|
|
نكبة رفح الجديدة
تقرير حول انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في محافظة رفح خلال الاجتياح الأخير
الفترة من 12-24 مايو 2004
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
تمهيديركز هذا التقرير على حصر النتائج الكارثية التي خلفتها العمليات العسكرية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في محافظة رفح خلال شهر آيار/ مايو للعام 2004، وخاصة خلال الفترة من 12 إلى 24 من نفس الشهر، والتي شهدت تنفيذ ما أطلقت عليه القوات المحتلة عملية "قوس قزح". ويسعى هذا التقرير إلى لفت أنظار المجتمع الدولي، حكومات ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية، إلى جرائم الحرب المستمرة حتى لحظات كتابة هذا التقرير في الأراضي الفلسطينية المحتلة عامة، وفي محافظة رفح بشكل خاص. ويسلط هذا التقرير الضوء على الانتهاكات الجسيمة والخطرة، والتي ترتقي إلى كونها جرائم حرب، وشكلاً من أشكال عمليات الترانسفير الجماعي والتطهير العرقي في محافظة رفح، والتي استندت إلى ممارسة ترويع السكان وإرهابهم بهدف اقتلاع السكان الآمنين من منازلهم وممتلكاتهم المدنية، وترحيلهم من مناطق سكنهم. ويرصد التقرير كافة الانتهاكات الجسيمة والخطرة التي جرت خلال تلك الفترة، مع تركيز خاص على انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في محافظة رفح بما فيها محاربة السكان في وسائل عيشهم الخاصة. ويتناول التقرير عمليات التدمير والهدم المنظم والممنهج الذي نفذته القوات الحربية المحتلة في محافظة رفح، والتي أدت إلى تدمير وهدم المئات من منازل السكان المدنيين، وطالت البنية التحتية للعديد من الأحياء فيها، وأتت على كافة الخدمات الأساسية كالطرق، آبار المياه، شبكات مياه الشرب، شبكات الصرف الصحي، الكهرباء، الهاتف، المرافق العامة، المساجد، الأندية والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والرياضية، الأراضي الزراعية والمنشآت والأعيان المدنية الأخرى المختلفة، وخلفت ما يشبه الزلزال الذي ضرب المنطقة. أخيراً يستند هذا التقرير فيما وصل إليه على التحقيقات الميدانية التي تابعها المركز، عبر طواقمه المختلفة، والتي تواجدت في المنطقة، وقامت بجمع المعلومات ومقابلة الضحايا وتسجيل إفاداتهم القانونية وأخذ التسجيلات الصوتية والمصورة وجمع الأدلة القانونية، خلال عملية الاجتياح، ووصولاً إلى عمل المركز القانوني، الذي استطاع استصدار قرار احترازي من المحكمة العليا الإسرائيلية، أوقف بموجبه عملية هدم وتدمير منازل رفح، وأجل تنفيذ عملية قوس قزح لمدة ثماني وأربعين ساعة في ليلة يوم الجمعة الموافق 14 آيار/ مايو 2004.[1] |
مقدمةهذا التقرير هو جزء من الحقيقة التي يسعى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان للكشف عنها بكافة تفاصيلها، وهو عرض للانتهاكات الجسيمة والخطرة وجرائم الحرب التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال شهر مايو/ آيار 2004، وخاصة عندما قامت باجتياح محافظة رفح خلال الفترة من الثاني عشر وحتى الرابع والعشرين منه. هذه العملية الحربية التي أطلقت عليها قيادة هيئة أركان القوة الحربية المحتلة اسم "قوس قزح"، بدأت بعملية عزل وحصار شامل للمحافظة من الاتجاهات الأربعة، وحشدت لها عشرات الآليات الحربية كالدبابات والمدرعات وناقلات الجنود، بالإضافة إلى طائرات الأباتشي الهجومية وطائرات الاستطلاع، والتي جسدت أكبر حملة عسكرية يتعرض لها قطاع غزة منذ العام 1967. الوقائع الميدانية تشير إلى ارتكاب القوات المحتلة جرائم حرب فظيعة تجاه السكان المدنيين وممتلكاتهم وأعيانهم المدنية. فقد أسفرت هذه العملية عن استشهاد 58 فلسطيني، من بينهم 12 من الأطفال، فيما أصيب نحو 200 مواطن بجراح، نصفهم تقريباً من الأطفال.[2] كما خلفت العملية حالة من الدمار الشامل في الممتلكات والأعيان المدنية، وصفتها العديد من المنظمات الدولية والمحلية والعاملين في وسائل الاعلام بالحالة الإنسانية الكارثية الشاملة التي ألمت بالمحافظة، والزلزال الذي ضربها، خاصة في كل من أحياء تل السلطان، البرازيل، السلام، منطقة تل زعرب، الشوكة قرية أم النصر وصولاً إلى محيط مستوطنة موراج شمال شرقي المحافظة. الفريق موشيه يعلون، قائد هيئة أركان قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، تحدث عن العملية الحربية في آخر أيامها قائلاً: “... مشكلتنا ليست الوضع الميداني في رفح، إنما الأكاذيب التي ينشرونها بشأن ذلك. للأسف الشديد، يتحدث الفلسطينيون، وكذلك جهات معينة أخرى كمندوب وكالة غوث اللاجئين (أنروا) التابعة للأمم المتحدة، عن نحو 1650 شخص فقدوا منازلهم،... العدد الأخير الذي أعرفه أننا هدمنا 12 منزلاً فقط منذ بداية الحملة".[3] غير أن المعطيات الميدانية دحضت أقوال الفريق يعلون، حيث أدت العمليات الحربية، التي جرت خلال شهر آيار/ مايو 2004، إلى تدمير 261 منزل بشكل كلي، فيما تعرض 271 منزل إلى أضرار وتدمير بالغ، الأمر الذي خلف حالة من التشريد والتهجير القسري الجماعي لمئات العائلات الفلسطينية. وقد خسرت 561 عائلة منازلها التي دمرت وسويت بالأرض، والتي بلغ عدد أفرادها 3352 شخص معظمهم من النساء والأطفال، فيما تعرضت منازل 687 عائلة، قوامها 4069 شخص إلى أضرار بالغة جراء عمليات الهدم والتدمير، بحيث أصبحت تلك المنازل في معظمها غير صالحة للسكن وغير آمنة. واضطرت المئات من العائلات الأخرى إلى ترك وهجر منازلها حفاظاً على حياة أفرادها وأمنهم وسلامتهم، وهرباً من عمليات القتل وإطلاق النيران والقذائف الصاروخية والمدفعية تجاههم خلال تواجدهم في منازلهم. وأصبحت الحالة الأكثر إيلاماً هي تلك التي تذكر السكان بحالة التهجير القسري الجماعي التي عاشتها معظم تلك العائلات خلال نكبة فلسطين في العام 1948، والتي تزامنت ذكراها السادسة والخمسين مع هذه العملية الحربية. وأمام حالة اللجوء والتشرد التي كابدها المدنيون، ولا يزالون،[4] تم إعداد ثلاث مراكز لإيواء العائلات التي تشردت، فيما قامت وكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) بفتح عدد من مدارسها وأحد الأندية التابعة لها لتوفير مأوى مؤقتاً للآلاف ممن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، وسط ظروف إنسانية وصحية بالغة التعقيد والسوء، تركت آثارها النفسية على السكان المدنيين، خصوصاً النساء والأطفال والمعاقين وكبار السن. حالة من التشتت لا تزال تعيشها العائلات التي هجرت وفقدت منازلها، حيث المدارس ومراكز الإيواء الأخرى أصبحت مكتظة باللاجئين، خاصة بعد أن فقدوا كافة ممتلكاتهم ومقتنياتهم الشخصية، بما فيها أوراقهم الشخصية الثبوتية وهوياتهم وجوازات سفرهم وشهادات ميلادهم. وما يزيد الأمور إيلاماً وتعقيداً هو الحجم المهول للدمار الشامل الذي حل بالبنية التحتية للمحافظة، في خطوة تعتبر شكلاً من أشكال العقاب الجماعي لحوالي 162000 نسمة يقطنون المحافظة، ويتوزعون في أحيائها ومخيمها. فقد دمرت جرافات وآليات القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة كامل الطرق المعبدة الرئيسية والفرعية في كل من أحياء البرازيل، السلام وتل السلطان. فيما قامت بتدمير شارع البحر، وهو الشارع الرئيسي في المحافظة، من حدود منطقة تل زعرب وحتى نهاية حي تل السلطان غربي المحافظة. عملية التدمير والهدم تعدت ذلك إلى قصف وتدمير وتجريف شبكات المياه الرئيسية والفرعية ومحولات الضغط العالي الكهربائية وشبكات الضغط المرتفع والمنخفض في هذه الأحياء، بالإضافة إلى تدمير شبكات وخطوط وأعمدة الهاتف. كما طالت عمليات التجريف والهدم شبكات الصرف الصحي، بما فيه الخط الرئيسي، الأمر الذي نتج عنه اختلاط مياه الشرب بالمياه العادمة في كافة شوارع تلك الأحياء، وأنذر بكارثة بيئية بات يخشى على حياة السكان من تعرضهم للعديد من الأوبئة والأمراض. الممتلكات والأعيان المدنية الأخرى لم تسلم من عمليات التدمير والهدم المنظمة، والتي طالت عشرات المحلات التجارية والمصانع ومزارع الطيور والأبقار والماعز والمرافق العامة كالأندية وحديقة الحيوان والمتنزهات والمدارس والمساجد. الأراضي