الفقـــر في قطـــاع غـــزة

 

المركـــز الفلسطــيني لحقـــوق الإنســان

يتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة

عضو لجنة الحقوقيين الدولية – جنيف

عضو الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان – باريس

عضو الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان – كوبنهاجن

عضو مجموعة المساعدة القانونية الدولية (أيلاك) – ستوكهولم

عضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان – القاهرة

 

مقدمــة

في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2006 شكلت حركة المقاومة الإسلامية حماس الحكومة الفلسطينية العاشرة، وذلك بعد حصولها على أغلبية مطلقة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، والتي جرت في أجواء من الشفافية والنزاهة أشادت بها كافة وفود الرقابة الدولية والإقليمية والمحلية التي قامت بأدوار مختلفة في الإشراف على تلك العملية.  وفي أعقاب ذلك سارعت سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لإعلان مقاطعة الحكومة الفلسطينية الوليدة، ووقف تحويل عائدات السلطة من الضرائب والجمارك.  كما خطت العديد من الدول المانحة، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، دول الاتحاد الأوروبي واليابان عن وقف المساعدات المالية المقدمة للشعب الفلسطيني ولسلطته الوطنية. 

الموقف الدولي، وخاصة موقف الدول المانحة للمساعدات المالية للشعب الفلسطيني، ولسلطته الوطنية الفلسطينية، تزامن مع تدهور كارثي في الأوضاع الإنسانية لسكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي نجم أساساً عن سياسات السلطات الحربية الإسرائيلية المحتلة، وخاصة سياسة فرض عملية خنق اقتصادي واجتماعي للسكان المدنيين الفلسطينيين، شمل محاربتهم في وسائل عيشهم، وتضييق الخناق على حرية مرور رسالات الأغذية والأدوية، بما فيها الأغذية المخصصة للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، كالحليب ومشتقاته، والتطعيمات والعلاجات الخاصة بالمرضى والنساء الحوامل والنفاس، وكبار السن والمصابون بأمراض مزمنة.  هذا الوضع الذي جاء في أعقاب تنفيذ خطة الفصل الإسرائيلية أحادية الجانب، عن قطاع غزة في 12/9/2005 قد خلف آثاراً خطيرة على مستوى تمتع السكان الفلسطينيين بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأدى إلى تفاقم حدة الفقر والبطالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والمتدهورة أصلاً.  وقد بات يخشى أن يشكل قرار الدول المانحة عراقيل إضافية جديدة أمام تمتع السكان المدنيين، والمحميين بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، خاصة حقهم في مستوى معيشي مناسب، بما في ذلك الماء والغذاء والدواء والمأوى الملائم. 

وقد أدى ذلك إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، خاصة الأوضاع المعيشية للسكان الفلسطينيين المدنيين، حيث ارتفعت معدلات البطالة والفقر في الأراضي الفلسطينية المحتلة ارتفاعاً مذهلاً وغير مسبوق.   فقد بلغت نسبة العاطلين عن العمل نحو 34% في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما ارتفعت لتصل حوالي 44% في قطاع غزة، لترتفع إلى نحو 55% في فترات الإغلاق الشامل للأراضي المحتلة.  وفي المقابل قفزت نسبة الفقر في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى حوالي 50%، فيما سجلت قرابة 70% في قطاع غزة  كما انعكس ذلك على مداخيل القوى البشرية الفلسطينية العاملة، حيث انخفضت معدلات الدخل الفردي، خلال السنوات الثلاثة الأولى للانتفاضة، إلى حوالي 32%، وبلغ الانخفاض ذروته اليوم ليصل إلى نحو 40%.  وعلى الصعيد الاقتصادي تدنى الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني إلى مستويات خطيرة، باتت تهدد كافة قطاعات الزراعة، الصناعة، التجارة، النقل العام والمواصلات والسياحة.

ومما زاد حدة الفقر والبطالة في قطاع غزة قيام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتدمير البنية التحتية للمدن والقرى الفلسطينية، وتدمير العديد من المؤسسات الإنتاجية والخدمية، بما فيها مؤسسات السلطة الأمنية.  ورافق ذلك اقتلاع وتدمير القطاع الزراعي بما فيه من أشجار معمرة مثمرة وحقول فواكه وخضار وثروة زراعية وحيوانية ومناحل للعسل، كانت تشكل أكثر من 40% من حجم الناتج الإجمالي المحلي الفلسطيني.

وتشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة تراجعاً شديداً في الأوضاع الحياتية للسكان المدنيين، خاصة بعد توقف تدفق المساعدات الدولية له، والتي زادت عن تسعة مليارات دولار أمريكي خلال السنوات الماضية.  ويزداد الأمر تعقيداً وصعوبة مع عجز السلطة الفلسطينية عن دفع رواتب وأجور موظفيها، والعاملين في الوظيفة المدنية والأجهزة الأمنية على السواء.   وتقدر الأوساط المختلفة احتياجات السلطة الوطنية الفلسطينية إلى حوالي 165 مليون دولار، منا حوالي 60% لدفع رواتب وأجور موظفيها، والذين يعيلون أكثر مليون فلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أي حوالي 25% من الفلسطينيين القاطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  ويتوقع أن ترتفع نسبة الفقر إلى ما يزيد عن 74% في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام في حال استمرت الأوضاع على حالها، كما يتوقع انخفاض الدخل المحلي للفرد إلى 25% عما كان عليه في العام 2005.

هذه الورقة تحاول أن تبرز مخاطر توقف المساعدات الدولية على الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي قطاع غزة بشكل خاص، والتي يمكن أن يخلفه قرار الدول المانحة على تعزيز واحترام وحماية حقوق المدنيين الفلسطينيين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في حال استمراره.  كما تمثل دعوة لكافة البلدان المانحة إلى التوقف الفوري عن فرض عقوبات جماعية ضد الشعب الفلسطيني، وإعمال قواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، والخاصة بحماية السكان المدنيين في أوقات الحرب، وقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، والمواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان، بما فيها اتفاقية الشراكة الأوروبية مع حكومة الاحتلال الحربي الإسرائيلي.

 

نبذة عن قطــاع غــزة

يقع قطاع غزة في الجزء الجنوبي من فلسطين على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتبلغ مساحته حوالي 365 كيلو متراً مربعاً، وهو عبارة عن شريط  ساحلي يمتد من الشمال إلى الجنوب، ويبلغ طوله حوالي واحداً وأربعين  كيلو متراً، وعرضه يتراوح بين سبعة كيلو مترات واثني عشرة كيلو متر، ويحده الخط الأخضر (الحدود الإسرائيلية حسب قرار التقسيم الصادر في عام 1947) من الشرق والشمال، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط، ومن  الجنوب مصر، ويتمتع القطاع بمناخ شرقي البحر الأبيض المتوسط، حيث يكون الطقس ممطراً بين شهري نوفمبر ومارس، ومعتدل وحار بين شهري أبريل وأكتوبر.

تطور التعداد السكاني للقطاع خلال العقود الخمسة  الماضية بشكل عكس التطورات السياسية التي حدثت في فلسطين،ومثل التطور الهائل في عدد السكان عام 1948 والناتج عن نزوح وهجرة آلاف اللاجئين الفلسطينيين من أراضيهم التي أٌحتلت في العام 1948 السمة الرئيسية للوضع الديمغرافي لقطاع غزة. كما زاد عدد السكان عشية احتلال القطاع وأصبح حوالي 280000 نسمة، منهم حوالي 90000 نسمة من السكان الأصليين، وبلغ حوالي 380.8 في العام 1968.

وشهد التعداد السكاني لقطاع غزة إنخفاضاً حاداً في العام 1971، إذ بلغ حوالي 340 ألف نسمة، بينهم  220 ألف من اللاجئين، ويعود ذلك إلى موجة هجرة السكان من القطاع بسبب الوضع الأمني الناشئ عن المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، إذ هجر ونزح ما يقرب من سبعين ألف شخص منذ حزيران 1967 وحتى 1971، بينما غادر القطاع بقصد الزيارة أو العمل أو التعليم عشرات الآلاف، ولم يتمكن العديد منهم من العودة إلى منازلهم بسبب القيود والإجراءات الإسرائيلية التي فرضتها لمنعهم من العودة.  تطور عدد السكان خلال السنوات اللاحقة بشكل كبير، وبلغ حوالي 450600 نسمة في سنة 1980، وارتفع إلى 518500 نسمة سنة 1985، و626600 نسمة عام 1990، وقدر عددهم في عام 1992 بحوالي 800000 نسمة.   وقد دلت الإحصاءات السكانية التي قامت بها دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية في العام 1996 أن عدد سكان القطاع بلغ 936028 نسمة.

