الطواقم الطبية الفلسطينية

بين نيران قوات الاحتلال الإسرائيلي ومهمة نقل وإسعاف القتلى والجرحى والمرضى

التقرير الثاني حول الانتهاكات الإسرائيلية ضد الطواقم الطبية الفلسطينية

11 نيسان/إبريل 2001 – 31 آب/أغسطس 2002

 

 

المركـــز الفلسطــيني لحقـــوق الإنســان

يتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة

عضـــــو لجنــــــة الحقـوقـييــــن الدوليــــــــة – جنيـــف

عضـــو الفدراليـــة الدوليــة لحقــوق الإنســان - باريس

عضــو الشبكـة الأوروبيـة المتوسطية لحقوق الإنسان

الصفحة الإلكترونية: www.pchrgaza.org

البريد الإلكتروني: pchr@pchrgaza.org

 

 

المحتويـــــات

 

تمهيـــد

مقدمـــــــة

القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني

من هم أفراد الخدمات والمهمات الطبية؟

سياسة قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة

انتهاك الحق في الحياة والأمان الشخصي لأفراد الطواقم الطبية الفلسطينية

أولاً: استشهاد أفراد من الطواقم الطبية ورجال المهمات الطبية

ثانياً: إصابة العشرات من العاملين في الطواقم الطبية الفلسطينية

    ثالثاً: المعاملة القاسية والحاطة بالكرامة الإنسانية ضد الطواقم الطبية الفلسطينية

رابعاً: اعتقال واحتجاز أعضاء الطواقم الطبية الفلسطينية على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي

خامساً: اعتداءات قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على المنشآت والمؤسسات الصحية الفلسطينية

إغلاق وحصار الأراضي الفلسطينية المحتلة: آثار مأساوية على المرضى والجرحى والمصابين

انتهاك حق أفراد المهمات الطبية ووسائط النقل الطبية في حرية الحركة والتنقل

جرائم حرب في جنين ونابلس وبيت لحم بسبب منع الإسعافات وطواقمها من الحركة

حرمان المدنيين من الحق في تلقي الرعاية الصحية يؤدي لوفاة العشرات

الحصار ومنع التجول يضاعفان مأساة سكان المناطق المهمشة والنائية بسبب انعدام العلاج والغذاء

منطقة المواصي في قطاع غزة:  نموذجاً لحرمان الإنسان من وسائل العيش الخاصة به وتوفير الخدمات الصحية

حظر التجوال الليلي على وادي السلقا والقرارة ومنطقة السيفا: نموذج آخر لحرمان السكان من حقهم في العلاج

الخلاصـــــة

الملاحق

ملحق رقم (1) قائمة بأسماء الشهداء من الطواقم الطبية الفلسطينية خلال الفترة من 29/9/2000 وحتى 10/4/2001

ملحق رقم (2) قائمة بأسماء الشهداء من الطواقم الطبية الفلسطينية خلال الفترة من 11/4/2001 وحتى 31/8/2002

ملحق رقم (3) قائمة بأسماء الشهداء الذين قضوا بسبب الحصار والإغلاق


 

تمهيـــد

 يتضمن هذا التقرير توثيقاً كاملاً للانتهاكات الجسيمة والخطرة التي مارستها، ولا زالت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ضد الفرق والطواقم الطبية الفلسطينية العاملة من أجل تقديم الخدمات الطبية والإسعافات اللازمة للجرحى والضحايا، إضافة إلى تقديم الخدمات الطبية والعلاجات للسكان المدنيين وخاصة للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات والعجزة وكبار السن والمعاقين وكافة السكان في الأراضي الفلسطينية المحتلة على امتداد مدنها ومخيماتها وقراها. 

