|
|
نكبة رفح الجديدة
تقرير حول انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في محافظة رفح خلال الاجتياح الأخير
الفترة من 12-24 مايو 2004
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
تمهيديركز هذا التقرير على حصر النتائج الكارثية التي خلفتها العمليات العسكرية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في محافظة رفح خلال شهر آيار/ مايو للعام 2004، وخاصة خلال الفترة من 12 إلى 24 من نفس الشهر، والتي شهدت تنفيذ ما أطلقت عليه القوات المحتلة عملية "قوس قزح". ويسعى هذا التقرير إلى لفت أنظار المجتمع الدولي، حكومات ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية، إلى جرائم الحرب المستمرة حتى لحظات كتابة هذا التقرير في الأراضي الفلسطينية المحتلة عامة، وفي محافظة رفح بشكل خاص. ويسلط هذا التقرير الضوء على الانتهاكات الجسيمة والخطرة، والتي ترتقي إلى كونها جرائم حرب، وشكلاً من أشكال عمليات الترانسفير الجماعي والتطهير العرقي في محافظة رفح، والتي استندت إلى ممارسة ترويع السكان وإرهابهم بهدف اقتلاع السكان الآمنين من منازلهم وممتلكاتهم المدنية، وترحيلهم من مناطق سكنهم. ويرصد التقرير كافة الانتهاكات الجسيمة والخطرة التي جرت خلال تلك الفترة، مع تركيز خاص على انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في محافظة رفح بما فيها محاربة السكان في وسائل عيشهم الخاصة. ويتناول التقرير عمليات التدمير والهدم المنظم والممنهج الذي نفذته القوات الحربية المحتلة في محافظة رفح، والتي أدت إلى تدمير وهدم المئات من منازل السكان المدنيين، وطالت البنية التحتية للعديد من الأحياء فيها، وأتت على كافة الخدمات الأساسية كالطرق، آبار المياه، شبكات مياه الشرب، شبكات الصرف الصحي، الكهرباء، الهاتف، المرافق العامة، المساجد، الأندية والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والرياضية، الأراضي الزراعية والمنشآت والأعيان المدنية الأخرى المختلفة، وخلفت ما يشبه الزلزال الذي ضرب المنطقة. أخيراً يستند هذا التقرير فيما وصل إليه على التحقيقات الميدانية التي تابعها المركز، عبر طواقمه المختلفة، والتي تواجدت في المنطقة، وقامت بجمع المعلومات ومقابلة الضحايا وتسجيل إفاداتهم القانونية وأخذ التسجيلات الصوتية والمصورة وجمع الأدلة القانونية، خلال عملية الاجتياح، ووصولاً إلى عمل المركز القانوني، الذي استطاع استصدار قرار احترازي من المحكمة العليا الإسرائيلية، أوقف بموجبه عملية هدم وتدمير منازل رفح، وأجل تنفيذ عملية قوس قزح لمدة ثماني وأربعين ساعة في ليلة يوم الجمعة الموافق 14 آيار/ مايو 2004.[1] |
مقدمةهذا التقرير هو جزء من الحقيقة التي يسعى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان للكشف عنها بكافة تفاصيلها، وهو عرض للانتهاكات الجسيمة والخطرة وجرائم الحرب التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال شهر مايو/ آيار 2004، وخاصة عندما قامت باجتياح محافظة رفح خلال الفترة من الثاني عشر وحتى الرابع والعشرين منه. هذه العملية الحربية التي أطلقت عليها قيادة هيئة أركان القوة الحربية المحتلة اسم "قوس قزح"، بدأت بعملية عزل وحصار شامل للمحافظة من الاتجاهات الأربعة، وحشدت لها عشرات الآليات الحربية كالدبابات والمدرعات وناقلات الجنود، بالإضافة إلى طائرات الأباتشي الهجومية وطائرات الاستطلاع، والتي جسدت أكبر حملة عسكرية يتعرض لها قطاع غزة منذ العام 1967. الوقائع الميدانية تشير إلى ارتكاب القوات المحتلة جرائم حرب فظيعة تجاه السكان المدنيين وممتلكاتهم وأعيانهم المدنية. فقد أسفرت هذه العملية عن استشهاد 58 فلسطيني، من بينهم 12 من الأطفال، فيما أصيب نحو 200 مواطن بجراح، نصفهم تقريباً من الأطفال.[2] كما خلفت العملية حالة من الدمار الشامل في الممتلكات والأعيان المدنية، وصفتها العديد من المنظمات الدولية والمحلية والعاملين في وسائل الاعلام بالحالة الإنسانية الكارثية الشاملة التي ألمت بالمحافظة، والزلزال الذي ضربها، خاصة في كل من أحياء تل السلطان، البرازيل، السلام، منطقة تل زعرب، الشوكة قرية أم النصر وصولاً إلى محيط مستوطنة موراج شمال شرقي المحافظة. الفريق موشيه يعلون، قائد هيئة أركان قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، تحدث عن العملية الحربية في آخر أيامها قائلاً: “... مشكلتنا ليست الوضع الميداني في رفح، إنما الأكاذيب التي ينشرونها بشأن ذلك. للأسف الشديد، يتحدث الفلسطينيون، وكذلك جهات معينة أخرى كمندوب وكالة غوث اللاجئين (أنروا) التابعة للأمم المتحدة، عن نحو 1650 شخص فقدوا منازلهم،... العدد الأخير الذي أعرفه أننا هدمنا 12 منزلاً فقط منذ بداية الحملة".[3] غير أن المعطيات الميدانية دحضت أقوال الفريق يعلون، حيث أدت العمليات الحربية، التي جرت خلال شهر آيار/ مايو 2004، إلى تدمير 261 منزل بشكل كلي، فيما تعرض 271 منزل إلى أضرار وتدمير بالغ، الأمر الذي خلف حالة من التشريد والتهجير القسري الجماعي لمئات العائلات الفلسطينية. وقد خسرت 561 عائلة منازلها التي دمرت وسويت بالأرض، والتي بلغ عدد أفرادها 3352 شخص معظمهم من النساء والأطفال، فيما تعرضت منازل 687 عائلة، قوامها 4069 شخص إلى أضرار بالغة جراء عمليات الهدم والتدمير، بحيث أصبحت تلك المنازل في معظمها غير صالحة للسكن وغير آمنة. واضطرت المئات من العائلات الأخرى إلى ترك وهجر منازلها حفاظاً على حياة أفرادها وأمنهم وسلامتهم، وهرباً من عمليات القتل وإطلاق النيران والقذائف الصاروخية والمدفعية تجاههم خلال تواجدهم في منازلهم. وأصبحت الحالة الأكثر إيلاماً هي تلك التي تذكر السكان بحالة التهجير القسري الجماعي التي عاشتها معظم تلك العائلات خلال نكبة فلسطين في العام 1948، والتي تزامنت ذكراها السادسة والخمسين مع هذه العملية الحربية. وأمام حالة اللجوء والتشرد التي كابدها المدنيون، ولا يزالون،[4] تم إعداد ثلاث مراكز لإيواء العائلات التي تشردت، فيما قامت وكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) بفتح عدد من مدارسها وأحد الأندية التابعة لها لتوفير مأوى مؤقتاً للآلاف ممن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، وسط ظروف إنسانية وصحية بالغة التعقيد والسوء، تركت آثارها النفسية على السكان المدنيين، خصوصاً النساء والأطفال والمعاقين وكبار السن. حالة من التشتت لا تزال تعيشها العائلات التي هجرت وفقدت منازلها، حيث المدارس ومراكز الإيواء الأخرى أصبحت مكتظة باللاجئين، خاصة بعد أن فقدوا كافة ممتلكاتهم ومقتنياتهم الشخصية، بما فيها أوراقهم الشخصية الثبوتية وهوياتهم وجوازات سفرهم وشهادات ميلادهم. وما يزيد الأمور إيلاماً وتعقيداً هو الحجم المهول للدمار الشامل الذي حل بالبنية التحتية للمحافظة، في خطوة تعتبر شكلاً من أشكال العقاب الجماعي لحوالي 162000 نسمة يقطنون المحافظة، ويتوزعون في أحيائها ومخيمها. فقد دمرت جرافات وآليات القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة كامل الطرق المعبدة الرئيسية والفرعية في كل من أحياء البرازيل، السلام وتل السلطان. فيما قامت بتدمير شارع البحر، وهو الشارع الرئيسي في المحافظة، من حدود منطقة تل زعرب وحتى نهاية حي تل السلطان غربي المحافظة. عملية التدمير والهدم تعدت ذلك إلى قصف وتدمير وتجريف شبكات المياه الرئيسية والفرعية ومحولات الضغط العالي الكهربائية وشبكات الضغط المرتفع والمنخفض في هذه الأحياء، بالإضافة إلى تدمير شبكات وخطوط وأعمدة الهاتف. كما طالت عمليات التجريف والهدم شبكات الصرف الصحي، بما فيه الخط الرئيسي، الأمر الذي نتج عنه اختلاط مياه الشرب بالمياه العادمة في كافة شوارع تلك الأحياء، وأنذر بكارثة بيئية بات يخشى على حياة السكان من تعرضهم للعديد من الأوبئة والأمراض. الممتلكات والأعيان المدنية الأخرى لم تسلم من عمليات التدمير والهدم المنظمة، والتي طالت عشرات المحلات التجارية والمصانع ومزارع الطيور والأبقار والماعز والمرافق العامة كالأندية وحديقة الحيوان والمتنزهات والمدارس والمساجد. الأراضي الزراعية التي تشتهر بها محافظة رفح، خاصة في مجال إنتاج الخضار والزيتون والورود تعرضت هي الأخرى إلى عمليات تجريف واسعة النطاق، شملت ما يزيد عن 719 دونماً منها، والتي اشتملت أيضاً على العشرات من الدفيئات الزراعية المنتجة، وأشجار اللوزيات والورد المعد للتصدير للعالم الخارجي، فيما دمرت غرف ومخازن الأدوات والمعدات الزراعية، شبكات الري الزراعية، موتورات المياه وبعض الآبار التي تروي تلك الأراضي. غير أن السمة الرئيسة التي ميزت هذا الاجتياح لمحافظة رفح، وربما لأول مرة منذ احتلال قطاع غزة، هو استخدام القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة القوة المفرطة والعشوائية، وإطلاقها قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات المروحية تجاه مسيرة سلمية من آلاف المدنيين، وارتكاب جريمة حرب راح ضحيتها أكثر من خمسين من المدنيين الأبرياء بين قتلى وجرحى. وقد شكلت تلك الجريمة انتهاكاً سافراً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة الحق في الحياة والأمن والسلامة الشخصية، ومبدأي التناسب والتمييز اللذين يجب أن يحكما مسألة لجوء القوات المحتلة إلى استخدام القوة ضد المدنيين العزل.[5] العملية الحربية واسعة النطاق التي نفذت على أرض محافظة رفح، وعلى مدار أسبوع، كانت تهدف، وفقاً لتصريحات المصادر المختلفة لسلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، إلى تدمير الأنفاق التي تستخدم لتهريب الأسلحة، والتي تقع على الشريط الحدودي مع مصر. غير أن ما جرى يؤكد على النية المسبقة لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لتحقيق عدة أهداف، كان القادة السياسيون لحكومة الاحتلال وهيئة أركان جيشها قد أفصحوا عنها في أوقات سابقة ولاحقة للعملية الحربية وفي أكثر من مناسبة. فالهدف الرئيسي لتلك العملية كان تدمير مئات المنازل التي يقطنها السكان المدنيون، والتي تقع على امتداد الشريط الحدودي مع جمهورية مصر العربية، وذلك لخلق "منطقة عازلة" تكرس سيطرة القوات المحتلة على الحدود المصرية الفلسطينية.[6] كما أنها شكلت استكمالاً لحلقة من حلقات متعددة في سلسلة لمخطط شامل يجري تنفيذه في هذه المحافظة منذ بداية العام الأول لانتفاضة الأقصى، حيث دمرت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي حوالي 1300 منزل في المحافظة تدميراً كلياً، فيما تعرض أكثر من 2000 منزل لأضرار بالغة أصبح معظمها غير صالح للسكن. ومن المتوقع أن يتم استئناف العمل لتنفيذ المزيد من عمليات الهدم والتدمير فيها.[7] محافظة رفح تعيش نكبة جديدة حقيقية، خاصة في ضوء تصاعد جرائم الحرب التي تنفذها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي فيها منذ بدء انتفاضة الأقصى في التاسع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2000 وحتى يومنا هذا. إن ما يجري في هذه المحافظة هو أشبه بحالات التطهير العرقي، حيث تقوم القوات المحتلة بعمليات تهجير قسري جماعي، وتدمير شامل وممنهج للممتلكات والأعيان المدنية للسكان المدنيين، والبنية التحتية للمحافظة، ومحاربة السكان في وسائل رزقهم، وهو ما يوضح مباشرة سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تنفيذ عمليات ترانسفير جماعية للسكان الفلسطينيين المدنيين في تلك المنطقة. إن ما يؤكد ذلك هو استمرار تلك السلطات في تنفيذ عمليات هدم وتدمير المنازل حتى بعد الاعلان الرسمي عن انتهاء عملية " قوس قزح" الحربية. فقد هدمت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عشرات المنازل بعد تاريخ 24/5/2004، كان أحدثها هدم 25 منزلاً، 23 منها دمرت كلياً و منزلين آخرين دمرا جزئياً، وذلك بتاريخ 30/5/2004. الواقع المأساوي في محافظة رفح يشير إلى أن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي دمرت خلال شهر آيار/ مايو من هذا العام 261 منزلاً تدميراً كلياً، وتركت 561 عائلة قوامها 3352 شخص من أصحابها بدون مأوى، فيما تعرض 271 منزل لعملية هدم جزئي خلفت أضراراً بالغة وجعلت معظمها غير صالح للسكن، وهو ما أثر على 687 عائلة، قوامها 4069 شخص. كما بلغت الأراضي الزراعية التي جرفتها ودمرتها تلك القوات، منذ بدء انتفاضة الأقصى 3461 دونماً من الأراضي الزراعية، فضلاً عن تدمير مشاريع البنية التحتية للأحياء المختلفة للمحافظة، والمنشآت الاقتصادية والمرافق العامة كالمدارس والمساجد.
|
رفح مدينة فلسطينية ساحلية وقديمة من مدن قطاع غزة، وتقع في جنوب فلسطين على الحدود الفلسطينية المصرية، وتعتبر أقصى الجنوب الفلسطيني، وتبعد عن مدينة غزة حوالي 35كم، وعن خان يونس 10 كم. يحدها من الغرب البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق خط الهدنة لعام 1948، ومن الشمال محافظة خان يونس، ومن الجنوب الحدود المصرية الفلسطينية. وقد قسمت مدينة رفح إلى شطرين في أعقاب تطبيق اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل في 25/4/1982، حيث انفصلت رفح سيناء عن رفح الأم، وتقدر مساحة ما ضم إلى الجانب المصري حوالي 4000 دونم.
تبلغ مساحة محافظة رفح 64 كم2، أي ما يعادل 17.78% من المساحة الكلية لقطاع غزة التي تبلغ 365 كم2. كما بلغ عدد سكانها 155900 نسمة، وذلك في العام 2002، ويعادل 12% من إجمالي سكان القطاع البالغ 1.299.403 نسمة، ومن المتوقع أن يكون سكان المحافظة قد وصل إلى 162778 نسمة في نهاية العام 2003.[9] وتصل الكثافة السكانية في المحافظة إلى 2130 نسمة في الكيلو متر المربع، وتصنف بأنها منطقة كثافة سكانية مرتفعة، فيما يبلغ متوسط حجم الأسرة فيها 6.5 أفراد. ويشكل اللاجئون نسبة كبيرة من سكان محافظة رفح، إذ تبلغ نسبتهم 84.1% من إجمالي عدد السكان، حيث بلغ تعدادهم 131112 نسمة، و136896 نسمة للأعوام 2002، 2003 على التوالي. ووفقاً للتقسيم الإداري الذي تتبعه بلدية رفح فإنها تتكون من عشرة أحياء سكانية وهي: حي وسط البلد والذي يشمل مخيم رفح للاجئين أيضاً، حي البرازيل( النخلة)، حي الجنينة، حي السلام، حي خربة العدس، حي البيوك، حي الحشاش، منطقة رفح الغربية، حي تل السلطان ومنطقة مواصي رفح التي تمتد من غرب حي تل السلطان وصولاً إلى شاطيء البحر.[10]
وتقتطع المستوطنات الإسرائيلية مساحة كبيرة من أراضي المحافظة، إذ تحتل ما مساحته 7 كيلو متر مربع من إجمالي مساحة المحافظة، وتشكل حوالي 11% من إجمالي المساحة الإجمالية للمحافظة.[11] وتوجد فيها خمس مستوطنات، تمتد من أقصى الجنوب الغربي للمحافظة، ووصولاً إلى أقصى الشمال الشرقي لحدودها مع محافظة خان يونس. والمستوطنات هي: مستوطنة رفيح يام، والتي تقع جنوب غرب حي تل السلطان على جانب الشريط الحدودي مع مصر. مستوطنة بني عتصمونا، والتي تقع غرب حي تل السلطان مباشرة وبمحاذاة شارع البحر. ومستوطنة سلاو، والتي تجاور مستوطنة بني عتصمونا من الناحية الشمالية. ومستوطنة بيت ساديه، والتي تقع شمال غرب حي تل السلطان، وتمتد بالقرب من حدود محافظة خان يونس الجنوبية الغربية. ومستوطنة موراج والتي تقع في الشمال الشرقي من المحافظة. ويشكل الوجود الاستيطاني في المحافظة شكلاً من أشكال الحصار الشديد للتجمعات السكانية في المحافظة، خاصة في المناطق الغربية والشمالية للمحافظة، والذي يمنع تمددها ويوقف كلياً كافة الأنشطة الاقتصادية والانشائية والعمرانية. كما يغلق هذا التواجد الاستيطاني عملية التواصل والحركة بين سكان محافظة رفح وباقي محافظات القطاع الأخرى، حيث تغلق الطريق الرئيسة الغربية التي تربطها مع محافظة خان يونس منذ ديسمبر 2000، وذلك لتسهيل فتح الطريق بين مستوطنة موراج وباقي مستوطنات منطقة غوش قطيف في كل من المحافظة ومحافظة خان يونس. كما أن الطريق الرئيسي الساحلي بين محافظة رفح ومحافظة خان يونس قد أغلق كلياً، وبالتالي منع سكان المحافظة من استخدامه للتنقل والحركة، وفي المقابل سهلت تنقل وحركة المستوطنين فيها، ما سهل قضم المزيد من الأراضي الزراعية للمستوطنات المذكورة، ولإنشاء طرق التفافية جديدة تستخدمها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي والمستوطنين فقط، ويمنع الفلسطينيين من دخولها.
الحالة التعليمية
تشرف كل من وزارة التربية والتعليم الفلسطينية ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين( الأنروا) على التعليم في محافظة رفح، في حين تفتقر المحافظة إلى وجود مؤسسات تربوية وتعليمية خاصة أو تابعة للقطاع الأهلي، باستثناء ما تقدمه قرية الأطفال العالمية SOS الواقعة في حي تل السلطان من خدمات تعليمية لحوالي مائة طفل يعيشون فيها، وهي مخصصة للأطفال ذوي الحالات الاجتماعية الخاصة. ووفقاً لمصادر مديرية التربية والتعليم الفلسطينية في محافظة رفح، بلغ عدد المدارس الحكومية في المحافظة (30) مدرسة، منها (13) مدرسة للمرحلة الثانوية، 7 للبنات و6 للذكور، و(13) مدرسة للمرحلة الإعدادية، 7 للبنات و6 للذكور، و(4) مدارس للمرحلة الابتدائية، 2 للبنات و2 للذكور. في حين وصل عدد التلاميذ في كافة المراحل 18410، منهم 9039 تلميذ، و9371 تلميذة. كما بلغ عدد العاملين في قطاع التربية والتعليم الحكومي في محافظة رفح 748، بينهم 70 موظف من خارج رفح. الغالبية العظمى من الموظفين، هم من المعلمين، حيث بلغ عددهم 618 معلماً ومعلمة، منهم 13 من خارج رفح. في حين بلغ عدد المدارس التي تتبع الأنروا في المحافظة 30 مدرسة يدرس فيها 32223 طالب وطالبة، وتقتصر على المرحلتين الابتدائية والإعدادية، منها 7 مدراس ابتدائية للذكور يبلغ عدد طلابها 8761 طالب، و14 مدرسة للبنات ويبلغ عدد طالباتها 13534 طالبة. فيما يبلغ عدد المدارس الإعدادية 9 مدراس، منها 4 مدراس إعدادية للبنين، ويبلغ عدد الطلبة فيها 4921 طالب، و5 مدراس إعدادية للبنات، يبلغ عدد الطالبات فيها 5007 طالبات. ويعمل في مدارس وكالة الغوث في المحافظة حوالي سبعمائة موظف وموظفة، غالبيتهم من المعلمين والمعلمات.[12]
تتميز عملية التعليم الحكومي والتابع للأنروا بقلة عدد المدارس، حيث تعمل معظم المدارس في المحافظة بنظام الورديتين الصباحية والمسائية، كما تعاني الفصول الدراسية من ارتفاع كبير في معدل الكثافة الصفية، حيث تبلغ في بعض الفصول أكثر من خمسين طالب، وهو ما يعكس نفسه على قدرة الطلبة على التحصيل الدراسي.
القطاع الصحي
تعتبر الخدمات الصحية التي يتلقاها السكان في المحافظة متدنية نسبياً إذا ما قورنت بمحافظات أخرى كمحافظتي غزة وخانيونس، ويعود ذلك إلى دور سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي طيلة سنوات الاحتلال الماضية، والتي خلفت بنية خدمات أساسية رديئة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام، وفي المدن والقرى النائية بشكل خاص. ويوجد في محافظة رفح مستشفى عام، وهو مستشفى أبو يوسف النجار، ويتبع وزارة الصحة الفلسطينية التي أنشأته كمركز صحي متقدم في العام 2000. غير أنها حولته إلى مستشفى بعد اندلاع انتفاضة الأقصى بعدة أشهر، وهو بإمكانيات متواضعة لا تفي بكامل الاحتياجات الصحية لسكان المحافظة. يبلغ عدد الأسرة في المستشفى 52 سريراً، ويحتوي على غرفتين للعمليات الجراحية، قسم الاستقبال، قسم الجراحة، قسم الأطفال ومختبر التحاليل الطبية. ويعمل فيه 125 موظفاً من الأطباء والممرضين والمهن الطبية المختلفة وموظفي الإدارة والخدمات. كما تفتقر المستشفى لوجود وحدة للعناية الفائقة، التي يمكن أن تساهم في تقديم خدمات علاجية للحالات الطارئة. و يوجد سبع عيادات خاصة بالرعاية الصحية الأولية، 3 منها تابعة للأنروا، وبينها عيادة مركزية في مخيم يبنا، والثانية في مخيم الشابورة، وأما الثالثة فتقع في حي تل السلطان. أما العيادات الأخرى، فثلاثة منها تابعة لوزارة الصحة، منها عيادة رفح المركزية وعيادة حي تل السلطان وعيادة منطقة الشوكة، وتقتصر الخدمات المقدمة فيها على خدمات الرعاية الصحية الأولية، فيما تتبع العيادة السابعة لاتحاد لجان العمل الصحي. ويعتمد سكان المحافظة في جزء كبير من الخدمات الصحية من المستوى الثاني (خدمات الرعاية الصحية الاستشفائية) على مستشفيات وزارة الصحة في القطاع، خاصة مستشفيات ناصر والمستشفى الأوروبي في خان يونس ومستشفى الشفاء في غزة.
الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المحافظة
تتميز محافظة رفح بالعديد من الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتشكل الزراعة النشاط الاقتصادي الأول للسكان، فيما يشكل قطاع التجارة والخدمات العامة النشاط الثاني فيها. وقد بلغت مساحة الأراضي المزروعة في محافظة رفح حوالي 34475 دونم. والجدول التالي يبين نوع المزروعات وقيمتها[13]:
|
|
محاصيل زراعية |
أشجار بستنة |
خضروات |
المجموع |
|
المساحة المزروعة بالدونم |
11240 |
7270 |
15965 |
34475 |
|
الحجم المزروع بالطن |
24010 |
5729 |
96295 |
126034 |
|
القيمة المزروعة بالدولار. |
7236000 |
2173000 |
40005000 |
4941400000 |
أما عدد الحيوانات وقيمة الإنتاج الحيواني في محافظة رفح فهو موضح في الجدولين التاليين[14]:
سبق العملية الحربية(قوس قزح)، والتي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في محافظة رفح، عملية اجتياح لأجزاء كبيرة شملت كلاً من بلوك O وبلوك L في مخيم رفح، ومنطقتي حي قشطة والشاعر وحي البرازيل في المحافظة. وقد بدأت هذه العملية في ساعة متأخرة من ليلة الأربعاء الموافق 12 آيار/ مايو 2004 وانتهت في ساعات فجر يوم السبت الموافق 15 آيار/ مايو 2004. وقد أدت تلك العملية إلى استشهاد 14 شهيداً من المدنيين العزل، بينهم طفلان، وإصابة 48 مواطناً مدنياً بجراح مختلفة وصفت حالة العديد منهم بالخطرة.[15] وقد سقط عدد من الشهداء والجرحى خلال تواجدهم في منازلهم أو اثناء محاولتهم الهرب منها بحثاً عن ملاذ آمن. كما خلفت هذه العملية الحربية دماراً واسع النطاق في المنازل والمنشآت التجارية والممتلكات والأعيان المدينة للسكان المدنيين، وذلك على امتداد الشريط الحدودي. وقد أدت تلك العملية إلى تدمير 100 بيت سكني بما فيها من ممتلكات ومقتنيات للسكان المدنيين، بينها 72 بيت سكني دمرت بالكامل، و28 بيت سكني أصبحت غير صالحة للسكن. وقد أدى ذلك إلى تشريد 221 عائلة تعدادهم وصل إلى 1308 مدني فلسطينيي، وأغلبهم من الأطفال والنساء، فضلاً عن هجرة ونزوح المئات من العائلات الفلسطينية الأخرى من منازلها التي أصبحت غير آمنة، بسبب تعرضها لعمليات القصف والهدم والتدمير على أيدي القوات المحتلة. كما دمرت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في تلك العملية الحربية 23 محلاً تجارياً وعدد من المرافق العامة وأحد المساجد وشبكة الكهرباء والهاتف والصرف الصحي في بلوك (O) وحي الشاعر وقشطة، الواقعين على الشريط الحدودي قرب بوابة صلاح الدين.
وكانت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وعبر وزير دفاعها وقائد هيئة أركانها والقادة العسكريين الآخرين، قد أعلنت خلال يومي 14 و 15 آيار/ مايو عن نيتها تدمير مئات المنازل في رفح، وذلك من أجل توسيع المنطقة الأمنية الواقعة على امتداد الشريط الحدودي في رفح، وخلق منطقة عازلة تزيد من إمكانيات حماية القوات الحربية المحتلة خلال تحركها في تلك المنطقة. إلا أنها عادت، وبتاريخ 17 آيار/ مايو 2004، وأعلنت عن نيتها لتنفيذ عملية حربية واسعة النطاق في محافظة رفح، هدفها تدمير أنفاق تستخدم لتهريب الأسلحة عبر منطقة الشريط الحدودي من مصر إلى قطاع غزة.
غير أن التصريحات المتعددة، والتي أعلنتها سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي وقياداتها العسكرية لوسائل الاعلام المرئية والمسموعة، أكدت وبشكل لا يدع مجالاً للشك أن الهدف الرئيسي للعملية الحربية لم يكن البحث عن الأنفاق أو تدمير مخازن الأسلحة، بل هدم مئات المنازل على طول الشريط الحدودي في محافظة رفح من الشرق إلى الغرب، وإنشاء منطقة عازلة بعرض يصل إلى 300 متر شمال هذا الشريط. إن ما يؤكد هذا التوجه هو عمليات التدمير الواسعة التي بدأت بشكل ملموس بعد عدة أشهر من اندلاع انتفاضة الأقصى، وتحديداً في 14 نيسان/ أبريل من العام 2001، حينما أقدمت تلك القوات على تدمير ثمانية عشر منزل سكني فيها، واستمرت العمليات الحربية على مدار قرابة أربع سنوات حيث بلغت المنازل التي هدمتها ودمرتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أكثر من 1300 منزل سكني، فيما تعرض أكثر من 1500 منزل سكني آخر لأضرار جسيمة وأصبح معظمها غير صالح للسكن.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ينتزع قراراً مؤقتاً بوقف هدم منازل المدنيين في رفح
تمكن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من انتزاع أمر احترازي مؤقت من المحكمة العليا الإسرائيلية، وذلك في وقت متأخر من مساء يوم الجمعة الموافق 14 آيار/ مايو 2004، حظر بموجبه قيام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتنفيذ أعمال هدم في عشرات المنازل السكنية الواقعة بمحاذاة الشريط الحدودي الواصل بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية، في بلوك O في مخيم رفح. وقد أدى القرار المذكور إلى وقف تنفيذ عمليات هدم تلك المنازل التي يقطنها السكان المدنيون الفلسطينيون لغاية ظهر يوم الأحد 16 آيار/ مايو 2004، حيث حددت المحكمة المذكورة جلسة خاصة للنظر في التماس المركز.