الزراعية التي تشتهر بها محافظة رفح، خاصة في مجال إنتاج الخضار والزيتون والورود تعرضت هي الأخرى إلى عمليات تجريف واسعة النطاق، شملت ما يزيد عن 719 دونماً منها، والتي اشتملت أيضاً على العشرات من الدفيئات الزراعية المنتجة، وأشجار اللوزيات والورد المعد للتصدير للعالم الخارجي، فيما دمرت غرف ومخازن الأدوات والمعدات الزراعية، شبكات الري الزراعية، موتورات المياه وبعض الآبار التي تروي تلك الأراضي. غير أن السمة الرئيسة التي ميزت هذا الاجتياح لمحافظة رفح، وربما لأول مرة منذ احتلال قطاع غزة، هو استخدام القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة القوة المفرطة والعشوائية، وإطلاقها قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات المروحية تجاه مسيرة سلمية من آلاف المدنيين، وارتكاب جريمة حرب راح ضحيتها أكثر من خمسين من المدنيين الأبرياء بين قتلى وجرحى. وقد شكلت تلك الجريمة انتهاكاً سافراً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة الحق في الحياة والأمن والسلامة الشخصية، ومبدأي التناسب والتمييز اللذين يجب أن يحكما مسألة لجوء القوات المحتلة إلى استخدام القوة ضد المدنيين العزل.[5] العملية الحربية واسعة النطاق التي نفذت على أرض محافظة رفح، وعلى مدار أسبوع، كانت تهدف، وفقاً لتصريحات المصادر المختلفة لسلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، إلى تدمير الأنفاق التي تستخدم لتهريب الأسلحة، والتي تقع على الشريط الحدودي مع مصر. غير أن ما جرى يؤكد على النية المسبقة لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لتحقيق عدة أهداف، كان القادة السياسيون لحكومة الاحتلال وهيئة أركان جيشها قد أفصحوا عنها في أوقات سابقة ولاحقة للعملية الحربية وفي أكثر من مناسبة. فالهدف الرئيسي لتلك العملية كان تدمير مئات المنازل التي يقطنها السكان المدنيون، والتي تقع على امتداد الشريط الحدودي مع جمهورية مصر العربية، وذلك لخلق "منطقة عازلة" تكرس سيطرة القوات المحتلة على الحدود المصرية الفلسطينية.[6] كما أنها شكلت استكمالاً لحلقة من حلقات متعددة في سلسلة لمخطط شامل يجري تنفيذه في هذه المحافظة منذ بداية العام الأول لانتفاضة الأقصى، حيث دمرت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي حوالي 1300 منزل في المحافظة تدميراً كلياً، فيما تعرض أكثر من 2000 منزل لأضرار بالغة أصبح معظمها غير صالح للسكن. ومن المتوقع أن يتم استئناف العمل لتنفيذ المزيد من عمليات الهدم والتدمير فيها.[7] محافظة رفح تعيش نكبة جديدة حقيقية، خاصة في ضوء تصاعد جرائم الحرب التي تنفذها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي فيها منذ بدء انتفاضة الأقصى في التاسع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2000 وحتى يومنا هذا. إن ما يجري في هذه المحافظة هو أشبه بحالات التطهير العرقي، حيث تقوم القوات المحتلة بعمليات تهجير قسري جماعي، وتدمير شامل وممنهج للممتلكات والأعيان المدنية للسكان المدنيين، والبنية التحتية للمحافظة، ومحاربة السكان في وسائل رزقهم، وهو ما يوضح مباشرة سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تنفيذ عمليات ترانسفير جماعية للسكان الفلسطينيين المدنيين في تلك المنطقة. إن ما يؤكد ذلك هو استمرار تلك السلطات في تنفيذ عمليات هدم وتدمير المنازل حتى بعد الاعلان الرسمي عن انتهاء عملية " قوس قزح" الحربية. فقد هدمت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عشرات المنازل بعد تاريخ 24/5/2004، كان أحدثها هدم 25 منزلاً، 23 منها دمرت كلياً و منزلين آخرين دمرا جزئياً، وذلك بتاريخ 30/5/2004. الواقع المأساوي في محافظة رفح يشير إلى أن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي دمرت خلال شهر آيار/ مايو من هذا العام 261 منزلاً تدميراً كلياً، وتركت 561 عائلة قوامها 3352 شخص من أصحابها بدون مأوى، فيما تعرض 271 منزل لعملية هدم جزئي خلفت أضراراً بالغة وجعلت معظمها غير صالح للسكن، وهو ما أثر على 687 عائلة، قوامها 4069 شخص. كما بلغت الأراضي الزراعية التي جرفتها ودمرتها تلك القوات، منذ بدء انتفاضة الأقصى 3461 دونماً من الأراضي الزراعية، فضلاً عن تدمير مشاريع البنية التحتية للأحياء المختلفة للمحافظة، والمنشآت الاقتصادية والمرافق العامة كالمدارس والمساجد.
|
رفح مدينة فلسطينية ساحلية وقديمة من مدن قطاع غزة، وتقع في جنوب فلسطين على الحدود الفلسطينية المصرية، وتعتبر أقصى الجنوب الفلسطيني، وتبعد عن مدينة غزة حوالي 35كم، وعن خان يونس 10 كم. يحدها من الغرب البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق خط الهدنة لعام 1948، ومن الشمال محافظة خان يونس، ومن الجنوب الحدود المصرية الفلسطينية. وقد قسمت مدينة رفح إلى شطرين في أعقاب تطبيق اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل في 25/4/1982، حيث انفصلت رفح سيناء عن رفح الأم، وتقدر مساحة ما ضم إلى الجانب المصري حوالي 4000 دونم.
تبلغ مساحة محافظة رفح 64 كم2، أي ما يعادل 17.78% من المساحة الكلية لقطاع غزة التي تبلغ 365 كم2. كما بلغ عدد سكانها 155900 نسمة، وذلك في العام 2002، ويعادل 12% من إجمالي سكان القطاع البالغ 1.299.403 نسمة، ومن المتوقع أن يكون سكان المحافظة قد وصل إلى 162778 نسمة في نهاية العام 2003.[9] وتصل الكثافة السكانية في المحافظة إلى 2130 نسمة في الكيلو متر المربع، وتصنف بأنها منطقة كثافة سكانية مرتفعة، فيما يبلغ متوسط حجم الأسرة فيها 6.5 أفراد. ويشكل اللاجئون نسبة كبيرة من سكان محافظة رفح، إذ تبلغ نسبتهم 84.1% من إجمالي عدد السكان، حيث بلغ تعدادهم 131112 نسمة، و136896 نسمة للأعوام 2002، 2003 على التوالي. ووفقاً للتقسيم الإداري الذي تتبعه بلدية رفح فإنها تتكون من عشرة أحياء سكانية وهي: حي وسط البلد والذي يشمل مخيم رفح للاجئين أيضاً، حي البرازيل( النخلة)، حي الجنينة، حي السلام، حي خربة العدس، حي البيوك، حي الحشاش، منطقة رفح الغربية، حي تل السلطان ومنطقة مواصي رفح التي تمتد من غرب حي تل السلطان وصولاً إلى شاطيء البحر.[10]
وتقتطع المستوطنات الإسرائيلية مساحة كبيرة من أراضي المحافظة، إذ تحتل ما مساحته 7 كيلو متر مربع من إجمالي مساحة المحافظة، وتشكل حوالي 11% من إجمالي المساحة الإجمالية للمحافظة.[11] وتوجد فيها خمس مستوطنات، تمتد من أقصى الجنوب الغربي للمحافظة، ووصولاً إلى أقصى الشمال الشرقي لحدودها مع محافظة خان يونس. والمستوطنات هي: مستوطنة رفيح يام، والتي تقع جنوب غرب حي تل السلطان على جانب الشريط الحدودي مع مصر. مستوطنة بني عتصمونا، والتي تقع غرب حي تل السلطان مباشرة وبمحاذاة شارع البحر. ومستوطنة سلاو، والتي تجاور مستوطنة بني عتصمونا من الناحية الشمالية. ومستوطنة بيت ساديه، والتي تقع شمال غرب حي تل السلطان، وتمتد بالقرب من حدود محافظة خان يونس الجنوبية الغربية. ومستوطنة موراج والتي تقع في الشمال الشرقي من المحافظة. ويشكل الوجود الاستيطاني في المحافظة شكلاً من أشكال الحصار الشديد للتجمعات السكانية في المحافظة، خاصة في المناطق الغربية والشمالية للمحافظة، والذي يمنع تمددها ويوقف كلياً كافة الأنشطة الاقتصادية والانشائية والعمرانية. كما يغلق هذا التواجد الاستيطاني عملية التواصل والحركة بين سكان محافظة رفح وباقي محافظات القطاع الأخرى، حيث تغلق الطريق الرئيسة الغربية التي تربطها مع محافظة خان يونس منذ ديسمبر 2000، وذلك لتسهيل فتح الطريق بين مستوطنة موراج وباقي مستوطنات منطقة غوش قطيف في كل من المحافظة ومحافظة خان يونس. كما أن الطريق الرئيسي الساحلي بين محافظة رفح ومحافظة خان يونس قد أغلق كلياً، وبالتالي منع سكان المحافظة من استخدامه للتنقل والحركة، وفي المقابل سهلت تنقل وحركة المستوطنين فيها، ما سهل قضم المزيد من الأراضي الزراعية للمستوطنات المذكورة، ولإنشاء طرق التفافية جديدة تستخدمها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي والمستوطنين فقط، ويمنع الفلسطينيين من دخولها.