وبلغ عدد سكان القطاع أكثر من مليون نسمة، وفقاً لنتائج المسح الشامل للسكان والمساكن والمنشآت الذي قامت به دائرة الإحصاء المركزية في أواخر ديسمبر 1997.[1]  وتطور عدد سكان القطاع ليصل إلى 1337236 نسمة في منتصف العام 2004، و 1389789 نسمة في منتصف العام 2005، ويتوقع أن يصل إلى 1443814 نسمة في منتصف العام الحالي.  وتشكل الكثافة السكانية لقطاع غزة أحد أهم مشكلاته الرئيسية التي يواجهها، والتي لا تتناسب مع حجم الأراضي التي يقيم عليها سكان القطاع، حيث بلغت الكثافة السكانية للقطاع 3663.7 فرد/ كم2.

يبلغ نسبة السكان الحضر في القطاع 63.7% من مجمل السكان، بينما تشكل نسبة المقيمين في الريف 5.1%، في حين يبلغ نسبة القاطنين في المخيمات 31.2%.  ويتميز التركيب العمري للسكان الفلسطينيين في قطاع غزة بأنه مجتمع فتي، إذ بلغت نسبة الأفراد في الفئة العمرية 0-14 سنة في منتصف عام 2005 حوالي 49.1% من مجموع السكان، و48.3% في الفئة العمرية من 15 – 64 سنة بينما كانت 2.6% للفئة من 65 سنة فما فوق، وتبلغ نسبة الذين تقل أعمارهم عن خمسة عشر سنة حوالي 50.35%، الأمر الذي يرفع نسبة الإعالة إلى 113.2% في القطاع، وتزيد هذه النسبة في المخيمات إلى 166%.  وتعتبر نسبة الخصوبة في قطاع غزة مرتفعة، مقارنة بالمستويات السائدة حالياً في بعض الدول، حيث تصل إلى 5,8%.  ويرجع السبب إلى ارتفاع مستويات الخصوبة إلى الزواج المبكر خاصة بين الإناث، والرغبة في الإنجاب بالإضافة إلى العادات والتقاليد السائدة في المجتمع الفلسطيني.

وتبلغ مساحة قطاع غزة 365000 دونم، كانت تشكل فيه المستوطنات الإسرائيلية، قبل تنفيذ خطة الفصل أحادي الجانب في 12/9/2005، ما مساحته 37000 دونما قبل توقيع اتفاقيات أوسلو، أما الباقي فموزع على النحو التالي: 168000 دونم أراضي زراعية للفلسطينيين، 56500 دونم أراضي سكنية، و 103500 دونم هي تلال رملية وأراضي قاحلة. وقد شكلت مساحة الأراضي التي كانت تحت السيطرة الأمنية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي حوالي 42% من إجمالي مساحة القطاع.  ويعتبر مؤشر النمو السكاني للقطاع من أعلى النسب في العالم، والذي يبلغ 4.7%، وهو أعلى من نظيره في الضفة الغربية الذي  يبلغ 3.5%.

 

الفقر في قطاع غزة

تتميز ظاهرة الفقر في فلسطين بخصوصية شديدة تنبع من خصوصية القضية الفلسطينية، وما تعرض له الشعب الفلسطيني من أحداث ومآسي طوال قرن من الزمن، لاسيما الاقتلاع والتشريد والحروب والاحتلال والحرمان من الحقوق الوطنية.  وقد أدى ذلك إلى إفقار دائم لفئات واسعة من الشعب الفلسطيني.  فالفقر في جوهره ناتج عن تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية ( السياسية والاقتصادية والاجتماعية).  ومن هذه الزاوية يصبح من الضروري، وعند طرح مسألة الفقر في قطاع غزة، أن يتم تناول هذه المسألة في سياقها التاريخي، وفي إطار المجتمع الفلسطيني بشكل عام كما يلي:

 

 

نسب الأسر الفلسطينية الفقيرة وفقاً لأنماط الاستهلاك الشهرية الحقيقية حسب مؤشرات مختارة، 2004

 

 

المؤشرات

 

الفقر

الفقر المدقع

النسبة %

المساهمة

النسبة%

المساهمة

قطاع غزة

37.2

48.6

26.0

53.1

الضفة الغربية

19.8

51.4

11.6

46.9

شمال الضفة الغربية

22.2

23.7

11.7

19.3

وسط الضفة الغربية

6.7

5.5

3.7

4.8

جنوب الضفة الغربية

31.2

22.2

20.6

22.8

الأراضي الفلسطينية

25.6

100

16.4

100

المصدر: الجهاز الفلسطيني للإحصاء المركزي، كتاب الإحصاء السنوي رقم 6.