 ويستعرض هذا التقرير فضحاً لجرائم الحرب، بموجب اتفاقية حنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين إلى اتفاقيات جنيف الصادرين في العام 1977، التي خلفتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ضد فرق العمل الطبية والإنسانية، والذي يتمثل في تقديم خدمات الاستشفاء والرعاية الصحية اللازمة من أجل تمتع الفلسطينيين بأفضل مستوى من الرعاية الصحية يمكن الوصول إليه، وفق ما ينص عليه القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.  ويغطي هذا التقرير الفترة الزمنية من 11 نيسان/ أبريل 2001 وحتى 31 آب/ أغسطس 2002.[1]

 غير أن قيام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بإعادة احتلال مناطق الاكتظاظ السكاني الفلسطيني في المدن والمخيمات والقرى  ، والتي كانت هذه القوات قد أعادت تموضعها خارجها لصالح السلطة الفلسطينية في العامين 1994 و1995، قد خلقت واقعاً إنسانياً خطيراً، سمته الأساسية منع مرور طواقم الخدمات الإنسانية من الوصول للمحتاجين من الجرحى والمرضى لتقديم الخدمات العلاجية اللازمة لهم، وهو ما شكل جرائم خطرة أضيفت إلى الجرائم ضد الإنسانية التي تحاول قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي التغطية عليها.  هذه الجرائم التي لا تشمل فقط عمليات القتل العمد والقتل خارج نطاق القانون للسكان الفلسطينيين، المحميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة[2]، بل امتدت لتشمل أيضاً عمليات واسعة النطاق استهدفت تدمير الممتلكات والأعيان المدنية.  ووصلت الفظاعة بقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أن منعت فرق وطواقم الإسعاف من الوصول إلى الجرحى لمدة جاوزت الأسبوعين، ما أدى لارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين.

 ما يزيد عن الألفي دبابة ومدرعة وناقلة جنود وعشرات الطائرات الحربية من طراز إف 16 والأباتشي الهجومية والقذائف المدفعية والرشاشات الثقيلة، يعززها أكثر من ستين ألف جندي مدججين بالمعدات الحربية ومزودين ببنادق أمريكية الصنع من طراز إم 60 شديدة الفتك والقتل، اقتحموا المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية، فجر يوم الجمعة 29 آذار/ مارس 2002، وصبوا صواريخهم وقنابلهم وقذائفهم ورصاصهم القاتل على الأراضي الفلسطينية المحتلة.  أكثر من 1585 شهيد سقطوا وما يزيد عن 30000 فلسطيني جرحوا حتى لحظة إعداد هذا التقرير، فيما شرد وهجر ما يزيد عن خمسين ألف فلسطيني من منازلهم بعد أن دمرت وسويت بالأرض.

  الاعتداءات الإسرائيلية طالت فيما طالت كافة مقدرات البنية التحتية للشعب الفلسطيني، وأتت على مباني الوزارات المدنية والمؤسسات الحكومية وشبكة الطرق والهاتف والكهرباء، فيما جرى تدمير كامل لشبكات مياه الشرب ونظام الصرف الصحي في هذه المدن والمخيمات.  ولم تسلم من هذه العمليات الحربية أماكن العبادة من كنائس ومساجد، فقد جرى تدمير وحرق مساجد بأكملها فيما تعرضت كنيسة المهد وكافة الأماكن المسيحية في مدينة بيت لحم لعملية تدمير وحرق وحصار استمر قرابة أربعين يوماً.  أما المؤسسات التعليمية من جامعات ومدارس ومعاهد فقد جرى اقتحامها بالدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية، وألحقت  بها دماراً واسعاً.  ووصل الأمر بقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بالاعتداء على الحقوق الثقافية وموروث الشعب الفلسطيني الثقافي، حيث دمرت المعالم الأثرية والتاريخية في العديد من المدن والقرى والمخيمات، وقصفت العديد من المساجد والكنائس والمباني الأثرية التي تنتشر في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  وكان آخر تلك الهجمات المسعورة هي تلك التي استهدفت مركز خليل السكاكيني الثقافي الذي يعج بالمخطوطات الأثرية والوثائق التاريخية في محاولة يائسة من قبل جنود قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي للقضاء على وطمس تراث وثقافة الشعب الفلسطيني على مر السنين.   

 ما يحدث، ولا يزال يحدث في مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس ومدن ومخيمات وقرى الضفة الغربية المحتلة، هو شاهد على الجرائم المروعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تمت بتنفيذ مباشر من وزير دفاعها بن اليامين بن العيزر وقائد أركانها الجنرال شاؤول موفاز، وبتوجيهات من الطاقم الحكومي المصغر ممثلاً برئيس حكومتها آريئيل شارون ووزير خارجيته شمعون بيريز.[3]  وما يثير الاستهجان أنه في اللحظة التي يشاهد فيها المجتمع الدولي كافة جرائم الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، فانه لا زال يراوح مكانه من حيث ردود الفعل.  فموقف الولايات المتحدة "راعية السلام في المنطقة"، وحتى هذه اللحظة