وكان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قد تابع هذا الملف القانوني مباشرة خلال قيام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتنفيذ أعمال هدم وتدمير على نطاق واسع في بلوك O في مخيم رفح، حيث تقدم المركز في حوالي الساعة الخامسة من مساء يوم الجمعة الموافق 14 آيار/ مايو 2004، بالتماس للمحكمة الإسرائيلية العليا بالنيابة عن ثلاث عشر عائلة فلسطينية، تطالبها بوقف كافة أعمال الهدم التي بدأت في رفح، ومنح شاغلي تلك المنازل أو مالكيها حقهم الحصول على شكل ملائم من الحماية القانونية من الإخلاء القسري منها بما في ذلك الطعن في عدم قانونية عمليات الهدم. وقد شمل التماس المركز مئات المنازل الأخرى الواقعة في نفس المنطقة، والمهددة بتنفيذ عمليات هدم لها.
وقد تواصلت حالة من الجدل والمماطلة والتسويف من قبل النيابة العسكرية الإسرائيلية لعدة ساعات، إلى أن أصدرت المحكمة قرارها المؤقت، في حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء يوم الجمعة، حيث حظرت تنفيذ أعمال هدم مخططة لأي من بيوت الملتمسين. وكعادة المحكمة، التي كرست مهمتها دوماً في توفير الغطاء القانوني لانتهاكات سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي وقواته في الأراضي المحتلة، لم تجعل من قرار الحظر مطلقاً، بل أشارت في أمرها الاحترازي إلى أنه ليس فيه ما يمنع المس ببيت تتطلب الظروف الاضطرارية العسكرية (الضرورة العسكرية) ضرورة هدمه. وبعد ظهر يوم الأحد الموافق 16 أيار/مايو عقدت المحكمة جلسة خاصة للنظر في التماس المركز، وأعلنت رفضها له. وفي المقابل قبلت المحكمة بادعاءات النيابة العسكرية الإسرائيلية وضباط المنطقة، حيث ذكرت في ردها على التماس المركز بأنها ترى الالتماس غير ضروري، لأنه ووفقاً لتصريحات النيابة والضباط لا يوجد نية لهدم منازل إضافية، وبالتالي يعتبر الالتماس "زائداً" و"غير ضروري". وأعلنت المحكمة في ردها على مسألة "الحالات الاستثنائية والضرورات العسكرية" التي يسمح فيها للجيش بتنفيذ أعمال هدم وتدمير، وهو ما فسر على أنه تصريح لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بمواصلة عمليات هدم المنازل في رفح.[16]
وقد تناقضت تصريحات النيابة العسكرية الإسرائيلية، والتي قبلتها المحكمة العليا في تواطؤ واضح ومعلن، مع التصريحات التي أدلى بها رئيس هيئة أركان القوات الحربية المحتلة الجنرال موشيه يعلون في اليوم التالي، والتي ذكر فيها بأنه قد تم تحديد مئات المنازل على طول الشريط الحدودي الواصل بين قطاع غزة ومصر في رفح لهدمها. كما تناقض موقف المحكمة مع تصريح وزير دفاع سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي شاؤول موفاز، والتي قال فيها بأن نشاطات قواته الحربية في قطاع غزة ستخلق واقعاً جديداً على طول الشريط الحدودي في رفح.
وقد رأى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن قرار المحكمة الإسرائيلية القاضي برفض التماس المركز، هو بمثابة ضوء أخضر تمنحه أعلى هيئة قضائية في إسرائيل لهدم المزيد من المنازل في رفح. وهو قرار يندرج في إطار قائمة طويلة من القرارات المشابهة، والتي صدرت عن هذه المحكمة بهدف تشريع جرائم الحرب التي تقترفها قوات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين وإعطائها غطاءً قانونياً زائفاً. ويعكس مجدداً، موقفاً متكرراً تتخذه هذه المحكمة كلما تعلقت الأمور بالفلسطينيين، وهو الموقف الذي يتمثل بتواطئها وسعيها المتواصل تجاه توفير غطاء قانوني للجرائم الإسرائيلية المنفذة ضد الفلسطينيين.
وذّكر المركز بأن القضية تتعلق بمئات المنازل في رفح، وبآلاف السكان المدنيين الذين يمكن أن تحولهم آلة الدمار الإسرائيلية في لحظات إلى مشردين بلا مأوى، وهو ما يخشى منه، خاصة وأن المحكمة العليا الإسرائيلية أصدرت قرارها برفض التماس المركز خلال 48 من تقديمه، ما يعني أنها لم تول الأمر الاهتمام الذي يستحقه، ولم تبذل أي جهد حقيقي للتحقيق في المسألة واستجواب أصحاب القرار بالهدم أو استدعاء أصحاب تلك المنازل، وأنها عمدت وبشكل أوتوماتيكي، لتشريع جرائم القوات الحربية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد عبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن قلقه وخوفه الشديدين من أن تقوم قوات الاحتلال خلال الساعات القادمة بتجديد ومواصلة أعمال الهدم التي حولت رفح عملياً إلى منطقة كارثة ومدينة منكوبة. وناشد المركز المجتمع الدولي والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية بالتدخل الفوري من أجل حماية آلاف السكان المدنيين الذين كان يخشى عليهم من خطر التشرد في ظل فقدانهم لمنازلهم بشكل قسري. غير أن الصمت على الجرائم التي كان يمكن تداركها لم تسمع وكانت النتيجة الكارثية التي خلفتها جرائم القوات المحتلة في محافظة رفح هو بدء عملية حربية غير مسبوقة منذ احتلال قطاع غزة في العام 1967، وأطلقت عليها اسم " قوس قزح" أو " قوس في السحاب".
عملية " قوس قزح" الحربية أخذت نمطاً متسلسلاً من الفعاليات العسكرية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، بدءً من حشد الآليات الحربية وتوجهها إلى مداخل محافظة رفح، ومروراً بعزل المحافظة عن العالم الخارجي، اقتحام الأحياء المختلفة في المحافظة، تنفيذ عمليات القصف وإطلاق القذائف الصاروخية والأسلحة الرشاشة تجاه السكان المدنيين، ووصولاً إلى عمليات هدم وتدمير المنازل والبنى التحتية للمحافظة، ثم الاعلان عن الانسحاب منها. وفيما يلي محاولة لإعادة رسم تسلسل الأحداث خلال تلك العملية التي استمرت لثمانية أيام.
عزل محافظة رفح عن قطاع غزة والعالم الخارجي
بدأت العملية الحربية المسماة " قوس قزح " صباح يوم الاثنين الموافق 17/5/2004، حيث عزلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي مدينة رفح بالكامل عن محيطها الخارجي. وقامت تلك القوات بالتمركز والتموضع في الشمال الشرقي للمحافظة، حيث أنشأت موقعاً ثابتاً انتشرت فيه 12 دبابة وآلية عسكرية، على شارع صلاح الدين، الطريق الذي يربط المحافظة بمحافظة خان يونس، وكذلك في موقع عسكري قرب معبر صوفا، وهو ما شكل حصاراً كاملاً وشاملاً لرفح. فيما قامت قوات حربية أخرى بإغلاق كافة الطرق الفرعية التي تؤدي إلى خان يونس، وبدأت بنشر قوات حربية مؤللة على امتداد المنطقة من معبر صوفا، على الخط الأخضر، ووصولاً إلى الطريق الرابط بينه ومحيط مستوطنة موراج غرباً. وفي غرب المحافظة انتشرت وحدات حربية وآليات ودبابات ومدرعات على الشريط الحدودي، جنوب غربي حي تل السلطان، وانطلقت هذه القوات من محيط المستوطنات، الواقعة في شمال وغرب المحافظة إلى أقصى الشمال الشرقي من المحافظة، وأصبحت بذلك المحافظة محاصرة من الاتجاهات الأربعة. وقد رافق عمليات القوات الحربية المحتلة قيام الدبابات والآليات العسكرية بعمليات قصف عشوائي من الأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة، وعمليات تجريف واسعة النطاق لحقول زراعية في منطقتي صوفا وموراج.
وفي حوالي الساعة الواحدة من فجر يوم الثلاثاء الموافق 18/5/2004 أطلقت الطائرات المروحية، التي كانت تغطي سماء المحافظة، صاروخين باتجاه تجمع للمواطنين، من بينهم عدد من رجال المقاومة الفلسطينية في منطقة بلوك O المجاور للشريط الحدودي مع مصر، جنوب المدينة. أسفر ذلك عن استشهاد ثلاثة من رجال المقاومة، وإصابة خمسة مدنيين بجراح، وصفت حالة أحدهم بالحرجة. وقد أدى الانفجار إلى تدمير جدران عدة منازل سقطت على كافة من كان في تلك المنطقة. وفي حوالي الساعة الثالثة فجراً تقدمت عشرات الدبابات والآليات وسط إطلاق نيران رشاشة كثيفة، وتحليق لطائرات الأباتشي الهجومية في سماء المحافظة، باتجاه حي تل السلطان، وتمركز عدد منها على المداخل الأربعة الرئيسية للحي، وفرضت عليه حصاراً مشدداً. ثم أعلنته منطقة عسكرية مغلقة وفرضت نظام حظر التجول منعت بموجبه أي تحرك للأفراد، كما منعت الطواقم الطبية من الدخول إليه. وعلى الفور لجأت القوات الحربية المحتلة إلى السيطرة على العديد من مباني السكان المدنية المرتفعة، وسط عمليات إطلاق نيران الرشاشات والقذائف. وبعد أن أحكمت سيطرتها على تلك المباني قامت قوات الاحتلال الحربي باحتجاز السكان المدنيين، القاطنين في كل بناية في إحدى غرفها. وكان الجنود يبثون الرعب بين أفراد العائلات، ويمارسون كل أشكال الإرهاب وترويع السكان، خاصة الأطفال منهم، ويمنعونهم من الخروج من الغرف التي احتجزوا منها، ويمنعونهم من استخدام دورات المياه، فيما انتشر عدد من الجنود القناصة في مواقع واتجاهات مختلفة داخل هذه البنايات، بعد أن أحكموا تحصينها بالأكياس الترابية. وفي عدد من المنازل التي احتلتها تلك القوات، لجأ جنودها إلى تدمير وخلع بلاط الغرف والصالات، واستخدموا التراب الموجود في تعبئة الأكياس الترابية، ووضعوها كسواتر لجنود قناصتها. وفي العديد من المباني التي سيطرت عليها قوات الاحتلال الحربي بلغ عدد السكان المدنيين الذين تم احتجازهم في غرفة من غرف البناية أكثر من عشرين شخصاً، وهي لا تتسع لأكثر من أربعة أفراد، اضطروا لاستخدامها للنوم والطعام، وسط حالة من الازدحام والاختناق، كما منع جنود القوات المحتلة فتح نوافذ تلك الغرف لتجديد هوائها.
قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وبعد أن أحكمت سيطرتها الكاملة على حي تل السلطان ومنطقة المخيم الغربي ومحيط تل زعرب، بدأت عمليات تدمير وهدم وتجريف طالت العديد من مشاريع البنية التحتية في المنطقة، وبدأت الجرافات الحربية بعمليات تجريف وهدم للمنازل والمرافق العامة، وقد شملت عمليات التدمير تجريف كافة الطرق المعبدة الرئيسية والفرعية في الحي المذكور، كما شملت هدم وتدمير شبكة المياه الرئيسية التي تغذي الحي، فضلاً عن تدمير شبكة الصرف الصحي وشبكات الهاتف والكهرباء. وفي خطوة أخرى لجأت القوات المحتلة إلى تدمير وهدم معظم أسوار المرافق العامة، كالمدارس والعيادات الصحية والمؤسسات العامة، كما قامت بحملة تجريف واسعة النطاق للأراضي الزراعية المحيطة بالمنطقة، شملت العشرات من الدفيئات الزراعية والحقول المزروعة بالخضار والورد. ونتيجة لذلك انقطعت سبل الحياة لدى السكان الذين عاشوا حالة من الهلع والرعب، وعانوا من نقص شديد في إمدادات المياه والغذاء، وخاصة حليب الأطفال. فيما منعت الطواقم الطبية من الدخول لتقديم المساعدة والخدمات الطبية في الحي الذي يقطنه أكثر من عشرين ألف مواطن.
بدأت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بالتوغل داخل حي تل السلطان، غرب المدينة، انطلاقاً من تجمع مستوطنات غوش قطيف، غرب الحي المذكور. وفي حوالي الساعة الرابعة فجراً أطلقت طائرة مروحية ثلاثة صواريخ بفارق دقائق معدودة عن بعضها باتجاه تجمع للمدنيين الفلسطينيين كانوا يتوجهون لصلاة الفجر، بالقرب من مسجد بلال بن رباح وسط الحي. أصاب صاروخان منها التجمع المدني، وأدى إلى استشهاد خمسة منهم، بينهما شقيقان أحدهما طفل وأب وابنه، فيما أصيب عشرة مدنيين آخرين بجراح. أما الصاروخ الثالث فقد سقط في مكتبة المسجد المذكور الواقعة في الطابق الثاني، ما أدى إلى احتراقها بالكامل بما فيها من كتب دينية ومصاحف.[17]
أما القوات الحربية التي تمركزت فوق أسطح البنايات المرتفعة أو داخل إحدى طوابقها، فقد حولت تلك البنايات إلى ثكنات عسكرية، أخذ الجنود يطلقون من خلالها النار عشوائياً أحياناً على أي جسم متحرك في المنطقة، فيما تولى جنود القناصة إطلاق النيران على كل من اشتبهوا به. أدى ذلك إلى استشهاد أربعة مواطنين فلسطينيين آخرين، فيما أصيب مدنيان آخران بجراح. وتحمل أفراد رجال المهمات الطبية وطواقم الإسعاف مخاطر كبيرة، خلال محاولاتهم المتكررة لإخلاء القتلى والجرحى والمصابين، حيث قام جنود قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وفي أكثر من مرة، بإطلاق نيران أسحلتهم تجاه سيارات الإسعاف الفلسطينية، ما عرقل عمل هذه الفرق. وقد اضطرت أربع سيارات إسعاف إلى إخلاء المنطقة والهرب منها بعد تعرضها لإطلاق النار، خاصة وأن قوات الاحتلال قد بدأت بعمليات مداهمة وتمشيط للمنازل السكنية في كل من مخيم بدر ومنطقة كندا داخل حي تل السلطان.
وتواصلت العمليات الحربية ضد السكان وممتلكاتهم في الحي المذكور، حيث طلبت القوات المحتلة من السكان الذكور، من سن 16 عام إلى 40 عام، الخروج من منازلهم، والتجمع في المدارس داخل الحي، رافعين الرايات البيضاء. وقد خرج عدد كبير من السكان متوجهين للمدارس، غير أنهم فوجئوا بإطلاق النار العشوائي من قبل الجنود في الدبابات والمتمركزين أعلى المباني باتجاههم. وقد أدى ذلك إلى استشهاد أربعة مدنيين فلسطينيين، من بينهم طفل، وإصابة خمسة آخرين بجراح، بينهم طفلين، وصفت حالة ثلاثة منهم بالخطرة.[18]
وأفاد باحث المركز، أن السكان تعرضوا أثناء احتجازهم داخل المدارس إلى الشتم والإهانة والضرب، حيث قامت قوات الاحتلال بنقلهم للمواقع العسكرية والمستوطنات القريبة من المنطقة، واستجوابهم حتى ساعات المساء. وأفرجت عنهم، باستثناء ثلاثة من المواطنين، بقوا رهن الاعتقال. وأثناء تواجدها في المنطقة، قامت قوات الاحتلال بتفتيش المنازل السكنية والعبث بمحتوياتها، واعتقال اثنين آخرين من سكانها. وجراء أعمال القصف العشوائي للمنازل السكنية، لحق دمار كبير في أربعة منها.
وفي جريمة حرب أخرى استهدف جنود قناصة، كانوا يعتلون سطح أحد البنايات في حي تل السلطان، طفلين كانا على سطح منزلهما، ما أدى إلى استشهادهما على الفور بعد أن اخترق الرصاص رأسيهما. فقد استشهدت الطفلة أسماء محمد المغير، 16 عام، وشقيقها الطفل أحمد، 13 عام، حينما كانت تقوم بجمع الغسيل من على سطح منزلها، عندما أصابها جندي من قناصة قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، كانوا يعتلون سطح بناية مجاورة لمنزلهم، برصاصة فجرت جمجمتها، وقتلتها على الفور. كما أصيب شقيقها أحمد، والذي كان يطعم الطيور على سطح منزلهم، عندما اخترقت رصاصة أخرى أطلقها أحد الجنود رأسه، وأخرجت دماغه، ما أدى لاستشهاده على الفور.[19]
وفي أبشع جريمة حرب على الاطلاق نفذت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي مجزرة بشعة ضد السكان المدنيين، وذلك في حوالي الساعة الثانية من ظهر يوم الأربعاء، الموافق 19/5/2004، عندما حاولت مسيرة سلمية ضمت الآلاف من السكان التوجه لرفع الحصار عن حي تل السلطان، والذي كان يخضع لحصار منذ ثلاثة أيام. وقد أدت تلك الجريمة إلى استشهاد ثمانية مدنيين فلسطينيين، من بينهم 3 أطفال، وأصابت نحو 50 آخرين بجراح، من بينهم 24 طفل، وذلك بعد أن أطلقت قذائف الدبابات المدفعية وصواريخ الطائرات المروحية باتجاه مسيرة سلمية داخل المدينة.
وقد شكلت هذه الجريمة غير المسبوقة نمطاً تصعيدياً خطيراً في استخدام القوات الحربية المحتلة للقوة المفرطة وبشكل عشوائي، ودون مراعاة لمبدأ التناسب ومبدأ التمييز باعتبارهما من أهم مباديء القانون الدولي الإنساني. إن استخدام هذا الشكل من القوة المفرطة والعشوائية لا يمكن أن يبرر مبدأ الضرورة الحربية، كما أنه يتناقض تماماً مع مبدأ التناسب، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسكان المدنيين، والذين يتمتعون بحماية خاصة وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وقواعد القانون الدولي الإنساني الأخرى. فما جرى يتناقض تماماً مع غرض استخدام هذا الشكل من القوة، وهو لا يتناسب إطلاقاً مع تحقيق غرض حفظ النظام والأمن كما ادعت تلك القوات. رواية قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عللت ذلك في بداية الأمر بوجود مسلحين بين المدنيين، ثم عادت لتقول أن جنودها أطلقوا قذائف مدفعية تحذيرية تجاه المتظاهرين المدنيين. ومن الغريب هنا أن نفهم طبيعة التناسب بين القوة التي استخدمت، والتي كان من المفترض أن يتم التدرج فيها مع حجم الخطر الذي كان تريد تلك القوات منع وقوعه أو وقفه. وإنه لمن الغريب أن يتم تعريض حياة الآلاف من المدنيين العزل لخطر القتل والموت في وقت لم يكونوا يشكلوا أي خطر يذكر على حياة أفراد القوات المحتلة. إن اطلاق أربعة قذائف مدفعية من الدبابات التي تواجدت في المنطقة، وإطلاق صواريخ الطائرات المروحية هو سابقة، ربما لم تحدث من قبل. ومما يثير الشكوك حول الرواية الرسمية للقوات المحتلة هو تعدد واختلاف المبررات التي ساقتها، فقد أعلن وزير الدفاع شاؤول موفاز أسفه عن ارتكاب المجزرة، وأضاف أن أموراً كهذه تحصل.[20] ومن المعروف أن مبدأ التناسب يجب أن يحدد حجم القوة، والذي يجب أن يتوافق مع تحقيق الغرض من استخدامها. وحيث أن القوات المحتلة كانت تريد منع المتظاهرين الفلسطينيين المدنيين من الدخول إلى حي تل السلطان لفك الحصار الذي فرضته القوات المحتلة على المنطقة، فقد كان بإمكانها أن تلجأ لاستخدام خراطيم المياه الملونة أو الساخنة، والتي تسبب أضراراً طفيفة لا تودي إلى القتل أو الجرح للمدنيين. كما كان بإمكان تلك القوات أن تلجأ إلى استخدام بعض أنواع الذخيرة الأخرى، والتي يمكن أن تحقق النتيجة المرجوة، كالغاز المسيل للدموع أو قنابل الصوت أو حتى العيارات المطاطية، خاصة وأن المئات ممن شاركوا في المسيرة كانوا من الأطفال. غير أن استخدام قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات يفضي بدون أدنى شك إلى احتمالات وقوع إصابات قاتلة، وهو ما حدث خلال لجوء تلك القوات لشكل محظور من أشكال الرد العسكري على هذه المسيرة السلمية.[21]
التحقيقات تشير إلى تعمد القوات الحربية المحتلة استهداف المدنيين وقتلهم عمداً خلال تلك العملية الحربية، بذريعة منع المدنيين العزل من ممارسة أحد أشكال التعبير السلمي عن رفض وجود القوة المحتلة، ورفض الحصار المفروض على حى تل السلطان في المحافظة، قرب المدخل الشرقي لحي تل السلطان في رفح. إن استخدام هذا النمط غير المسبوق من القوة هو تعبير عن النية المسبقة والمبيتة لارتكاب جريمة حرب، كما تصنفها قواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة أحكام اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، وخصوصاً المادة الثالثة، المادة 146 والمادة 147. فقد أدت تلك العملية إلى سقوط 8 مدنيين، بينهم 3 أطفال، فيما أصيب قرابة خمسين مدني آخرين، معظمهم من الأطفال، بجراح مختلفة في أنحاء مختلفة من أجسادهم. وقد أكدت التحقيقات التي أجراها المركز أن المسيرة كانت محض سلمية، وخالية من أي تواجد مسلح فيها. وقد مر طاقم من المركز برفقة وفد من منظمة العفو الدولية، والذي كان في زيارة لتفقد آثار عمليات هدم المنازل في رفح، قرب المسيرة السلمية خلال توجهها غرباً في شارع البحر، ولم يشاهدوا أي تواجد عسكري في المسيرة السلمية.[22] كما أن تحقيقات المركز تؤكد أنه لم يصدر أي رد مسلح من جانب المسيرة السلمية عند وقوع الجريمة، ولم يكن هناك نوع من الخطر الذي يمكن أن يتهدد حياة جنود القوات الحربية المحتلة. وهو ما يدحض الرواية التي روجتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي حول وجود عناصر فلسطينية مسلحة داخل المسيرة. وقد واجه رجال المهمات والخدمات الطبية المحلية والدولية عراقيل وصعوبات كبيرة أثناء إخلائهم الضحايا من القتلى والمصابين والمرضى ونقلهم إلى المستشفيات، خاصة أن القوات المحتلة استمرت في إطلاق النيران من الرشاشات الثقيلة والمتوسطة للدبابات المرابطة مقابل تل زعرب.
وفي حوالي الساعة العاشرة ليلاً من نفس اليوم توغلت عدة آليات حربية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وسط عمليات إطلاق نيران من العيارات الثقيلة والمتوسطة من الدبابات، في عدة مناطق في محافظة رفح. وقد سلك عدد منها شارع صلاح الدين، منطلقة من مفترق صوفا ومنطقة معبر رفح، وفي الوقت نفسه توغلت عدة آليات عسكرية قرب مجلس بلدي الشوكة على بعد 300 متر من شارع صلاح الدين (مفترق مشروع عامر). كما توغل عدد كبير من الآليات منطلقة من معبر رفح، الواقع جنوب شرق رفح، وسلكت طريقاً عبر الشريط الحدودي، الفاصل بين مصر والأراضي الفلسطينية. ووصلت إلى حي السلام وحي البرازيل، وسارت في شارع المشتل ووصلت إلى مفترق الجوازات وسط مدينة رفح، وتمركزت مجموعة من هذه الآليات مقابل شارع المدرسين المتفرع من شارع صدام في حي الجنينة، وتقدمت عدة آليات حتى وصلت قرب مقر الأمن الوقائي، وأحكمت سيطرتها بالكامل على الحي المذكور، وأصبحت أحياء البرازيل والسلام وأجزاء واسعة من حي الجنينة تحت سيطرة القوات الحربية المحتلة. وانطلقت الدبابات والآليات الحربية تجاه منازل المواطنين في كل من حي البرازيل وحي السلام، تحت وابل من القصف العشوائي بالقذائف الصاروخية والقذائف المدفعية والأسلحة الرشاشة، وباشرت تلك القوات بمداهمة المنازل السكنية، واحتلال بعضها بعد تفتيشها واحتجاز سكانها في أحد غرف هذه المنازل.
وفي حوالي الساعة الواحدة من فجر يوم الخميس الموافق 20/5/2004، أطلقت طائرة مروحية تابعة لقوات الاحتلال صاروخاً باتجاه اثنين من المدنيين الفلسطينيين أثناء تواجدهما بالقرب من المقبرة الشرقية في حي السلام، مما أدى إلى استشهادهما على الفور. وقد عثر الأهالي على أشلائهما في حوالي الساعة 5:30 صباحاً، حيث تم نقلها إلى المستشفى. وأفادت تحقيقات المركز أن الضحيتين كانا مدنيين، وهما من سكان الحي. كما أنهما لم يكونا مسلحين أو ضالعين في أية نشاطات ضد قوات الاحتلال.[23]
وبعد حوالي نصف ساعة أطلقت طائرة حربية مروحية صاروخاً باتجاه مجموعة من رجال المقاومة الفلسطينية في حي البرازيل، أصابهم مباشرة، وأدى لاستشهاد أربعة منهم بعد أن شوهت أجسادهم، فيما أصيب اثنان آخران بجراح. وتعرضت سيارات الإسعاف لاطلاق وابل من النيران عندما حاولت التقدم لإجلاء القتلى والجرحى، ما اضطرها للتراجع. واضطرت للانتظار أكثر من ساعة لتتمكن من لنقلهم إلى المستشفى.[24]
وبدأت دبابات وجرافات القوات المحتلة الحربية بتنفيذ عمليات هدم وتدمير واسعة النطاق لكل من المنازل السكنية والبنية التحتية في المنطقتين، دون أي تحذير أو إنذار مسبق من تلك القوات للسكان، الذين كانوا داخل منازلهم، ودون أن تسمح لهم بإجلاء أفراد أسرهم او مقنتياتهم الشخصية. وقد واجه السكان مصيراً مأساوياً، وذلك خلال محاولتهم استجداء القوات المحتلة للسماح لهم بالخروج آمنين من منازلهم. وأمام هذه الأوضاع الخطيرة على سلامة السكان، وفي ظل استمرار الجرافات والدبابات بهدم وتجريف المنازل، أصيب العديد من السكان جراء سقوط جدران المنازل على قاطنيها، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن. وفي حادثة تعبر عن مدى الاستخفاف بحياة المدنيين الأبرياء، ووسط القصف العشوائي وتحرك الآليات الثقيلة بين المنازل، استشهد الطفل تامر يونس العرجا، وعمره عامين، وذلك جراء إصابته بنوبة قلبية حادة من الخوف والهلع، حينما افترق عن أمه التي كانت تهرب به، وفقدته بسبب عمليات إطلاق النيران العشوائي وتحرك الآليات الحربية للقوات المحتلة.
وفي حادثة أخرى مريعة، وفي حوالي الساعة العاشرة والنصف من صباح الخميس الموافق 20/5/2004، أصيبت زوجة المواطن زياد حسان وأطفاله الثلاثة بجراح، حينما باشرت الآليات الحربية هدم منزله في حي البرازيل. وقد خرج حسان وهو يرفع الراية البيضاء، وطلب من تلك القوات السماح له ولعائلته بالخروج بشكل آمن من منزله. وبعد أن أعطاه جنود القوات المحتلة الأمر بالخروج، وخلال خروجه برفقة زوجته وأطفاله الثلاثة من المنزل، أطلقت الدبابات العسكرية النار باتجاههم، ما أدى لإصابة زوجته وأطفاله الثلاثة بجراح. واضطر أفراد العائلة للهرب مرة أخرى تجاه منزلهم، والذي تعرض لتدمير سوره الخارجي. ولم يقم جنود القوات المحتلة بتقديم أي عون أو مساعدة طبية لأفراد العائلة، رغم كونهم من الأشخاص المدنيين، والذين يحظون بحماية خاصة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني. وفي منظر آخر مريع تعرضت سيارة إسعاف تابعة لوزارة الصحة لعملية اعتداء سافر على أيدي القوات المحتلة. فقد حاصرت الدبابات والجرافات الحربية عربة الإسعاف، وأخذت بإلقاء الأتربة وركام المنازل المدمرة فوقها، وظلت السيارة وبداخلها السائق واثنين من المسعفين محاصرة حتى الساعة 2:45 بعد الظهر، حيث سمح لها ولطاقمها بالمغادرة بعد أن رفع جنود الاحتلال الركام عنها، ولكن لم يسمح لهم بنقل مصابين.[25]
وفي حي تل السلطان استمرت جرائم قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، حيث أطلق أحد جنود القناصة النار، في حوالي الساعة الحادية عشرة صباح نفس اليوم، من أحد المباني التي كانت قد احتلتها تلك القوات قبل ثلاثة أيام، تجاه المواطن جمال عوض العصار، 39 عاماً، أثناء وجوده في شرفة منزله. وكان المواطن المذكور يطلب مساعدة جيرانه في إيصال مياه الشرب له ولعائلته. وقد أسفر ذلك عن استشهاده جراء إصابته بعيار ناري في الرأس، وأصيب خمسة مدنيين في عدة أحياء من محافظة رفح، وذلك جراء عملات القصف العشوائي وإطلاق نيران الأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة تجاهها. وقد استشهد أحد الجرحى، وهو المواطن محمد إبراهيم جبر، 27 عاماً، متأثراً بالجراح التي نتجت عن إصابته بعيار ناري في منطقة الحوض، وذلك خلال وجوده أمام باب منزله في المخيم الغربي شرق حي تل السلطان.