الحالة التعليمية
تشرف كل من وزارة التربية والتعليم الفلسطينية ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين( الأنروا) على التعليم في محافظة رفح، في حين تفتقر المحافظة إلى وجود مؤسسات تربوية وتعليمية خاصة أو تابعة للقطاع الأهلي، باستثناء ما تقدمه قرية الأطفال العالمية SOS الواقعة في حي تل السلطان من خدمات تعليمية لحوالي مائة طفل يعيشون فيها، وهي مخصصة للأطفال ذوي الحالات الاجتماعية الخاصة. ووفقاً لمصادر مديرية التربية والتعليم الفلسطينية في محافظة رفح، بلغ عدد المدارس الحكومية في المحافظة (30) مدرسة، منها (13) مدرسة للمرحلة الثانوية، 7 للبنات و6 للذكور، و(13) مدرسة للمرحلة الإعدادية، 7 للبنات و6 للذكور، و(4) مدارس للمرحلة الابتدائية، 2 للبنات و2 للذكور. في حين وصل عدد التلاميذ في كافة المراحل 18410، منهم 9039 تلميذ، و9371 تلميذة. كما بلغ عدد العاملين في قطاع التربية والتعليم الحكومي في محافظة رفح 748، بينهم 70 موظف من خارج رفح. الغالبية العظمى من الموظفين، هم من المعلمين، حيث بلغ عددهم 618 معلماً ومعلمة، منهم 13 من خارج رفح. في حين بلغ عدد المدارس التي تتبع الأنروا في المحافظة 30 مدرسة يدرس فيها 32223 طالب وطالبة، وتقتصر على المرحلتين الابتدائية والإعدادية، منها 7 مدراس ابتدائية للذكور يبلغ عدد طلابها 8761 طالب، و14 مدرسة للبنات ويبلغ عدد طالباتها 13534 طالبة. فيما يبلغ عدد المدارس الإعدادية 9 مدراس، منها 4 مدراس إعدادية للبنين، ويبلغ عدد الطلبة فيها 4921 طالب، و5 مدراس إعدادية للبنات، يبلغ عدد الطالبات فيها 5007 طالبات. ويعمل في مدارس وكالة الغوث في المحافظة حوالي سبعمائة موظف وموظفة، غالبيتهم من المعلمين والمعلمات.[12]
تتميز عملية التعليم الحكومي والتابع للأنروا بقلة عدد المدارس، حيث تعمل معظم المدارس في المحافظة بنظام الورديتين الصباحية والمسائية، كما تعاني الفصول الدراسية من ارتفاع كبير في معدل الكثافة الصفية، حيث تبلغ في بعض الفصول أكثر من خمسين طالب، وهو ما يعكس نفسه على قدرة الطلبة على التحصيل الدراسي.
القطاع الصحي
تعتبر الخدمات الصحية التي يتلقاها السكان في المحافظة متدنية نسبياً إذا ما قورنت بمحافظات أخرى كمحافظتي غزة وخانيونس، ويعود ذلك إلى دور سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي طيلة سنوات الاحتلال الماضية، والتي خلفت بنية خدمات أساسية رديئة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام، وفي المدن والقرى النائية بشكل خاص. ويوجد في محافظة رفح مستشفى عام، وهو مستشفى أبو يوسف النجار، ويتبع وزارة الصحة الفلسطينية التي أنشأته كمركز صحي متقدم في العام 2000. غير أنها حولته إلى مستشفى بعد اندلاع انتفاضة الأقصى بعدة أشهر، وهو بإمكانيات متواضعة لا تفي بكامل الاحتياجات الصحية لسكان المحافظة. يبلغ عدد الأسرة في المستشفى 52 سريراً، ويحتوي على غرفتين للعمليات الجراحية، قسم الاستقبال، قسم الجراحة، قسم الأطفال ومختبر التحاليل الطبية. ويعمل فيه 125 موظفاً من الأطباء والممرضين والمهن الطبية المختلفة وموظفي الإدارة والخدمات. كما تفتقر المستشفى لوجود وحدة للعناية الفائقة، التي يمكن أن تساهم في تقديم خدمات علاجية للحالات الطارئة. و يوجد سبع عيادات خاصة بالرعاية الصحية الأولية، 3 منها تابعة للأنروا، وبينها عيادة مركزية في مخيم يبنا، والثانية في مخيم الشابورة، وأما الثالثة فتقع في حي تل السلطان. أما العيادات الأخرى، فثلاثة منها تابعة لوزارة الصحة، منها عيادة رفح المركزية وعيادة حي تل السلطان وعيادة منطقة الشوكة، وتقتصر الخدمات المقدمة فيها على خدمات الرعاية الصحية الأولية، فيما تتبع العيادة السابعة لاتحاد لجان العمل الصحي. ويعتمد سكان المحافظة في جزء كبير من الخدمات الصحية من المستوى الثاني (خدمات الرعاية الصحية الاستشفائية) على مستشفيات وزارة الصحة في القطاع، خاصة مستشفيات ناصر والمستشفى الأوروبي في خان يونس ومستشفى الشفاء في غزة.
الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المحافظة
تتميز محافظة رفح بالعديد من الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتشكل الزراعة النشاط الاقتصادي الأول للسكان، فيما يشكل قطاع التجارة والخدمات العامة النشاط الثاني فيها. وقد بلغت مساحة الأراضي المزروعة في محافظة رفح حوالي 34475 دونم. والجدول التالي يبين نوع المزروعات وقيمتها[13]:
|
|
محاصيل زراعية |
أشجار بستنة |
خضروات |
المجموع |
|
المساحة المزروعة بالدونم |
11240 |
7270 |
15965 |
34475 |
|
الحجم المزروع بالطن |
24010 |
5729 |
96295 |
126034 |
|
القيمة المزروعة بالدولار. |
7236000 |
2173000 |
40005000 |
4941400000 |
أما عدد الحيوانات وقيمة الإنتاج الحيواني في محافظة رفح فهو موضح في الجدولين التاليين[14]:
سبق العملية الحربية(قوس قزح)، والتي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في محافظة رفح، عملية اجتياح لأجزاء كبيرة شملت كلاً من بلوك O وبلوك L في مخيم رفح، ومنطقتي حي قشطة والشاعر وحي البرازيل في المحافظة. وقد بدأت هذه العملية في ساعة متأخرة من ليلة الأربعاء الموافق 12 آيار/ مايو 2004 وانتهت في ساعات فجر يوم السبت الموافق 15 آيار/ مايو 2004. وقد أدت تلك العملية إلى استشهاد 14 شهيداً من المدنيين العزل، بينهم طفلان، وإصابة 48 مواطناً مدنياً بجراح مختلفة وصفت حالة العديد منهم بالخطرة.[15] وقد سقط عدد من الشهداء والجرحى خلال تواجدهم في منازلهم أو اثناء محاولتهم الهرب منها بحثاً عن ملاذ آمن. كما خلفت هذه العملية الحربية دماراً واسع النطاق في المنازل والمنشآت التجارية والممتلكات والأعيان المدينة للسكان المدنيين، وذلك على امتداد الشريط الحدودي. وقد أدت تلك العملية إلى تدمير 100 بيت سكني بما فيها من ممتلكات ومقتنيات للسكان المدنيين، بينها 72 بيت سكني دمرت بالكامل، و28 بيت سكني أصبحت غير صالحة للسكن. وقد أدى ذلك إلى تشريد 221 عائلة تعدادهم وصل إلى 1308 مدني فلسطينيي، وأغلبهم من الأطفال والنساء، فضلاً عن هجرة ونزوح المئات من العائلات الفلسطينية الأخرى من منازلها التي أصبحت غير آمنة، بسبب تعرضها لعمليات القصف والهدم والتدمير على أيدي القوات المحتلة. كما دمرت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في تلك العملية الحربية 23 محلاً تجارياً وعدد من المرافق العامة وأحد المساجد وشبكة الكهرباء والهاتف والصرف الصحي في بلوك (O) وحي الشاعر وقشطة، الواقعين على الشريط الحدودي قرب بوابة صلاح الدين.
وكانت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وعبر وزير دفاعها وقائد هيئة أركانها والقادة العسكريين الآخرين، قد أعلنت خلال يومي 14 و 15 آيار/ مايو عن نيتها تدمير مئات المنازل في رفح، وذلك من أجل توسيع المنطقة الأمنية الواقعة على امتداد الشريط الحدودي في رفح، وخلق منطقة عازلة تزيد من إمكانيات حماية القوات الحربية المحتلة خلال تحركها في تلك المنطقة. إلا أنها عادت، وبتاريخ 17 آيار/ مايو 2004، وأعلنت عن نيتها لتنفيذ عملية حربية واسعة النطاق في محافظة رفح، هدفها تدمير أنفاق تستخدم لتهريب الأسلحة عبر منطقة الشريط الحدودي من مصر إلى قطاع غزة.
غير أن التصريحات المتعددة، والتي أعلنتها سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي وقياداتها العسكرية لوسائل الاعلام المرئية والمسموعة، أكدت وبشكل لا يدع مجالاً للشك أن الهدف الرئيسي للعملية الحربية لم يكن البحث عن الأنفاق أو تدمير مخازن الأسلحة، بل هدم مئات المنازل على طول الشريط الحدودي في محافظة رفح من الشرق إلى الغرب، وإنشاء منطقة عازلة بعرض يصل إلى 300 متر شمال هذا الشريط. إن ما يؤكد هذا التوجه هو عمليات التدمير الواسعة التي بدأت بشكل ملموس بعد عدة أشهر من اندلاع انتفاضة الأقصى، وتحديداً في 14 نيسان/ أبريل من العام 2001، حينما أقدمت تلك القوات على تدمير ثمانية عشر منزل سكني فيها، واستمرت العمليات الحربية على مدار قرابة أربع سنوات حيث بلغت المنازل التي هدمتها ودمرتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أكثر من 1300 منزل سكني، فيما تعرض أكثر من 1500 منزل سكني آخر لأضرار جسيمة وأصبح معظمها غير صالح للسكن.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ينتزع قراراً مؤقتاً بوقف هدم منازل المدنيين في رفح
تمكن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من انتزاع أمر احترازي مؤقت من المحكمة العليا الإسرائيلية، وذلك في وقت متأخر من مساء يوم الجمعة الموافق 14 آيار/ مايو 2004، حظر بموجبه قيام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتنفيذ أعمال هدم في عشرات المنازل السكنية الواقعة بمحاذاة الشريط الحدودي الواصل بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية، في بلوك O في مخيم رفح. وقد أدى القرار المذكور إلى وقف تنفيذ عمليات هدم تلك المنازل التي يقطنها السكان المدنيون الفلسطينيون لغاية ظهر يوم الأحد 16 آيار/ مايو 2004، حيث حددت المحكمة المذكورة جلسة خاصة للنظر في التماس المركز.
وكان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قد تابع هذا الملف القانوني مباشرة خلال قيام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتنفيذ أعمال هدم وتدمير على نطاق واسع في بلوك O في مخيم رفح، حيث تقدم المركز في حوالي الساعة الخامسة من مساء يوم الجمعة الموافق 14 آيار/ مايو 2004، بالتماس للمحكمة الإسرائيلية العليا بالنيابة عن ثلاث عشر عائلة فلسطينية، تطالبها بوقف كافة أعمال الهدم التي بدأت في رفح، ومنح شاغلي تلك المنازل أو مالكيها حقهم الحصول على شكل ملائم من الحماية القانونية من الإخلاء القسري منها بما في ذلك الطعن في عدم قانونية عمليات الهدم. وقد شمل التماس المركز مئات المنازل الأخرى الواقعة في نفس المنطقة، والمهددة بتنفيذ عمليات هدم لها.