 

 


 

ملامح وخصائص الفقر في قطاع غزة

 

أظهر تقرير الفقر الصادر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي الفلسطينية أن نسبة الفقر في الضفة الغربية وقطاع غزة وصلت  25% في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1997، وأن أكثر من 38% من أسر قطاع غزة تعيش حالة الفقر.  وهناك أسرتين من كل ثلاث أسر في قطاع غزة تعاني من الفقر المدقع، أي أنها غير قادرة على توفير المتطلبات الأساسية من الطعام والملبس والمسكن.  ويبلغ الفقر ذروته في جنوب ووسط قطاع غزة حيث يعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، وتصل نسبة الفقر إلى 51% في جنوب قطاع غزة مقارنة بحوالي 31% في شمال القطاع ومدينة غزة.  وعلى الرغم من أن الفقراء يشكلون 38.2% من السكان في قطاع غزة إلا أنهم يستهلكون 19.3 % فقط من السلع والخدمات.  وتشير نتائج التقرير إلى أن معدل استهلاك الفقير بلغ حوالي ثلث استهلاك غير الفقير لعام 1997، مشيرا إلى أن غير الفقراء يستهلكون أربعة أضعاف ما يستهلكه الفقراء على الكساء، كما أن إنفاق الفرد غير الفقير على الرعاية الطبية يعادل أربعة أضعاف ما ينفقه الفرد الفقير.

ويستهلك الفقراء في قطاع غزة من الطعام ما نسبته 23.5% مع أنهم يمثلون 38.2% من السكان، في حين يستهلك غير الفقراء ما نسبته 76.5% من الطعام مع أنهم يمثلون فقط 61.8% من مجموع المستهلكين في قطاع غزة.

كما تشير نتائج التقرير إلى ازدياد نسبة الفقر بين الأسر التي ترأسها امرأة حيث تصل إلى نحو 30% عن الأسر التي يرأسها رجل حيث تصل إلى نحو 22%.  وينخفض الفقر مع ارتفاع مستوى التعليم، فمعدل نسبة الفقر بين الذين لم يتموا المرحلة الابتدائية 32%، وتنخفض إلى 23% بين الذين أتموا المرحلة الابتدائية، بينما تبلـــغ 20% بين الذين أتموا المرحلة الإعدادية، وتبلغ 12% بين الذين أنهوا سنتين في معهــــــد تعليم عالي( دبلوم)، و8% بين حملة الدرجات الجامعية.

كما يكشف تقرير الفريق الوطني لمكافحة الفقر عن أن الفقر ليس حكرا على المستثنيين من سوق العمل، فنسبة الفقر بين المنخرطين في قوة العمل تصل إلى 20% في العام 1997، أي بمعدل أسرة واحدة من كل خمس أسر.  وهذا يدل على أن الفقر يتولد أيضا من شروط سوق العمل وتحديدا تدني الأجور في بعض فروع الاقتصاد الفلسطيني. [3]

وأما التقرير الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حول الفقر في الأراضي الفلسطينية، فتشير النتائج الواردة فيه إلى أن الانتشار الكلي للفقر بين أسر الضفة الغربية وقطاع غزة بلغ للعام 1998 حوالي 22%.  وأن حوالي 33% من أسر قطاع غزة تعاني من الفقر للعام 1998، وهو ما يفوق الضفة الغربية بحوالي أكثر من الضعفين، حيث أن 15% من أسر الضفة الغربية تعاني من الفقر.[4]

كما يشير التقرير السابق إلى أن حوالي أسرة من كل خمس أسر في قطاع غزة تعاني من الفقر المدقع، أي أنها غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية من المأكل والملبس والمسكن.  ويتضح من التقرير كذلك أن الجنوب أكثر فقرا من الشمال، وأن مخيمات اللاجئين تعاني من أعلى معدل انتشار للفقر، وأن أسرة واحدة من كل ثلاث أسر في مخيمات اللاجئين تعاني من الفقر.