وفي ساعات فجر يوم الجمعة الموافق 21/5/2004، أعادت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي انتشار قواتها الحربية في حي تل السلطان، حيث سحبت عدد من آلياتها الحربية من الشوارع الداخلية للحي، وأخلت المنازل السكنية التي كانت تحتلها، فيما أبقت على حصارها للحي من الاتجاهات الأربعة. فيما احتل جنود القوات المحتلة عدداً من المنازل المرتفعة الواقعة على الشوارع الرئيسية، ونصبوا مواقعاً استخدموها لإطلاق نيران القناصة على كل جسم يتحرك في المنطقة. وقد أسفر ذلك عن إصابة المواطن يعقوب اسحاق عثمان، 56 عاماً بعيار ناري في قدمه اليسرى. ووسعت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي من نطاق حصارها للمنطقة إلى منطقة ميدان زعرب. وقامت بأعمال تجريف في الأراضي الزراعية في المنطقة الواصلة بين ميدان زعرب وتل السلطان من الجهتين الشمالية والجنوبية. وقد استمرت عمليات التجريف والتدمير حتى مساء السبت الموافق 22/5/2004. وقد شملت 298 دونماً من الأراضي الزراعية، ومعظمها دفيئات مزروعة بالخضار والورود والأشجار المثمرة، كما دمرت كافة المعدات الزراعية ذات الكفاءة العالية، ومزرعة أبقار وأغنام، ما أدى إلى نفوق العشرات منها، فضلاً عن تدمير منزل سكني، يأوي عائلتان قوامهما 17 فرداً. وبعد الانسحاب الجزئي خرج أهالي حي تل السلطان إلى الشوارع ليشاهدوا دماراً كبيراً في البنية التحتية للحي، شملت تدمير معظم الشوارع الرئيسية والفرعية، فضلاً عن تدمير أعمدة الكهرباء والهواتف. كما أن عدة شوارع من الحي غرقت في مياه الصرف الصحي، الأمر الذي شكل صدمة حقيقية للأهالي وأعاق من تنقلهم داخل الحي نفسه. وفي ساعات فجر يوم الاثنين الموافق 24/5/2004، انسحبت قوات الاحتلال بالكامل من حي تل السلطان والمناطق المحيطة به.
وفي حي البرازيل وحي السلام استمرت العمليات الحربية لقوات الاحتلال الحربي، وفي حوالي الساعة الواحدة والنصف من فجر يوم السبت الموافق 22/5/2004، قصفت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي الحيين المذكورين بالأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة والمناطق المجاورة لهما. وقد أسفر ذلك عن إصابة المواطنة تحرير محمد العنابي، 19 عاماً بعيار ناري من النوع الثقيل في بطنها، وذلك أثناء تواجدها داخل مطبخ شقتها، الواقعة في الطابق الثالث من برج عوض، الذي يبعد نحو 700 متر إلى الشمال من الشريط الحدودي. وقد نقلت المصابة إلى المستشفى، وأجريت لها عملية جراحية، ووصفت حالتها بالمستقرة. وفي حادثة مروعة أخرى، وفي حوالي الساعة العاشرة والنصف صباح نفس اليوم، وبينما كان طاقم من العاملين في المركز يطلع على حجم الكارثة التي حلت في حي البرازيل، وتزامنت مع وجود السيد بيتر هانسن، مفوض عام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الذي كان يتفقد حجم الدمار المهول في المنطقة، أطلقت دبابة حربية كانت تقف على بعد حوالي 250 متر جنوب مدرسة طه حسين الثانوية، النار تجاه السكان الذين كانوا يتفقدون منازلهم المدمرة، ويبحثون عن أمتعتهم علهم يجدون شيئاً منها. وقد أسفر ذلك عن إصابة الطفلة روان محمد أبو زيد، 5 أعوام، بعيارين ناريين في الرأس والرقبة، ما أدى إلى استشهادها على الفور، فيما كانت هذه الطفلة في طريقها لشراء الحلوى من أحد المحلات التجارية المجاورة لمنزلها.
وفي ساعات فجر نفس يوم الاثنين الموافق 24/5/2004، اجتاحت أعداد كبيرة من قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، ترافقها الآليات العسكرية الثقيلة حيي الشاعر وقشطة، الواقعين على امتداد الشريط الحدودي مع مصر، جنوب مدينة رفح. باشرت تلك القوات بعمليات مداهمة للمنازل السكنية، واعتلت أسطح العديد منها، وسط قصف عشوائي بأسلحتها الرشاشة باتجاه أحياء المنطقتين. استمرت عملية الاجتياح حتى ساعات المساء، ونفذت خلالها قوات الاحتلال أعمال تدمير في المنازل السكنية، طالت 15 منزلاً، خمسة منها دمرت بشكل كلي. المنازل المدمرة كلياً وجزئياً كانت تأوي 36 عائلة فلسطينية، قوامها 224 فرداً. وجراء القصف العشوائي، أصيب اثنان من المدنيين الفلسطينيين بجراح، وصفت بالحرجة، وذلك أثناء مشاركتهم في تشييع شهداء حي تل السلطان، بعد رفع الحصار عنه.
وعززت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي قواتها الحربية بعد ظهر نفس اليوم في قرية أم النصر، الواقعة على امتداد شارع صلاح الدين الرئيسي، الواصل بين مدينة رفح وباقي مناطق قطاع غزة، والذي كانت قوات الاحتلال قد أغلقته منذ بدء عمليتها العسكرية. وقد اقتحمت تلك القوات المنطقة بالدبابات والجرافات والآليات الحربية، واحتلت بعض المنازل، بعد أن أجبرت سكانها على إخلائها، وسط أجواء من عمليات الترويع والتخويف للسكان. وباشرت تلك القوات حملة واسعة من عمليات هدم وتدمير وتجريف المنازل والممتلكات المدنية، بما فيها الأراضي الزراعية والمحلات التجارية وشبكات الهاتف وأعمدة الكهرباء، وشبكات مياه الشرب التي تخدم سكان القرية، ما أدى إلى انقطاعهما عن المنطقة بالكامل. ووفقاً لباحثي المركز فقد طالت أعمال التدمير والتجريف 311 دونماً من الأراضي الزراعية، معظمها دفيئات خضار وأشجار زيتون، فضلاً عن تدمير المعدات الخاصة بها. كما دمرت تلك القوات 9 منازل سكنية أربعة منها دمرت بالكامل. المنازل المدمرة كانت تأوي 11 عائلة فلسطينية، قوامها 79 فرداً. هذا فضلاً عن إلحاق أضرار بالغة بالطريق المعبدة وتدمير سيارة مدنية، وإلحاق أضرار بالغة بمبنى المجلس القروي. وقامت تلك القوات بإعادة فتح الطريق في ساعات صباح يوم الاثنين الموافق 24/5/2004، وأثناء انسحابها من منطقة صوفا، الواقعة جنوب شرق مدينة رفح، قامت تلك القوات بتجريف 120 دونماً مزروعة بالأشجار المثمرة ودفيئات الخضار مع معداتها الزراعية، فضلاً عن تدمير منزل قيد الإنشاء.
وفي ساعات مساء يوم الاثنين الموافق 24/5/2004، انسحبت قوات الاحتلال من حيي البرازيل والسلام بالكامل، لتعيد تمركزها داخل الشريط الحدودي مع مصر، المجاور للمنطقتين. توجه طاقم من باحثي المركز للمنطقة ووقفوا على حقيقة الدمار البشع الذي خلفته قوات الاحتلال في المنطقتين، بحالة أشبه ما توصف بالزلزال. فقد دمرت قوات الاحتلال 220 منزلاً سكنياً، من بينها 122 دمرت بشكل كلي، وكانت تأوي 271 عائلة فلسطينية، قوامها 1468 فرداً، فيما دمرت 98 منزلاً بشكل جزئي، كانت تأوي 232 عائلة فلسطينية، قوامها 1452 فرداً. الأمر الذي خلق واقعاً مأساوياً غير مسبوق. كما ألحقت تلك القوات دماراً شبه شامل في البنية التحتية للحيين، من طرق وشبكة خدمات عامة، تشمل المياه والكهرباء والهواتف والصرف الصحي، فيما دمرت تلك القوات حديقة للحيوانات، تقدر خسائرها بألوف الدولارات، فضلاً عن تدمير 3 منشآت صناعية، 6 محلات تجارية، 4 سيارات مدنية، سور المقبرة الشرقية وبعض شواهد القبور ومدرج وسور النادي الجماعي التابع لجمعية الخدمة العامة.
ووفقاً لمعلومات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أسفرت العملية عن وفاة 42 شهيداً، من بينهم 9 شهداء من الأطفال، وذلك منذ فجر الثلاثاء 18/5/2004، فيما يبلغ العدد الإجمالي للجرحى ممن وصلوا إلى المستشفيات 112 جريحاً، أكثر من نصفهم أطفال. وكان آخر شهداء الاقتحام الشهيدة الطـفلة روان محمد أبو زيد، 5 سنوات.[26]
شكلت الأعمال التي قامت بها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال عملية قوس قزح، انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وكذلك الإعلان الخاص بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة. ويسعى القانون الدولي لحقوق الإنسان إلى حماية الأفراد في جميع الأوقات.
ويقتضي من الدول ضمان الحقوق الإنسانية للأفراد وحمايتها واحترامها، وتتضمن تلك المعايير الدولية الالتزامات القانونية التي ينبغي على الدول الوفاء بها واحترامها، والتي ترد في المعاهدات التي صادقت عليها. كما أن دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي هي طرف متعاقد على العديد من تلك الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة، اتفاقية حقوق الطفل، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
إن إسرائيل، وبوصفها طرفاً في هذه المعاهدات، قد وافقت على احترام الحقوق المحددة فيها وحمايتها وضمانها لجميع الأشخاص المقيمين داخل أراضيها أو الخاضعين لولايتها القضائية. وقد ساقت إسرائيل المبررات والحجج القائلة إن الالتزامات المترتبة عليها بموجب هذه المعاهدات لا تنطبق على الأشخاص المقيمين في الأراضي المحتلة. غير أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، وهي هيئة من الخبراء، وأنشأت بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وترصد تقيد الدول بأحكامه، وتصدر تفسيرات موثوقة بها للمعاهدة وسواها من هيئات مراقبة تنفيذ المعاهدات، صرحت بأنها تنطبق بالفعل على الأراضي المحتلة، وبأن إسرائيل ملزمة باحترام الحقوق الإنسانية لجميع الأشخاص الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة واحترامها وحمايتها.
كما شكلت تلك الأعمال انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني. ويشمل هذا القانون اتفاقيات جنيف الأربعة للعام 1949 والمعروفة بقانون النزاعات المسلحة إضافة إلى الملحقين الخاصين بهذه الاتفاقيات، عدا عن اتفاقية لاهاي. وتعتبر اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب أكثر الاتفاقيات التي تنطبق على الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكون إسرائيل طرفاً متعاقداً في هذه الاتفاقيات فإن عليها الالتزام بها، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين الفلسطينيين في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها أولئك القاطنين في مدينة القدس. وتتضمن التزامات إسرائيل كونها دولة محتلة تجاه الأشخاص المحميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة الواجبات التالية:
1. معاملتهم في جميع الأوقات معاملة إنسانية وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف والتهديد (م27).
2. حق الاحترام للأشخاص وشرفهم وحقوقهم العائلية وعقائدهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم (م27).
3. تلبية الاحتياجات الأساسية الطبية والغذائية للسكان ( م55).
4. السماح لعمليات الإغاثة لمصلحة السكان الذين تنقصهم المؤن الكافية وتوفير التسهيلات لهم بقدر ما تسمح به وسائلها، وأن تسمح بحرية مرور رسالات الأغذية والإمدادات الطبية والملابس (م59)
5. السماح لجميع أفراد الخدمات الطبية بأداء مهامهم واحترامهم وحمايتهم (م56-20-21).
6. صيانة المنشآت والخدمات الطبية والمستشفيات وكذلك الصحة العامة والشروط الصحية في الأراضي المحتلة (م56).
7. عدم تدمير الممتلكات الخاصة الثابتة أو المنقولة المتعلقة بأفراد أو جماعات أو بالدول أو السلطات العامة إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتى هذا التدمير (م53).
8. حظر عمليات السلب (م33).
9. حظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم...(م49).
10. كذلك لا يجوز أن يتعرض الأشخاص المحميين إلى:
· القتل أو التعذيب أو إساءة المعاملة والعقوبات البدنية أو المعاملة المهينة أو الحط بالكرامة بصورة متعمدة غير قانونية (م27، 32).
· للمعاقبة عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً أو للعقوبات الجماعية أو تدابير الامتصاص من الأشخاص المحميين أو ممتلكاتهم (م28).
· للإرغام من جانب دولة الاحتلال على المعاونة في العمليات الحربية (م51) ولا يمكن استخدامهم كدروع بشرية (م28).
إن سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وعلى الرغم من كونها طرفاً سامياً متعاقداً على هذه الاتفاقية، تصر على أنها لا تنطبق رسمياً على وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة. بل إنها تدعي تطبيق ما تسميه " بالأحكام الإنسانية " الواردة في اتفاقية جنيف الرابعة، ما يعني أنها تعلن وجود جوانب غير إنسانية فيها، وتتناسى السلطة المحتلة أن الاتفاقية بمجملها، واتفاقيات جنيف الثلاثة الأخرى، هي جزء من القانون الدولي الإنساني، والتي تحدد كافة الجوانب الإنسانية في أوقات النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. كما أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجميع الأطراف المتعاقدة الأصلية أو السامية على هذه الاتفاقية، قد أكدوا على أنها تنطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما يعني أن إسرائيل يجب أن تذعن وتنصاع للالتزامات القانونية الواردة بشأن التعامل مع الأشخاص المحميين وحماية حقوقهم.
أثناء عملية "قوس قزح " لم تقتصر ممارسات قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على عدم التزامها بالمواثيق سابقة الذكر، وإنما تجاوزت ذلك في بعض أفعالها، والتي يمكن وصفها بالمخالفات الجسيمة وفقاً للمادة (147) من اتفاقية جنيف الرابعة. وقد تضمنت تلك الأفعال عمليات قتل غير قانونية، سوء معاملة المعتقلين، التدمير المتعمد للممتلكات، وانتهاك حق رجال المهمات الطبية والخدمات الإنسانية في الحماية الخاصة وتسهيل مرور رسالات الأدوية والمهمات الطبية وإمدادات الأغذية.
إن المجتمع الدولي، وخاصة الأطراف المتعاقدة على إتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، يتحمل مسؤولية التحقق من هذه الأفعال والجرائم، وعليه أن يسعى إلى تقديم مرتكبي هذه الجرائم ومن أعطى الأوامر باقترافها إلى العدالة، كي يتسنى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وضمان انطباق أحكامها في حالات الاحتلال الحربي الكلي أو الجزئي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة أو لدولة ليست طرفاً في تلك الاتفاقيات. إن ذلك هو من صلب الالتزامات القانونية للدول المتعاقدة على هذه الاتفاقيات، وذلك بموجب أحكام المادة الأولى من الاتفاقية.[27]
شكلت الاعتداءات الإسرائيلية على الممتلكات والأعيان المدنية والمواقع الأخرى انتهاكا واضحاً للقانون الدولي الإنساني. فالمادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تنص على أنه" يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو السلطات العامة أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير." كما تحظر المادة 147 من الاتفاقية ذاتها على دولة الاحتلال القيام بأعمال "تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية….” ولا يجوز تفسير أعمال تخريب تدمير الممتلكات المدنية الفلسطينية على هذا النطاق الواسع سوى أنها تندرج في إطار العقوبات الجماعية والأعمال الانتقامية ضد المدنيين الفلسطينيين، تلك العقوبات التي تحظرها اتفاقية جنيف الرابعة في المادة (33) والتي تنص على انه "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً." ولم تميز قوات الاحتلال بين المنشآت المدنية المختلفة، حيث قصفت ونسفت المنازل السكنية والمدارس والمساجد والمنشآت الصناعية والتجارية، علاوة على الأراضي الزراعية ومشاريع البنية التحتية. وتشير حصيلة توثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وخلال الفترة من 12-24 آيار/ مايو قد هدمت 210 منزل بشكل كلي، فيما لحق أضرار جسيمة ومختلفة بـ 244 منزل آخر. كذلك دمرت القوات المحتلة 31 منشأة صناعية، و جرفت 719 دونم زراعي. فضلاً عن تدمير البنية التحتية، وعدد من المنشآت والمرافق كالجمعيات والمؤسسات والمساجد والأندية الرياضية والاجتماعية والمتنزهات، وغيرها مما طالته الجرافات والآليات الحربية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي.
وفيما يلي استعراض لأبرز الانتهاكات التي جرت:
استهدفت قوات الاحتلال المنازل السكنية بشكل غير مسبوق، خلال الفترة التي اجتاحت فيها تلك القوات مدينة رفح ومخيمها، وواصلت عمليات تجريف وقصف ونسف المنازل السكنية على مدار الفترة كلها. وقد تمت عمليات هدم المنازل السكنية ونسفها وتجريفها بالجرافات، دون إنذار مسبق، ولا تمنح تلك القوات السكان فرصة لإخلاء منازلهم من الأثاث والمقتنيات الأخرى. وفي كثير من الأحيان أصيب السكان أثناء محاولاتهم الفرار من المنزل. وتستخدم قوات الاحتلال أساليب ووسائل حربية مختلفة، تتسم بالقسوة الشديدة دون مراعاة قواعد استخدام القوة خلال عملياتها الحربية، خاصة مبدأي التناسب والتمييز في استخدام القوة الحربية خلال عمليات قصف وتدمير ونسف وتجريف المنازل السكنية والممتلكات والأعيان المدنية الأخرى.
وفيما يبدو أن أهداف تلك القوات من وراء استهدافها المنظم للمنازل السكنية، تتلخص في دفع السكان لإخلاء منازلهم، وإيقاع العقوبات الجماعية بهم، لاسيما عمليات نسف المنازل السكنية. وليس كما تدعيه وتسوقه قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بأنها تهدف إلى البحث عن الأنفاق التي يهرب عبرها الفلسطينيون السلاح.
فوفقا لتحقيقات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن عملية هدم المنازل التي أقدمت عليها قوات الاحتلال في حي تل السلطان وأجزاء من حي البرازيل لم تتم في منطقة مجاورة للحدود، بل تبعد عن الشريط الحدودي لمسافة تتراوح بين 500 – 1300 متر، وهو ما لا يمكن أن يفسر إلا ضمن إجراءات انتقامية من السكان المدنيين فقط، والاستيلاء على المزيد من الأراضي، وكذلك لخلق مناطق عازلة على امتداد حدود قطاع غزة وعلى امتداد محيط المستوطنات والشوارع الالتفافية.
إن ما قامت به قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، يعتبر انتهاكا فاضحا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولاسيما اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تحكم سلوك القوات المحتلة بعلاقتها بالسكان المحميين وممتلكاتهم. وتدحض الشواهد والوقائع ادعاءات ومبررات قوات الاحتلال والتي بموجبها قامت بعمليات الهدم والتدمير والتجريف.
إن الحصيلة الإجمالية، والتي تمكن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من جمعها خلال شهر آيار/ مايو 2004، تشير إلى قيام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتدمير وهدم 261 منزل تدمير كلي، بالاضافة إلى 271 منزل تضررت بأشكال مختلفة، غالبيتها أصبح غير صالح للسكن. كما أسفرت عملية هدم المنازل عن تشريد 3422 شخص بواقع 574 عائلة، أصبحوا بدون مأوى، ولجأوا إلى الإقامة في مراكز الإيواء التي فتحت أبوابها للنساء والأطفال والرجال في المدارس والمرافق العامة الأخرى، فيما لجأ آخرون منهم إلى السكن المؤقت لدى أقاربهم. والجدولان التاليان يوضحان حجم التدمير الكلي والجزئي في المنازل السكنية، وعدد الأفراد والأسر التي كانت تقطنها ذلك:
جدول يوضح هدم وتدمير المنازل في محافظة رفح خلال شهر آيار / مايو 2004
|
البيان |
1-11/5 |
12-16/5 |
17-24/5 |
25-31/5 |
مجموع شهر 5 |
منذ بدء الانتفاضة وحتى نهاية مايو 2004 |
|
تدمير كلي |
20 |
73 |
137 |
31 |
261 |
1293 |
|
تدمير جزئي |
13 |
28 |
216 |
14 |
271 |
1500 |
جدول يوضح مجموع الأفراد والأسر الذين تم تشريدهم في محافظة رفح خلال شهر آيار/مايو 2004
|
المجموع |
25-31/5 |
17- 24/5 |
12-16/5 |
1-11/5 |
نوع التدمير |
|||||
|
عدد الأسر |
عدد الأفراد |
عدد الأسر |
عدد الأفراد |
عدد الأسر |
عدد الأفراد |
عدد الأسر |
عدد الأفراد |
عدد الأسر |
عدد الأفراد |
تدمير كلي
|
|
561 |
3352 |
74 |
449 |
287 |
1678 |
161 |
948 |
39 |
277 |
|
|
687 |
4069 |
44 |
224 |
545 |
3228 |
69 |
441 |
29 |
176 |
تدمير جزئي |
نلاحظ من خلال الجدولين أعلاه أن الفترة التي شهدت تنفيذ عملية "قوس قزح الحربية" قد شكلت حالة غير مسبوقة من حيث عدد المنازل التي جرى هدمها وتدميرها، وذلك منذ بدء انتفاضة الأقصى في 28/9/2000. فقد هدمت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلالها 137 منزل بشكل كلي، و 216 منزل بشكل جزئي. وقد تركزت عمليات الهدم والتدمير في كل من حي البرازيل وحي السلام، حيث قامت القوات المحتلة بتدمير 116 منزل بشكل كلي فيهما، في حين لحقت أضرار بالغة في 95 منزل آخر. وقد أسفر ذلك عن تشريد 2702 فرد، بواقع 496 عائلة، وذلك في الفترة ما بين 12-24/5/2004. وقد أخذت اعتداءات قوات الاحتلال على المنازل السكنية أشكالاً وأساليب مختلفة، على النحو التالي:
· إطلاق النيران على السكان وإصابتهم بهدف تهجيرهم من منازلهم
عانى السكان المدنيون ظروفاً إنسانية قاهرة خلال اجتياح قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لمناطقهم، وكانوا ضحايا لممارسات غير إنسانية، شملت عمليات هدم المنازل أثناء وجودهم فيها، إطلاق النيران خلال عمليات الإخلاء القسري لهم من هذه المنازل. وقد كابد العديد من السكان، خاصة الأطفال والنساء من الانتهاكات الخطرة التي مارسها الجنود ضد المدنيين العزل. وعلى الرغم من قيام جنود القوات المحتلة بإطلاق نيران أسلحتهم الرشاشة تجاه المدنيين العزل، والذين كانوا يرفعون الرايات البيضاء من أجل إخلائهم من منازلهم آمنين، إلا أن الجنود تلذذوا في إرعاب وترويع السكان، وأطلقوا النيران تجاههم عمداً وأصابوا العديد منهم. كما لم تتورع هذه القوات عن تقديم الإسعافات والخدمات الطبية للجرحى والمصابين، الذين تركوا ينزفون، وخاصة الأطفال والنساء منهم، بل ومنعت الطواقم الطبية الفلسطينية من الوصول إليهم لإخلائهم من أجل علاجهم وتطبيبهم. وفي حادثة مريرة أقدم جنود، كانوا يتحصنون في دبابات حربية، على إطلاق النيران تجاه عائلة في حي البرازيل، تعرضت لتدمير منزلين لها في عامي 2002 و2003 في رفح، ولجأت إلى استئجار منزلها الذي دمر خلال هذه الحملة، فأصابت أربعة من أفرادها، بينهم الزوجة وثلاثة أطفال آخرين تركوا ليعانوا مصيراً أليماً، ويكابدون جراحهم دون تقديم أدنى مساعدة إنسانية لهم.
المواطن زياد نعيم خليل حسان، 41، من سكان حي البرازيل، متزوج، وعدد أفراد أسرته 7 أشخاص، ويعمل سائق سيارة أجرة. حسان روى لباحث المركز ما حدث لأفراد أسرته عندما أصيبت زوجته وأبنائه الثلاثة، فقال:
" أسكن وأفراد عائلتي في مخيم البرازيل في رفح، في شقة سكنية استأجرتها في عمارة وائل المصري، وهي عمارة من طابقين، مساحة الشقة فيها 150 م2، وعدد غرفها أربعة. وفي حوالي الساعة 8:20 صباح يوم الخميس الموافق 20/5/2004، كانت ثلاث دبابات وجرافة إسرائيلية تقوم بعملية تدمير وهدم في منطقتنا، التي تبع حوالي 500 متر عن الشريط الحدودي. اقتربت الدبابات والجرافات وهدمت السور الخارجي للعمارة، وفي هذه الأثناء فتحت باب شقتي، وكنت أحمل طفلتي آية، وعمرها سنتين، وأرفع في يدي الأخرى راية بيضاء اللون، وأصرخ على الجنود ليتوقفوا. أشار لي أحد الجنود بمدفع الدبابة بالخروج مع أسرتي، فدخلت في الشقة ثم خرجت ومعي زوجتي وأولادي وبناتي. وسرنا حوالي 70 متراً بين الدبابات والجرافات التي كانت تنشر في المكان. وأثناء سيرنا أطلق الجنود المتحصنون داخل أحد الدبابات المواجهة لنا النار باتجاهنا فأصابوا أكوام التراب والركام حولنا. رجعت وأفراد أسرتي باتجاه المنزل خوفاً من إصابتنا، كان الشارع خالياً والمنطقة هادئة تماماً، ولم يكن فيه أحد سواي وأفراد عائلتي والدبابات والجرافات. وفي هذه الأثناء أطلقت الدبابة النيران باتجاهنا مرة أخرى، وكنا نبعد عنها حوالي 150 متر. فأصيبت كل من زوجتي سناء، 40 عام، بعيار ناري في فخدها الأيمن، كما أصيبت ابنتي نظمية، 17 عام، بعيار ناري في قدميها. وأصيب كل من أولادي طارق، 15 عام، بعيار ناري في كتفه وبشظايا في قدميه، ووليد، 9 أعوام، بشظايا في قدمه. وقد تملكتني وأولادي حالة من الرعب الشديد والصراخ والبكاء، ولم يتوجه أي من الجنود لنا لتقديم الاسعافات لأفراد عائلتي المصابين. وتمكنت من العودة بهم إلى داخل منزلنا، واتصلت على الفور من جوالي بالإسعاف، وأبلغوني أنهم قادمين لنا. وبقيت أنتظر، وبعد حوالي أكثر من ساعة شاهدت سيارة إسعاف تتقدم ناحية المنزل. وعلى مدار ساعات قامت الدبابات والجرافات بالاعتداء على الإسعاف بصدمه أحياناً وبوضع الركام عليه أحياناً أخرى. ولم يتمكن طاقم الإسعاف من وصولنا، وبقيت أعاني وأفراد عائلتي، خاصة المصابين منهم، طيلة اليوم. وكنت أجري الاتصال عبر الهاتف النقال مع مستشفى النجار طيلة الوقت خوفاً على أفراد عائلتي المصابين، والذين كانوا ينزفون. وأمام هذه الظروف قام أحد الأطباء بتوجيهي وبدأت بعمل إسعافات أولية من أجل وقف النزيف عند زوجتي وأطفالي. وفي يوم الجمعة صباحاً كانت الدبابات قد انسحبت من المنطقة إلى منطقة الشريط الحدودي، فتمكنت من الخروج بعائلتي، حيث حملت أبنائي المصابين، ومشيت مسافة طويلة إلى أن وصلت سيارات الإسعاف ونقلتنا إلى مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار، وقامت الفرق الطبية بإجراء العلاج اللازم لهم. وحالياً أقيم وأفراد عائلتي في مركز الإيواء في مدرسة ذكور رفح ب الاعدادية للاجئين، ومعنا عشرات العائلات الأخرى وأوضاعنا مأساوية جداً، حيث كنت قد فقدت منزلي في بلوك O في مخيم رفح في العام 2002، كما فقدت منزلاً آخراً في حي السلام، والذي أصبح غير صالح للسكن بعد هدمه من الجيش الإسرائيلي في أكتوبر من العام 2003 ".