وقد تواصلت حالة من الجدل والمماطلة والتسويف من قبل النيابة العسكرية الإسرائيلية لعدة ساعات، إلى أن أصدرت المحكمة قرارها المؤقت، في حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء يوم الجمعة، حيث حظرت تنفيذ أعمال هدم مخططة لأي من بيوت الملتمسين. وكعادة المحكمة، التي كرست مهمتها دوماً في توفير الغطاء القانوني لانتهاكات سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي وقواته في الأراضي المحتلة، لم تجعل من قرار الحظر مطلقاً، بل أشارت في أمرها الاحترازي إلى أنه ليس فيه ما يمنع المس ببيت تتطلب الظروف الاضطرارية العسكرية (الضرورة العسكرية) ضرورة هدمه. وبعد ظهر يوم الأحد الموافق 16 أيار/مايو عقدت المحكمة جلسة خاصة للنظر في التماس المركز، وأعلنت رفضها له. وفي المقابل قبلت المحكمة بادعاءات النيابة العسكرية الإسرائيلية وضباط المنطقة، حيث ذكرت في ردها على التماس المركز بأنها ترى الالتماس غير ضروري، لأنه ووفقاً لتصريحات النيابة والضباط لا يوجد نية لهدم منازل إضافية، وبالتالي يعتبر الالتماس "زائداً" و"غير ضروري". وأعلنت المحكمة في ردها على مسألة "الحالات الاستثنائية والضرورات العسكرية" التي يسمح فيها للجيش بتنفيذ أعمال هدم وتدمير، وهو ما فسر على أنه تصريح لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بمواصلة عمليات هدم المنازل في رفح.[16]
وقد تناقضت تصريحات النيابة العسكرية الإسرائيلية، والتي قبلتها المحكمة العليا في تواطؤ واضح ومعلن، مع التصريحات التي أدلى بها رئيس هيئة أركان القوات الحربية المحتلة الجنرال موشيه يعلون في اليوم التالي، والتي ذكر فيها بأنه قد تم تحديد مئات المنازل على طول الشريط الحدودي الواصل بين قطاع غزة ومصر في رفح لهدمها. كما تناقض موقف المحكمة مع تصريح وزير دفاع سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي شاؤول موفاز، والتي قال فيها بأن نشاطات قواته الحربية في قطاع غزة ستخلق واقعاً جديداً على طول الشريط الحدودي في رفح.
وقد رأى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن قرار المحكمة الإسرائيلية القاضي برفض التماس المركز، هو بمثابة ضوء أخضر تمنحه أعلى هيئة قضائية في إسرائيل لهدم المزيد من المنازل في رفح. وهو قرار يندرج في إطار قائمة طويلة من القرارات المشابهة، والتي صدرت عن هذه المحكمة بهدف تشريع جرائم الحرب التي تقترفها قوات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين وإعطائها غطاءً قانونياً زائفاً. ويعكس مجدداً، موقفاً متكرراً تتخذه هذه المحكمة كلما تعلقت الأمور بالفلسطينيين، وهو الموقف الذي يتمثل بتواطئها وسعيها المتواصل تجاه توفير غطاء قانوني للجرائم الإسرائيلية المنفذة ضد الفلسطينيين.
وذّكر المركز بأن القضية تتعلق بمئات المنازل في رفح، وبآلاف السكان المدنيين الذين يمكن أن تحولهم آلة الدمار الإسرائيلية في لحظات إلى مشردين بلا مأوى، وهو ما يخشى منه، خاصة وأن المحكمة العليا الإسرائيلية أصدرت قرارها برفض التماس المركز خلال 48 من تقديمه، ما يعني أنها لم تول الأمر الاهتمام الذي يستحقه، ولم تبذل أي جهد حقيقي للتحقيق في المسألة واستجواب أصحاب القرار بالهدم أو استدعاء أصحاب تلك المنازل، وأنها عمدت وبشكل أوتوماتيكي، لتشريع جرائم القوات الحربية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد عبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن قلقه وخوفه الشديدين من أن تقوم قوات الاحتلال خلال الساعات القادمة بتجديد ومواصلة أعمال الهدم التي حولت رفح عملياً إلى منطقة كارثة ومدينة منكوبة. وناشد المركز المجتمع الدولي والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية بالتدخل الفوري من أجل حماية آلاف السكان المدنيين الذين كان يخشى عليهم من خطر التشرد في ظل فقدانهم لمنازلهم بشكل قسري. غير أن الصمت على الجرائم التي كان يمكن تداركها لم تسمع وكانت النتيجة الكارثية التي خلفتها جرائم القوات المحتلة في محافظة رفح هو بدء عملية حربية غير مسبوقة منذ احتلال قطاع غزة في العام 1967، وأطلقت عليها اسم " قوس قزح" أو " قوس في السحاب".
عملية " قوس قزح" الحربية أخذت نمطاً متسلسلاً من الفعاليات العسكرية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، بدءً من حشد الآليات الحربية وتوجهها إلى مداخل محافظة رفح، ومروراً بعزل المحافظة عن العالم الخارجي، اقتحام الأحياء المختلفة في المحافظة، تنفيذ عمليات القصف وإطلاق القذائف الصاروخية والأسلحة الرشاشة تجاه السكان المدنيين، ووصولاً إلى عمليات هدم وتدمير المنازل والبنى التحتية للمحافظة، ثم الاعلان عن الانسحاب منها. وفيما يلي محاولة لإعادة رسم تسلسل الأحداث خلال تلك العملية التي استمرت لثمانية أيام.
عزل محافظة رفح عن قطاع غزة والعالم الخارجي
بدأت العملية الحربية المسماة " قوس قزح " صباح يوم الاثنين الموافق 17/5/2004، حيث عزلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي مدينة رفح بالكامل عن محيطها الخارجي. وقامت تلك القوات بالتمركز والتموضع في الشمال الشرقي للمحافظة، حيث أنشأت موقعاً ثابتاً انتشرت فيه 12 دبابة وآلية عسكرية، على شارع صلاح الدين، الطريق الذي يربط المحافظة بمحافظة خان يونس، وكذلك في موقع عسكري قرب معبر صوفا، وهو ما شكل حصاراً كاملاً وشاملاً لرفح. فيما قامت قوات حربية أخرى بإغلاق كافة الطرق الفرعية التي تؤدي إلى خان يونس، وبدأت بنشر قوات حربية مؤللة على امتداد المنطقة من معبر صوفا، على الخط الأخضر، ووصولاً إلى الطريق الرابط بينه ومحيط مستوطنة موراج غرباً. وفي غرب المحافظة انتشرت وحدات حربية وآليات ودبابات ومدرعات على الشريط الحدودي، جنوب غربي حي تل السلطان، وانطلقت هذه القوات من محيط المستوطنات، الواقعة في شمال وغرب المحافظة إلى أقصى الشمال الشرقي من المحافظة، وأصبحت بذلك المحافظة محاصرة من الاتجاهات الأربعة. وقد رافق عمليات القوات الحربية المحتلة قيام الدبابات والآليات العسكرية بعمليات قصف عشوائي من الأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة، وعمليات تجريف واسعة النطاق لحقول زراعية في منطقتي صوفا وموراج.
وفي حوالي الساعة الواحدة من فجر يوم الثلاثاء الموافق 18/5/2004 أطلقت الطائرات المروحية، التي كانت تغطي سماء المحافظة، صاروخين باتجاه تجمع للمواطنين، من بينهم عدد من رجال المقاومة الفلسطينية في منطقة بلوك O المجاور للشريط الحدودي مع مصر، جنوب المدينة. أسفر ذلك عن استشهاد ثلاثة من رجال المقاومة، وإصابة خمسة مدنيين بجراح، وصفت حالة أحدهم بالحرجة. وقد أدى الانفجار إلى تدمير جدران عدة منازل سقطت على كافة من كان في تلك المنطقة. وفي حوالي الساعة الثالثة فجراً تقدمت عشرات الدبابات والآليات وسط إطلاق نيران رشاشة كثيفة، وتحليق لطائرات الأباتشي الهجومية في سماء المحافظة، باتجاه حي تل السلطان، وتمركز عدد منها على المداخل الأربعة الرئيسية للحي، وفرضت عليه حصاراً مشدداً. ثم أعلنته منطقة عسكرية مغلقة وفرضت نظام حظر التجول منعت بموجبه أي تحرك للأفراد، كما منعت الطواقم الطبية من الدخول إليه. وعلى الفور لجأت القوات الحربية المحتلة إلى السيطرة على العديد من مباني السكان المدنية المرتفعة، وسط عمليات إطلاق نيران الرشاشات والقذائف. وبعد أن أحكمت سيطرتها على تلك المباني قامت قوات الاحتلال الحربي باحتجاز السكان المدنيين، القاطنين في كل بناية في إحدى غرفها. وكان الجنود يبثون الرعب بين أفراد العائلات، ويمارسون كل أشكال الإرهاب وترويع السكان، خاصة الأطفال منهم، ويمنعونهم من الخروج من الغرف التي احتجزوا منها، ويمنعونهم من استخدام دورات المياه، فيما انتشر عدد من الجنود القناصة في مواقع واتجاهات مختلفة داخل هذه البنايات، بعد أن أحكموا تحصينها بالأكياس الترابية. وفي عدد من المنازل التي احتلتها تلك القوات، لجأ جنودها إلى تدمير وخلع بلاط الغرف والصالات، واستخدموا التراب الموجود في تعبئة الأكياس الترابية، ووضعوها كسواتر لجنود قناصتها. وفي العديد من المباني التي سيطرت عليها قوات الاحتلال الحربي بلغ عدد السكان المدنيين الذين تم احتجازهم في غرفة من غرف البناية أكثر من عشرين شخصاً، وهي لا تتسع لأكثر من أربعة أفراد، اضطروا لاستخدامها للنوم والطعام، وسط حالة من الازدحام والاختناق، كما منع جنود القوات المحتلة فتح نوافذ تلك الغرف لتجديد هوائها.
قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وبعد أن أحكمت سيطرتها الكاملة على حي تل السلطان ومنطقة المخيم الغربي ومحيط تل زعرب، بدأت عمليات تدمير وهدم وتجريف طالت العديد من مشاريع البنية التحتية في المنطقة، وبدأت الجرافات الحربية بعمليات تجريف وهدم للمنازل والمرافق العامة، وقد شملت عمليات التدمير تجريف كافة الطرق المعبدة الرئيسية والفرعية في الحي المذكور، كما شملت هدم وتدمير شبكة المياه الرئيسية التي تغذي الحي، فضلاً عن تدمير شبكة الصرف الصحي وشبكات الهاتف والكهرباء. وفي خطوة أخرى لجأت القوات المحتلة إلى تدمير وهدم معظم أسوار المرافق العامة، كالمدارس والعيادات الصحية والمؤسسات العامة، كما قامت بحملة تجريف واسعة النطاق للأراضي الزراعية المحيطة بالمنطقة، شملت العشرات من الدفيئات الزراعية والحقول المزروعة بالخضار والورد. ونتيجة لذلك انقطعت سبل الحياة لدى السكان الذين عاشوا حالة من الهلع والرعب، وعانوا من نقص شديد في إمدادات المياه والغذاء، وخاصة حليب الأطفال. فيما منعت الطواقم الطبية من الدخول لتقديم المساعدة والخدمات الطبية في الحي الذي يقطنه أكثر من عشرين ألف مواطن.
بدأت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بالتوغل داخل حي تل السلطان، غرب المدينة، انطلاقاً من تجمع مستوطنات غوش قطيف، غرب الحي المذكور. وفي حوالي الساعة الرابعة فجراً أطلقت طائرة مروحية ثلاثة صواريخ بفارق دقائق معدودة عن بعضها باتجاه تجمع للمدنيين الفلسطينيين كانوا يتوجهون لصلاة الفجر، بالقرب من مسجد بلال بن رباح وسط الحي. أصاب صاروخان منها التجمع المدني، وأدى إلى استشهاد خمسة منهم، بينهما شقيقان أحدهما طفل وأب وابنه، فيما أصيب عشرة مدنيين آخرين بجراح. أما الصاروخ الثالث فقد سقط في مكتبة المسجد المذكور الواقعة في الطابق الثاني، ما أدى إلى احتراقها بالكامل بما فيها من كتب دينية ومصاحف.[17]
أما القوات الحربية التي تمركزت فوق أسطح البنايات المرتفعة أو داخل إحدى طوابقها، فقد حولت تلك البنايات إلى ثكنات عسكرية، أخذ الجنود يطلقون من خلالها النار عشوائياً أحياناً على أي جسم متحرك في المنطقة، فيما تولى جنود القناصة إطلاق النيران على كل من اشتبهوا به. أدى ذلك إلى استشهاد أربعة مواطنين فلسطينيين آخرين، فيما أصيب مدنيان آخران بجراح. وتحمل أفراد رجال المهمات الطبية وطواقم الإسعاف مخاطر كبيرة، خلال محاولاتهم المتكررة لإخلاء القتلى والجرحى والمصابين، حيث قام جنود قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وفي أكثر من مرة، بإطلاق نيران أسحلتهم تجاه سيارات الإسعاف الفلسطينية، ما عرقل عمل هذه الفرق. وقد اضطرت أربع سيارات إسعاف إلى إخلاء المنطقة والهرب منها بعد تعرضها لإطلاق النار، خاصة وأن قوات الاحتلال قد بدأت بعمليات مداهمة وتمشيط للمنازل السكنية في كل من مخيم بدر ومنطقة كندا داخل حي تل السلطان.
وتواصلت العمليات الحربية ضد السكان وممتلكاتهم في الحي المذكور، حيث طلبت القوات المحتلة من السكان الذكور، من سن 16 عام إلى 40 عام، الخروج من منازلهم، والتجمع في المدارس داخل الحي، رافعين الرايات البيضاء. وقد خرج عدد كبير من السكان متوجهين للمدارس، غير أنهم فوجئوا بإطلاق النار العشوائي من قبل الجنود في الدبابات والمتمركزين أعلى المباني باتجاههم. وقد أدى ذلك إلى استشهاد أربعة مدنيين فلسطينيين، من بينهم طفل، وإصابة خمسة آخرين بجراح، بينهم طفلين، وصفت حالة ثلاثة منهم بالخطرة.[18]
وأفاد باحث المركز، أن السكان تعرضوا أثناء احتجازهم داخل المدارس إلى الشتم والإهانة والضرب، حيث قامت قوات الاحتلال بنقلهم للمواقع العسكرية والمستوطنات القريبة من المنطقة، واستجوابهم حتى ساعات المساء. وأفرجت عنهم، باستثناء ثلاثة من المواطنين، بقوا رهن الاعتقال. وأثناء تواجدها في المنطقة، قامت قوات الاحتلال بتفتيش المنازل السكنية والعبث بمحتوياتها، واعتقال اثنين آخرين من سكانها. وجراء أعمال القصف العشوائي للمنازل السكنية، لحق دمار كبير في أربعة منها.
وفي جريمة حرب أخرى استهدف جنود قناصة، كانوا يعتلون سطح أحد البنايات في حي تل السلطان، طفلين كانا على سطح منزلهما، ما أدى إلى استشهادهما على الفور بعد أن اخترق الرصاص رأسيهما. فقد استشهدت الطفلة أسماء محمد المغير، 16 عام، وشقيقها الطفل أحمد، 13 عام، حينما كانت تقوم بجمع الغسيل من على سطح منزلها، عندما أصابها جندي من قناصة قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، كانوا يعتلون سطح بناية مجاورة لمنزلهم، برصاصة فجرت جمجمتها، وقتلتها على الفور. كما أصيب شقيقها أحمد، والذي كان يطعم الطيور على سطح منزلهم، عندما اخترقت رصاصة أخرى أطلقها أحد الجنود رأسه، وأخرجت دماغه، ما أدى لاستشهاده على الفور.[19]
وفي أبشع جريمة حرب على الاطلاق نفذت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي مجزرة بشعة ضد السكان المدنيين، وذلك في حوالي الساعة الثانية من ظهر يوم الأربعاء، الموافق 19/5/2004، عندما حاولت مسيرة سلمية ضمت الآلاف من السكان التوجه لرفع الحصار عن حي تل السلطان، والذي كان يخضع لحصار منذ ثلاثة أيام. وقد أدت تلك الجريمة إلى استشهاد ثمانية مدنيين فلسطينيين، من بينهم 3 أطفال، وأصابت نحو 50 آخرين بجراح، من بينهم 24 طفل، وذلك بعد أن أطلقت قذائف الدبابات المدفعية وصواريخ الطائرات المروحية باتجاه مسيرة سلمية داخل المدينة.
وقد شكلت هذه الجريمة غير المسبوقة نمطاً تصعيدياً خطيراً في استخدام القوات الحربية المحتلة للقوة المفرطة وبشكل عشوائي، ودون مراعاة لمبدأ التناسب ومبدأ التمييز باعتبارهما من أهم مباديء القانون الدولي الإنساني. إن استخدام هذا الشكل من القوة المفرطة والعشوائية لا يمكن أن يبرر مبدأ الضرورة الحربية، كما أنه يتناقض تماماً مع مبدأ التناسب، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسكان المدنيين، والذين يتمتعون بحماية خاصة وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وقواعد القانون الدولي الإنساني الأخرى. فما جرى يتناقض تماماً مع غرض استخدام هذا الشكل من القوة، وهو لا يتناسب إطلاقاً مع تحقيق غرض حفظ النظام والأمن كما ادعت تلك القوات. رواية قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عللت ذلك في بداية الأمر بوجود مسلحين بين المدنيين، ثم عادت لتقول أن جنودها أطلقوا قذائف مدفعية تحذيرية تجاه المتظاهرين المدنيين. ومن الغريب هنا أن نفهم طبيعة التناسب بين القوة التي استخدمت، والتي كان من المفترض أن يتم التدرج فيها مع حجم الخطر الذي كان تريد تلك القوات منع وقوعه أو وقفه. وإنه لمن الغريب أن يتم تعريض حياة الآلاف من المدنيين العزل لخطر القتل والموت في وقت لم يكونوا يشكلوا أي خطر يذكر على حياة أفراد القوات المحتلة. إن اطلاق أربعة قذائف مدفعية من الدبابات التي تواجدت في المنطقة، وإطلاق صواريخ الطائرات المروحية هو سابقة، ربما لم تحدث من قبل. ومما يثير الشكوك حول الرواية الرسمية للقوات المحتلة هو تعدد واختلاف المبررات التي ساقتها، فقد أعلن وزير الدفاع شاؤول موفاز أسفه عن ارتكاب المجزرة، وأضاف أن أموراً كهذه تحصل.[20] ومن المعروف أن مبدأ التناسب يجب أن يحدد حجم القوة، والذي يجب أن يتوافق مع تحقيق الغرض من استخدامها. وحيث أن القوات المحتلة كانت تريد منع المتظاهرين الفلسطينيين المدنيين من الدخول إلى حي تل السلطان لفك الحصار الذي فرضته القوات المحتلة على المنطقة، فقد كان بإمكانها أن تلجأ لاستخدام خراطيم المياه الملونة أو الساخنة، والتي تسبب أضراراً طفيفة لا تودي إلى القتل أو الجرح للمدنيين. كما كان بإمكان تلك القوات أن تلجأ إلى استخدام بعض أنواع الذخيرة الأخرى، والتي يمكن أن تحقق النتيجة المرجوة، كالغاز المسيل للدموع أو قنابل الصوت أو حتى العيارات المطاطية، خاصة وأن المئات ممن شاركوا في المسيرة كانوا من الأطفال. غير أن استخدام قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات يفضي بدون أدنى شك إلى احتمالات وقوع إصابات قاتلة، وهو ما حدث خلال لجوء تلك القوات لشكل محظور من أشكال الرد العسكري على هذه المسيرة السلمية.[21]
التحقيقات تشير إلى تعمد القوات الحربية المحتلة استهداف المدنيين وقتلهم عمداً خلال تلك العملية الحربية، بذريعة منع المدنيين العزل من ممارسة أحد أشكال التعبير السلمي عن رفض وجود القوة المحتلة، ورفض الحصار المفروض على حى تل السلطان في المحافظة، قرب المدخل الشرقي لحي تل السلطان في رفح. إن استخدام هذا النمط غير المسبوق من القوة هو تعبير عن النية المسبقة والمبيتة لارتكاب جريمة حرب، كما تصنفها قواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة أحكام اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، وخصوصاً المادة الثالثة، المادة 146 والمادة 147. فقد أدت تلك العملية إلى سقوط 8 مدنيين، بينهم 3 أطفال، فيما أصيب قرابة خمسين مدني آخرين، معظمهم من الأطفال، بجراح مختلفة في أنحاء مختلفة من أجسادهم. وقد أكدت التحقيقات التي أجراها المركز أن المسيرة كانت محض سلمية، وخالية من أي تواجد مسلح فيها. وقد مر طاقم من المركز برفقة وفد من منظمة العفو الدولية، والذي كان في زيارة لتفقد آثار عمليات هدم المنازل في رفح، قرب المسيرة السلمية خلال توجهها غرباً في شارع البحر، ولم يشاهدوا أي تواجد عسكري في المسيرة السلمية.[22] كما أن تحقيقات المركز تؤكد أنه لم يصدر أي رد مسلح من جانب المسيرة السلمية عند وقوع الجريمة، ولم يكن هناك نوع من الخطر الذي يمكن أن يتهدد حياة جنود القوات الحربية المحتلة. وهو ما يدحض الرواية التي روجتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي حول وجود عناصر فلسطينية مسلحة داخل المسيرة. وقد واجه رجال المهمات والخدمات الطبية المحلية والدولية عراقيل وصعوبات كبيرة أثناء إخلائهم الضحايا من القتلى والمصابين والمرضى ونقلهم إلى المستشفيات، خاصة أن القوات المحتلة استمرت في إطلاق النيران من الرشاشات الثقيلة والمتوسطة للدبابات المرابطة مقابل تل زعرب.