كما أشارت نتائج التقرير إلى أن الفقر يزداد بازدياد حجم الأسرة، فقد سجل أعلى معدل للفقر عام 1998 بين الأسر المؤلفة من عشرة أفراد فأكثر بواقع 32%، تليها أسر الوحيدين والتي تتألف بشكل أساسي من كبار السن بواقع 28%.  وترتفع معدلات الفقر بين الأسر التي ترأسها الإناث، حيث أن نسبة الفقر في صفوفها تفوق 26%، فيما بلغ معدل انتشار الفقر بين الأسر التي يرأسها الذكور (20%).  وتشير النتائج إلى أن كبار السن هم الأكثر عرضة للفقر، حيث أن ما نسبته 25% من كبار السن الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فأكثر هم فقراء، ولعل ذلك يعود إلى غياب الضمان الاجتماعي وأنظمة التقاعد المناسبة في الأراضي الفلسطينية.

كما يشير التقرير إلى أن الفقر ينخفض مع ازدياد مستوى التعليم، فمعدل انتشار الفقر بين أولئك الذين أتموا أقل من المستوى الابتدائي يبلغ 28% ويفوق أربعة أضعاف معدل انتشاره بين أولئك الذين حصلوا على شهادة من كلية متوسطة بواقع 7% للعام 1998.

ومن جهة أخرى تشير نتائج دراسة حول الفقر في فلسطين إلى أن الأسر الفقيرة لم تشعر بأن التعليم متاح للجميع، حيث أن التعليم يحتاج إلى مصاريف لا تستطيع الأسر المحتاجة توفيرها، فعلى الرغم من أن التعليم شبه مجاني في المدارس الحكومية ومدارس وكالة الغوث إلا أن هناك مصاريف ترتبط بالتعليم مثل شراء الكتب والأدوات المدرسية والزي المدرسي والمواصلات، بالإضافة إلى الرسوم المدرسية الإلزامية المفروضة في المدارس الحكومية، وهي كلها تكاليف مرتفعة على الأسر الفقيرة.  ولعل ذلك يفسر ارتباط الفقر بظاهرة التسرب من المدارس وعمالة الأطفال، حيث أن الفقر يؤثر سلبا على الطالب ويؤدي في كثير من الحالات إلى تسربه من المدرسة.[5]

وفيما يلي أبرز الحقائق الإحصائية حول سوق العمل في الأراضي الفلسطينية كما أعلنها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في أول آيار/ مايو لهذا العام:

 

 

 

أهم المؤشرات التغذوية حسب المنطقة، 2004

 

المؤشر

قطاع غزة

الضفة الغربية

الأراضي الفلسطينية

الأسر التي واجهت صعوبة في الحصول على المواد الغذائية خلال الانتفاضة

65

62.5

63.4

الأسر التي واجهت صعوبة في الحصول على خدمات صحية لأطفالها خلال الانتفاضة

32.1

44.6

40

الأطفال( 6 -59 شهراً) المصابون بالأنيميا

41.6

35.5

38

الأطفال( 6 -59 شهراً) الذين يعانون من قصر القامة المتوسط

11.4

8.8

9.9

المصدر: الجهاز الفلسطيني للإحصاء المركزي، الكتاب السنوي رقم 6.

 

المعاهدات والمواثيق الدولية ذات الصلة بمكافحة الفقر

جرى الاهتمام بالفقر دوليا من قبل إنشاء الأمم المتحدة، ففي الجزء الثالث من معاهدة فرساي (1919) ورد أنه " لا يمكن إقامة سلام عالمي ودائم إلا إذا استند إلى عدالة اجتماعية."

واهتمت الأمم المتحدة بمشكلة الفقر منذ إنشائها، فقد ورد في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) " وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من الخوف والفاقة، كأسمى ما ترنو إليه نفوسهم."  وتكرر ذلك في ديباجيتي العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان عام 1966 وهما: العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، حيث أعلن أن " السبيل الوحيد لتحقيق المثل الأعلى المتمثل وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أن يكون البشر أحرارا ومتحررين من الخوف والفاقة هو سبيل تهيئة الظروف الضرورية لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك بحقوقه المدنية والسياسية."