· هدم وتجريف المنازل السكنية خلال تواجد السكان المدنيين بداخلها ودون إنذار مسبق
عملت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على بث الرعب والخوف والهلع بين صفوف السكان المدنيين الفلسطينيين، وذلك عبر استهدافها المتواصل لمنازلهم السكنية، مستخدمة بذلك الرصاص الحي من مختلف الأعيرة، والصواريخ المضادة للدروع، وخاصة في أوقات متأخرة من الليل. وقد أدى استهداف المنازل السكنية بالقصف والتدمير، إلى إيقاع عدد كبير من الإصابات في صفوف المدنيين وهم داخل منازلهم. وفيما يلي بعض من شهادات السكان الذين هدمت منازلهم نذكرها على سبيل المثال لا الحصر:
المواطن جمال حسن أحمد محمد نجم، 46 عام، من سكان حي البرازيل، ويقطن منزلاً مساحته 200م2، برفقة والدته، البالغة 85 عام وتعاني من شلل حركي، وعائلات أخوته الأربعة وأولاد أخوته الاثنين، ويبلغ عدد سكان المنزل 40 فرداً. روى جمال نجم لباحث المركز ما حدث لمنزلهم فقال:
" ليلة الأربعاء الموافق 19/5/2004، كنت أبيت في منزلي مع أفراد عائلتي وعائلة أخي. وفي حوالي الساعة العاشرة ليلاً سمعت أصوات دبابات وجرافات وآليات جنوب منزلنا، وكذلك أصوات إطلاق نيران وقذائف كثيفة جداً، وقد استمرت أصوات الانقجارات وإطلاق النيران الرشاشة طيلة الليل، ولم نتمكن من النوم حتى ساعات صباح يوم الخميس. وفي حوالي الساعة 8 صباح يوم الخميس سمعت أصوات دبابات وجرافات وأصوات صراخ من الجهة الشمالية لمنزلنا، وكذلك سمعت صوت الجرافات وهي تقوم بعمليات تجريف وهدم، صاحبها صراخ نساء وأصوات رجال وأطفال اختلطت مع أصوات إطلاق نيران رشاشة وقذائف. وشاهدت جرافة تهدم منزل عائلة جمعة أبو حماد، الواقع في الجهة الشمالية من منزلنا، وسمعتهم يصرخون ولا يستطيعون مغادرة المنزل. وكان أفراد الأسرة يصرخون والأطفال يولولون. ثم انتقلت الجرافة إلى منزل جارنا منصور منصور وهو رجل مقعد، وبدأت بتجريف منزله. وأثناء ذلك شاهدت أبناء منصور يحملونه، فيما الجرافة كانت تواصل هدم المنزل وسط صراخ وعمليات إطلاق نار. أحسست باقتراب دور منزلنا، فجمعت إخوتي و أطفالهم وقمت بمساعدتهم على حمل والدتي المسنة ( معاقة حركياً)، وهربنا باتجاه الجنوب إلى منزل جارنا من الجنوب حسن القطروس. وبقينا فيه حتى صباح يوم الجمعة عندما غادرت الدبابات والجرافات المنطقة. خرجنا فوجدنا منزلنا ومنازل جيراننا ركاماً سويت بالأرض تماماً بكافة محتوياتها وأثاثها وكافة الممتلكات الخاصة بنا وجيراننا، مع العلم أن منازلنا التي دمرت تبعد عن الشريط الحدودي أكثر من سبعمائة متر".
الأخوين حسن ومازن عبد الجواد على موسى، من سكان حي البرازيل، ويقطنان في منزل مساحته 300م2، ومكون من طابقين ومساحة البناء فيه 265م2. حسن، 43 عام، متزوج ولديه 9 أفراد بمن فيهم والدته المقعدة البالغة 75 عام، ويقطن مع عائلته في الطابق الأول، فيما يقطن أخيه مازن في الطابق الثاني ولديه 8 أفراد. تحدث حسن لباحث المركز قائلاً:
" فجر يوم الخميس الموافق 20/5/2004، تقدمت جرافة تجاه منزلنا، وبدأت بهدم سور المنزل الخارجي، ثم باشرت بتجريف الغرفة الشرقية الجنوبية من المنزل. خرجت أنا وأطفالي من داخل الغرفة ورفعت يدي إلى الجرافة وبجوارها دبابة. تراجعت الجرافة عدة أمتار ثم تقدمت باتجاه إلى بيت الأدراج وقامت بهدمه. وعلى الفور توجهت إلى والدتي، التي كانت تنام في الغرفة الجنوبية، والتي انتقلت إليها الجرافة وبدأت بتجريفها. وصرخت على الجنود في الجرافة كي يتوقفوا، بينما أسرعت بحمل والدتي، البالغة من العمر 78سنة، بينما كانت تنام في سريرها ولا تستطيع الوقوف لأنها معاقة حركياً، وأخرجتها خارج المنزل. وأكملت الجرافة هدم الغرفة ومن ثم توجهت إلى منزل جاري ويدعى "كامل عبد الله الأخرس". وفي هذه الأثناء بدأت الجرافة بعملية هدم في منزله. قمت أنا وأخي بحمل والدتي وسرت إلى منزل عابد الأخرس على بعد 560 متر شمال منزلنا وكان يرافقني عائلتي وعائلة أخي. خرجنا حفاة ولم نستطع تحمل تسارع الأحداث، وهربنا من المنطقة تحت وطأة إطلاق النيران والقذائف، وتوجهنا إلى منزل أخي في منطقة حي الجنينة، والتي تبعد حوالي كيلو ونصف الكيلو متر مشياً على الأقدام ومعي كافة أطفالي وعائلة أخي. وحين عودتنا يوم السبت 22/5/2004 وجدنا المنزل غير صالح للسكن حيث تصدعت جميع جدرانه ودمرت الغرف فيه، كما دمر كافة ما به من أثاث".
المواطن عبد الله عيد أيوب الأخرس، يقطن في منزل مساحته 250 متر ومكون من ثلاثة طوابق وفيها 6 شقق سكنية، ولديه 10 أفراد، ويسكن مع أخيه كامل أيوب الأخرس، وعائلته المكونة من 8 أفراد. المواطن عبد الله روى لباحث المركز ما يلي:
"يوم الخميس في حوالي الساعة 5:30 صباحاً فوجئنا بجرافة تضرب الجانب الشرقي من منزل أخي كامل. نزلت أنا وأفراد أسرتي وأسرة أخي رافعين رايتين بيضاء، ووصلنا باب الدرج وصرنا نصرخ على الجرافة لوقف عملية هدم منزلنا. انتقلت الجرافة إلى الجزء الغربي من المنزل وبدأت بضرب واجهته الجنوبية. في هذه الأثناء هرب ابن أخي حسين 12 سنة خوفاً من الجرافة فسقط على مقربة من أحد عجلات الجرافة، وشاهدت زوجة أخي تسقط خلفه وتقوم بسحب طفلها من تحت عجلات الجرافة. في هذه الأثناء تقدمت الجرافة تجاه منزل جاري طلعت أبو النجا وبدأت تهدم واجهة منزلهم. وبدأنا نحن في مغادرة المنطقة وسط الجرافات والدبابات، ووصلنا منزل أخي عابد الأخرس في الجانب الشمالي من حي البرازيل. وقد تم اعتقال ابن عمي نظمي عيادة الأخرس 50 سنة وهو يقيم مع أفرد عائلته في الطابق الأرضي من المنزل بعد أن هدم منزله في حي البرازيل قبل حوالي شهرين وهو لا زال معتقلا ً".
المواطن حسن الروبي من سكان حي البرازيل روى لباحث المركز ما يلي:
" يوم الخميس الموافق 20/5/2004، وبعد أن احتلت الدبابات وقوات الاحتلال حي البرازيل، وفرضت حصاراً ومنعت السكان من الخروج، كنت في منزلي برفقة أفراد عائلتي نتابع ما يجري حول منزلنا. كانت العيارات النارية تتطاير من كل مكان ي محيط المنزل، فيما كانت أصوات الانفجارت تهزه، وكانت حرب حقيقية تدور حولنا. وعند منتصف الليل سمعت أحد الجنود يطرق باب منزلي، خرجت من الغرفة، التي كنت أجلس فيها مع زوجتي وحفيدين من أحفادي، وفتحت الباب فلم أحد أي شخص. أغلقت الباب وعدت إلى الغرفة التي كنت أجلس فيها، وفجأة ودون سابق إنذار فوجئت بدبابة تقوم بهدم المدخل الخارجي للمنزل. قلت لنفسي إن كان الأمر على حدود السور الخارجي فلا بأس، حاولت النظر من نافذة الغرفة المطلة على الساحة الخارجية، وفجأة أطلق الجنود الرصاص علي مباشرة، فهربت من الرصاص، وحملت حفيدتي( شهد ) التي كانت تحاول الصعود على النافذة، ومرت الرصاصات من جوارها. خرجنا من الغرفة كلنا إلى ساحة المنزل، ووجدنا أنفسنا محاصرين، من أمامنا الدبابات والجرافات، ومن خلفنا الجدران، ولم نستطع الخروج. وأخذت أختي التي تقيم معنا بالصراخ على أحد الجنود كي يستمع إلينا ويسمح لنا بالخروج، ولكن بدون جدوى. واستمرت عملية هدم باقي أجزاء المنزل ونحن نهرب من مكان إلى آخر خوفاً من إصابتنا. وخلال ذلك قام جارنا بهدم جزء من الحائط الذي يفصل بيننا وبينهم، وساعدونا على الخروج إلى منزلهم".
· إجبار السكان على إخلاء منازلهم بشكل جماعي " تشريد سكان بلوك o بشكل كامل "
لجأت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال عملياتها العسكرية إلى بث الرعب والهلع في صفوف السكان المدنيين، وذلك عبر تنفيذ عمليات قصف عشوائي بالصواريخ وقذائف الدبابات والأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة. وقد أدت تلك العمليات إلى تدمير العديد من المنازل جراء سقوط القذائف فيها، فيما أصيب العديد من السكان المدنيين خلال تواجدهم في منازلهم. وقد شكلت العملية الحربية التي جرت في مخيم رفح قبل يومين من تنفيذ العملية الجديدة" قوس قزح "، والتي أدت إلى تدمير عشرات المنازل في بلوك O في مخيم رفح، واستشهاد أربعة عشر مواطناً وجرح العشرات، هاجساً لدى عشرات العائلات خشية على حياة أفرادها وأمنها وسلامتها. ولذلك كانوا يلجأون لهجر منازلهم في الليل ويتوجهون إلى مناطق أكثر أمناً عند بعض أقاربهم، وحيث أن ساكني هذه المنازل لا يتوفر لهم مأوى بديل عن منازلهم التي يهجرونها في الليل، فقد كانوا يقضون ساعات الليل لدى أقاربهم، ثم يعودون مع ساعات الصباح الأولى إلى منازلهم لقضاء حاجياتهم وتجهيز أبنائهم للذهاب إلى المدارس. وقد أرهق ذلك تلك العائلات نفسياً وأدخلها في آتون معاناة يومية، فمن حالة الخوف والهلع أثناء وجودهم داخل منازلهم، إلى حالة من عدم الاستقرار والشعور بالضيق والقلق عند أقاربهم. أما حالات الإخلاء الكلي، وهي كثيرة أيضاً، فقد لجأ إليها عدد كبير من السكان، وقد تنوعوا بين من يملك بديلاً، أو لديه القدرة على الاستئجار، أو من كانت عائلته صغيرة ويستطيع أن يلجأ إلى أقاربه، أو من كان مستأجراً واضطر إلى إخلاء سكنه كما هو حال بلوك o، خاصة بعد أن دمر قرابة المائة منزل خلال يومين قبل بدء العملية الحربية الجديدة.
· احتلال المباني السكنية خلال العملية العسكرية واستخدامها كمواقع حربية
لجأت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي إلى احتلال المباني والمنازل السكنية، في سياق ممارساتها الهادفة إلى دفع السكان إلى إخلاء منازلهم. وقد أخذت سياسة احتلال المنازل السكنية عدة أشكال خلال العملية الحربية التي يغطيها التقرير، أبرزها:
1. الاستيلاء على أسطح المباني والمنازل السكنية، وهو الأكثر شيوعاً، حيث كانت تقوم قوة كبيرة تتراوح ما بين 20-30 جندي بمحاصرة المنزل، في حين تقوم قوة أخرى بنفس العدد تقريباً باقتحامه. وعادة ما كانت عملية الاقتحام عنيفة ومرعبة للسكان داخل تلك المباني والمنازل، حيث كانت تركز على بث الرعب في قلوب سكان المنزل خاصة الأطفال والنساء. فقد لجأت تلك القوات إلى استخدام متفجرات في فتح الأبواب، وكان يعقبها عملية اقتحام مجموعة من الجنود للمبنى أو المنزل. كان الجنود ينفذون تلك العمليات وهم يطلقون النيران وقنابل الصوت، ويصرخون على السكان، وبعدها يقومون بجمع كافة السكان في كافة الطوابق في غرفة واحدة. ثم يقوم الجنود بعملية تفتيش دقيقة للمنزل يتخللها عمليات تخريب وتدمير وتحطيم لكافة محتويات المنزل. وبعد أن يتحقق الجنود من ضمان أمنهم في المبنى كانوا يعتلون سطحه ويبدأون في وضع التحصينات اللازمة لحماية أفراد القوة الحربية كأكياس الرمال والسواتر العازلة، ثم كانوا ينصبون أسلحتهم الرشاشة في اتجاه الشوارع التي يكشفها المبنى أو المنزل. وقد أسهمت عملية احتلال أسطح المباني والمنازل في إجبار السكان على إخلاء العديد من المنازل المجاورة والتي تعرضت لعمليات إطلاق نار متواصلة، خاصة طيلة فترات الليل.
2. الاستيلاء على طابق بأكمله في بناية سكنية، وهو شكلٌ آخر من أشكال احتلال المنازل السكنية، حيث كانت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تجبر السكان، الذين يقطنون في بناية تتألف من عدة طوابق على إخلاء الطابق العلوي من المنزل. وبعد أن كان الجنود يقومون بالخطوات السابقة الذكر من عمليات اقتحام وحجز للسكان وتأمين المبنى، كانوا يقومون بوضع سواتر لتمويهه، ووضع السواتر من الأكياس الترابية ونصب الأسلحة الرشاشة عليها، فيما قام جنود القناصة بتصويب بنادقهم المزودة بالمناظير من شبابيك الطابق السكني، أو من فتحات هدموها في الجدران وأخذوا يطلقون النار على كل يتحرك في محيط البناية من الشوارع المقابلة لهم. وتعتبر بناية أبو مرقة في حي تل السلطان واحدة من الحالات البارزة التي تمثل تدلل على ذلك، حيث استولت فيها القوات المحتلة على الطابق قبل الأخير( الرابع)، وذلك بعد أن أجبرت جميع السكان في البناية على إخلاء الطوابق العليا و النزول إلى الطابق الأول.
3. تحويل المنازل النائية إلى مواقع عسكرية بعد طرد سكانها، حيث لجأت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي إلى احتلال بعض المنازل الصغيرة، خصوصاً في المناطق النائية في محافظة رفح، وذلك بهدف إيجاد مواقع عسكرية آمنة لجنود تلك القوات لتنفيذ مهام عسكرية. وقد استخدمت هذه الطريقة في حي الشوكة وقرية أم النصر، حيث لجأت إلى اقتحام بعض المنازل في تلك المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة، وقامت بجمع سكانها، وأجبرتهم على إخلائها وسط معاملة مهينة ومذلة لأفراد تلك العائلات. وقد اضطر السكان إلى الهرب بحثاً عن مكان أكثر أمناً لهم.
المواطن ناجح نافع سلمي أبو عدوان، 48 عام، متزوج ولديه 9 أفراد، ويسكن في منزله المكون من طابق واحد من الباطون على مساحة 200م2 في الشوكة في رفح. أبو عدوان روى لباحث المركز ما حدث معه وأفراد عائلته فقال:
"يوم الجمعة الموافق 21/5/2004، وفي حوالي الساعة الثامنة والنصف مساءً، لاحظت تحرك آليات عسكرية إسرائيلية حول منزلي الواقع في حي الشوكة إلى الشرق من شارع صلاح الدين بمسافة 500 م في رفح. وظلت حركة الدبابات والجرافات والمدرعات، وعددها أكثر من 13 آلية، حوالي ساعتين. وبعد ان تقدمت الآليات قرب منزلي، نادى علي الجنود، وطلبوا مني ومن عائلتي الخروج من المنزل والابتعاد عنه مسافة 15 متر. فخرجت وأفراد أسرتي وابتعدت حوالي 15 متراً عن منزلي. طلب مني أحد الجنود التقدم نحوهم وتعرية الجزء الأعلى من جسمي، ففعلت وتقدمت نحو الجنود، وقام أحدهم بتفتيشي، وبعد أن انتهى طلب مني إحضار أبنائي الذكور، فأحضرتهم وتقدم أبنائي بعد أن خلعوا ملابسهم العلوية، وقام الجنود بتفتيشهم. ثم طلب مني الجنود إخراج من يوجد بداخل المنزل وإخراج السلاح، فقلت لهم أنه لا يوجد أي شخص داخل المنزل، ولا يوجد سلاح فيه. وأمرني الجنود بالجلوس على الأرض مع أفراد عائلتي، فجلسنا لفترة تقارب الساعتين. وشاهدت الجنود خلال تلك الفترة يقتحمون المنزل ويقومون بتفتيشه، وشاهدتهم يضعون أسلحتهم وعتادهم الحربي داخل المنزل. بعد ذلك طلب مني الجنود مغادرة المكان وأبلغوني بعدم العودة للمنزل إلا بعد انسحابهم منه. وطلبت من الجنود السماح لنا بنقل بعض أمتعتنا ومقتنياتنا إلا أنهم منعوني من ذلك، فغادرت المكان برفقة أفراد عائلتي وتوجهت إلى مخزن من الصفيح يبعد عن منزلنا حوالي 500 متر، دون أن يكون معنا طعاماً أو أغطية، وقضينا ثلاثة أيام في ظروف مأساوية وقاسية، حيث لم نكن نستطيع التنقل أو الحركة بسبب الوجود المكثف لقوات الاحتلال وآلياته الحربية".
خلال الفترة التي يغطيها التقرير استهدفت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي الأراضي الزراعية، على الرغم من وضوح تحريم استهدافها في القانون الدولي الإنساني، لاسيما المادة ( 53) من اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولين الملحقين باتفاقيات جنيف لعام 1949، خاصة المادة( 54) من البروتوكول الأول. فالأراضي الزراعية تشكل مصدراً لإعاشة السكان المدنيين، كما تشكل مجالاً لتشغيل الأيدي العاملة. ووفقاً لتوثيق المركز بلغت مساحة الأراضي الزراعية التي جرفتها قوات الاحتلال في محافظة رفح حوالي 719 دونم، وذلك في الفترة نفسها. كما استهدفت أيضاً آبار المياه، بالتدمير والتجريف والردم. وجراء ذلك لحق بملاك الأراضي الزراعية خسائر فادحة، كما أنها ألحقت أضراراً بالغة بقطاع الزراعة نفسه، إذ أن ردم آبار المياه التي تروي منطقة بعينها، يعني وقف نشاطات الزراعة فيها، حيث يروي البئر حوالي 200 دونماً من الأرض المزروعة. ولا تقتصر عمليات ردم آبار المياه في أهدافها وآثارها على قطاع الزراعة فقط، بل تأتي في سياق عمليات سرقة المياه الجوفية، التي تقوم بها تلك القوات للمخزون الجوفي.
وفيما يلي جدول يوضح ذلك:
جدول يوضح تجريف الأراضي خلال الفترة من 17 إلى 24/5/2004
|
المزروعات |
بالدونم |
الحي |
|
أشجار مثمرة ودفيئات زراعية |
430 |
قرية أم النصر ومحيط شرق رفح |
|
أشجار مثمرة ودفيئات زراعية |
289 |
حي السلطان |
|
أشجار مثمرة ودفيئات زراعية |
719 |
المجموع |
من جانب آخر، تركزت عمليات التجريف في أحياء غربي حي تل السلطان، قرية أم النصر والمنطقة المحيطة بمعبر صوفا في المحافظة، ما يؤكد نوايا قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي إلى التدمير الكامل والشامل للبنية التحتية للقطاع الزراعي، تمهيداً للاستيلاء عليها وضمها للمناطق الاستيطانية المحيطة بمحافظة رفح. عمليات التجريف في المناطق المذكورة تدحض مبررات الاحتلال التي يسوقها للمجتمع الدولي على أن هدف العملية البحث عن أنفاق يقوم الفلسطينيون بتهريب الأسلحة عبرها من الجانب المصري. فالمناطق التي يتم التجريف فيها بعيدة عن المنطقة الحدودية، كما أنها بعيدة عن مسرح عمليات المقاومة، الأمر الذي يظهر كذب وزيف ما تدعيه حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وعليه لا يجوز تفسير أعمال تخريب وتدمير الممتلكات المدنية الفلسطينية على هذا النطاق الواسع سوى أنها تندرج في إطار العقوبات الجماعية والأعمال الانتقامية ضد المدنيين الفلسطينيين، تلك العقوبات التي تحظرها اتفاقية جنيف الرابعة في المادة (33) والتي تنص على انه " لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً."
خلفت عملية " قوس قزح " الحربية التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، دماراً هائلاً وشاملاً في كافة مشاريع البنية التحتية في محافظة رفح، وقد شملت عمليات التدمير التي نفذتها تلك القوات، تجريف كامل للشوارع والطرق المعبدة الرئيسية والفرعية، فيما تعمدت قوات الاحتلال تدمير شبكات المياه الرئيسية والفرعية وشبكات الصرف الصحي ومضخاتها. وفي استهداف واضح دمرت الدبابات والجرافات محولات الضغط العالي والضغط المنخفض الكهربائية وأعمدة الهاتف وشبكات توصيلها إلى المنازل. وتعدت عمليات التدمير والتخريب لتصل إلى عملية اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، خاصة في حيي تل السلطان والبرازيل، ما أدى لنشوء مكاره صحية في الشوارع. وقد طالت عمليات التدمير العديد من مشاريع البنية التحتية الأخرى كالمرافق العامة والمتنزهات. وقد رصد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تلك العمليات، في محاولة لتقدير الخسائر المالية الناجمة عن حجم الدمار الهائل الذي خلفته تلك العملية الحربية. واستناداً إلى تقديرات بلدية رفح فقد أفادت أن حجم الأضرار والدمار الناجم عن العملية يصل إلى حوالي 20 مليون دولار، ويشمل ذلك تكلفة العشرات من المشاريع الرئيسية والحيوية التي كانت قد نفذتها البلدية بالتعاون مع العديد من الدول المانحة، عبر البنك الدولي. كما يشمل هذا التقدير تكاليف إعادة بناء المئات من المنازل التي جري تدميرها كلياً وجزئياً. وفيما يلي جدول بالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في المحافظة، والتي نجمت عن عملية التدمير المنظم خلال العملية الحربية المذكورة، وفقاً لتقرير بلدية رفح:
جدول يوضح حجم الدمار في البنية التحتية في محافظة رفح من تاريخ 17- 24/5/2004.
|
الحي |
الأضرار |
ملاحظات |
|
منطقة حي البرازيل
|
- شارع رقم 113( أمام نادي الجماعي) بطول 320م وعرض 17م. - شارع رقم 116( منطقة العنابي) بطول 350م وعرض 15م. - شارع رقم 128 ( أمام السوق التجاري) بطول 450م وعرض 14م. - شارع امتداد خالد بن الوليد رقم (12) طول 450م وعرض 14م. - شوارع داخلية منطقة جامع أبو بكر 6000م2. - شوارع داخلية منطقة العنابي 7500م2. - أضرار نادي الجماعي البرازيل بلغت قيمتها حسب تقديرات بلدية رفح (71.800 دولار أمريكي) شارع أبو بكر الصديق رقم 1 بطول 250 وعرض 9 ورصيف 3م. - شارع بئر قشطة رقم 21 بطول 600م وعرض 18م. - شارع خالد بن الوليد رقم 12 بطول 500 وعرض 16م. - شوارع داخلية بحي البرازيل 16000م. |
إجمالي قيمة إعادة الاعمار في حي السلام وحي البرازيل حوالي (2.001.790دولار أمريكي)
|
|
حي السلام
|
-شارع رقم (1) من مسجد الايمان حتى المشتل بطول 250م وعرض 6م. -شارع رقم (2) 2000م2 بلاط انترلوك. -شوارع متفرقة بحي السلام 2000م2 بلاط انترلوك. |
|
|
حي تل السلطان ومنطقة رفح الغربية
|
- شارع أبو بكر الصديق بطول 800م وعرض 25م. - شارع النزهة رقم 25 بطول 1000م وعرض 18م. - شوارع داخلية قبل تل السلطان مربع 86ب بطول 500م وعرض 11م. - شارع البحر رقم 24 بطول 800م وعرض 18م. - شارع ابن سينا رقم 86 بطول 800م وعرض 25م. - الشارع البديل امتداد شارع ابن سينا بطول 600م وعرض 18م. - شارع طارق بن زياد رقم 36 بطول 500م وعرض 18م. - شارع حيفا رقم 54 بطول 500م وعرض 18م. - شارع عكا رقم 37 بطول 500م وعرض 18م. - شارع القدس بطول 400م وعرض 18م. - محطة الصرف الصحي ( جميزة السبيل) أضرار بكلفة قدرها (40.000 دولار أمريكي). - حديقة ومتنزه عام في تل السلطان بلوك 86 بكلفة ( 45.000 دولار أمريكي). - حديقة ومتنزه عام في تل السلطان بلوك 88 بكلفة ( 39.000 دولار أمريكي). - شوارع داخلية مخيم بدر وبلوك B86 وبلوك C86 وبلوك A87 وبلوك B87 وتقدر كلفتها حسب بلدية رفح (898200 دولار أمريكي ). |
|
كما قدرت شركة الكهرباء الخسائر التي أصابت الشبكة بحوالي 153277 دولار أمريكي، وذلك في كل من خطوط الضغط المرتفع وخطوط الضغط المنخفض. والجدول التالي يبين ذلك:
جدول بخسائر الشبكة الكهربائية في محافظة رفح نتيجة الاجتياح الإسرائيلي المحافظة بتاريخ 20/5/2004
|
الرقم |
نوع الخسائر |
الإجمالي |
|
1 |
خسائر شبكة الضغط العالي |
42195 |
|
2 |
خسائر شبكة الضغط المنخفض |
111082 |
|
الإجمالي |
153277 |
|
شهدت الفترة التي يغطيها التقرير تصعيداً غير مسبوق من حيث عدد المحال التجارية والمنشآت الصناعية التي جرى تدميرها، حيث شرعت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أثناء عملية الاقتحام لمدينة رفح ومخيمها على هدم وتجريف المحلات التجارية والمنشآت الصناعية الموجودة في المنطقة. ووفقاً لمعلومات المركز، فإن تلك القوات لم تخطر أصحاب المحال التجارية مسبقاً بنيتها هدم محلاتهم، وفي الوقت نفسه لم يتجرأ أحد من أصحاب هذه المحلات أو المنشآت على التواجد في المنطقة، وذلك خوفاً على حياته، حيث تقوم قوات الاحتلال بإطلاق النار على كل من يتواجد في المنطقة التي يتم اجتياحها. وبعد انسحاب تلك القوات من المكان، تمكن باحثو المركز من توثيق (31) منشأة صناعية ومحلاً تجارياً تم تدميرها تدميراً كلياً. ويترك هدم هذا العدد الكبير من المحلات التجارية والمنشآت الصناعية، آثاراً سلبية على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في محافظة رفح، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية ومستويات المعيشة المتردية أصلاً منذ بدء الانتفاضة. والجدول التالي يبين عدد المنشآت الصناعية والتجارية التي دمرتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي:
جدول يبين المنشآت الصناعية والمحال التجارية المهدمة في رفح في الفترة ما بين17-24/5/2004.
|
الأضرار |
العدد |
الحي |
|
تدمير كلي |
9 |
قرية أم النصر ومحيط معبر صوفا |
|
تدمير كلي |
11 |
حي السلطان |
|
تدمير كلي |
11 |
حي السلام |
|
تدمير كلي |
31 |
المجموع |
لم تكن المنشآت التعليمية والدينية بمنأى عن اعتداءات قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، ففي الفترة التي يغطيها التقرير، تعرضت عدداً من المنشآت التعليمية والدينية إلى الهدم والقصف، ما ألحق فيها أضراراً بالغة. كما شكلت أماكن العبادة في رفح هدفاً لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، حيث قصفت طائرات الأباتشي، يوم الثلاثاء الموافق 18/5/2004، مسجد بلال بن رباح في حي تل السلطان بثلاثة صواريخ. وقد سقط صاروخان منهما وسط تجمع من السكان المدنيين، ممن كانوا في طريقهم لصلاة الفجر، ما أدى لمقتل أربعة منهم. فيما أصاب الصاروخ الثالث مكتبة المسجد ما أدى لاحتراقها بالكامل، وقد أتت النيران على قرابة 7 ألاف كتاب، هي جميع مقتنيات المكتبة من الكتب الدينية والمصاحف. وقد لحقت أضرار بالغة وجسيمة في عدد من المساجد الأخرى في محافظة رفح. ومنها مسجد ذي النورين في منطقة بلوك O في مخيم رفح، حيث تعرض لتدمير واجهته الجنوبية والشرقية، فضلاً عن تدمير كافة النوافذ والشبابيك، كما اشتعلت النيران في أجزاء منه، وذلك جراء سقوط قذيفة على أحد المحلات التجارية المجاورة له. جدير بالذكر أن المسجد المذكور قد تعرض للقصف عدة مرات.
وفيما يلي عرضاً لأبرز الأضرار في كل من المنشآت التعليمية والدينية:
المنشآت التعليمية
· مدرسة القادسية الثانوية للبنات، الواقعة في حي تل السلطان، حيث هدم سور المدرسة، وتهشم زجاج 45 شباك، بالإضافة إلى أضرار في الجدران نتيجة تعرضها للقصف.
· مدرسة محمد يوسف النجار ثانوية بنين، الواقعة في حي البرازيل، حيث هدم السور، ودمر مبنى قيد الإنشاء وهو في مرحلة التشطيب ومساحته حوالي 40 متر، ومكون من ثلاث طوابق. إضافة إلى هدم أعمدة الدور الأول للمدرسة.
· مدرسة طه حسين الابتدائية والإعدادية، وتعمل على فترتين، حيث هدم سور المدرسة، وكذلك الوحدات الصحية التابعة للمدرسة. إضافة إلى هدم 24 دورة مياه تدميراً كلياً.