وفي حوالي الساعة العاشرة ليلاً من نفس اليوم توغلت عدة آليات حربية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وسط عمليات إطلاق نيران من العيارات الثقيلة والمتوسطة من الدبابات، في عدة مناطق في محافظة رفح. وقد سلك عدد منها شارع صلاح الدين، منطلقة من مفترق صوفا ومنطقة معبر رفح، وفي الوقت نفسه توغلت عدة آليات عسكرية قرب مجلس بلدي الشوكة على بعد 300 متر من شارع صلاح الدين (مفترق مشروع عامر). كما توغل عدد كبير من الآليات منطلقة من معبر رفح، الواقع جنوب شرق رفح، وسلكت طريقاً عبر الشريط الحدودي، الفاصل بين مصر والأراضي الفلسطينية. ووصلت إلى حي السلام وحي البرازيل، وسارت في شارع المشتل ووصلت إلى مفترق الجوازات وسط مدينة رفح، وتمركزت مجموعة من هذه الآليات مقابل شارع المدرسين المتفرع من شارع صدام في حي الجنينة، وتقدمت عدة آليات حتى وصلت قرب مقر الأمن الوقائي، وأحكمت سيطرتها بالكامل على الحي المذكور، وأصبحت أحياء البرازيل والسلام وأجزاء واسعة من حي الجنينة تحت سيطرة القوات الحربية المحتلة. وانطلقت الدبابات والآليات الحربية تجاه منازل المواطنين في كل من حي البرازيل وحي السلام، تحت وابل من القصف العشوائي بالقذائف الصاروخية والقذائف المدفعية والأسلحة الرشاشة، وباشرت تلك القوات بمداهمة المنازل السكنية، واحتلال بعضها بعد تفتيشها واحتجاز سكانها في أحد غرف هذه المنازل.
وفي حوالي الساعة الواحدة من فجر يوم الخميس الموافق 20/5/2004، أطلقت طائرة مروحية تابعة لقوات الاحتلال صاروخاً باتجاه اثنين من المدنيين الفلسطينيين أثناء تواجدهما بالقرب من المقبرة الشرقية في حي السلام، مما أدى إلى استشهادهما على الفور. وقد عثر الأهالي على أشلائهما في حوالي الساعة 5:30 صباحاً، حيث تم نقلها إلى المستشفى. وأفادت تحقيقات المركز أن الضحيتين كانا مدنيين، وهما من سكان الحي. كما أنهما لم يكونا مسلحين أو ضالعين في أية نشاطات ضد قوات الاحتلال.[23]
وبعد حوالي نصف ساعة أطلقت طائرة حربية مروحية صاروخاً باتجاه مجموعة من رجال المقاومة الفلسطينية في حي البرازيل، أصابهم مباشرة، وأدى لاستشهاد أربعة منهم بعد أن شوهت أجسادهم، فيما أصيب اثنان آخران بجراح. وتعرضت سيارات الإسعاف لاطلاق وابل من النيران عندما حاولت التقدم لإجلاء القتلى والجرحى، ما اضطرها للتراجع. واضطرت للانتظار أكثر من ساعة لتتمكن من لنقلهم إلى المستشفى.[24]
وبدأت دبابات وجرافات القوات المحتلة الحربية بتنفيذ عمليات هدم وتدمير واسعة النطاق لكل من المنازل السكنية والبنية التحتية في المنطقتين، دون أي تحذير أو إنذار مسبق من تلك القوات للسكان، الذين كانوا داخل منازلهم، ودون أن تسمح لهم بإجلاء أفراد أسرهم او مقنتياتهم الشخصية. وقد واجه السكان مصيراً مأساوياً، وذلك خلال محاولتهم استجداء القوات المحتلة للسماح لهم بالخروج آمنين من منازلهم. وأمام هذه الأوضاع الخطيرة على سلامة السكان، وفي ظل استمرار الجرافات والدبابات بهدم وتجريف المنازل، أصيب العديد من السكان جراء سقوط جدران المنازل على قاطنيها، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن. وفي حادثة تعبر عن مدى الاستخفاف بحياة المدنيين الأبرياء، ووسط القصف العشوائي وتحرك الآليات الثقيلة بين المنازل، استشهد الطفل تامر يونس العرجا، وعمره عامين، وذلك جراء إصابته بنوبة قلبية حادة من الخوف والهلع، حينما افترق عن أمه التي كانت تهرب به، وفقدته بسبب عمليات إطلاق النيران العشوائي وتحرك الآليات الحربية للقوات المحتلة.
وفي حادثة أخرى مريعة، وفي حوالي الساعة العاشرة والنصف من صباح الخميس الموافق 20/5/2004، أصيبت زوجة المواطن زياد حسان وأطفاله الثلاثة بجراح، حينما باشرت الآليات الحربية هدم منزله في حي البرازيل. وقد خرج حسان وهو يرفع الراية البيضاء، وطلب من تلك القوات السماح له ولعائلته بالخروج بشكل آمن من منزله. وبعد أن أعطاه جنود القوات المحتلة الأمر بالخروج، وخلال خروجه برفقة زوجته وأطفاله الثلاثة من المنزل، أطلقت الدبابات العسكرية النار باتجاههم، ما أدى لإصابة زوجته وأطفاله الثلاثة بجراح. واضطر أفراد العائلة للهرب مرة أخرى تجاه منزلهم، والذي تعرض لتدمير سوره الخارجي. ولم يقم جنود القوات المحتلة بتقديم أي عون أو مساعدة طبية لأفراد العائلة، رغم كونهم من الأشخاص المدنيين، والذين يحظون بحماية خاصة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني. وفي منظر آخر مريع تعرضت سيارة إسعاف تابعة لوزارة الصحة لعملية اعتداء سافر على أيدي القوات المحتلة. فقد حاصرت الدبابات والجرافات الحربية عربة الإسعاف، وأخذت بإلقاء الأتربة وركام المنازل المدمرة فوقها، وظلت السيارة وبداخلها السائق واثنين من المسعفين محاصرة حتى الساعة 2:45 بعد الظهر، حيث سمح لها ولطاقمها بالمغادرة بعد أن رفع جنود الاحتلال الركام عنها، ولكن لم يسمح لهم بنقل مصابين.[25]
وفي حي تل السلطان استمرت جرائم قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، حيث أطلق أحد جنود القناصة النار، في حوالي الساعة الحادية عشرة صباح نفس اليوم، من أحد المباني التي كانت قد احتلتها تلك القوات قبل ثلاثة أيام، تجاه المواطن جمال عوض العصار، 39 عاماً، أثناء وجوده في شرفة منزله. وكان المواطن المذكور يطلب مساعدة جيرانه في إيصال مياه الشرب له ولعائلته. وقد أسفر ذلك عن استشهاده جراء إصابته بعيار ناري في الرأس، وأصيب خمسة مدنيين في عدة أحياء من محافظة رفح، وذلك جراء عملات القصف العشوائي وإطلاق نيران الأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة تجاهها. وقد استشهد أحد الجرحى، وهو المواطن محمد إبراهيم جبر، 27 عاماً، متأثراً بالجراح التي نتجت عن إصابته بعيار ناري في منطقة الحوض، وذلك خلال وجوده أمام باب منزله في المخيم الغربي شرق حي تل السلطان.