وظل الفقر ينظر إليه طويلا باعتباره ظاهرة اقتصادية إلى أن وضعته لجنة حقوق الإنسان في إطار إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك من منطلق أن الفقر المدقع يشكل انتهاكا لكرامة الإنسان، وإنكارا لجميع حقوق الإنسان ليس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية فحسب بل وبدرجة متساوية انتهاكا للحقوق المدنية والسياسية.  واكتسبت مسألة الفقر أهميتها في هيئات حقوق الإنسان في بداية عقد التسعينات.  واعتمدت الجمعية العامة سلسلة من القرارات الهامة، أهمها القرار رقم 47/196 عام 1992، والذي أعلنت بموجبه يوم 17 تشرين الأول / أكتوبر باعتباره اليوم العالمي للقضاء على الفقر.   وبناء على التطورات السابقة أصبح ينظر إلى الفقر من منطلق حقوق الإنسان، فالفقر بمعناه الأوسع يعني ظروف معيشية سيئة، إسكان غير صحي، تعليم غير كافي، تهميش، بطالة، سوء الحالة الصحية.  وهذا يدلل أيضا على عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة، فهي كل مترابط وتؤثر على بعضها البعض.

وأشارت العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية على ضرورة مكافحة الفقر وضمان حياة كريمة للإنسان، من خلال العمل على ضمان التوزيع العادل للثروات بين الأفراد، وتبني خطوات هادفة لتحسين وتطوير حياة البشر.  وفيما يلي أهم الاتفاقيات التي نصت صراحة أو ضمنا على مكافحة الفقر.

 

1 - الإعلان العالمي لحقوق الإنسان [6]

تنص المادة 22 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن " لكل شخص، بوصفه عضوا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن توفر له، من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرية.  كما تنص المادة 23 على حق كل شخص في العمل، وفى حرية اختياره لعمله، وفى شروط عمل عادلة ومرضية، وفى الحماية من البطالة، ووفقاً لشروط عمل عادلة ومرضية تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية وتستكمل عند الاقتضاء بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية.  وتنص المادة 25 من الإعلان على أن حق كل شخص في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه.

 

2 - العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[7]

يؤكد العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على مجموعة من الحقوق التي تهدف لكفالة حياة كريمة لجميع الأفراد دون تمييز، ومن أهم ما ورد فيه:

الفقرة الثانية من المادة الأولى والتي تنص على: " لجميع الشعوب، سعيا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.  كما تنص المادة 6 منه على الحق في العمل، والذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وقيام الدول الأطراف باتخاذ تدابير مناسبة لهذا الحق، بما فيها توفير برامج التوجيه والتدريب التقنيين والمهنيين, والأخذ في هذا المجال بسياسات وتقنيات من شأنها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية مطردة وعمالة كاملة ومنتجة…الخ، والتي تضمن للفرد الحريات السياسية والاقتصادية الأساسية.   كما تنص المادة 9 من العهد المذكور على حق كل شخص في الضمان الاجتماعي، بما في ذلك التأمينات الاجتماعية.  وتحدد المادة 11 منه حق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية.  وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق، ومعترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر."

وهناك العديد من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تناولت مسألة الفقر باعتباره انتهاكاً لكرامة الإنسان، وتحدد فيها الالتزامات القانونية الناشئة على الدول الأطراف فيها لتعزيز مكافحة الفقر.  ومن هذه الاتفاقيات اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، اتفاقية حقوق الطفل وإعلان الحق في التنمية، والعديد من الإعلانات الدولية الأخرى.  وبالإضافة إلى ذلك فقد شكلت المؤتمرات العالمية التي عقدتها الأمم المتحدة، وخاصة المؤتمر العالمي للتنمية الاجتماعية، والذي عقد في آذار/ مارس 1995، انعطافة هامة فيما يتعلق بوضع آليات وخطوات عملية للقضاء على الفقر، واحتوى إعلان كوبنهاجن الصادر عن المؤتمر مسألة الفقر، باعتباره أحد الموضوعات الأساسية التي تتطلب اتخاذ خطوات عاجلة بهدف القضاء عليه، وبالتالي تحقيق التنمية الاجتماعية المنشودة.  وقد تناول المؤتمر قضايا الفقر والبطالة والإقصاء الاجتماعي باعتبارهم أكبر ثلاث مشاكل اجتماعية تؤثر على البشرية.