· مدرسة العمرية الابتدائية والاعدادية للاجئين، في حي تل السلطان وتعمل بنظام الورديتين، وقد تم هدم السور الخارجي.
· مدرسة ذكور " أ " الابتدائية قرب حي البرازيل، حيث هدم السور الخارجي، وتصدعت بعض النوافذ والأبواب في الفصول الدراسية.
أماكن العبادة
· مسجد بلال بن رباح في حي تل السلطان بثلاثة صواريخ. وقد سقط صاروخان منهما وسط تجمع من السكان المدنيين، ممن كانوا في طريقهم لصلاة الفجر، ما أدى لمقتل أربعة منهم. فيما أصاب الصاروخ الثالث مكتبة المسجد ما أدى لاحتراقها بالكامل، وقد أتت النيران على قرابة 7 ألاف كتاب، هي جميع مقتنيات المكتبة من الكتب الدينية والمصاحف.
· مسجد ذي النورين، في منطقة بلوك O في مخيم رفح، وقد تعرض لأضرار مختلفة نتيجة قصفه بالقذائف، ونتج عنها تدمير في واجهته الجنوبية والشرقية، فضلاً عن تدمير النوافذ الزجاجية فيه.
· مسجد الإيمان، وقد تعرض لأضرار مختلفة جراء عمليات القصف الصاروخي بطائرات الأباتشي الهجومية.
شكلت العمليات الحربية واسعة النطاق التي شهدتها محافظة رفح، منذ بداية عزلها عن باقي أنحاء القطاع والعالم الخارجي، انتهاكات جسيمة وخطرة لقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني. وحسب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية السكان المدنيين زمن الحرب، توصف هذه الأعمال بالمخالفات الجسيمة. ومثلت العمليات العسكرية التي استهدفت الفرق والطواقم الطبية الفلسطينية العاملة وسيارات الإسعاف ووسائط النقل الطبية والمنشآت الطبية شكلاً من أشكال القتل
العمد، والذي يندرج في إطار المخالفات الجسيمة وفقاً لما تنص عليه المادتان 146، 147.[28] كما تشكل هذه الجرائم انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة والحرية والأمن والسلامة الشخصية باعتبارها جزءاً من الحقوق المدنية والسياسية والتي ينص عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وقد حددت المواد (المادة 14 وحتى المادة 23)، من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وجوب إنشاء مناطق ومواقع للاستشفاء، بما فيها مناطق الاستشفاء الميداني الآمنة، والتي تسمح بحماية الجرحى والمرضى المدنيين الذين لا يشتركون في أية أعمال ذات طابع عسكري، وذلك في حالة نشوب الأعمال العدائية. ومنعت مهاجمة المستشفيات والمنشآت الطبية المدنية المعدة لتقديم الرعاية الصحية للجرحى والمرضى. كما تنص المادة 20 من الاتفاقية على وجوب احترام وحماية الموظفين العاملين في إدارة وتشغيل المستشفيات، بمن فيهم طواقم الإسعاف والممرضين والمسعفين الذين يقومون بنقل وإخلاء الجرحى من أماكن العمليات ذات الطابع العسكري. وتنص المادة 23 على التزام الأطراف السامية المتعاقدة بكفالة حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية. وقد عزز البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949، والمتعلق بضحايا المنازعات المسلحة الدولية، آليات حماية رجال المهمات الطبية، وتسهيل عمليات نقل الجرحى والمصابين في مناطق الأعمال الحربية، وكرس ضرورة حمايتهم وعدم التعرض لهم بأية أعمال تسبب لهم الأذى والضرر.[29]
· إرهاب الطواقم الطبية العاملة في الميدان لمنع وصولهم لإخلاء الضحايا من القتلى والجرحى والمرضى
عمدت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، ومنذ بدء عمليتها العسكرية في محافظة رفح، إلى إرهاب الطواقم والفرق الطبية العاملة في الميدان، وتعاملت معها وكأنها أهداف عسكرية، حيث قامت بإطلاق نيرانها تجاه عربات الإسعاف، ومنعتها من حرية التنقل والحركة. كما عرقلت تلك القوات الوصول الآمن لرجال المهمات الطبية والمسعفين إلى الضحايا من الشهداء والجرحى والمرضى، ما أدى لمضاعفات صحية أدت لاستشهاد عدة حالات من المصابين الذين بقوا ينزفون دماءهم لعدة ساعات. وقد عرضت وسائل الإعلام المرئية والمحطات الفضائية التلفزيونية مشهداً مروعاً لأحد رجال الإسعاف، الذي كان يعمل في سيارة إسعاف تابعة لوكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا)، والتي عملت في حي تل السلطان، وذلك فجر يوم الثلاثاء الموافق 18/5/2004، حينما كان جنود القوات المحتلة يطلقون نيران بنادقهم الرشاشة تجاهه بينما كان يحاول أن يقوم بسحب أحد المسلحين الذي بدا أنه قد أصيب بجراح بالغة وأصبح عاجزاً عن القتال. وقد نجا المسعف من إصابة محققة فيما أصيبت سيارة الإسعاف التي نقل إليها المصاب.[30]
كما لجأت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي إلى احتجاز سيارات الإسعاف لمنعها من تأدية مهماتها، الأمر الذي فاقم من أوضاع المصابين الذين تركوا ينزفون في الشوارع لعدة ساعات. وقد شكلت عملية احتجاز ثلاث سيارات إسعاف في عيادة تل السلطان الحكومية لأكثر من خمس عشرة ساعة متواصلة، رغم تواصل عمليات إطلاق الصواريخ وقذائف الدبابات ونيران الأسلحة الرشاشة، ورغم سقوط العديد من الشهداء والجرحى خلال تلك الفترة، انتهاكاً جسيماً وخطراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، والذي ينص على حرية مرور رسالات الأدوية ورجال المهمات الطبية خلال النزاعات المسلحة.[31] وفي استهتار واضح بحياة وسلامة رجال المهمات الطبية والمسعفين، أقدمت دبابة وجرافة، تابعة لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، على احتجاز سيارة إسعاف في حي البرازيل، وقامت الدبابة بصدم سيارة الإسعاف عدة مرات، فيما قامت الجرافة بحمل ركام المنازل التي جرى تدميرها، ووضعتها فوق سطح سيارة الإسعاف، رغم وجود طاقمها الطبي المكون من السائق ومسعفين آخرين، وقد نجا طاقم الإسعاف من موت محقق فيما أصيبت السيارة بأضرار بالغة.
الأوساط الطبية الفلسطينية والدولية عبرت عن قلقها على الوضع الصحي في المدينة، وذلك بسبب تعرض وسائط النقل الطبية وعربات الإسعاف لعمليات استهداف واضحة من قبل دبابات وجنود قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، الذين أطلقوا نيرانهم وبكثافة تجاه عربات الإسعاف ورجال المهمات الطبية والمسعفين خلال تأديتهم عملهم، وبسبب حجز سيارات الإسعاف لأكثر من خمس عشرة ساعة متواصلة، فضلاً عن عرقلة سيارات الإسعاف لعشرات المرات خلال نقلها للمصابين والجرحى والمرضى، ما أعاق وأخر عمليات إجلاء الجرحى والمصابين لعدة ساعات، وتسبب في استشهاد العديد من الضحايا، الذين كان بالإمكان إجلائهم وإسعافهم قبل فوات الأوان. فيما أبلغ العديد من المواطنين في المناطق المعزولة عن الخوف الشديد على حياة المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة في المحافظة، خاصة الذين لا يزالون يعيشون تحت ظروف منع التجول والمناطق العسكرية المغلقة في المحافظة، ولا يستطيعون الوصول للخدمات الطبية. وبات يخشى على حياة النساء الحوامل والمرضعات والأطفال الذين يعانون من نقص إمدادات الغذاء والتطعيمات والرعاية الطبية الدورية التي يتلقونها.
إن تتبع مجرى العمليات الحربية التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في محافظة رفح تؤكد أن تلك القوات لم تراع شروط الحماية الخاصة، والتي تنص عليها قواعد القانون الدولي الإنساني. بل إن التحقيقات الميدانية، وفي العديد من الحالات التي جرت في محافظة رفح، تؤكد أن القوات المحتلة قد أفرطت في استخدام القوة وغير المتناسبة التي تجاوزت كل التوقعات. كما يستدل من نتائج التحقيقات أن أوامراً عسكرية قد صدرت عن قيادة القوات المحتلة لإرهاب رجال المهمات الطبية لمنعهم من أداء مهامهم الإنسانية. ويؤكد ذلك الاتهامات التي وجهها وزير دفاع سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لبعض سيارات الإسعاف في الاشتراك في الأعمال الحربية.[32]
· ممرض ينجو من رصاص الجنود خلال محاولته إخلاء أحد الجرحى
أحد الممرضين العاملين في وكالة الغوث الدولية في رفح، والذي رافق سيارة الإسعاف التابعة للأنروا في حي تل السلطان، روى لباحث المركز الميداني نجاته من إطلاق النار خلال محاولته إجلاء أحد الجرحى، فقال:
" يوم الثلاثاء الموافق 19/5/2004، وفي حوالي الساعة الرابعة فجراً، توجهت في سيارة الإسعاف التابعة لوكالة الغوث، إلى حي تل السلطان برفقة السائق وطبيب يعمل معي، وذلك بعد تلقينا أخبار عن وقوع إصابات بعد القصف الجوي للحي. وعند وصولنا المنطقة تمكنا من نقل 4 إصابات الى مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار. وفي حوالي الساعة الخامسة إلا ربع فجراً أبلغنا بوجود جريحين في مخيم بدر في حي تل السلطان، وأبلغنا بوجود أحد الجريحين في أحد المنازل فيما الآخر ملقى على الأرض في الشارع. وعلى الفور توجهنا للمكان، وسألنا أحد الجيران الذي أبلغنا بأنه كان يسمع صوت أنين شخص طوال ساعات الفجر، وسار بجوار السيارة ليدلنا على مكانه. وسرنا بالسيارة عدة أمتار فشاهدنا الشاب ملقى على الأرض، وخلال سيرنا أطلقت نيران كثيفة حول سيارة الاسعاف غير أننا لم نصب. وتقدم السائق لعدة أمتار باتجاه الجريح وأصبحنا على بعد 5 أمتار منه، وفي هذه الأثناء ازداد إطلاق النار، ما اضطر السائق الى التراجع والاحتماء بزاوية أحد الشوارع. وأجرينا اتصال مع مدير عيادة الوكالة، الذي طلب منا حماية أنفسنا، وكذلك اتصلنا بغرفة عمليات الراديو التابعة للوكالة، وطلبوا منا حماية أنفسنا بقدر الإمكان. ثم اتصلنا بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني لمساعدتنا، وفعلاً وصلت 4 سيارات إسعاف تابعة للجمعية، وكان يرافقها سيارة تابعة لوكالة رويترز الاعلامية. وسرنا كقافلة من سيارات الاسعاف التي كانت جميعها تضيء أضواءها إضافة إلى ضوء السارينا الحمراء في الأعلى. ومع وصول السيارات تواصل إطلاق النار باتجاهنا، فاضطررنا للتوقف بعد عدة أمتار، ونزلنا من السيارات واحتمينا بجوار جدران أحد المنازل. وتمكنا من دخول منزل لعائلة برهوم قرب المكان، حيث أخرجنا شاباً مصاباً في بطنه، وحملناه بطريقة أمنت له الحماية من رصاص الجنود، الذين كانوا يطلقون النار تجاهنا من أحد المنازل. كانت الساعة عندها الخامسة فجراً، وضعنا الجريح في أحد سيارات إسعاف الهلال الأحمر، فيما كنا على بعد خمسة أمتار من الجريح الآخر الذي كان لا زال ملقى على الأرض. في هذه الأثناء تمركزت بين سيارتي إسعاف تابعتين لجمعية الهلال الأحمر، وتقدمت لسحب الجريح الشاب، وأصبحت على بعد مترين ونصف منه، حينها أطلقت تجاهي النيران بكثافة، فتراجعت قليلاً، وكان الجريح يمسك في يده بندقية رشاشة ويرتدي قميصاً أخضر اللون وبنطلون جينز، غير أنه كان لا يتحرك، وبدا أنه قد فارق الحياة. وبعد ثواني قررت محاولة سحبه مرة أخرى، وكنت شبه منبطح على الأرض، تمكنت من الإمساك بساقه وسحبته قليلاً، غير أن الرصاص انهمر تجاهنا وأصابته حوالي عشرة رصاصات. وقد أصاب أحد العيارات النارية ساقه ومباشرة بالقرب من يدي التي كنت أسحبه بها، وشعرت بعيار ناري يمر أمام وجهي، فتوقفت وتراجعت للخلف. ولاحظت أن الجنود القناصة كانوا يحاولون إصابة مخزن البندقية التي برفقة الشاب الجريح لالحاق الضرر بي وباقي أفراد الطواقم الطبية. وعدت مرة ثالثة وتمكنت من سحبه من ساقه بين سيارتي الإسعاف، ونقلته بمساعدة زملائي داخل إسعاف الهلال الأحمر، فيما بقيت بندقيته على الأرض. وبعد أن فحصنا الجريح تبين أنه قد فارق الحياة، فتوجهنا به إلى مستشفى أبو يوسف النجار، حيث تعرف عليه السكان، تبين أنه الشهيد زياد شبانة، فيما كانت سيارة الإسعاف قد أصيبت بعدة رصاصات من الخلف".[33]
· طاقم سيارة إسعاف ينجو من الموت في حي البرازيل
تعرضت سيارة إسعاف تابعة لوزارة الصحة الفلسطينية لعملية اعتداء وحشي على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، ورغم قيام اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتنسيق لها بالدخول إلى المنطقة لإخلاء إمرأة وأطفالها الثلاثة الذين أصيبوا خلال عملية هدم منزلهم، فقد عاش طاقم سيارة الإسعاف ثلاثة ساعات من الرعب والخوف، حين قامت الدبابات والجرافات الحربية بعملية دفن ركام المنازل المدمرة على عربتهم، فيما قامت تلك الدبابات بصدمها، وإطلاق النيران على طاقمها كلما حاولوا الخروج منها. وقد سمح لسيارة الإسعاف بمغادرة المكان بعد ثلاثة ساعات، دون أن تسمح لهم القوات المحتلة بنقل الأم وأطفالها الثلاثة الذين أصيبوا جراء القصف الإسرائيلي على منزلهم.
وفيما يلي إفادة أحد أفراد طاقم الإسعاف الذي توجه لإخلاء جرحى هذه العائلة[34]:
" في حوالي الساعة 12 بعد ظهر يوم الخميس الموافق 20/5/2004، توجهت مع طاقم إسعاف، تابع لوزارة الصحة، ويضم سائق الإسعاف ومسعفاً، إلى حي البرازيل، ووصلنا قرب مسجد أبو بكر الصديق لإخلاء ونقل إصابات، حيث أبلغنا بإصابة إمرأة وثلاثة أطفال في أحد المنازل في المنطقة. عندما وصلنا المكان شاهدت عدة آليات عسكرية فيه، فتوقفنا بسيارة الإسعاف على بعد حوالي 50 متر من المنزل الذي وقعت فيه الإصابات. بدأ السائق بطرق زامور السيارة لأصحاب المنزل ليخرجوا الجرحى من البيت، حيث لم نستطع التقدم بسبب وجود الآليات قرب المنزل. غير أن أحداً من المنزل لم يخرج بسبب وجود الدبابات. كان السائق يتحدث مع مسؤول التنسيق التابع لوزارة الصحة، ويبلغه بالوضع، فطلب منه الانتظار قليلاُ حتى يسمح لنا بالتقدم باتجاه منزل المصابين. وبعد حوالي خمس دقائق أطلقت الدبابات النار باتجاهنا، ورغم عدم إصابة سيارة الإسعاف، إلا أننا تراجعنا لمسافة عشرين متراً إلى الخلف وتوقفنا. بعد عدة دقائق شاهدت جرافة وخلفها دبابة تتقدم باتجاهنا، كما شاهدت دبابة وجرافة أخريين خلفنا، ثم أصبحنا محاصرين داخل سيارة الإسعاف بعد دبابات وجرافتين. ثم بدأت إحدى الجرافتين بوضع سواتر ترابية أمام سيارة الإسعاف، فيما كانت الجرافة الأخرى تقوم بهدم عدة منازل، وتجمع الركام المنازل وتضعه خلف سيارة الإسعاف. أصبحنا محاصرين بالركام والتراب من الأمام ومن الخلف، وفجأة أسقطت الجرافة أعمدة كهرباء فوق السيارة، بينما كانت الجرافة الأخرى تواصل أعمال التجريف وسكب الركام حولنا. كنت داخل سيارة الإسعاف برفقة زميلي والسائق لا نستطيع التحرك. وكلما حاولنا فتح أبواب سيارة الإسعاف للخروج كانت الدبابات تطلق نيرانها باتجاهنا، كانت حالة من الرعب الشديد تسيطر علينا، حيث أحسسنا بأنهم سيقتلوننا. كنا نبلغ مسؤول التنسيق في وزارة الصحة بكل ما يدور معنا، وكان يبلغنا أنه يجري اتصالات للافراج عنا، وبقينا في حالة خوف ورعب لحوالي ثلاث ساعات. وفي حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر أبلغنا مسؤول التنسيق في وزارة الصحة بالسماح لنا بالخروج من المنطقة، وبدأت الجرافة خلال ذلك بإزالة الركام من حول سيارة الإسعاف، ومهدت الطريق حولنا، ثم سمعنا سائق إحدى الجرافات يطلب منا مغادرة المكان. حاول سائق سيارة الإسعاف التقدم غير أنه لم يستطع الخروج بسبب وعورة الطريق، وهبطت عجلات السيارة في الرمال المتراكمة. حاول السائق عدة مرات للخروج من الركام إلا أنه فشل، فأشرت لسائق الجرافة كي يدفعنا ويساعدنا على الخروج، وفعلاً دفعتنا الجرافة بمقدمتها إلى أن تمكنا من الخروج، وغدرنا متوجهين إلى مستشفي أبو يوسف النجار، وكانت سيارة الإسعاف شبه مدمرة تماماً من الخلف ومن أعلى سقفها، فيما بقيت الأم وأطفالها الثلاثة المصابين طيلة هذه الفترة في المنزل دون أن يتمكنوا من الخروج".
· قوات الاحتلال تحتجز ثلاث سيارات إسعاف لأكثر من 15 ساعة
تعرضت سيارات الإسعاف والطواقم الطبية العاملة في المحافظة إلى عمليات إعاقة شلت قدرتها على تلبية الاحتياجات الطبية للسكان المدنيين في محافظة رفح، خاصة ما يتعلق بالإخلاء الضحايا من الشهداء والجرحى وتقديم الخدمات الطبية للمرضى. وقد رصد المركز أكثر من خمسين انتهاك أعاقت فيه قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي المرور الحر والآمن للطواقم الطبية وسيارات نقل المرضى والجرحى، فيما شملت تلك الاجراءات عمليات احتجاز تعسفي لسيارات الإسعاف، منعتها من تقديم خدماتها الطبية للمئات من السكان الذين كانوا في أمس الحاجة لها، خاصة الجرحى والمرضى.
سائق الإسعاف عدنان أحمد مصطفى النواجحة، 33 عام، من سكان حي الجنينة في رفح، ويعمل موظفاً في وزارة الصحة في مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار. النواجحة روى لباحث المركز حادثة احتجاز ثلاث سيارات إسعاف في حي تل السلطان، فقال:
" يوم الثلاثاء الموافق 18/5/2004، وفي حوالي الساعة الخامسة قدت سيارة إسعاف من مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار، برفقة طبيبين، وسيارة إسعاف أخرى باتجاه حي تل السلطان بعد بلاغ بسقوط ضحايا جراء قصف إسرائيلي بصواريخ الأباتشي بجوار مسجد بلال بن رباح في شارع القدس. وقد نقلنا عدداً من الجرحى وعدنا بهم الى المستشفى. ثم عدت مرة أخرى لنقل المزيد من الجرحى الذين كانوا لا يزالون في مكان القصف، وعند وصولي شارع القدس في حي تل السلطان، والمؤدي إلى مسجد بلال، اعترضت الدبابات والجرافات طريقنا. فدرت ودخلت إلى عيادة تل السلطان الحكومية عند أول الشارع، وكانت ترافقني سيارة إسعاف فيها زميلي في المستشفى السائق جابر درابيه، وثالثة تابعة لاتحاد لجان العمل الصحي ويقودها. وكانت خلفنا سيارة إسعاف تابعة، لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، لم يتمكن طاقمها من دخول العيادة. وعلمت بعد خروجنا بعدة ساعات أن الطاقم ترك السيارة في شارع فرعي واحتموا في أحد المنازل. دخلنا الى العيادة في حوالي الساعة الرابعة والنصف فجراً، ونزلنا جميعاً إلى أحد الغرف ووجدنا بها طاقماً طبياً للطوارئ مكون من 4 أفراد، وبذلك أصبحنا كلنا 12 فرداً. خلال وجودنا داخل العيادة شاهدنا الجرافات تقوم بتدمير شارع القدس، وتغلقه بالسواتر الترابية، وتتمركز أمام العيادة. وبدأنا اتصالات مع الجهات التي نعمل لديها ومع الارتباط الفلسطيني والصليب الأحمر لإخراجنا من العيادة، والسماح لنا بمزاولة عملنا، ولكن دون جدوى. وفي حوالي الساعة السابعة والنصف صباحاً هدمت جرافة إسرائيلية السور الخارجي للعيادة، وكنا نسمع صوت القصف المتنوع من قذائف وصواريخ وأعيرة نارية. وفي حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر تلقينا اتصالاً من الارتباط الفلسطيني، أبلغونا بالسماح لنا بالخروج. وعندما صعدنا الى سيارات الاسعاف، وأخذنا الطاقم الطبي التابع للعيادة معنا، وسرنا بالسيارات خارج العيادة. وفجأة أطلقت باتجاهنا قذيفة مدفعية من دبابة كانت تتمركز في شارع البحر مقابل شارع القدس، ونجونا بأعجوبة من الموت، ولم يصب أي منا، فعدنا مرة أخرى للعيادة ونحن في حالة ذهول وصدمة وخوف شديد. وفي حوالي الساعة الثامنة مساءً تلقينا اتصالاً من الارتباط الفلسطيني، فحواه تهديد إسرائيلي يحملنا المسؤولية عن أرواحنا في حال بقائنا في العيادة، فخرجنا مشياً على الأقدام وفقاً للتنسيق الذي تم، وتوجهنا إلى شارع القدس، حيث كانت سيارة إسعاف تابعة للمستشفى تنتظرنا. وقامت بنقلنا الى مدينة رفح".
· منع مرور رجال المهمات الطبية وطواقم الإسعاف
أحد المسعفين المتطوعين، والذي عمل مع طواقم الإسعاف تحدث لباحث المركز عن معاناة هذه الطواقم من تأدية عملها الإنساني على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، فقال:
" في حوالي الساعة الخامسة من مساء يوم الخميس الموافق 20/5/2004 توجهت برفقة سيارة إسعاف إلى مناطق الأحداث، وبدأنا في العمل، وشاركت في إجلاء جرحى وشهداء في عدة مناطق في رفح. وفي نفس الليلة دخلت برفقة سائق الإسعاف إلى حي البرازيل، بعد أن أبلغنا بأنه تم التنسيق لدخولنا لنقل جثث ثلاثة شهداء، وكان التيار الكهربائي منقطع تماماً في المنطقة. وعندما وصلنا المكان فوجئنا بإحدى الدبابات تطلق النار باتجاهنا بشكل مباشر، وكانت في نفس المكان 6 سيارات إسعاف أخرى. كنت أنا في السيارة الأولى، فتراجعنا من المكان بانتظار إجراء تنسيق جديد لدخولنا. وبعد 10 دقائق أبلغنا من قبل وزارة الصحة أنه تم التنسيق لدخولنا من جديد. تقدم سائق الإسعاف ودخلنا إلى المكان، وكانت إحدى الدبابات تغلق الشارع، فيما كانت إحدى الجرافات تقوم بأعمال هدم وتجريف في المكان. ولم نتمكن من الوصول لمكان الشهداء، حيث كانوا خلف الدبابة مباشرة، فطلبنا عبر الارتباط التابع لوزارة الصحة السماح لنا بالوصول إلى مكانهم. بعد حوالي خمسة دقائق تحركت الدبابة تجاه إحدى المنازل المكون من طابق واحد واستقرت بداخله، وتقدمنا باتجاه جثث الشهداء، وكانت الجرافة تقوم بأعمال تجريف في حديقة الحيوان. وعثرنا على جثث ثلاثة شهداء جميعهم شبان في العشرينات من العمر، وكانوا مصابين بعدة أعيرة نارية في جميع أنحاء الجسم، وقمنا بنقلهم إلى مستشفي أبو يوسف النجار. وواصلت عملي كمسعف حتى صباح يوم الجمعة، حين توجهنا في حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر لنقل شهيدين ومصاب أبلغنا عنهم في حي البرازيل، وبعد عمل التنسيق توجهنا إلى المكان بسيارتي إسعاف كنت أنا في احداها. وبعد أن وصلنا المكان مررنا على عشرات المنازل المهدمة والمدمرة، والطريق مدمرة، إلى أن وصلنا المكان بصعوبة بالغة، وبعد أن سمح لسيارة إسعاف واحدة بالدخول، حيث وصلت سيارة إسعاف أخرى، وبقيت وسائق سيارة الإسعاف، حيث تراجعنا للخلف وتقدمت سيارة الإسعاف الأولى.
وكنا على بعد حوالي كيلو متر من المكان وكان المكان مكشوف تماماً وكنا نشاهد سيارة الإسعاف عن بعد بالقرب من الدبابات. وأعطت إشارة بالسارينة (الزامور) للمصابين كي يخرجوا من منزلهم، وبعد لحظات شاهدت إحدى الدبابات ترافقها جرافة تدفعان سيارة الإسعاف باتجاه حاجز ترابي، وبحيث أصبحت سيارة الإسعاف بين حاجزين ترابيين وتحاصرها دبابة وجرافة. وشاهدت الدبابة تصدم أعمدة الكهرباء التي سقطت فوق سقف سيارة الإسعاف. وبعدها بدأت الجرافة بوضع التراب حول سيارة الإسعاف وكنت أرى أبواب سيارة الإسعاف تفتح، وكان يتبعها إطلاق نيران كثيف تجاهها. ثم اقتربت دبابة من الإسعاف، وشاهدت جندياً يخرج منها شاهراً سلاحه تجاه السائق النواجحة وهو بداخل السيارة. وقمنا بإبلاغ ما يحدث للمسئولين، وأبلغونا أنهم يتابعون الموضوع، فيما واصلت الدبابة صدم سيارة الإسعاف من الخلف في محاولة لإرهاب الطاقم الطبي داخل سيارة الإسعاف. وبعد حوالي نصف ساعة بدأت الجرافة بدفع سيارة الإسعاف إلى الأمام، وشاهدت الجرافة تقوم بإزالة التراب من حول سيارة الإسعاف وتدفعها للخارج. استمرت العملية قرابة ثلاثة ساعات، وتقدمت سيارة الاسعاف تجاهنا، ولم يسمح لنا بالعودة لنقل المصابين الذين بقوا في منزلهم، فيما كانت سيارة الإسعاف شبه مدمرة تماماً".
· مستشفى النجار يضطر لاستخدام ثلاجة للخضار لحفظ جثث الشهداء
منذ بداية عملية " قوس قزح " الحربية التي كانت تنفذها قوات الاحتلال الحربي في عدة أحياء من محافظة رفح، وما رافقها من تشديد لإجراءات الحصار وعزل المدينة عن باقي مناطق قطاع غزة، فإن المشهد الإنساني بدا كارثياً على عدة أصعدة، خاصة عدم القدرة على دفن الشهداء وعدم وجود ثلاجة كافية للاحتفاظ بجثامينهم. فمنذ اجتياح حي تل السطان في المحافظة بتاريخ 18/5/2004، وتوسيعه ليشمل أحياء البرازيل والسلام وأطراف حي الجنينة، سقط أكثر من 40 شهيداً، فيما أصيب ما يزيد عن مائة وعشرة جرحى بجراح مختلفة. وأمام هذا الواقع الصعب لم تستطع مستشفى أبو يوسف النجار التعامل مع جثامين الشهداء، حيث لا يتوفر لديها سوى ثلاجة تكفى لحفظ ستة جثث فقط. وقد بلغ عدد الشهداء الذين وصلوا للمستشفى في اليومين الأول والثاني 22 جثمان، ولم يتمكن ذويهم من الوصول إليهم من حي تل السلطان، وذلك من أجل دفنهم بما يتلائم مع مشاعرهم الدينية. فقد فرضت القوات الحربية المحتلة نظام حظر التجول عليه، وأعلنته منطقة عسكرية يمنع الدخول إليه أو الخروج منه. كما وصل للمستشفى جثث لثلاثة شهداء من حي البرازيل في اليوم الثالث، ما ضاعف الصعوبات، وبحيث لم يتمكن ذويهم من الخروج بسبب خضوع حي البرازيل هو الآخر للحصار والإغلاق الشامل. وقد دفع ذلك إدارة المشفى إلى نقل جثث الشهداء إلى ثلاجة أحد المواطنين، الذي يقطن بالقرب من المشفى، وهي ثلاجة تستخدم لحفظ الخضار والفواكه. وقد عبرت أوساط طبية عن خشيتها من استمرار وجود الجثث في هذا النوع من الثلاجات، خاصة أنها لا تتطابق مع معايير الثلاجات الخاصة بحفظ الجثث ويمكن أن تؤدي إلى مضاعفات تؤدي لتحلل الجثث. ولم تتمكن إدارة المستشفى من دفن سوى شهيدين من الشهداء، حيث تمكن ذووهم من الحضور للمشفى وتسلموا جثثهم.