وفي ساعات فجر يوم الجمعة الموافق 21/5/2004، أعادت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي انتشار قواتها الحربية في حي تل السلطان، حيث سحبت عدد من آلياتها الحربية من الشوارع الداخلية للحي، وأخلت المنازل السكنية التي كانت تحتلها، فيما أبقت على حصارها للحي من الاتجاهات الأربعة. فيما احتل جنود القوات المحتلة عدداً من المنازل المرتفعة الواقعة على الشوارع الرئيسية، ونصبوا مواقعاً استخدموها لإطلاق نيران القناصة على كل جسم يتحرك في المنطقة. وقد أسفر ذلك عن إصابة المواطن يعقوب اسحاق عثمان، 56 عاماً بعيار ناري في قدمه اليسرى. ووسعت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي من نطاق حصارها للمنطقة إلى منطقة ميدان زعرب. وقامت بأعمال تجريف في الأراضي الزراعية في المنطقة الواصلة بين ميدان زعرب وتل السلطان من الجهتين الشمالية والجنوبية. وقد استمرت عمليات التجريف والتدمير حتى مساء السبت الموافق 22/5/2004. وقد شملت 298 دونماً من الأراضي الزراعية، ومعظمها دفيئات مزروعة بالخضار والورود والأشجار المثمرة، كما دمرت كافة المعدات الزراعية ذات الكفاءة العالية، ومزرعة أبقار وأغنام، ما أدى إلى نفوق العشرات منها، فضلاً عن تدمير منزل سكني، يأوي عائلتان قوامهما 17 فرداً. وبعد الانسحاب الجزئي خرج أهالي حي تل السلطان إلى الشوارع ليشاهدوا دماراً كبيراً في البنية التحتية للحي، شملت تدمير معظم الشوارع الرئيسية والفرعية، فضلاً عن تدمير أعمدة الكهرباء والهواتف. كما أن عدة شوارع من الحي غرقت في مياه الصرف الصحي، الأمر الذي شكل صدمة حقيقية للأهالي وأعاق من تنقلهم داخل الحي نفسه. وفي ساعات فجر يوم الاثنين الموافق 24/5/2004، انسحبت قوات الاحتلال بالكامل من حي تل السلطان والمناطق المحيطة به.
وفي حي البرازيل وحي السلام استمرت العمليات الحربية لقوات الاحتلال الحربي، وفي حوالي الساعة الواحدة والنصف من فجر يوم السبت الموافق 22/5/2004، قصفت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي الحيين المذكورين بالأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة والمناطق المجاورة لهما. وقد أسفر ذلك عن إصابة المواطنة تحرير محمد العنابي، 19 عاماً بعيار ناري من النوع الثقيل في بطنها، وذلك أثناء تواجدها داخل مطبخ شقتها، الواقعة في الطابق الثالث من برج عوض، الذي يبعد نحو 700 متر إلى الشمال من الشريط الحدودي. وقد نقلت المصابة إلى المستشفى، وأجريت لها عملية جراحية، ووصفت حالتها بالمستقرة. وفي حادثة مروعة أخرى، وفي حوالي الساعة العاشرة والنصف صباح نفس اليوم، وبينما كان طاقم من العاملين في المركز يطلع على حجم الكارثة التي حلت في حي البرازيل، وتزامنت مع وجود السيد بيتر هانسن، مفوض عام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الذي كان يتفقد حجم الدمار المهول في المنطقة، أطلقت دبابة حربية كانت تقف على بعد حوالي 250 متر جنوب مدرسة طه حسين الثانوية، النار تجاه السكان الذين كانوا يتفقدون منازلهم المدمرة، ويبحثون عن أمتعتهم علهم يجدون شيئاً منها. وقد أسفر ذلك عن إصابة الطفلة روان محمد أبو زيد، 5 أعوام، بعيارين ناريين في الرأس والرقبة، ما أدى إلى استشهادها على الفور، فيما كانت هذه الطفلة في طريقها لشراء الحلوى من أحد المحلات التجارية المجاورة لمنزلها.
وفي ساعات فجر نفس يوم الاثنين الموافق 24/5/2004، اجتاحت أعداد كبيرة من قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، ترافقها الآليات العسكرية الثقيلة حيي الشاعر وقشطة، الواقعين على امتداد الشريط الحدودي مع مصر، جنوب مدينة رفح. باشرت تلك القوات بعمليات مداهمة للمنازل السكنية، واعتلت أسطح العديد منها، وسط قصف عشوائي بأسلحتها الرشاشة باتجاه أحياء المنطقتين. استمرت عملية الاجتياح حتى ساعات المساء، ونفذت خلالها قوات الاحتلال أعمال تدمير في المنازل السكنية، طالت 15 منزلاً، خمسة منها دمرت بشكل كلي. المنازل المدمرة كلياً وجزئياً كانت تأوي 36 عائلة فلسطينية، قوامها 224 فرداً. وجراء القصف العشوائي، أصيب اثنان من المدنيين الفلسطينيين بجراح، وصفت بالحرجة، وذلك أثناء مشاركتهم في تشييع شهداء حي تل السلطان، بعد رفع الحصار عنه.
وعززت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي قواتها الحربية بعد ظهر نفس اليوم في قرية أم النصر، الواقعة على امتداد شارع صلاح الدين الرئيسي، الواصل بين مدينة رفح وباقي مناطق قطاع غزة، والذي كانت قوات الاحتلال قد أغلقته منذ بدء عمليتها العسكرية. وقد اقتحمت تلك القوات المنطقة بالدبابات والجرافات والآليات الحربية، واحتلت بعض المنازل، بعد أن أجبرت سكانها على إخلائها، وسط أجواء من عمليات الترويع والتخويف للسكان. وباشرت تلك القوات حملة واسعة من عمليات هدم وتدمير وتجريف المنازل والممتلكات المدنية، بما فيها الأراضي الزراعية والمحلات التجارية وشبكات الهاتف وأعمدة الكهرباء، وشبكات مياه الشرب التي تخدم سكان القرية، ما أدى إلى انقطاعهما عن المنطقة بالكامل. ووفقاً لباحثي المركز فقد طالت أعمال التدمير والتجريف 311 دونماً من الأراضي الزراعية، معظمها دفيئات خضار وأشجار زيتون، فضلاً عن تدمير المعدات الخاصة بها. كما دمرت تلك القوات 9 منازل سكنية أربعة منها دمرت بالكامل. المنازل المدمرة كانت تأوي 11 عائلة فلسطينية، قوامها 79 فرداً. هذا فضلاً عن إلحاق أضرار بالغة بالطريق المعبدة وتدمير سيارة مدنية، وإلحاق أضرار بالغة بمبنى المجلس القروي. وقامت تلك القوات بإعادة فتح الطريق في ساعات صباح يوم الاثنين الموافق 24/5/2004، وأثناء انسحابها من منطقة صوفا، الواقعة جنوب شرق مدينة رفح، قامت تلك القوات بتجريف 120 دونماً مزروعة بالأشجار المثمرة ودفيئات الخضار مع معداتها الزراعية، فضلاً عن تدمير منزل قيد الإنشاء.
وفي ساعات مساء يوم الاثنين الموافق 24/5/2004، انسحبت قوات الاحتلال من حيي البرازيل والسلام بالكامل، لتعيد تمركزها داخل الشريط الحدودي مع مصر، المجاور للمنطقتين. توجه طاقم من باحثي المركز للمنطقة ووقفوا على حقيقة الدمار البشع الذي خلفته قوات الاحتلال في المنطقتين، بحالة أشبه ما توصف بالزلزال. فقد دمرت قوات الاحتلال 220 منزلاً سكنياً، من بينها 122 دمرت بشكل كلي، وكانت تأوي 271 عائلة فلسطينية، قوامها 1468 فرداً، فيما دمرت 98 منزلاً بشكل جزئي، كانت تأوي 232 عائلة فلسطينية، قوامها 1452 فرداً. الأمر الذي خلق واقعاً مأساوياً غير مسبوق. كما ألحقت تلك القوات دماراً شبه شامل في البنية التحتية للحيين، من طرق وشبكة خدمات عامة، تشمل المياه والكهرباء والهواتف والصرف الصحي، فيما دمرت تلك القوات حديقة للحيوانات، تقدر خسائرها بألوف الدولارات، فضلاً عن تدمير 3 منشآت صناعية، 6 محلات تجارية، 4 سيارات مدنية، سور المقبرة الشرقية وبعض شواهد القبور ومدرج وسور النادي الجماعي التابع لجمعية الخدمة العامة.
ووفقاً لمعلومات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أسفرت العملية عن وفاة 42 شهيداً، من بينهم 9 شهداء من الأطفال، وذلك منذ فجر الثلاثاء 18/5/2004، فيما يبلغ العدد الإجمالي للجرحى ممن وصلوا إلى المستشفيات 112 جريحاً، أكثر من نصفهم أطفال. وكان آخر شهداء الاقتحام الشهيدة الطـفلة روان محمد أبو زيد، 5 سنوات.[26]
شكلت الأعمال التي قامت بها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال عملية قوس قزح، انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وكذلك الإعلان الخاص بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة. ويسعى القانون الدولي لحقوق الإنسان إلى حماية الأفراد في جميع الأوقات.
ويقتضي من الدول ضمان الحقوق الإنسانية للأفراد وحمايتها واحترامها، وتتضمن تلك المعايير الدولية الالتزامات القانونية التي ينبغي على الدول الوفاء بها واحترامها، والتي ترد في المعاهدات التي صادقت عليها. كما أن دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي هي طرف متعاقد على العديد من تلك الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة، اتفاقية حقوق الطفل، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
إن إسرائيل، وبوصفها طرفاً في هذه المعاهدات، قد وافقت على احترام الحقوق المحددة فيها وحمايتها وضمانها لجميع الأشخاص المقيمين داخل أراضيها أو الخاضعين لولايتها القضائية. وقد ساقت إسرائيل المبررات والحجج القائلة إن الالتزامات المترتبة عليها بموجب هذه المعاهدات لا تنطبق على الأشخاص المقيمين في الأراضي المحتلة. غير أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، وهي هيئة من الخبراء، وأنشأت بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وترصد تقيد الدول بأحكامه، وتصدر تفسيرات موثوقة بها للمعاهدة وسواها من هيئات مراقبة تنفيذ المعاهدات، صرحت بأنها تنطبق بالفعل على الأراضي المحتلة، وبأن إسرائيل ملزمة باحترام الحقوق الإنسانية لجميع الأشخاص الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة واحترامها وحمايتها.
