيل باحترام الاتفاقيات الدولية والانصياع إلى قرارات الشرعية الدولية.

2-   الضغط على إسرائيل لإجبارها على رفع الحصار فورا عن الشعب الفلسطيني، ووقف عدوانها الهمجي وغير المبرر عليه وعلى ممتلكاته.

3-   تقديم مساعدات إنسانية عاجلة للشعب الفلسطيني الذي تتدهور ظروفه المعيشية بشكل مطرد جراء استمرار الحصار الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

4-   تفعيل آليات التدخل الفوري والعاجل من قبل هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها، ومن قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتأمين إدخال وإيصال المعونات الطبية والتموينية للمناطق الفلسطينية المحاصرة.

5-   اتخاذ خطوات فعالة من جانب الاتحاد الأوروبي بموجب المادة الثالثة من اتفاقية الشراكة الأوربية الإسرائيلية التي تشترط احترام إسرائيل لحقوق الإنسان.

6-   إخضاع قادة ورؤساء دولة الكيان الإسرائيلي لمحاكمة دولية كمجرمي حرب يواصلون ارتكاب جرائمهم بحق الشعب الفلسطيني.


 

[1]  المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الإغلاق الإسرائيلي لقطاع غزة، دراسة قانونية وتوثيقية " سلسلة الدراسات "6"، يوليو 1996، ص 10،9،8.

[2]  مطار غزة الدولي:يقع مطار غزة الدولي جنوب شرق مدينة رفح في جنوب قطاع غزة، وقد تعرض المطار للإغلاق المتكرر منذ بداية انتفاضة الأقصى، كما تعرض للتجريف والتدمير على يد قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي. وقد أدى إغلاق وتدمير مطار غزة الدولي وهو المنفذ الجوي الوحيد للأراضي الفلسطينية إلى توقف العمل فيه كليا أمام نقل البضائع والمسافرين منذ يوم الأربعاء الموافق 14/2/2001م، وحتى الآن، مما زاد من حجم الخسائر الفلسطينية سواء على مستوى التجار أو على مستوى شركة الطيران الفلسطينية التي توقفت عن العمل جراء ذلك.  عدا عن ذلك، فقد أدى تدمير مطار غزة الدولي إلى تفاقم القيود على حرية الحركة والتنقل، حيث أصبح المواطنون الفلسطينيون يعتمدون على معبر رفح البري الذي عادة ما يشهد ازدحاماً شديداً بالمسافرين. 

[3] معبر بيت حانون التجاري " إيرز: يقع معبر بيت حانون " إيرز " شمال غرب مدينة بيت حانون شمال محافظة الشمال، ويشمل هذا المعبر ثلاث استخدامات، الأول لنقل البضائع، أما الثاني فهو يستخدم كممر آمن للسكان الفلسطينيين المتنقلين من وإلى قطاع غزة، في حين يستخدم الثالث لعبور عمال قطاع غزة داخل إسرائيل. وقد أغلقت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي المعبر منذ بداية انتفاضة الأقصى و ما زال مغلقاً حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.  معبر كارني التجاري:  يقع معبر المنطار" كارني" شرق مدينة غزة، وهو المعبر التجاري الرئيسي لمحافظات غزة، وقد شهد هذا المعبر إغلاقات متكررة كلية وجزئية منذ بداية انتفاضة الأقصى وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير.  معبر صوفا: يقع معبر صوفا التجاري شرق مدينة رفح عند الخط الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل ويستخدم في نقل الحصمة من إسرائيل إلى قطاع غزة. كما يستخدم كمعبر للعمال الفلسطينيين، وعددهم حالياً حوالي 330 عامل. معبر رفح التجاري:يقع معبر رفح جنوب محافظة رفح، وهو يربط بين الأراضي الفلسطينية ومصر. ومعبر رفح التجاري هو ذلك الجزء المخصص لنقل البضائع القادمة من الأراضي المصرية إلى الأراضي الفلسطينية، كما يخصص لمرور المساعدات الإنسانية التي تتبرع بها الدول العربية والأوربية للشعب الفلسطيني.وقد تم إغلاقه بتاريخ 9/10/2000. وبين الحين والآخر، تقوم قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بعرقلة العمل في المعبر، مما يعيق نقل البضائع أو المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

[4]  للمزيد، يمكن النظر إلى نشرة الإغلاق الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة، الأعداد من 22-46، الصادرة علن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.

[5]  نشرة الإغلاق، المرجع السابق.

[6] للمزيد من المعلومات، يمكن الرجوع إلى الدائرة القانونية في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ونشرة الإغلاق الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة، ووحدة البحث الميداني في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.   

[7] حيث اعتقلت يوم الجمعة الموافق 1/8/2003 المواطن جمال يوسف محمود أبو القمصان، 34 عاماً، من مخيم جباليا، أثناء عودته من مصر بعد رحلة علاج لأحد أطفاله الذي يعاني من مشاكل في إحدى ساقيه، وذلك بعدما سمح للطفل بالعبور في سيارة إسعاف فلسطينية.

[8]  أنظر، تقارير المركز الفلسطيني بعنوان الاعتداء على الطواقم الطبية، ونشرة الإغلاق الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة.

[9]   وحدة البحث الميداني في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.

[10]  يحتفظ المركز الفلسطيني بقائمة الحجاج الذين تم منعهم من أداء فريضة الحج.

[11]  يحتفظ المركز بقائمة لأسماء الأشخاص الذين يتعرضون للاعتقال على المعبر.

 

[12]  اتفاقيات جنيف الرابعة، المؤرخة في12 آب/أغسطس 1949، اللجنة الدولية للصليب الاحمر، ص198.

[13]  حقوق إنسان، مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول ( نيويورك، الأمم المتحدة، 1993)،ص35.

[14]  المرجع السابق، ص12.

[15]  المرجع السابق، ص14.

[16]  تعتبر لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب من إحدى أهم آليات وأجسام الأمم المتحدة لمراقبة مدى التزام دول العالم باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وقد تشكلت اللجنة تطبيقا للمادة (17) من اتفاقية منع التعذيب والمعاملة السيئة والحاطة بالكرامة. جدير بالذكر أن هذه الاتفاقية قد عرضت على الدول للتصديق عليها بتاريخ 10/12/1984، ودخلت حيز التنفيذ بعد أن صادقت عليها 58 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتاريخ 26/6/1987.

[17]  للمزيد من الاستفسار يمكن مراجعة الوحدة القانونية في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.