لم تستثن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، خلال العملية الحربية " قوس قزح " المؤسسات التعليمية، بل عمدت إلى الاعتداء عليها واستهدفتها بعمليات قصف عشوائي، وقامت الجرافات الحربية بعمليات تجريف لأسوار المدارس. وقد أدت تلك الأعمال إلى شل الحياة التربوية والتعليمية في محافظة رفح بالكامل، حيث أدى فرض الحصار والعزل الشامل للمحافظة، وفرض نظام منع التجول على أجزاء منها إلى منع وصول الهيئات التعليمية والمدرسات والمدرسين إلى مدارسهم.[35]
وقد شكل تعطيل العملية التعليمية بشكل كامل في المدارس التي تقع في الأحياء التي شملتها عملية الاجتياح انتهاكاً جسيماً للحق في التعليم، حيث اضطر الطلاب والطالبات إلى البقاء في منازلهم أو في الشوارع، خاصة وأن امتحانات نهاية السنة الدراسية كانت على الأبواب. وقد تعطل النظام في عمل المدارس، والتي استخدم عدد منها كملاجئ لإيواء المشردين الذين فقدوا منازلهم في محافظة رفح. وأمام هذه الأوضاع الطارئة والخطيرة على سلامة الطلبة والهيئات التعليمية اضطرت وزارة التربية والتعليم إلى تأجيل الامتحانات لمدة أسبوع على أمل الانتهاء من عملية الاجتياح، ليتمكنوا من الذهاب إلى مدارسهم وبالتالي إجراء تعويض للامتحانات النهائية. وشكلت عملية هدم وتدمير منازل السكان المدنيين عبئاً إضافياً كبيراً على حياة الطلبة والطالبات، والذين فقدوا كافة حقائبهم الدراسية وكتبهم وكراريسهم الدراسية، وخلفت ظروفاً مأساوية على أوضاعهم النفسية.
إن منع التجوال التي فرضته قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على حي تل السلطان أثناء عملية قوس قزح، أدى إلى عدم تمكن طلاب المدارس والمعلمين من الوصول إلى مدارسهم في الحي نفسه، ما أدى إلى توقف العملية التعليمية لمدة تتجاوز الأسبوع. من ناحية ثانية، أدى عزل محافظة رفح عن باقي محافظات قطاع غزة إلى عدم تمكن طلاب الجامعات والعاملين فيها من الوصول إليها، وبالتالي حرموا من حقهم في التعليم لمدة أيضاً تتجاوز فترة الأسبوع. وقد تزامن ذلك مع موعد امتحانات نهاية الفصل الثاني للعام الدراسي 2003/2004. وقد اضطرت الجامعات إلى تأجيل الامتحانات لأكثر من مرة.
نظراً لما يعانيه النساء والأطفال عادة من آلام في المناطق المعرضة للقمع والعدوان والاستعمار والعنصرية، أولت الاتفاقيات والمعايير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان اهتماماً بالغاً بهذه الفئات. كما أكدت على ضرورة توفير الحماية الخاصة بهم في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة. ووفقاً لمعلومات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ارتكبت قوات الاحتلال أثناء عملية قوس قزح مخالفات وصف العديد منها بأنها جسيمة بحق النساء والأطفال. بعض هذه الأفعال ترقى بوصفها على أنها جرائم حرب وفقاً للمادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة. كما أن هذه الأعمال تناقضت مع الإعلان الخاص بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة، لاسيما المواد (6.5.1)[36]" وفيما يلي عدد من الشواهد والحالات الذي جمعها المركز، عن استهداف قوات الاحتلال للنساء والأطفال، والتي تعكس حجم الاستهتار من قبل سلطات الاحتلال بالقانون الدولي وقانون حقوق الإنسان.
قتلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال العملية الحربية تسعة من الأطفال، بينهم طفلتان، ومن ضمن الشهداء الأطفال خمسة أطفال دون سن الحادية عشرة من العمر، بالإضافة إلى طفلة وطفل في لم يتجاوزا الثالثة من عمرهما. كما أصيب أكثر من خمسين طفل بجراح مختلفة خلال العملية المذكورة، وذلك جراء إصابتهم بالعيارات النارية وشظايا الصواريخ والقذائف. ويمكن القول أن حوالي 65% ممن شردوا وفقدوا منازلهم، التي تعرضت للتدمير والهدم، هم من الأطفال والنساء. وقد عانت هذه الفئة من أضرار نفسية واقتصادية واجتماعية يتوقع أن تستمر انعكاساتها عليهم لفترة طويلة من الزمن. وتتحمل النساء، وخاصة اللواتي يشرفن على إعالة أسرهم، أعباءً مضاعفة للحفاظ على أفراد أسرهن وحمايتهم.
وفيما يلي عرض لأبرز الانتهاكات وجرائم الحرب التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ضد هذه الفئة:
· الطفل أحمد المغير وشقيقته أسماء قتلا أثناء إطعام الحمام
علي محمد المغير شقيق الشهيدين تحدث لباحث المركز عن استشهاد شقيقته وشقيقه فقال:
" أسكن في حي تل السلطان غرب شارع النزهة( الوسط)، وفي يوم الثلاثاء 18/5/2004 شاهدت جنود قناصة فوق بناية أبو جلالة على بعد حوالي ثلاثين متر جنوب غرب منزلنا. أختي أسماء، 16 عام، صعدت إلى سطح المنزل لجمع الغسيل من على السطح، ولم تكن تعلم بوجود القناصة. سمعت صوت رصاص يطلق من جهة القناصة، ثم سمعت بعد ذلك صوت أخي أحمد، 13 عام، والذي كان يلهو في عش الطيور فوق سطح المنزل، وهو يصرخ ويصيح يا علي. وتوجهت مسرعاً إلى سلالم المنزل، فشاهدت أخي أحمد، وقد اخترقت رصاصة رأسه، أخرجت دماغه خارجاً. ولم أجد فرصة للبكاء، فعدت أجري للمنزل، وأحضرت منشفة وجدتها أمامي. وصعدت مجدداً إلى السطح، وقمت بإعادة كل الأجزاء التي خرجت من دماغه، ولففت رأسه بالمنشفة، وحملته ونزلت به إلى صالون المنزل. ثم عدت إلى السطح، وكانت في هذه اللحظات أمي تصرخ بعد أن رأت أخي أحمد. وحاولت الوصول لأختي أسماء التي كانت الدماء تنزف منها ودماغها مشوهة، غير أن جنود القناصة المتواجدين على عمارة أبو جلالة قاموا بإطلاق النيران باتجاهنا. سقطت أمي من على الدرج وأصيبت برضوض بسيطة وسقطت أنا على الأرض، ثم زحفت على بطني حتى استطعت الوصول إلى الدرج وحملت أختي أسماء ونزلت بها إلى المنزل. وعلى الفور أبلغت الطواقم الطبية بما حدث، فيما كانت أمي تبكي بحرقة شديدة، وتمسح على الجسدين بيديها. وعاودت الاتصال بالاسعافات ولعدة مرات، غير أنها لم تصلنا إلا بعد أربع ساعات ونصف. ونقل المسعفون الجثتين إلى مستشفى أبو يوسف النجار. ولم يسمح لنا بالخروج معهم، وبقيت الجثث في ثلاجات المستشفى لأربعة أيام، ورغم محاولاتنا للسماح بالتوجه للمستشفى عبر الصليب الأحمر، إلا أننا أبلغنا بالرفض. وقد حاولت الخروج متسللاً من حي تل السلطان عدة مرات، غير أنني تعرضت لاطلاق النيران تجاهي، وتعرضت لخطر الموت ثلاثة مرات من أجل ذلك. وفي يوم السبت 22/4/2004 قام أصدقائي وأقاربي بدفنهما، دون أن يتمكن أي من أفراد عائلتي حضور مراسم الدفن".
· الطفلة روان بنت الأعوام الخمسة، خرجت لتشتري الحلوى ولكنها لم تعد
الطفلة روان محمد أبو زيد أصغر ضحايا الاحتلال الحربي الإسرائيلي في رفح، استشهدت في حي البرازيل في 22 مايو 2004، وهي لم تتجاوز الخمسة أعوام. أفاد افراد عائلتها أنها توجهت برفقة بنات عمها لشراء الحلوى من بقالة قرب مدرسة طه حسين الثانوية للبنين قرب المنزل. غير أن دبابة حربية عاجلتها برصاصتين في رأسها ورقبتها، في وقت تزامن مع زيارة السيد بيتر هانسن، مفوض عام الأنروا الذي كان يتفقد المنطقة ويطلع على حجم الدمار في المنطقة.
المواطن محمد أحمد عابد أبو عيادة، 31 عام، من سكان حي البرازيل في رفح، روى لباحث المركز الميداني ما شاهده فقال:
" يوم السبت الموافق 22/5/2004، وفي حوالي الساعة التاسعة صباحاً كنت أمام منزلي، الواقع في شارع أسامة في حي البرازيل في رفح. وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي لا تزال تتواجد بداخله معززة بالدبابات والجرافات والمدرعات، بعد أن اجتاحته قبل ثلاثة أيام ودمرت عشرات المنازل فيه. وبينما كنت أقف على مقربة من منزلي في الشارع المذكر بجوار مدرسة طه حسين الثانوية، كنت أسمع صوت أعيرة نارية متقطعة مصدرها الآليات العسكرية الإسرائيلية الثقيلة، والتي تمركزت على مسافة 250 الى 300 متر جنوب المدرسة. وقد استمر إطلاق النيران متقطعاً حتى الساعة العاشرة صباحاً تقريباً، حيث ساد الهدوء في المنطقة. وفي حوالي نصف ساعة سمعت صوت عدة أعيرة نارية من دبابة إسرائيلية ذات مدفع أمامي كبير باتجاه شارعنا، حيث كان يسير فيه عدد من المواطنين، ومن ضمنهم مجموعة من الأطفال. وشاهدت لحظتها طفلة تسقط على الأرض على 15 متر مني، وركضت تجاهها، فشاهدت الدماء تنزف بغزارة من رأسها ومنطقة أذنها اليسرى. تعرفت عليها مباشرة، وهي ابنة جارنا وتدعى روان ابنة محمد أبو زيد، ولا يزيد عمرها عن ثلاثة أعوام، وكان خلفها اثنتين من بنات بعمرها تقريباً. وعلى الفور حملت الطفلة روان بين يدي وشعرت بيداها ترتخيان، وتوجه نحوي صديقي أحمد النجار، وخلع فانلته، ووضعها مكان النزيف، وركضت عدة خطوات حيث شاهدت سيارة أجرة صرخ عليها الشبان وركبت ومعي الطفلة إلى مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار بالمدينة. ومباشرة دخلت بها إلى قسم الاستقبال، ومباشرة حاول الأطباء إسعافها بعد أن وضعتها على سرير الفحص. غير أنها استشهدت وأبلغني الأطباء بأنها فارقت الحياة بسبب إصابتها بعيارين ناريين في الرأس والرقبة. وعندما عدت الى منزلي سمعت عدد من الأطفال يقولون أنها كانت متوجهة مع بنات عمها لشراء الحلوى من البقالة القريبة من المدرسة".
· استشهاد 3 أطفال خلال مسيرة سلمية قصفتها قوات الاحتلال بالصواريخ الجوية وقذائف الدبابات
في جريمة حرب واضحة أدانها المجتمع الدولي برمته، قتلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ثمانية مدنيين فلسطينيين من بينهم 3 أطفال، وأصابت نحو 50 آخرين بجراح، من بينهم 24 طفل، بعدما أطلقت صاروخاً جوياً وقذائف مدفعية باتجاه مسيرة سلمية داخل المدينة. واستناداً لمعلومات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ففي ساعات ظهر يوم الأربعاء 19/5/2004، انطلقت مسيرة سلمية تضم الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، من دوار العودة، وسط مدينة رفح باتجاه حي تل السلطان المحتل والمحاصر منذ ثلاثة أيام، تضامناً مع سكان الحي. وما إن وصلت المسيرة في حوالي الساعة 2:10 بعد الظهر إلى منطقة ميدان زعرب على بعد نحو كيلو متر من الحي المذكور، أطلقت طائرة مروحية كانت تحلق في سماء مدينة رفح صاروخا باتجاهها، تزامن ذلك مع قصف بالقذائف المدفعية وإطلاق نيران الرشاشة من الموقع العسكري الإسرائيلي " تل زعرب" غرب المدينة. وقد أسفرت هذه الجريمة عن استشهاد ثمانية مدنيين فلسطينيين، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة نحو 50 آخرين، من بينهم 24 طفل بجراح، وصفت حالة عشرة من المصابين بأنها بالغة الخطورة. والشهداء الأطفال هم: وليد ناجي أبو قمر، 10 أعوام – مبارك سليم الحشاش، 11 عاماً – محمود طارق منصور، 13 عاماً.
· إصابة طفل خلال مسيرة سلمية
الطفل عمر محمود خليل الدباس، 14 عام، من سكان منطقة تل زعرب في محافظة رفح، روى لباحث المركز الميداني ما يلي:
" أسكن في منطقة رفح الغربية قرب دوار زعرب، وفي حوالي الساعة الثانية بعد ظهر يوم الأربعاء الموافق 19/5/2004، وبينما كنت أقف في شارع البحر، الذي يصل وسط البلد بمنطقة تل السلطان، شاهدت مسيرة كبيرة جداً قادمة من اتجاه الشرق. وكانت المسيرة مدنية سلمية، ولم أشاهد فيها أي شخص مسلح، وعند وصولها توجهت معها غرباً باتجاه حي تل السلطان. وعند وصولنا على بعد حوالي 400 متر من المنطقة المقابلة للموقع العسكري الإسرائيلي الموجود في تل زعرب على الشريط الحدودي مع مصر، كان عدد من الدبابات تتمركز قرب الموقع العسكري. وبدأت قوات الاحتلال تطلق النار بشكل عشوائي تجاه المسيرة التي كانت تسير في شارع البحر. وشاهدت طائرتي أباتشي تحلقان فوقنا، وشاهدتها تطلق ما يشبه البالونات الحرارية. وفجأة أطلقت الدبابات قذائف مدفعية باتجاهنا، وكانت على بعد حوالي عشرة أمتار مني، حيث كنت في مقدمة المسيرة. وشاهدت شباباً وأطفالاً يتساقطون على الأرض، وكان معظمهم من الذين كانوا أمامي في المسيرة. وشعرت بالآلام خفيفة في ساقي اليسرى، ولكني بدأت أجرى وأساعد في حمل أحد الجرحى الذي كان ينزف من رقبته، وهو في العشرينات من العمر تقريباً. ونقلته بمساعدة آخرين في سيارة إسعاف، حينها شعرت بالتعب، وانتبهت لساقي فوجدته ينزف دماً، ولم أستطع السير، فحملني الشبان ونقلوني بسيارة إلى مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار، حيث تم علاجي من جراء إصابتي بشظية في ساقي اليسري. ثم حولت إلى مستشفى ناصر في خان يونس حيث تم إكمال علاجي".
· 56 طفلاً يولدون في ظروف صعبة وخطرة
ارتفع عدد الضحايا من الفلسطينيين، خاصة الشهداء والجرحى بشكل يزيد على طاقة مستشفى أبو يوسف النجار، الذي يعتبر صغيراً نسبياً، ولا يكاد يتسع لأكثر من أربعين سريراً. وأمام هذه الإمكانيات المتواضعة اضطرت إدارة مستشفي الشهيد أبو يوسف النجار، الواقعة في حي الجنينة في محافظة رفح، إلى افتتاح قسم لتوليد النساء ورعاية الأطفال حديثي الولادة، وذلك باستخدام منزل سكني مجاور للمستشفى، بعد أن تطوع صاحب المنزل لتقديمه لإدارة المستشفى لاستخدامه. جدير بالذكر أن المستشفى المذكور يفتقر لوجود هذا القسم، غير أن إدارته اضطرت لذلك بسبب عزل المدينة وحصارها كلياً، وعدم تمكن المستشفى من تحويل تلك الحالات إلى المستشفى الأوروبي أو مستشفى ناصر في محافظة خان يونس. وأفاد د. على موسى، مدير مستشفى النجار أن العديد من حالات الولادة حولت في اليوم الأول لحصار رفح، بواسطة سيارات الإسعاف إلى مستشفيات خان يونس، غير أن قوات الاحتلال الحربي، المرابطة على شارع صلاح الدين المؤدي لمحافظة خان يونس، أوقفت تلك الإسعافات لساعات طويلة، ما اضطرها للعودة إلى مشفى النجار مرة أخرى.
وقد التحق طاقم طبي في قسم توليد النساء ورعاية الأطفال حديثي الولادة، حيث بلغ عددهم 11 طبيباً و11 ممرضاً إضافة إلى عدد من المتطوعين والمتطوعات من طلبة التمريض، وقد نجح القسم الجديد في متابعة الحالات العديدة التي وصلته على مدار الأسبوع. وحسب المعلومات المتوفرة فان القسم أشرف على ولادة 56 حالة ولادة جديدة، بينها 50 طفل ذكر و 6 أطفال إناث. غير أن الإمكانيات الطبية التي توفرت في القسم الجديد لم تكن ترتقي إلى المستوى المطلوب من حيث توفر الأدوات الطبية وغرف العمليات والتجهيزات الطبية الأخرى اللازمة للولادة ورعاية المواليد. فقد توفر للقسم الجديد ثلاثة أسرة طبية، فيما عانت الفرق الطبية من نقص في المعدات الطبية المعقمة، وعدم القدرة على إجراء عمليات قيصرية لعدد من الحالات، ما اضطر الأطباء للعودة لاستخدام مستشفى أبو يوسف النجار، حيث أجريت 15 عملية جراحية قيصرية لنساء في غرفة العمليات التابعة للمستشفى، رغم اكتظاظ المشفى بعشرات الجرحى والمصابين.
وأفادت أحد الطبيبات التي عملت في القسم لباحث المركز واصفة ما يحدث: " إن ما يجري هنا في هذا القسم أشبه بإجراء عمليات توليد للنساء النفاس والحوامل في الشارع، فالبرد والظروف الجوية ليلاً وعدم توفير أماكن لراحة النساء بعد إتمام عمليات الولادة، واللاتي يحتجن لأكثر من أربع ساعات سبب مشكلة كبيرة، خاصة مع كثرة الحالات التي وفدت على هذا القسم. كما أن المكان بحاجة إلى تعقيم، خاصة وأنه كان هناك تخوف من إمكانية انتشار الالتهابات والتعرض لمضاعفات الأمراض المختلفة"
· استشهاد طفل بنوبة قلبية حادة خوفاً
أفاد باحث المركز الميداني، أنه فجر يوم الخميس الموافق 20/5/2004، أثناء تنفيذ قوات الاحتلال عمليات هدم واسعة للمنازل في حي السلام وحي البرازيل في محافظة رفح، دون إعطاء مهلة لسكانها بالخروج منها أو نقل أي شيء من مقتنياتها، وباشر السكان الهرب من منازلهم في ظروف صعبة للغاية. وجراء القصف العشوائي وتحرك الآليات الثقيلة بين المنازل، توفى الطفل تامر يونس العرجا، عامان، جراء إصابته بنوبة قلبية حادة من الخوف.
· إصابة إمرأة وأطفالها الثلاثة أثناء هدم منزلهم ومنع سيارة الإسعاف من الوصول إليهم لمدة 3 ساعات
في حوالي الساعة 10:30، صباح يوم الخميس الموافق 20/5/2004، باشرت قوات الاحتلال بهدم منزل المواطن زياد حسان في حي البرازيل، خرج المذكور وهو يرفع الرايات البيضاء وطلب من تلك القوات السماح له والعائلة بالخروج. وافقت له قوات الاحتلال على ذلك، وأثناء خروجه هو وزوجنه وأطفاله الثلاثة من المنزل، أطلقت الدبابات العسكرية النار باتجاههم، فأصابت زوجته وأطفاله الثلاثة بجراح، وهرع جميعهم إلى المنزل الذي دمرت قوات الاحتلال سوره الخارجي. وصلت سيارة إسعاف تابعة لوزارة الصحة لإسعافهم، فحاصرتها الدبابات الإسرائيلية، وأخذت بإلقاء الأتربة وركام المنازل المدمرة فوقها. وظلت السيارة وبداخلها السائق واثنين من المسعفين محاصرة حتى الساعة 2:45 بعد الظهر، حتى سمح لها ولطاقمها بالمغادرة دون السماح لهم بنقل المصابين (أنظر الإفادة حول ذلك في ص 41).
· إمرأة حامل تجهض جنينها من الخوف
المواطن عبد الحليم محمد عطية رضوان، 27 عام، متزوج وأب لطفل، من سكان بلوك o في مخيم رفح، ويعمل موظفاً حكومياً. وقد روى ما حدث لزوجته لباحث المركز فقال:
" أنه في حوالي الساعة 3:15 مساء الثلاثاء 18/5/2004، كنت متواجداً في منزلي الكائن في بلوك o ومساحته 120م2، ومكون من طابق واحد من الاسبستوس، وأفراد أسرتي 3أفراد. سمعت صوت انفجار كبير على الشريط الحدودي جنوب منزلي على بعد 170م، فخرجت أنا وأسرتي مسرعاً، فشاهدت قطع كبيرة من الحديد تتطاير. كما شاهدت جميع جيراني يخرجون من منازلهم، وخرج جميع سكان بلوك o وسط إطلاق نار كثيف وبشكل عشوائي غير مسبوق ومباشر. سمعت صوت 3طائرات أباتشي وطائرة استطلاعية وكان إطلاق النار مستمر من الطائرات وأبراج المواقع العسكرية على الشريط الحدودي. وكان الناس يهربون خارج بلوك o . تمكنت من الخروج بعد أن تركت زوجتي وابني رشيد البالغ من العمر عامان عند أحد أصدقائي في حي بشيت القريب من بلوك o. وعندما عدت إلى منطقة بلوك o لم يكن أحد من البشر موجود و كان إطلاق النار مستمراً، وما زالت الطائرات موجودة في سماء المنطقة. فاستطعت دخول منزلي زحفاً على بطني وقدمي ويدي ودخلت المنزل وكانت طلقات النار تتطاير داخل المنزل واستطعت أن أجمع بعض أوراقي الثبوتية وأخذ بعض الملابس لي ولزوجتي وطفلي وخرجت مسرعاً وغادرت، حيث وصلت لمنطقة بشيت.
في هذه اللحظة عرفت أن المقاومة الفلسطينية قامت بتفجير دبابة وأنه وقع إصابات وقتلى في صفوف جنود الاحتلال الإسرائيلي المتواجدين في الدبابة التي تم تفجيرها. وصلت إلى منزل صديقي رائد الفيومي 37عام حيث زوجتي وابني، فوجدت زوجتي تشتكي من بطنها لأنها كانت حامل في الشهر الثالث وأخبرتني بأن معها نزيف فقمت فوراً بنقلها إلى مستشفى أبو يوسف النجار وتم تحويلها إلى مستشفى ناصر بخان يونس ( مقرها الهلال الأحمر )، حيث تم إجراء عملية إجهاض لزوجتي جاكلين محمد سليمان رضوان 20 عاماً".
· إصابة إمرأة أثناء وجودها في مطبخ منزلها
وفقاً لمعلومات المركز، في حوالي الساعة 1:30 فجر يوم السبت الموافق 22/5/2004، قصفت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي التي تتوغل في حي السلام والبرازيل، بالأسلحة الرشاشة الثقيلة المنطقتين والمناطق المجاورة لهما. أسفر ذلك عن إصابة المواطنة تحرير محمد العنابي، 19 عاماً بعيار ناري من النوع الثقيل في بطنها، وذلك أثناء تواجدها داخل مطبخ شقتها، الواقعة في الطابق الثالث من برج عوض، الذي يبعد نحو 700 متر إلى الشمال من الشريط الحدودي. نقلت المصابة إلى المستشفى، وأجريت لها عملية جراحية، ووصفت حالتها بالمستقرة.
تمثل سياسة الحصار التي تفرضها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي شكلاً من أشكال العقوبة الجماعية التي يحظرها القانون الدولي الإنساني، خاصة أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية السكان المدنيين وقت الحرب، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فالمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر على قوات الاحتلال الحربي القيام بمعاقبة الأشخاص المحميين على جرائم لم يرتكبونها، كما تحظر على تلك القوات اتخاذ تدابير اقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم. وتكرس هذه السياسة استخدام هذه القوات سياسة الإغلاق والحصار الشامل كإجراء من إجراءات الاقتصاص أو الثأر والمعاقبة للسكان المدنيين، وذلك عبر فرض سياسة العزل وفرض منع التجول وإغلاق الطرق الرئيسية والفرعية، ما يؤدي إلى توقف حركة الأفراد والواردات والصادرات من البضائع. كما يشل حركة القوى البشرية الفلسطينية العاملة. إن هذا الإجراء يتنافى كلياً مع عملية حظر وتحريم اتخاذ تدابير الاقتصاص والعقوبات الجماعية ضد سكان الإقليم المحتل وممتلكاتهم كما ورد في نص المادة سابقة الذكر. وهو بذلك يقوض مفهوم الحظر الذي يتخذ صفة الإطلاق، ولا يمكن تبريره على أنه يحتوي بعض الضمانات الخاصة بمسألة الضرورة العسكرية. وتؤكد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على حق كل شخص في التنقل والحركة، وتنص المادة الثانية عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل شخص يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما في حرية التنقل واختيار مكان إقامته، وحقه في حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده. إن أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان ملزمة لدولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي كونها طرفاً في معظم الاتفاقيات الدولية.
كما
تتناقض هذه الأعمال العدوانية غير المبررة مع العهد الدولي الخاص بالحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966، بموجب المادة (1)، حيث تنص على أنه
"... لا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة...". وبموجب المادة
(5) من نفس العهد فإنه يحظر على أي دولة أو جماعة أو شخص مباشرة أي نشاط أو القيام
بأي فعل يهدف إلى إهدار أي من
الحقوق أو الحريات المعترف بها في العهد. علاوة على ذلك اعتبرت لجنة مناهضة التعذيب[37]، أن سياستي الحصار وهدم المنازل اللتين تمارسهما قوات الاحتلال تشكلان انتهاكا للمادة (16) من اتفاقية منع التعذيب و المعاملة القاسية والحاطة بالكرامة، ولا يمكن تبرير استخدام هاتين السياستين تحت أي ظرف من الظروف.
ألحق الإغلاق والحصار ومنع التجول أضراراً بالعملية التعليمية. ففي الفترة ما بين 17-24/5/2004، لم يتمكن الطلبة من محافظة رفح من الالتحاق بالجامعات والمعاهد في مدينة غزة بصورة منتظمة، ومنع الحصار المشدد آلاف المعلمين والمعلمات والعاملين في المؤسسات التعليمية من الوصول من أماكن عملهم و إلى مدارسهم بصورة منتظمة مما أدى إلى إحداث نقص في طواقم التدريس داخل العديد من المدارس. وزارة التربية والتعليم الفلسطينية وكذلك وكالة الغوث الدولية، أعلنت عن تأجيل الامتحانات التي تزامن موعدها مع موعد اجتياح قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على مدينة رفح ومخيمها. عدا عن ذلك توقفت العملية التعليمية في المدارس التي استخدمت كملاجئ لإيواء المشردين، الذين هدمت منازلهم، أو الذين هربوا من القصف.
كما أدى الحصار والإغلاق ومنع التجول إلى عدم تمكن العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم. كما توقف العمل في العشرات من المنشآت الصناعية والمحال التجارية جراء تدميرها من قيل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في حي تل السلطان وحي البرازيل والسلام. كذلك أصيب بالشلل سبه التام بسبب الحصار وتدهور الوضع الأمني فقد أغلقت المحلات الصناعية والتجارية. كما تضرر قطاع النقل والمواصلات نظراً لتوقف آلاف المركبات والشاحنات عن العمل لأن قوات الاحتلال تعزل المدينة ومخيمها، وكذلك بسبب تخريب الطرق وإهمالها. كل هذا يحدث في ظل وضع اقتصادي متدهور ونسبة عالية جداً من البطالة، وكذلك ارتفاع نسبة من يعيش تحت خط الفقر.
عدا عن ذلك، أثر الحصار والإغلاق المشددان على الوضع الطبي والصحي للمواطنين الفلسطينيين في محافظة رفح، لا سيما المناطق التي خضعت للحصار ووقعت تحت حظر التجوال. فإلى جانب إعاقة عمل الأطقم الطبية والاعتداء عليها من قبل قوات الاحتلال حرم مواطنون كثيرون من الوصول إلى المستشفيات أو المركز الصحية. هذا وتواجه سيارات الإسعاف عراقيل في الوصول إلى المكان الذي يتواجد فيه المريض. وفي بعض الحالات ينجم عن ذلك وفاة المريض أو المصاب.
كما أن نتيجة إلى عزل محافظة رفح عن باقي المحافظات والمدن في قطاع غزة، فقد اعتمد تقديم الخدمات الصحية على مستشفى أبو يوسف النجار ذات الإمكانيات المتواضعة، الأمر الذي أدى إلى عدم قدرة المستشفى على تقديم الخدمات للمصابين والشهداء، فالأدوية والمستلزمات الطبية كادت أن تنهي، وكذلك ثلاجات الموتى امتلأت بالجثث، مما اضطر المواطنين إلى وضع الجثث في ثلاجات للخضار.