 

التوصيـات

يذكر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان كلاً من المجتمع الدولي، بمن فيهم الدول المانحة، وسلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، بتعداتها بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص كفالة:

2. واعترافا بما لكل إنسان من حق أساسي في التحرر من الجوع، تقوم الدول الأطراف في هذا العهد، بمجهودها الفردي وعن طريق التعاون الدولي، باتخاذ التدابير المشتملة على برامج محددة ملموسة واللازمة لما يلي:

(ب) تأمين توزيع الموارد الغذائية العالمية توزيعا عادلا في ضوء الاحتياجات، يضع في اعتباره المشاكل التي تواجهها البلدان المستوردة للأغذية والمصدرة لها على السواء.( من المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية).

وعليه يدعو المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى:

      1.         المجتمع الدولي

 

1.   إلغاء قرار وقف المساعدات المالية الموجهة للشعب الفلسطيني، والعمل على وقف العقوبات الجماعية على المدنيين، من أجل حماية حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومكافحة الفقر والفقر المدقع المنتشر في الأراضي الفلسطينية المحتلة عامة، وفي قطاع غزة بشكل خاص.

2.      الضغط على سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لإجبارها على رفع الحصار الجائر عن الأراضي الفلسطينية.

3.   تحمل مسؤولياته القانونية لإلزام إسرائيل بتطبيق الشرعة الدولية، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة التي تكفل حماية الأشخاص المدنيين وممتلكاتهم وقت الحرب.

4.      مساعدة الشعب الفلسطيني بكل الوسائل حتى يتحقق له تقرير مصيره واستقلاله السياسي والاقتصادي.

 

      2.         سلطات الاحتلال الإسرائيلي

 

1.   رفع الحصار والإغلاق الجائر عن الأراضي الفلسطينية، والكف عن جميع أشكال العدوان التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.

2.      دفع تعويضات للعمال الفلسطينيين عن الأيام التي حرموا فيها من الوصول إلى أماكن عملهم.

3.   الإفراج عن مستحقات السلطة الوطنية الفلسطينية المحتجزة لدى الجانب الإسرائيلي، لتمكينها من مكافحة الفقر وتسديد العجز في ميزانيتها، وصرف رواتب موظفيها.

4.   دفع تعويضات للمواطنين الفلسطينيين الذين لحق بهم الضرر نتيجة للأعمال الانتقامية التي نفذتها قوات الاحتلال، التي طالت مزروعاتهم وممتلكاتهم.

5.      احترام حق الفلسطينيين في حرية التنقل والحركة، وذلك من أجل العمل والتعليم وتلقي الخدمات الصحية.

 


 

[1]  أعلن د. حسن أبو لبدة رئيس دائرة الإحصاء المركزية في مؤتمر صحفي عقد بتاريخ 26/2/1998 في مقر الدائرة في مدينة البيرة أن النتائج الأولية للتعداد العام للسكان والمساكن والمنشئات أظهرت أن عدد سكان قطاع غزة ليلة 9/10 /1997 قد بلغ 1.020812 نسمة، لمزيد من التفاصيل أنظر جريدة الأيام بتاريخ 27/2/1998.

[2]  الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ، 2001. مسح أثر الإجراءات الإسرائيلية على الأوضاع الاقتصادية للأسر الفلسطينية. رام الله – فلسطين.

[3]  فلسطين ـ تقرير الفقر 1998، إعداد الفريق الوطني لمكافحة الفقر، إصدار وزارة التخطيط والتعاون الدولي، نوفمبر 1998، ص 35- 36،47، 165-168.

[4] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ، 2000. الفقر في الأراضي الفلسطينية ( كانون ثاني – كانون أول، 1998). رام الله ـ فلسطين.

[5]  هديل القزاز ونادر سعيد، الفقر في فلسطين ـ دراسة حالات، برنامج دراسات التنمية / جامعة بيرزيت، 1999، ص 89 –90.

[6]  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:  اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 217 ألف(د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول / ديسمبر 1948.

[7]  العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 2200ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1966، ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 3 كانون الثاني/ يناير 1976 طبقا للمادة 27.