كما شكلت تلك الأعمال انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني. ويشمل هذا القانون اتفاقيات جنيف الأربعة للعام 1949 والمعروفة بقانون النزاعات المسلحة إضافة إلى الملحقين الخاصين بهذه الاتفاقيات، عدا عن اتفاقية لاهاي. وتعتبر اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب أكثر الاتفاقيات التي تنطبق على الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكون إسرائيل طرفاً متعاقداً في هذه الاتفاقيات فإن عليها الالتزام بها، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين الفلسطينيين في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها أولئك القاطنين في مدينة القدس. وتتضمن التزامات إسرائيل كونها دولة محتلة تجاه الأشخاص المحميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة الواجبات التالية:
1. معاملتهم في جميع الأوقات معاملة إنسانية وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف والتهديد (م27).
2. حق الاحترام للأشخاص وشرفهم وحقوقهم العائلية وعقائدهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم (م27).
3. تلبية الاحتياجات الأساسية الطبية والغذائية للسكان ( م55).
4. السماح لعمليات الإغاثة لمصلحة السكان الذين تنقصهم المؤن الكافية وتوفير التسهيلات لهم بقدر ما تسمح به وسائلها، وأن تسمح بحرية مرور رسالات الأغذية والإمدادات الطبية والملابس (م59)
5. السماح لجميع أفراد الخدمات الطبية بأداء مهامهم واحترامهم وحمايتهم (م56-20-21).
6. صيانة المنشآت والخدمات الطبية والمستشفيات وكذلك الصحة العامة والشروط الصحية في الأراضي المحتلة (م56).
7. عدم تدمير الممتلكات الخاصة الثابتة أو المنقولة المتعلقة بأفراد أو جماعات أو بالدول أو السلطات العامة إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتى هذا التدمير (م53).
8. حظر عمليات السلب (م33).
9. حظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم...(م49).
10. كذلك لا يجوز أن يتعرض الأشخاص المحميين إلى:
· القتل أو التعذيب أو إساءة المعاملة والعقوبات البدنية أو المعاملة المهينة أو الحط بالكرامة بصورة متعمدة غير قانونية (م27، 32).
· للمعاقبة عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً أو للعقوبات الجماعية أو تدابير الامتصاص من الأشخاص المحميين أو ممتلكاتهم (م28).
· للإرغام من جانب دولة الاحتلال على المعاونة في العمليات الحربية (م51) ولا يمكن استخدامهم كدروع بشرية (م28).
إن سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وعلى الرغم من كونها طرفاً سامياً متعاقداً على هذه الاتفاقية، تصر على أنها لا تنطبق رسمياً على وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة. بل إنها تدعي تطبيق ما تسميه " بالأحكام الإنسانية " الواردة في اتفاقية جنيف الرابعة، ما يعني أنها تعلن وجود جوانب غير إنسانية فيها، وتتناسى السلطة المحتلة أن الاتفاقية بمجملها، واتفاقيات جنيف الثلاثة الأخرى، هي جزء من القانون الدولي الإنساني، والتي تحدد كافة الجوانب الإنسانية في أوقات النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. كما أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجميع الأطراف المتعاقدة الأصلية أو السامية على هذه الاتفاقية، قد أكدوا على أنها تنطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما يعني أن إسرائيل يجب أن تذعن وتنصاع للالتزامات القانونية الواردة بشأن التعامل مع الأشخاص المحميين وحماية حقوقهم.
أثناء عملية "قوس قزح " لم تقتصر ممارسات قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على عدم التزامها بالمواثيق سابقة الذكر، وإنما تجاوزت ذلك في بعض أفعالها، والتي يمكن وصفها بالمخالفات الجسيمة وفقاً للمادة (147) من اتفاقية جنيف الرابعة. وقد تضمنت تلك الأفعال عمليات قتل غير قانونية، سوء معاملة المعتقلين، التدمير المتعمد للممتلكات، وانتهاك حق رجال المهمات الطبية والخدمات الإنسانية في الحماية الخاصة وتسهيل مرور رسالات الأدوية والمهمات الطبية وإمدادات الأغذية.
إن المجتمع الدولي، وخاصة الأطراف المتعاقدة على إتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، يتحمل مسؤولية التحقق من هذه الأفعال والجرائم، وعليه أن يسعى إلى تقديم مرتكبي هذه الجرائم ومن أعطى الأوامر باقترافها إلى العدالة، كي يتسنى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وضمان انطباق أحكامها في حالات الاحتلال الحربي الكلي أو الجزئي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة أو لدولة ليست طرفاً في تلك الاتفاقيات. إن ذلك هو من صلب الالتزامات القانونية للدول المتعاقدة على هذه الاتفاقيات، وذلك بموجب أحكام المادة الأولى من الاتفاقية.[27]
شكلت الاعتداءات الإسرائيلية على الممتلكات والأعيان المدنية والمواقع الأخرى انتهاكا واضحاً للقانون الدولي الإنساني. فالمادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تنص على أنه" يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو السلطات العامة أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير." كما تحظر المادة 147 من الاتفاقية ذاتها على دولة الاحتلال القيام بأعمال "تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية….” ولا يجوز تفسير أعمال تخريب تدمير الممتلكات المدنية الفلسطينية على هذا النطاق الواسع سوى أنها تندرج في إطار العقوبات الجماعية والأعمال الانتقامية ضد المدنيين الفلسطينيين، تلك العقوبات التي تحظرها اتفاقية جنيف الرابعة في المادة (33) والتي تنص على انه "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً." ولم تميز قوات الاحتلال بين المنشآت المدنية المختلفة، حيث قصفت ونسفت المنازل السكنية والمدارس والمساجد والمنشآت الصناعية والتجارية، علاوة على الأراضي الزراعية ومشاريع البنية التحتية. وتشير حصيلة توثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وخلال الفترة من 12-24 آيار/ مايو قد هدمت 210 منزل بشكل كلي، فيما لحق أضرار جسيمة ومختلفة بـ 244 منزل آخر. كذلك دمرت القوات المحتلة 31 منشأة صناعية، و جرفت 719 دونم زراعي. فضلاً عن تدمير البنية التحتية، وعدد من المنشآت والمرافق كالجمعيات والمؤسسات والمساجد والأندية الرياضية والاجتماعية والمتنزهات، وغيرها مما طالته الجرافات والآليات الحربية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي.
وفيما يلي استعراض لأبرز الانتهاكات التي جرت:
استهدفت قوات الاحتلال المنازل السكنية بشكل غير مسبوق، خلال الفترة التي اجتاحت فيها تلك القوات مدينة رفح ومخيمها، وواصلت عمليات تجريف وقصف ونسف المنازل السكنية على مدار الفترة كلها. وقد تمت عمليات هدم المنازل السكنية ونسفها وتجريفها بالجرافات، دون إنذار مسبق، ولا تمنح تلك القوات السكان فرصة لإخلاء منازلهم من الأثاث والمقتنيات الأخرى. وفي كثير من الأحيان أصيب السكان أثناء محاولاتهم الفرار من المنزل. وتستخدم قوات الاحتلال أساليب ووسائل حربية مختلفة، تتسم بالقسوة الشديدة دون مراعاة قواعد استخدام القوة خلال عملياتها الحربية، خاصة مبدأي التناسب والتمييز في استخدام القوة الحربية خلال عمليات قصف وتدمير ونسف وتجريف المنازل السكنية والممتلكات والأعيان المدنية الأخرى.
وفيما يبدو أن أهداف تلك القوات من وراء استهدافها المنظم للمنازل السكنية، تتلخص في دفع السكان لإخلاء منازلهم، وإيقاع العقوبات الجماعية بهم، لاسيما عمليات نسف المنازل السكنية. وليس كما تدعيه وتسوقه قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بأنها تهدف إلى البحث عن الأنفاق التي يهرب عبرها الفلسطينيون السلاح.
فوفقا لتحقيقات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن عملية هدم المنازل التي أقدمت عليها قوات الاحتلال في حي تل السلطان وأجزاء من حي البرازيل لم تتم في منطقة مجاورة للحدود، بل تبعد عن الشريط الحدودي لمسافة تتراوح بين 500 – 1300 متر، وهو ما لا يمكن أن يفسر إلا ضمن إجراءات انتقامية من السكان المدنيين فقط، والاستيلاء على المزيد من الأراضي، وكذلك لخلق مناطق عازلة على امتداد حدود قطاع غزة وعلى امتداد محيط المستوطنات والشوارع الالتفافية.
إن ما قامت به قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، يعتبر انتهاكا فاضحا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولاسيما اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تحكم سلوك القوات المحتلة بعلاقتها بالسكان المحميين وممتلكاتهم. وتدحض الشواهد والوقائع ادعاءات ومبررات قوات الاحتلال والتي بموجبها قامت بعمليات الهدم والتدمير والتجريف.
إن الحصيلة الإجمالية، والتي تمكن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من جمعها خلال شهر آيار/ مايو 2004، تشير إلى قيام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتدمير وهدم 261 منزل تدمير كلي، بالاضافة إلى 271 منزل تضررت بأشكال مختلفة، غالبيتها أصبح غير صالح للسكن. كما أسفرت عملية هدم المنازل عن تشريد 3422 شخص بواقع 574 عائلة، أصبحوا بدون مأوى، ولجأوا إلى الإقامة في مراكز الإيواء التي فتحت أبوابها للنساء والأطفال والرجال في المدارس والمرافق العامة الأخرى، فيما لجأ آخرون منهم إلى السكن المؤقت لدى أقاربهم. والجدولان التاليان يوضحان حجم التدمير الكلي والجزئي في المنازل السكنية، وعدد الأفراد والأسر التي كانت تقطنها ذلك:
جدول يوضح هدم وتدمير المنازل في محافظة رفح خلال شهر آيار / مايو 2004
|
البيان |
1-11/5 |
12-16/5 |
17-24/5 |
25-31/5 |
مجموع شهر 5 |
منذ بدء الانتفاضة وحتى نهاية مايو 2004 |
|
تدمير كلي |
20 |
73 |
137 |
31 |
261 |
1293 |
|
تدمير جزئي |
13 |
28 |
216 |
14 |
271 |
1500 |