تعتبر محافظة رفح من أكثر المناطق فقراً في الأراضي الفلسطينية المحتلة عامة، وقطاع غزة خاصة، كما أنها تعتمد بشكل أساسي على الموارد الزراعية المحدودة المتوفرة فيها، خاصة وأن مساحة كبيرة قد تم تجريفها وتدميرها. وتشكل نسبة البطالة فيها ما يزيد عن 60%، فيما ترتفع نسبة الفقر والفقر المدقع في المحافظة إلى 75%، فيما ترتفع هذه النسبة بين مخيم رفح لتصل إلى 82%. وقد تعرضت المحافظة، ومنذ بدء انتفاضة الأقصى، إلى عملية تدمير منهجية شملت البنية التحتية للخدمات الأساسية كالطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والهاتف والكهرباء. كما تعرضت لعملية تدمير واسع النطاق في المنازل والمنشآت التجارية، ما عكس نفسه على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المحافظة، وزاد من حجم الضائقة الاقتصادية التي يعيشها سكان تلك المحافظة.
وخلافاً لما يترتب عن عدم الالتزام بالمادتين 23 و55 من اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949من انتهاك لحق الأفراد في التمتع بمستوى معيشي كاف، ينص البند الأول من المادة (11 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن " تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشى كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية. وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لانفاذ هذا الحق، معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر".[38]
سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بوصفها أحد الأطراف الموقعة على هذا العهد، عليها الالتزام بتعهداتها لإنفاذه. ولكن وبخلاف ما تنص عليه المادة أعلاه، حيث أدت عمليات التدمير الكلي والشامل لمنازل المدنيين الفلسطينيين في محافظة رفح، والتي قامت بها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، إلى خلق حالة من التهجير القسري والتشرد الجماعي لمئات العائلات، الأمر الذي خلف واقعاً معيشياً مأساوياً على صعيد توفر أماكن بديلة لإيواء تلك العائلات والسكان، خاصة وأنهم فقدوا كل ممتلكاتهم ومقتنياتهم الشخصية. فخلال عملية " قوس قزح " الحربية الجديدة، والتي يتناولها هذا التقرير لجأت أعداد كبيرة من السكان الفلسطينيين الذين تقطعت بهم السبل بعد هدم منازلهم وتشريدهم عنها في مخيم رفح بأحيائه المختلفة للإقامة في عدة مدارس تم تحويلها كمراكز إيواء للفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم يعيشون ويتجرعون مرارة التشرد واللجوء مرة أخرى في الذكرى السادسة والخمسين للنكبة.
فمدرسة ذكور رفح الإعدادية "ب" التابعة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين تم تحويلها إلى مراكز إيواء اعتباراً من يوم الثلاثاء الموافق 18/5/2004. واستوعبت المدرسة المكونة من أربعة عشرة غرفة (فصل دراسي )، ويدرس بها فترتان صباحية ومسائية بما يعادل (30 فصل دراسي ) أعداد متزايدة من الفلسطينيين المشردين من مناطق بلوك o وحي السلام والبرازيل جنوب رفح. استوعبت المدرسة مشردون هدمت منازلهم أو اضطروا لتركها نتيجة الاجتياحات الإسرائيلية وغالبيتهم من مشروعي حي البرازيل وحي السلام، حيث بلغ عددهم ما يقارب 250 عائلة قوامهم 1500شخص، وهو عدد ضخم جداً مقارنة بمساحة المدرسة. وأمكن للباحث الميداني مشاهدة المواطنين المشردين يفترشون الساحة والممرات، فيما تم تسكين مجموعات كبيرة من النساء في تل غزة. ونظراً للعدد الكبر، كان هناك توجه لتوزيع جزء من الأهالي لمدرسة (مركز إيواء ) جديد. وأفاد عدد من المشردين للباحث أن الأوضاع مزرية ومأساوية جداً، فهم لا يأخذون راحتهم والمكان ضيق وعدد منهم لم يتمكن من الاستحمام منذ عدة أيام، فضلاً عن المشاكل الاجتماعية التي تتسبب فيها تواجد أعداد كبيرة جداً ذكور وإناث من عائلات مختلفة في مكان صغير. وفي ظروف مأساوية مماثلة يعيش مشردون آخرون في مدرسة الخنساء الابتدائية بنات، التي تحولت هي الأخرى لمركز إيواء لحوالي 87 عائلة قوامها حوالي 400 فرد. وهي تؤوي سكان هجروا بالدرجة الأولى من بلوك o بتاريخ 12/5/2004 علماً أن الدراسة متصلة في المدرستين. جدير بالذكر أن عدد المدارس التي استخدمت لإيواء المشردين بلغ 4 مدارس، تضم كل مدرسة عشرات العائلات التي هجروا من منازلهم المهدمة. وتقوم وكالة الغوث الدولية ومؤسسات اجتماعية بتزويدهم بالطعام اللازم، لهم ولأطفالهم، ألا أن كمية ونوعية هذا الطعام لا يفي بالحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية.
المواطن (م.أ.ع)، 44 عام، متزوج، ويسكن في مخيم البرازيل برفح، شرح لباحث المركز معاناته وأفراد أسرته في بعد تشريدهم من منزلهم فقال:
" كنت أسكن وأفراد أسرتي في حي البرازيل المجاور للشريط الحدودي مع مصر، واضطررت لإخلاء منزلي الذي هدمته قوات الاحتلال بشكل جزئي بتاريخ 21/5/2004. المنزل مكون من أربعة طوابق مساحته 200م2، وكل طابق فيه شقتين، وكل واحدة مكونة من غرفتين ومنافعها. وكان يعيش في المنزل 6 عائلات قوامها 35 فرد. وفي حوالي الساعة الخامسة من مساء يوم الأحد الموافق 21/5/2004، وبينما كنا داخل المنزل فوجئنا بجرافات الاحتلال تبدأ بهدم الطابق الأرضي من المنزل. وكان جنود قوات الاحتلال قد نادوا عبر مكبرات الصوت، وطلبوا من الذكور الخروج. فخرجنا جميعاً من المنزل، وطلبوا منا الكشف عن أجسادنا، ولم يسمحوا لنا بإخراج أي شئ من المنزل، وأمرونا بمغادرة حي البرازيل رافعين الرايات البيضاء. وغادرنا المنطقة، وتم إيوائنا في مدرسة "ب" الإعدادية للاجئين في مخيم الشابورا في رفح. وتضم المدرسة العديد من العائلات من منطقة البرازيل، بلوك O، حي السلام وحي الجنينة. ونعيش الآن في الفصول المدرسية في ظل أوضاع سيئة ومأساوية، حيث تنتشر عدة عائلات في الفصول، ونحن ننام في الساحات، فيما تنام النساء والأطفال داخل الغرف. ونعتمد في الغذاء على ما يقدمه لنا الصليب الأحمر والأنروا، وهي في معظمها معلبات غذائية لا تكفي حاجاتنا. وعدا عن ذلك فالظروف في داخل المدرسة غير مناسبة، من حيث استخدام الحمامات وتبديل الملابس والنظافة، خاصة وأن المدرسة مزدحمة وبها عشرات العائلات".
وبشكل يتنافى مع المادة 59 من اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، منعت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أثناء حصارها لحي تل السلطان غرب رفح، في الفترة ما بين 17-24/5/2004، الإمدادات الإنسانية والغذائية والطبية من الدخول إلى الحي المذكور. جدير بالذكر أنه وبخلاف الحصار ومنع التجول الذي فرض على الحي، قامت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتدمير البنية التحتية للحي، وشمل ذلك كافة خطوط المياه والكهرباء والهاتف ومشاريع الصرف الصحي، ما أدى إلى انقطاع المياه عن الحي المذكور، وقد نفذت كمية المياه الصالحة للشرب من المنازل. وكذلك نفذت كميات الطعام المتواجدة في المنازل، فضلاً عن نفاذ الحليب الخاص بالأطفال. صاحب ذلك منع سيارات الإمدادات الإنسانية والغذائية والصحية للحي. ما هدد بحدوث كارثة إنسانية تتحمل مسئوليتها الكاملة سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي. ولم تكتف قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بذلك، وإنما تجاوزت في ممارساتها إلى حد إطلاق النار على المواطنين أثناء محاولات البعض للحصول على المياه.
ووفقاً لمعلومات المركز، في حوالي الساعة 11 صباح يوم الخميس الموافق 20/5/2004، أطلق أحد جنود القناصة من فوق إحدى المباني التي تحتلها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في حي تل السلطان، النار تجاه المواطن جمال عوض العصار، 39عاماً، أثناء وقوفه على شرفة منزله، طالباً مساعدة الجيران في إيصال ماء الشرب له ولعائلته. أسفر ذلك عن استشهاده جراء إصابته بعيار ناري في الرأس".
منذ أن قررت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عن نيتها القيام بعملية عسكرية كبيرة في محافظة رفح، أعلنت أن هدفها تدمير عدد من المنازل التي تحوي أنفاقاً تستخدم لتهريب الأسلحة عبر الشريط الحدودي مع مصر. كما أعلنت قيادة تلك القوات نيتها في ضرب ما تسميه العناصر الإرهابية في رفح للقضاء على كافة العمليات العسكرية الموجهة ضدها. غير أن العديد من المصادر عبرت عن خشيتها أن تطال العملية الشاملة، والتي بدأ التحضير لها بحشودات عسكرية غير مسبوقة، يوم السابع عشر من آيار/ مايو 2004، المئات من المنازل السكنية الواقعة على طول الشريط الحدودي في محافظة رفح، وذلك إحياءً لفكرة سابقة كانت قد طرحتها القيادات الحربية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في وقت سابق. وعلى الرغم من رفض الفريق موشيه يعلون، قائد هيئة أركان القوات المحتلة، الاعتراف بنتائج تلك العملية التي استمرت لثمانية أيام متواصلة، خاصة على صعيد حجم الخسائر البشرية الكبيرة، وحجم الدمار والكارثة التي خلفها جنوده في البنية التحتية والمساكن والمنشآت الاقتصادية، وفي المرافق العامة والأراضي الزراعية في المحافظة، على الرغم من ذلك فإنه لا يمكن الخروج عن الوصف الذي وصفته الأمم المتحدة بأجهزتها المختلفة، والحكومات والمنظمات الدولية غير الحكومية، واعتبارها أن ما جرى هو جرائم حرب تناقض قواعد القانون الدولي، وبالتالي يجب التوقف الفوري عن الاستمرار في تنفيذها.
والأشد غرابة في الأمر أن يلجأ مجلس الأمن الدولي لإصدار قراره رقم 1544(2004) في جلسته المعقودة في 19 آيار/ مايو، أي أثناء استمرار العملية الحربية" قوس قزح "، والذي يدعو دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي إلى التقيد الصارم بالالتزامات والمسؤولية القانونية بموجب اتفاقية جنيف الرباعية لعام 1949، دون اتخاذ إجراءات فعالة وملموسة لإجبارها على وقف جرائم حربها. وعلى الرغم من أن القرار أدان قتل المدنيين الفلسطينيين في رفح، وأصر بوجه خاص على ضرورة التزام القوات المحتلة الإسرائيلية بعدم هدم المنازل المخالفة للقانون الدولي الإنساني. إلا أن القوات الحربية المحتلة واصلت جرائمها وقتلت المزيد من المدنيين، وأكملت هدم العشرات من المنازل والبنية التحتية والممتلكات والأعيان المدنية الأخرى للعديد من المناطق في المحافظة. وبقي المجتمع الدولي عاجزاً حتى عن تقديم المساعدات الإنسانية لآلاف المدنيين الفلسطينيين، الذين شردوا واصبحوا بلا مأوى، ما شكل انتهاكاً خطيراً وجسيماً لكل من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهم، فضلاً عن انتهاك حقوقهم المدنية والسياسية.
إن الأهداف الاستراتيجية لهذه العملية الحربية واسعة النطاق لا تخلو من كونها تأتي كحلقة في مسلسل لتدمير حياة الشعب الفلسطيني، ومحاربته في وسائل عيشه ومصادر رزقه. وتؤكد تلك الحقائق الميدانية، وفي محافظة رفح خاصة، النتيجة سالفة الذكر، والتي تشكل شكلاً من أشكال العقوبات الجماعية المحظورة، بموجب القانون الدولي الإنساني. فحجم التدمير الذي طال المنازل في محافظة رفح، ومنذ بداية انتفاضة الأقصى، يشكل أكثر من 55% من إجمالي عمليات عدد المنازل المدمرة في قطاع غزة. وتسعى سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي إلى خلق منطقة عازلة على امتداد الشريط الحدودي في رفح، وهو ما يعني أن تستمر عمليات الهدم والتدمير لتطال ما مجموعه ثلاثة آلاف منزل. وقد أضحت أكذوبة الأنفاق واضحة، حيث أنها تناقض ما يطلق عليه عمليات التدمير للضرورات الحربية. فقد أعلن العميد شموئيل زكاي، قائد القوات المحتلة في قطاع غزة، بعد ظهر يوم الجمعة 21/5/2004، وفي مقابلة نشرتها الصحف الإسرائيلية والعربية، أن قواته اكتشفت حفرة لنفق واحد فقط، وهو ما يؤكد المخالفات الجسيمة والجرائم الخطرة التي تم ارتكابها في المحافظة. وحتى لو وجدت الأنفاق كما تدعي المصادر المختلفة لقوات الاحتلال، فإن ذلك لا يبرر عمليات الهجوم على السكان المدنيين وممارسة عمليات تدمير وهدم واسعة النطاق كالتي تمت، خاصة وأن غالبية عمليات الهدم والتدمير التي تمت، خلال تلك العملية تحديداً، كانت في مناطق بعيدة جداً عن منطقة الشريط الحدودي، خاصة في كل من حي تل السلطان، حي البرازيل، حي السلام، ومناطق شرقي رفح. فهناك مناطق تعرضت لعملية اقتلاع للأشجار والمساكن وشبكات المياه والصرف الصحي وأعمدة الهاتف والكهرباء، واختلطت فيها مياه الشرب بالمياه العادمة، وهي تبعد ما يزيد عن 1.3 كيلو متر عن الشريط الحدودي.
والغريب أيضاً أن تتولى السلطة القضائية في دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي توفير الغطاء القانوني لممارسات القوات الحربية المحتلة، وإضفاء الطابع الشرعي على كافة تلك الممارسات، بما فيها عمليات القتل، وهدم وتدمير منازل السكان المدنيين، دون مراعاة الالتزامات القانونية التي توفرها المعاهدات والاتفاقيات الدولية، كالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والتي توفر الحق لشاغلي المنازل والممتلكات في استمرار شغل مساكنهم، وتحظر عمليات الإخلاء القسري للسكان. فقد تقدم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وعدد آخر من مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية والإسرائيلية بالتماسات للمحكمة العليا الإسرائيلية في تلك المناسبة، وقبلها في مناسبات أخرى، لوقف تنفيذ مثل هذه العمليات. غير أن قضاة المحكمة العليا، ورغم إصدارهم أوامر احترازية لوقف الهدم والتدمير ليوم أو يومين، عادوا بعد ذلك ورفضوا طلبات موكلي أصحاب المنازل والأعيان المدنية، ولجأوا لتبرير ذلك بما أطلقوا عليه الضرورات الحربية للقوات المحتلة.
من الواضح أن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في الفترة ما بين 17-24/5/2004، ارتكبت انتهاكات جسيمة وأعمالاً خطيرة بحق المدنيين الفلسطينيين في أحياء متفرقة من محافظة رفح. وتعتبر العديد من هذه الأعمال جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، ما يترتب على جميع الأطراف المتعاقدة السامية على اتفاقيات جنيف القيام بما تمليه عليها المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة، خاصة ما يتعلق بتعقب الأشخاص الذين يزعم بأنهم ارتكبوا أو أمروا بارتكاب انتهاكات جسيمة، وتقديمهم إلى العدالة وفقاً للمعايير الدولية للمحاكمات العادلة.
وفي الغالب، وعلى ضوء المعطيات الميدانية، فإن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي سوف تمضي في ممارساتها ضد السكان المدنيين، ففي الفترة ما بين 24/5/2004 وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير، لم تتوقف قوات الاحتلال عن عملياتها الهادفة إلى الاستمرار في ممارسة انتهاكات جسيمة وصارخة لحقوق المدنيين الفلسطينيين في محافظة رفح، خاصة التدمير الواسع النطاق للمنازل والممتلكات والأعيان المدنية الأخرى. فقد شهدت المحافظة عمليات تدمير شملت أكثر من 35 منزلاً حتى 30/5/2004 بشكل كلي وجزئي. وأمام هذا التعنت الإسرائيلي واستمرارها في ارتكاب مخالفات جسيمة تصل إلى حد جرائم الحرب، يطالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة بما يلي:
1. التدخل الفوري والعاجل لإجبار سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على التوقف الفوري والكامل عن عمليات الهدم والتدمير لمنازل المدنيين الفلسطينيين، وهدم وتدمير الممتلكات والأعيان الفلسطينية.
2. دعوة الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 إسرائيل، بوصفها سلطة محتلة للأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى ضمان احترام الاتفاقية وقواعدها القانونية. واتخاذ الاجراءات الكفيلة بضمان احترامها للاتفاقية.
3. دعوى منظمة الأمم المتحدة، بما فيها مجلس الأمن والجمعية العامة، إلى تشكيل لجنة تحقيق خاصة فيما جرى في محافظة رفح، وتقديمه إلى أعضاء مجلس الأمن والجمعية العامة، لاتخاذ الاجراءات المناسبة لضمان احترام الأمن والسلم الدوليين.
4. دعوة المقررين الخاصين للأمم المتحدة، وخاصة المقرر الخاص بالأراضي الفلسطينية المحتلة، المقرر الخاص للحق في السكن الملائم، المقرر الخاص بالحق في الغذاء، المقرر الخاص لحقوق الطفل، المقرر الخاص للمرأة والمقرر الخاص بمكافحة التعذيب إلى زيارة محافظة رفح، والتحقيق في الجرائم التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي.
5. دعوة هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها، وخاصة منظمة الصحة الدولية ومنظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمنظمات الدولية الأخرى غير الحكومية، إلى تشكيل لجان تحقيق متخصصة في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة التي نفذتها القوات المحتلة في المحافظة.
6. تقديم المسؤولين الذين تثبت إدانتهم باقتراف و/ أو الأمر باقتراف جرائم، تصنف على أنها جرائم حرب، إلى محاكمات بصفتهم مجرمي حرب.
7. تعويض السكان المدنيين عن كافة الانتهاكات التي اقترفتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ضدهم، وخاصة تلك التي نجمت عن عمليات القتل والتدمير للمنازل والممتلكات والأعيان المدنية.
8. إلى أن يتخذ المجتمع الدولي الإجراءات سالفة الذكر، يجب عليه المبادرة فوراً لتوفير حماية دولية مستقلة للمدنيين الفلسطينيين، تضمن لهم حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلاً عن حقوقهم المدنية والسياسية.
9. يحث المجتمع الدولي على اعتماد معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في أي مفاوضات مستقبلية.
10. المجتمع الدولي ومنظمات الإغاثة الدولية إلى تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة والعاجلة اللازمة لحماية المدنيين الفلسطينيين.
|
النوع |
العدد |
ملاحظات |
|
البنية التحتية |
- |
تدمير كامل لمشاريع البنية التحتية في حي تل السلطان، حي السلام وحي البرازيل |
|
هدم وتدمير منازل(كلي) |
210 |
2626 شخصاً أصبحوا دون مأوى. |
|
هدم وتدمير منازل(جزئي) |
244 |
3669 شخصاً شردوا من منازلهم |
|
محال تجارية |
31 |
11 في حي تل السلطان-11 في قرية أم النصر و9 في حي السلام |
|
حديقة الحيوان |
1 |
قدرت الأضرار المادية فيها بحوالي ستين ألف دولار أمريكي |
|
سيارات |
16 |
4 في حي السلام، 11 في حي تل السلطان و1 في قرية أم النصر |
|
سور مقبرة وشواهد قبور |
1 |
مقبرة الشهداء –شرق حي السلام |
|
مساجد |
3 |
مسجد بلال ومكتبته في حي تل السلطان، مسجد الإيمان في حي السلام، ومسجد ذي النورين في بلوك O. |
|
الجمعيات والأندية الرياضية والاجتماعية |
3 |
المركز الجماعي الرياضي في حي البرازيل، جمعية الخدمة العامة لحي كندا في حي تل السلطان ومبنى المجلس القروي لأم النصر. |
|
مدارس |
5 |
3 مدارس في حي البرازيل، ومدرستان في حي تل السلطان. |
|
مزرعة أبقار وأنغام |
1 |
نفوق عشرات منها في حي تل السلطان |
|
عيادة صحية |
1 |
هدم السور الخارجي في عيادة تل السلطان الحكومية |
|
منتزهات وأسوار ومؤسسات عامة |
1 |
حي تل السلطان |
|
الرقم |
الاسم |
العمر |
مكان الاستشهاد |
تاريخ الاستشهاد |
ملاحظات |
|
1 |
أحمد محمد خليل اليعقوبي |
19 |
حي البرازيل |
13/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الصدر |
|
2 |
فؤاد خالد عبد الله أبو هاشم |
17 |
بلوك L |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
3 |
حسن خضر حسن عواجة |
18 |
بلوك N |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
4 |
حامد فايز حامد أبو حمرة |
18 |
بلوك O |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
5 |
محمد عزمي صالح البوجي |
20 |
بلوك L |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
6 |
رامز جمال سميح أبو غالي |
22 |
بلوك L |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
7 |
محمد موسى مصباح موافي |
17 |
بلوك O |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
8 |
سامح يوسف محمد أبو جزر |
17 |
بلوك O |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
9 |
إيهاب جمال علي يوسف |
19 |
بلوك N |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
10 |
هاني محمد عبد ربه المغير |
21 |
بلوك L |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
11 |
محمود جمال محمود السكسك |
18 |
بلوك O |
13/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
12 |
محمد سعدي محمد جمعة |
21 |
قرب مستوطنة رفيح يام |
14/5/2004 |
أصيب بقذيفة مدفعية |
|
13 |
أكرم عبد الكريم أحمد أبو النجا |
27 |
قرب بوابة صلاح الدين |
14/5/2004 |
أصيب من رصاص قناص |
|
14 |
أشرف حسن عبد الهادي قشطة |
35 |
حي البرازيل |
15/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الرأس |
|
15 |
وليد موسى أبو جزر |
26 |
بلوكP |
18/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
16 |
محمد خليل الجندي |
24 |
بلوكP |
18/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
17 |
محمد عبد الرحمن النواجحة |
31 |
بلوكP |
18/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
18 |
هاني محمد قفة |
18 |
بلوك O |
18/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
19 |
طارق أحمد الشيخ عيد |
24 |
بلوك O |
18/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
20 |
إسماعيل ربحي البلعاوي |
45 |
بلوك O |
18/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
21 |
إبراهيم إسماعيل البلعاوي |
18 |
بلوك O |
18/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
22 |
محمد جاسر الشاعر |
17 |
بلوك O |
18/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
23 |
أحمد جاسر الشاعر |
18 |
بلوك O |
18/5/2004 |
أصيب بقذيفة صاروخية |
|
24 |
زياد حسين شبانة |
22 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الصدر |
|
25 |
عماد فضل المغاري |
34 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيب بعدة أعيرة نارية في الجسم |
|
26 |
محمود إسماعيل أبو طوق |
34 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيب بعيارين ناريين في الصدر والبطن |
|
27 |
سعيد إبراهيم المغير |
23 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيب بعدة أعيرة نارية في الرأس والصدر |
|
28 |
أحمد محمد المغير |
10 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الرأس |
|
29 |
أسماء أحمد محمد المغير |
14 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيبت بعيار ناري في الرأس |
|
30 |
يوسف زاهي قحوش |
35 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيب بعدة أعيرة ناري في الرأس |
|
31 |
محمد مسعود زعرب |
33 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في البطن |
|
32 |
ابراهيم جهاد القن |
18 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الرأس |
|
33 |
تيسير زكي كلوب |
31 |
حي تل السلطان |
18/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في البطن |
|
34 |
صابر أحمد أبو لبدة |
13 |
حي تل السلطان |
19/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الرأس |
|
35 |
خليل حسن أبو سعدة |
37 |
حي تل السلطان |
19/5/2004 |
أصيب بعدة أعيرة نارية في الصدر والبطن |
|
36 |
شادي فايز المغاري |
24 |
حي تل السلطان |
19/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الصدر |
|
37 |
أسامة عبد الله أبو ناصر |
27 |
حي تل السلطان |
19/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الرأس |
|
38 |
وليد ناجي أبو قمر |
10 |
رفح الغربية |
19/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
39 |
مبارك سليم الحشاش |
11 |
رفح الغربية |
19/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
40 |
محمود طارق منصور |
13 |
رفح الغربية |
19/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
41 |
محمد طلال أبو شعر |
20 |
رفح الغربية |
19/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
42 |
علاء مسلم الشيخ عيد |
20 |
رفح الغربية |
19/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
43 |
فؤاد خميس السقا |
31 |
رفح الغربية |
19/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
44 |
أحمد جمال أبو السعيد |
18 |
رفح الغربية |
19/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
45 |
رجب نمر برهوم |
18 |
رفح الغربية |
19/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
46 |
خليل حسين خليل أبو شعر |
24 |
تل السلطان |
19/5/2004 |
|
|
47 |
محمود نجيب الأخرس |
18 |
حي السلام |
20/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
48 |
وائل محمد أبو جزر |
18 |
حي السلام |
20/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
49 |
محمود فتحي ذيب |
22 |
حي البرازيل |
20/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
50 |
يوسف محمود المغاري |
21 |
حي البرازيل |
20/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
51 |
حامد ياسين بهلول |
81 |
حي البرازيل |
20/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
52 |
خالد عبد الحكيم أبو عنزة |
42 |
حي البرازيل |
20/5/2004 |
أصيب بشظايا الصواريخ وقذائف الدبابات |
|
53 |
تامر يونس العرجا |
2 |
حي البرازيل |
20/5/2004 |
أصيب بنوبة قلبية حادة من الخوف |
|
54 |
جمال عوض العصار |
39 |
حي تل السلطان |
20/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الرأس |
|
55 |
محمد ابراهيم جبر |
27 |
حي تل السلطان |
20/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الحوض |
|
56 |
أحمد صالح أبو صيام |
45 |
بلوك O |
21/5/2004 |
أصيب برصاص متفجر في البطن |
|
57 |
روان محمد أبو زيد |
3 |
حي البرازيل |
22/5/2004 |
أصيبت بعيارين ناريين في الرأس والرقبة |
|
58 |
محمد سامي الهمص |
18 |
رفح الشرقية |
22/5/2004 |
أصيب بعيار مطاطي في الرأس |
|
59 |
أيمن خميس حسنين |
25 |
حي تل السلطان |
28/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في البطن يوم 20/5/2005. |
|
60 |
محمد محمود حمدان زعرب |
41 |
رفح الغربية |
26/5/2004 |
أصيب بعيار ناري في الصدر |
الأمم المتحدة
مجلس الامن
19 مايو 2004
القرار 1544 (2004)
الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته4972 المعقودة في 19 أيار /مايو 2004
إن مجلس الأمن،
إذ يعيـــــد تأكيـــــد قراراتـــــه الســـــابقة 242 (1967)، و 383 (1973) و 446 (1979)، و 1322 (2000)، و 1397 (2002)، و 1402 (2002)، و 1403 (2002)، و 1405 (2002)، و 1435 (2002)، و 1515 (2003)،
وإذ يعيــد تأكيــد أنــه مــن واجــب إســرائيل، الســلطة القائمــة بــالاحتلال، التقيــد تقيــدا صــارما بالالتزامــات والمســؤوليات القانونيــة بموجــب اتفاقيــة جنيــف الرابعــة المتعلقــة بحمايــة الأشخاص المدنيين في وقت الحرب والمؤرخة 12 آب /أغسطس 1949،
وإذ يدعو إسرائيل إلى معالجة احتياجاتها الأمنية في نطاق القانون الدولي،
وإذ يعرب عن قلقـه البـالغ لاسـتمرار تـدهور الحالـة في الميـدان في الأرض الـتي تحتلـها
إسرائيل منذ عام 1967،
وإذ يدين قتل المدنيين الفلسطينيين الذي حدث في منطقة رفح،
وإذ يساوره بالغ القلق إزاء ما قامت به مؤخرا إسرائيل، السـلطة القائمـة بـالاحتلال،
من تدمير للمنازل في مخيم رفح للاجئين،
وإذ يشــير إلى الالتزامــات المنوطــة بالســلطة الفلســطينية وحكومــة إســرائيل بموجــب خريطة الطريق،
وإذ يدين جميع أعمال العنف والإرهاب والتدمير،
وإذ يعيـــد تأكيـــد تأييـــده لخريطـــة الطريـــق، الـــتي صـــادق عليهـــا في قـــراره 1515 (2003)،
- 1 يطالب إسرائيل بـاحترام التزاماتهـا بموجـب القـانون الـدولي الإنسـاني ويصـر، بوجه خاص، على ضرورة التزامها بعدم هدم المنازل في مخالفة لذلك القانون؛
- 2 يعــرب عــن بــالغ القلــق إزاء الحالــة الإنســانية للفلســطينيين الــذين أصــبحوا بلا مأوى في منطقة رفح ويدعو إلى مدهم بالمساعدة العاجلة؛
- 3 يدعو إلى وقف العنف واحتـرام الالتزامـات القانونيـة والتقيـد بهـا بمـا في ذلـك
الالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني؛
- 4 يــــدعو الطــــرفين إلى تنفيــــذ الالتزامــــات المنوطــــة بهمــــا بموجــــب خريطــــة الطريق فوراً؛
- 5 يقرر أن يبقي المسألة قيد نظره .
![]() مشهد للدمار في حي البرازيل
|
![]() طاقم وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المركز خلال قيامه بتوثيق جرائم الحرب الإسرائيلية في محافظة رفح
|
![]() عجوز تجلس على أنقاض الحي الذي دمرته قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي
|
![]() صورة لمنزل تعرض لعملية تدمير شامل في محافظة رفح
|
![]() صاروخ يؤدي إلى احتراق مكتبة مسجد بلال بن رباح في حي تل السلطان بالكامل
|
![]() جرحى المسيرة السلمية في يوم 19/5/2004
|
![]() جرحى المسيرة السلمية بتاريخ 19/5/2004
|
![]() عائلة فقدت منزلها واضطرت للسكن في إحدى مراكز الإيواء في إحدى مدارس رفح
|
|
|
![]()
|
|
|
![]()
|
![]()
|
[1] حول تفاصيل قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بوقف هدم المنازل في رفح مؤقتاً، أنظر ص 14 من هذا التقرير.
[2] استشهد أيمن خميس حسنين، 25 عام من مخيم رفح، يوم الجمعة الموافق 28/5/2004 في المستشفى الأوروبي في خان يونس، متأثراً بجراحه، وذلك جراء إصابته بعيار ناري في البطن يوم الخميس الموافق 20/5/2004 خلال اجتياح المحافظة، أطلقها عليه أحد جنود القناصة، لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، من أعلى بناية سكنية كانوا يتمركزون على سطحها في حي تل السلطان. ولا يتضمن عدد الشهداء المذكور شهيدين، سقطا خارج نطاق عملية قوس قزح وهما: 1. الشهيد محمد محمود زعرب، 41 عام، من سكان رفح الغربية، والذي أطلقت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي النار عليه بتاريخ 26/5/2004 قرب منزله، ما أدى لإصابته بعيار ناري في صدره أدى لاستشهاده بعد دقائق من وصوله مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار.2. الشهيد محمد سامي الهمص، 18 عام، والذي استشهد بتاريخ 22/5/2004، متأثراً بجراحه. وكان الهمص قد أصيب بعيار ناري في الرأس، وذلك بتاريخ 1/10/2000 أدى لإصابته بشلل رباعي وحالة غيبوبة دائمة، وذلك عندما أطلق جنود القوات المحتلة، التي كانت تتمركز قرب بوابة صلاح الدين على الشريط الحدودي مع مصر، النيران الرشاشة عليه ومجموعة من الأطفال الذين رشقوهم بالحجارة، وكان يبلغ 14 عاماً في حينه، وبقي يصارع الموت إلى أن أعلن عن استشهاده.
[3] مقابلة صحفية مع صحيفة يديعوت أحرونوت على موقعها باللغة العربية بتاريخ 24/5/2004. من الواضح أن الفريق يعلون يهزأ بالرأي العام المحلى والدولي، خاصة أن ردود الفعل التي جاءت من جانب سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي هي التي فندت ما قاله. فقد أعلن يوسيف(تومي) لبيد، وزير العدل في حكومة الاحتلال الحربي الإسرائيلي أن مشهد اللاجئة الفلسطينية المسنة، وهي تنبش أنقاض منزلها الذي أصبح كومة من الركام في رفح، بأنه يذكره بجدته التي عاشت المحرقة على أيدي النازية. وأضاف إن تدمير المنازل في رفح يعتبر غير إنساني وغير يهودي، في إشارة لهول الكارثة. كما أعلنت العديد من مصادر المنظمات الدولية والوكالات التابعة للأمم المتحدة عن إقدام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على إرتكاب جرائم حرب في محافظة رفح.
[4] لا يزال المئات من السكان المدنيين، الذين دمرت منازلهم وأصبحوا بدون مأى يعيشون في عدد من المراكز التي افتتحت لإيوائهم في مدارس الأنروا وصالات الرياضة في الملعب البلدي في رفح. وقد نفذ هؤلاء اعتصاماً واحتجاجاً بدأ يوم السبت 19/5/2004، لمطالبة السلطة الفلسطينية والمؤسسات الدولية بتوفير منازل بديلة لإسكانهم، خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية الكارثية التي تعيشها هذه العائلات.
[5] أنظر تفاصيل ذلك في الجزء اللاحق من هذا التقرير في ص 19.
[6] ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت في عددها الصادر بتاريخ 18/5/2004 عن الجنرال موشيه يعلون، قائد هيئة أركان قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، في جلسة لحكومته: " يدور الحديث عن مئات المنازل، وإذا تطلب الأمر فإننا سنهدم هذه المنازل". وأشار يعلون إلى أن الجيش الإسرائيلي يهدم المنازل التي تستخدم للأنفاق، أو تلك التي سيطر " المخربون" عليها ويجري القتال فيها. وقد أشارت صحيفة هارتس لاستعداد القوات الحربية المحتلة لتنفيذ حملة عسكرية واسعة النطاق في جنوب قطاع غزة هدفها قطع رفح عن باقي القطاع، طرد المطلوبين والكشف عن أنفاق تهريب وسائل القتال، وبالتوازي تدرس القوات المحتلة خطة لحفر قناة مائية عميقة على طول محور فلادلفيا تقطع رفح الفلسطينية عن رفح المصرية، وتكلف عشرات ملايين الشواكل. لمزيد من المعلومات أنظر: المصدر السياسي، قسم الأخبار، الوضع في القطاع، الاثنين 17/5/2004. وقد أعلنت مصادر سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أن الحملة العسكرية في رفح لم تسفر سوى عن اكتشاف نفق واحد غير فعال في منطقة حي البرازيل فقط، وكانت السلطة الفلسطينية قد قامت بإغلاقه منذ زمن، وهو ما يفند أكذوبة البحث عن أنفاق، ويؤكد النية المسبقة لهدم مئات المنازل في رفح. وقد تناولت الصحفية عميرة هاس، من جريدة هارتس، في مقال نشرته الصحيفة بتاريخ 19/5/2004، بعنوان: فزاعة الأنفاق، قالت فيه ليس مسلحو رفح، ولا السلاح الذي يهربونه عبر الأنفاق هو الذي يشكل تهديداً استراتيجياً على اسرائيل، بل إن ضخامة هذا الخطر المزعوم هو ذريعة لتغطي على البشاعة التي ترتكبها اسرائيل قتلاً وتدميراً في رفح، في إشارة إلى حجم الجرائم ضد المدنيين الفلسطينيين في رفح.
[7] قال اللواء يوم توف سامية، قائد القيادة الجنوبية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في بداية الانتفاضة، في معرض تعليقه على تدمير الجيش الإسرائيلي حوالي 60 منزلاً فلسطينياً في مخيم رفح للاجئين يومي 9-10 كانون الثاني/ يناير 2002 للإذاعة الإسرائيلية: "كان يجب هدم هذه ا لمنازل وإخلاؤها منذ زمن طويل... ويجب إخلاء شريط عرضه ثلاثمائة متر على طول جانبي الحدود ... ثلاثمائة متر، بصرف النظر عن عدد المنازل، نقطة على السطر". وقد أكد الفريق موشيه يعلون، قائد هيئة أركان قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، في مقابلات إذاعية بثتها القنوات الإسرائيلية في نشراتها الإخبارية مساء يوم 17/5/2004 على نفس الهدف، وذلك خلال الاجتماع الأسبوعي لحكومته. فقد قال أن مئات المنازل الفلسطينية في رفح قد وضعت على قائمة الهدم على طول الشريط الحدودي، وزعم أنها تخفي تحتها أنفاقاً لتهريب الأسلحة. أنظر أيضاً جريدة القدس الصادرة بتاريخ 18/5/2004. وقد كشف الوزير تومي لبيد، وزير العدل في حكومة سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية جرت يوم 23/5/2004 ونقلتها عبر نشراتها الإخبارية المسائية، النقاب عن أن حكومته تنوى تدمير 2000 منزل في رفح، وذلك لتوسيع الشريط الحدودي مع مصر.
[8] المعلومات الواردة عن الوضع الديمغرافي لرفح استندت إلى الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2003، كتاب فلسطين الإحصائي السنوي رقم " 4”، رام الله- فلسطين.
[9] بلغ عدد سكان رفح، وفقاً للتعداد العام الشامل للسكان والمساكن، والذي أجراه الجهاز الفلسطيني للاحصاء المركزي في بداية كانون الأول/ ديسمبر 1997، 122865 نسمة. ووفقاً لما ورد في كتاب الاحصاء السنوي لسنة 2003، والصادر عن نفس الجهاز، فقد بلغ تعداد السكان 155900 نسمة. وعليه احتسبنا نسبة الزيادة الطبيعية، والتي أوردتها تقارير التنمية البشرية في فلسطين والبالغة 4.8%، فيصبح سكان محافظة رفح 162778 نسمة حتى نهاية ديسمبر 2003.
[10] من الصعب الفصل جغرافياً بين مدينة رفح القديمة ومخيمها، حيث لا يمكن ذلك بسبب تداخل الأحياء المختلفة للمدينة مع المخيم. وتختلف تسميات الأحياء في محافظة رفح عن النمط الذي تتبعه بلدية رفح، وأحياناً يتم استخدام تعبيرات مختلفة لوصف بعض الأحياء فيها، فمثلاً يشار إلى منطقة بوابة صلاح الدين أو حي قشطة والشاعر لوصف أجزاء من وسط البلد. كما يتناول العديد من الباحثين مخيم الشابورا ومخيم يبنا لوصف بعض المناطق في المحافظة، وهي تشكل جزءً من مخيم رفح، حيث يشمل مخيم الشابورا مجموعة من البلوكات وفقاً لتقسيم الأنروا للمخيم، وهي بلوك A, B,C,H,D, F,I,G ، فيما يشمل مخيم يبنا بلوكات M,N,P,K,L,O. وتقع أجزاء أخرى من المخيم مناطق مختلفة من أحياء رفح، مثل بلوك J غربي وسط البلد، أو ما يعرف بمنطقة البراهمة والصوفي غربي مخيم يبنا. وتشمل منطقة مواصي رفح جزءً من مخيم رفح وهو بلوك R، والذي يطلق عليه القرية السويدية، ويقع في أقصى نقطة جنوب غربي رفح، كما تشمل عدة أحياء أخرى كعزبة الندى وعزبة أبو شلوف وزعرب. للمزيد أنظر الخرائط المرفقة في نهاية التقرير.
[11] لا تشمل المساحة المشار إليها الطرق والشوارع الالتفافية التي تحيط بالمستوطنات، والتي تصل لأكثر من سبعة كيلومترات ما بين مستوطنة موراج، شمال شرق المحافظة، لتربطها مع مستوطنات غوش قطيف في رفح وخان يونس. كما يشكل تركيز الوجود الاستيطاني في المحافظة على منطقة مواصي رفح، والتي أغلقت منذ بداية الانتفاضة، ومنع سكانها من حرية التنقل والحركة، اقتطاعاً لكامل مساحة منطقة بحر رفح، والتي تزيد عن 9 كم2، والتي تعتبر أفضل المناطق الزراعية فيها على الاطلاق، وتتوافر فيها مصادر المياه العذبة، فضلاً عن الثروة السمكية التي يحرم منها سكان المحافظة.
[12] المعلومات والأرقام الواردة عن التعليم استندت أساساً إلى تحديث الأرقام المنشورة عن كل من وزارة التربية والتعليم ووكالة الغوث الدولية، بالإضافة إلى مقابلات مع مدير مديرية التربية والتعليم في رفح وعاملين في القطاع التعليمي.
[13] كتاب فلسطين الإحصائي السنوي رقم " 4”، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2003، رام الله- فلسطين، ص 325-ص 327.
[14] أنظر المصدر السابق، ص 329- ص 330.
[15] في صباح يوم الجمعة 21/5/2004 أعلن عن استشهاد المواطن أحمد صالح أبو صيام، 45 عاماً، من سكان مخيم الشابورا في رفح، في مستشفى ناصر في مدينة خان يونس. وكان الشهيد قد أصيب بعيار ناري في بطنه بتاريخ 15/5/2004، أطلقه أحد جنود القوات المحتلة المتمركزة على بوابة صلاح الدين، على الشريط الحدودي مع مصر، وذلك حينما كان متوجهاً إلى منطقة بلوك O في مخيم رفح لمشاهدة الدمار الذي أحدثته تلك القوات في منازل السكان المدنيين خلال يومي 13 و 14 مايو. وبذلك ارتفع عدد ضحايا تلك العملية إلى 15 شهيداً.
[16] في تعليقه على قرار المحكمة العليا الإسرائيلية كتب ب. ميخائيل، وهو أديب اسرائيلي، مقالاً بعنوان: " صحن شعيرية محكمة العدل العليا" نشر في صحيفة يديعوت بتاريخ 18/5/2004، وصف فيه قرارات المحكمة في مسألة هدم بيوت السكان في رفح بمثابة غطاء مرقع شفاف فقط لأعمال الجيش الإسرائيلي الوحشية. كما علق الكاتب زئيف سيغال في مقاله في جريدة هارتس بتاريخ 24/5/2004 بعنوان: " الأمن فوق محكمة العدل العليا"، حيث قال أن هذه المحكمة لا تتدخل في القضايا الأمنية وتظهر الأمن وكأنه فوق القانون مثلما حدث في رفضها دعوى أهالي رفح وهو ما يتصادم مع قيم الديمقراطية وما تدعيه العليا لنفسها بأنها حارس لها. أنظر المصدر السياسي، ترجمة عطا القيمري.
[17] للوقوف على التفاصيل المتعلقة بذلك، راجع التقرير الأسبوعي حول الانتهاكات الإسرائيلية الذي أصدره المركز حول الفترة من 13-19 آيار/ مايو 2004، رقم 19/2004.
[18] أنظر المرجع السابق.
[19] راجع الجزء الخاص بانتهاك الحق في الحماية الخاصة للنساء والأطفال في الجزء اللاحق من هذا التقرير.
[20] قال الجنرال موفاز: " أنا آسف على وقوع الحدث وأعرب عن أسفي على المصابين، ولكن في حرب بهذا القدر من التركيب والتعقيد تحصل أحياناً مثل هذه الأمور... حملة قوس في السحاب ستستمر بقدر ما يلزم الأمر، بل وستتسع". أنظر الخبر الرئيس في جريدة يديعوت، تقرير من يوسي يهوشع وآخرين، نقلاً عن المصدر السياسي بتاريخ 20/5/2004.
[21] لا زال الغموض يحيط بالتعليمات الصادرة لجنود القوات المحتلة، والخاصة بأوامر إطلاق النار في مثل هذه الحالة وغيرها، حيث أفادت التقارير أن التحقيقات الأولية التي أجرتها القوات المحتلة أنها قامت بإطلاق أربعة قذائف من دبابة ميركاباه، تجاه المتظاهرين المدنيين في المسيرة السلمية، والتي كانت تبعد عنها مسافة 400 متر تقريباً. وتشير تلك التحقيقات أن قائد كتيبة دبابات الميركاباه طلب مساعدة جوية، فتلقى على الفور، حيث أطلقت مروحية من طراز كوبرا صاروخ " عوريف " على المنطقة المفتوحة التي كانت يتواجد فيها المتظاهرين. وبعدها قرر قائد كتيبة الدبابات إطلاق القذائف الأربعة، وهو ما يشير إلى غموض تعليمات إطلاق النيران في مثل تلك الحالة، بل ويؤكد غموضها أن يد جنود القوات المحتلة متحررة من نتائج استخدام هذا الشكل المفرط والعشوائي وغير المتناسب، وهو ما أدى لوقوع هذا العدد الكبير من الضحايا بين شهداء وجرحى. لمزيد من التفاصيل حول ذلك راجع المصدر السياسي بتاريخ 20/5/2004.
[22] رافق الباحث خليل شاهين، مدير وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المركز، وفداً من منظمة العفو الدولية( أمنستي)، ضم كلاً من السيدة دوناتيلا ريفيرا مسؤولة وحدة البحث في الأمانة العامة للمنظمة في لندن، والسيد كيرت جيرنغ نائب المدير التنفيذي في المنظمة، فرع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى السيد أوين ماري من المؤسسة العالمية للدفاع عن مدافعي حقوق الإنسان في جولة ميدانية في محافظة رفح بتاريخ 19/5/2004. وقد عانى الوفد كثيراً إلى أن تمكن من الدخول لمحافظة رفح عبر طرق ترابية وعرة وخطرة. وقد مر الوفد عن المسيرة التي كانت تتجمع قرب دوار مسجد العودة،وكانت خالية من أي تواجد عسكري مسلح. وخلال تفقد منطقة بلوك (O) والدمار الذي حدث في المنازل، شاهد الوفد قرابة أحد عشر بالوناً حرارياً أطلقتها طائرات الأباتشي في السماء، قبل أن يشاهدوا ويسمعوا أصوات انفجار ثلاثة صواريخ أطلقتها الطائرات، كما سمعوا أصوات عدة قذائف من الدبابات والتي أطلقتها القوات المحتلة تجاه المشاركين في المسيرة. وعندما توجه الوفد إلى شارع البحر، وهو الشارع الرئيسي في محافظة رفح، والذي كانت تسير فيه المسيرة، قابلوا عشرات السيارات والاسعافات قادمة من الغرب مسرعة وتحمل عشرات الضحايا من الشهداء والجرحى الذين خلفتهم تلك العملية. وقد التقى الوفد لاحقاً مع العشرات من المدنيين والصحفيين المحليين والأجانب الذين أكدوا أن المسيرة كانت محض سلمية، ولم يظهر فيها أي شخص مسلح، الأمر الذي يؤكد أن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لم تتعرض لأي نوع من الخطر الذي كان يمكن أن يتهدد حياة أي من أفراد جنودها، وبالتالي كان بإمكانها أن تلجأ إلى وسائل أخرى بسيطة لوقف تحرك المتظاهرين تجاه حي تل السلطان ومنعهم من المرور.
[23] أنظر تقرير المركز الأسبوعي حول الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة حول الفترة من 20-26 آيار/ مايو 2004، رقم 20/2004، ص 6.
[24] أنظر المرجع السابق.
[25] أنظر تفاصيل هذه الحادثة في الجزء اللاحق الخاص باستهداف المنازل السكنية(إطلاق النيران على السكان وإصابتهم بهدف تهجيرهم من منازلهم) في هذا التقرير.
[26] تزامن إصابة الطفلة روان أبو زيد مع وجود السيد بيتر هانسن، المفوض العام للأنروا، في حي البرازيل، حيث كان في زيارة تفقدية لمحافظة رفح. وقد وصف السيد هانسن الوضع في رفح بالمأساة الإنسانية. وطالب قوات الاحتلال الإسرائيلي بالوقف الفوري لعملياتها في المنطقة، لأن استمرارها سيؤدي إلى كوارث حقيقية، كما وجه نداء لقوات الاحتلال بالسماح لأهالي الشهداء، الموجودون في ثلاجات الموتى في مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار، بالخروج للمشاركة في مراسم دفن أبنائهم وفقاً للشريعة الإسلامية. وبعد أن التقى هانسن بعشرات الضحايا في حي البرازيل، زار أحد مدارس الأونروا، التي تحولت إلى مركز لإيواء السكان المشردين، ووجه رسالة للمجتمع الدولي مطالباً بمساعدة ملحة وعاجلة، الآن وليس غداً كما قال. وقد حدد حاجته لمبلغ 35 مليون دولار أمريكي لإيواء من دمرت بيوتهم، حيث أشار إلى عدم قدرة الأونروا على مواجهة هذه الكارثة. وبعد أن أنهى السيد هانسن زيارته لحي البرازيل، اتجه إلى حي تل السلطان، حيث سمح له بالدخول بصحبة صحفيين أجنبيين اثنين فقط يتبعان لوكالات (CNN-AP) الاعلامية، فيما لم يسمح لبقية الصحفيين بالدخول إلى المنطقة.
[27] تنص المادة الثانية من إتفاقية جنيف الرابعة، والصادرة في 12 آب/ أغسطس من العام 1949، والتي دخلت حيز النفاذ في 21 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1950، على أنه: " علاوة على الأحكام التي في وقت السلم، تنطبق هذه الاتفاقية في حالة الحرب المعلنة أو أي اشتباك مسلح آخر ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يعترف أحدها بحالة الحرب. تنطبق الاتفاقية أيضاً في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة. وإذا لم تكن إحدى دول النزاع طرفاً في هذه الاتفاقية، فإن دول النزاع الأطراف فيها تبقى مع ذلك ملتزمة بها في علاقاتها المتبادلة. كما أنها تلتزم بالاتفاقية إزاء الدولة المذكورة إذا قبلت الأخيرة أحكام الاتفاقية وطبقتها. وتنص المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 على أن: " تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية، المبينة في المادة التالية"، أي المادة 147 منها. كما تنص على أن تلتزم تلك الأطراف بملاحقة المتهمين باقتراف مثل هذه المخالفات الجسيمة، أو حتى إعطاء أوامر بارتكابها، وتقديمهم إلى محاكمة، بصرف النظر عن جنسيتهم. وتنص المادة 147 من الاتفاقية على ما يلي: "المخالفات الجسيمة التي تشير إليها المادة السابقة هي التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية: القتل العمد؛ والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية؛ بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة؛ وتعمد إحداث آلام شديدة أو الأضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة، والنفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة في الدولة المعادية، أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقاً للتعليمات الواردة في هذه الاتفاقية، وأخذ الرهائن وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية". ويحدد البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف، والصادر في 8 حزيران/ يونيو 1977، نطاق تطبيقه على الأوضاع التي تنص عليها المادة الثانية المشتركة فيما بين اتفاقيات جنيف الأربعة الموقعة في 12 آب/ أغسطس 1949. وتشير الفقرة الرابعة من المادة الأولى منه ( مبادئ عامة ونطاق التطبيق) لانطباقه على المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في إطار ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقاً لميثاق الأمم المتحدة. لمزيد من الاطلاع راجع: البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المعقودة في 12 آب/ أغسطس 1949، والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية، الباب الأول.
[28] تنص المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 على أن: " تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية، المبينة في المادة التالية"، أي المادة 147 منها. وتنص على أن تلتزم تلك الأطراف بملاحقة المتهمين باقتراف مثل هذه المخالفات الجسيمة، أو حتى إعطاء أوامر بارتكابها، وتقديمهم إلى محاكمة، بصرف النظر عن جنسيتهم. وتنص المادة 147 من الاتفاقية على ما يلي: "المخالفات الجسيمة التي تشير إليها المادة السابقة هي التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية: القتل العمد؛ والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية؛ بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة؛ وتعمد إحداث آلام شديدة أو الأضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة، والنفي أو النقل غير المشروع، والحجز غير المشروع، وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة في الدولة المعادية، أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقاً للتعليمات الواردة في هذه الاتفاقية، وأخذ الرهائن وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية".
[29] يحدد البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف، والصادر في 8 حزيران/ يونيو 1977، نطاق تطبيقه على الأوضاع التي تنص عليها المادة الثانية المشتركة فيما بين اتفاقيات جنيف الأربعة الموقعة في 12 آب/ أغسطس 1949. وتشير الفقرة الرابعة من المادة الأولى منه ( مبادئ عامة ونطاق التطبيق) لانطباقه على المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، وذلك في إطار ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقاً لميثاق الأمم المتحدة. لمزيد من الاطلاع راجع: البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المعقودة في 12 آب/ أغسطس 1949، والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية، الباب الأول.
[30] أنظر الإفادة حول تفاصيل الحادثة في الجزء اللاحق من هذا التقرير.
[31] احتجزت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ثلاث سيارات إسعاف في عيادة تل السلطان الحكومية، وذلك فجر يوم الثلاثاء الموافق 18/5/2004. وأفاد سائق الإسعاف التابع لاتحاد لجان العمل الصحي أن القوات المحتلة أجبرت السيارات المذكورة على الدخول إلى عيادة تل السلطان الحكومية، ومنعتها من التحرك، رغم كل المحاولات لإجراء عملية تنسيق من أجل خروجها وقيامها بواجبها.
[32] طالب اليوم السيد بيتر هانسن، المفوض العام للأونروا حكومة وجيش سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بالاعتذار والتراجع عن الاتهامات الضارة والباطلة التي ألصقوها بسائقي سيارات الإسعاف التابعة للأونروا في قطاع غزة. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز قد زعم في الرابع عشر من الشهر الحالي أن سيارة إسعاف تابعة للأمم المتحدة تنقل أشلاء لجنود إسرائيليين. وقال السيد هانسن أنه تلقى خطاباً بالفاكس يوم 24 أيار/مايو، ومؤرخ في 16 آيار/مايو من هذا الشهر، زعم فيه منسق أنشطة حكومة الاحتلال الحربي الإسرائيلي في الأراضي المحتلة أن شريط فيديو أوضح أن الفلسطينيين استخدموا في 11 أيار/مايو سيارات إسعاف تابعة للأونروا لنقل أشلاء الجنود الإسرائيليين. وأضاف السيد هانسن أنه رد لكل من وزير دفاع سلطات الاحتلال ومنسق أنشطة حكومته، أكد فيه أن الأنروا قدمت طلبات متكررة لحكومة الاحتلال تطلب فيه دليلاً على ادعاءاتها الباطلة ضد سيارات الإسعاف التابعة للأنروا. لمزيد من التفاصيل أنظر البيان الصادر عن الأنروا بعنوان: بيان صحفي رقم/ رئاسة/ غ/ 15/ 2004 بتاريخ 25 آيار/ مايو 2004.
[33] اسم الممرض الذي أدلى بإفادته محفوظ لدى المركز، ولم ينشر بناءً على طلبه.
[34] اسم معطي الإفادة محفوظ لدى المركز، ولم ينشر بناءً على رغبته.
[35] استشهد خلال عملية اجتياح رفح 7 من تلاميذ المدارس على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، من بينهم طالبان في المرحلة الثانوية، واثنين في المرحلة الإعدادية، فيما استشهد 3 طلاب من المرحلة الابتدائية. عدا عن ذلك، أصيب العشرات من تلاميذ المدارس، جراء إفراط قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في استخدام القوة. جدير بالذكر أن تلاميذ المدارس لم يكونوا مستهدفين بوصفهم، وإنما استشهدوا نتيجة لاستخدام القوة المفرطة من قبل جنود الاحتلال في الأماكن الذي يزدحم فيها المدنيين، دون مراعاة لمبدأي التمييز والتناسب.و استشهد بعض التلاميذ حينما كانوا مشاركين في المسيرة التي تعرضت للقصف من قبل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، والتي أدت إلى استشهاد 8 أفراد من بينهم 4 تلاميذ. في ظروف أخرى استشهد تلاميذ جراء إطلاق النار عليهم من قبل جنود القناصة لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، كما حدث للشقيقين أسماء واحمد المغير.
[36] صدر الإعلان بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة رسمياً بموجب قرار الجمعية العامة 3318(د- 29) المؤرخ في 14 كانون الأول/ديسمبر 1974. وتنص المادة (1) منه على انه " يحظر الاعتداء على المدنيين وقصفهم بالقنابل، الأمر الذي يلحق آلاماً لا تحصى بهم، وخاصة بالنساء والأطفال الذين هم أقل أفراد المجتمع مناعة، وتدان هذه الأعمال." كما تنص المادة(5) على أنه " تعتبر أعمالا إجرامية جميع أشكال القمع والمعاملة القاسية واللاإنسانية للنساء والأطفال، بما في ذلك الحبس والتعذيب والإعدام رمياً بالرصاص والاعتقال بالجملة والعقاب الجماعي وتدمير المساكن والطرد قسراً، التي يرتكبها المتحاربون أثناء العمليات العسكرية أو في الأقاليم المحتلة." كذلك تشير المادة (6) إلى أنه " لا يجوز حرمان النساء والأطفال، من بين السكان المدنيين الذين يجدون أنفسهم في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة أثناء الكفاح في سبيل السلم وتقرير المصير والتحرر القومي والاستقلال أو الذين يعيشون في أقاليم محتلة، من المأوى أو الغذاء أو المعونة الطبية أو غير ذلك من الحقوق الثابتة، وفقاً لأحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإعلان حقوق الطفل، وغير ذلك من صكوك القانون الدولي".
[37] تعتبر لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب من إحدى أهم آليات وأجسام الأمم المتحدة لمراقبة مدى التزام دول العالم باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وقد تشكلت اللجنة تطبيقا للمادة (17) من اتفاقية منع التعذيب والمعاملة السيئة والحاطة بالكرامة. جدير بالذكر أن هذه الاتفاقية قد عرضت على الدول للتصديق عليها بتاريخ 10/12/1984، ودخلت حيز التنفيذ بعد أن صادقت عليها 58 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتاريخ 26/6/1987.
[38] تنص المادة 23 من الاتفاقية المذكورة على أن " على كل طرف من الأطراف السامية المتعاقد أن يكفل حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العبادة المرسلة حصراً إلى سكان طرف متعاقد آخر المدنيين، حتى لو كان خصماً. وعليه كذلك الترخيص بحرية مرور أية رسالات من الأغذية الضرورية، والملابس، والمقويات المخصصة للأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، والنساء الحوامل والنفاس...". وتنص المادة 55 على أن: " من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها، على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والامدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمهمات الطبية وغيرها إذا كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية...".