  

يغطي كافة الجرائم التي ترتكب، فيما تصمت دول الاتحاد الأوروبي وتقدم بعض دولها ردوداً خجولة على الانتهاكات الجسيمة والخطرة والمنظمة التي ترتكبها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وتنفعل الأمم المتحدة بقرارات، توصف عادة بالعقيمة، تصدر عن مجلس الأمن الدولي وبعض أجسامها المختلفة لافتقارها لأية قوة لتنفيذها ووقف المجازر.  وعلى العكس تماماً تجري الإرادة الدولية وراء وصم الشعب الفلسطيني ومقاومته للاحتلال ووجوده على الأراضي الفلسطينية بالإرهاب، وتصف الولايات المتحدة الأمريكية، ولعدة مرات على لسان رئيسها جورج بوش، رئيس حكومة الاحتلال الحربي الإسرائيلي بأنه رجل سلام، ويقوم بأعمال مبررة من أجل الدفاع عن الأمن الإسرائيلي.   

 

 

 

مقدمـــــــة

 للمرة الأولى، ومنذ الحرب العربية الإسرائيلية في الرابع من حزيران/ يونيو 1967، تشن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي حرباً شاملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها تلك الأراضي الخاضعة لولاية السلطة الوطنية الفلسطينية.  يأتي ذلك بعد صعود الجنرال آريئيل شارون إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، تعبيراً عن تصاعد المد اليميني في الدولة العبرية، رغم أن زيارته للحرم القدسي الشريف في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2000 قد شكلت السبب المباشر لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية (انتفاضة الأقصى)، والمستمرة حتى كتابة هذا التقرير. 

 قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وفي إطار الحرب المسعورة التي تشنها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ميزت عملياتها الحربية بنمط جديد طغى على كافة الوسائل والخطط العسكرية التي شنتها خلال التسعة عشر شهراً الماضية من عمر الانتفاضة.  وبتاريخ 28 آذار/ مارس 2002، وفي خطوة نوعية، فاقت كل التوقعات، أعلنت حكومة الاحتلال العسكري الإسرائيلي شن حرب شاملة على ما وصفته بـ " الإرهاب "، وأعلنت الاستنفار العسكري الشامل والتعبئة العامة في صفوف جيشها، وحشدت ما يزيد على الألفي دبابة ومجنزرة ومدرعة وناقلة جنود تعززها الطائرات الحربية من طراز اف 16 وطائرات الأباتشي الهجومية، وما يزيد عن الستين ألف جندي من قواته النظامية والاحتياطية، واجتاحت مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، وبدأت أعمال قصف وقتل وتدمير شاملة، لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا.[4]

قوات الاحتلال الإسرائيلي بدأت عملياتها الحربية في رام الله والبيرة وامتدت لاحقاً إلى كل مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، باستثناء مدينة أريحا، وأطلقت صواريخها وقذائفها ونيران أسلحتها الرشاشة الثقيلة والمتوسطة، ومارست أعمال قتل عشوائي شملت المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال والمعاقين وكبار السن.  كما أدت الهجمات الحربية الإسرائيلية إلى تدمير كافة مقومات الشعب الفلسطيني من شبكات الطرق والمياه والكهرباء والهاتف والمؤسسات الأمنية والمدنية والمنازل.  وقد توجت أعمال قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم حرب ضد السكان في كل من مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس. 

 جرائم الحرب المختلفة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، أضيفت لها جرائم أخرى جديدة تمثلت في الاعتداء على الطواقم الطبية الفلسطينية والدولية، وأدت إلى شلل تام في مجال تقديم خدمات الرعاية الصحية وخدمات الاستشفاء لما يزيد عن المليونين ونصف المليون فلسطيني في مدن ومخيمات وقرى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفاقمت من المأساة الإنسانية لهؤلاء السكان، خصوصاً الأهالي الذين فقدوا أماكن إيوائهم ومنازلهم التي دمرت بالكامل.  وأضافت حكومة الاحتلال الحربي الإسرائيلي جريمة جديدة من جرائم الحرب وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، وذلك عبر قتلها للعديد من أعضاء الطواقم الطبية العاملة، وقيامها بتدمير المستشفيات الثابتة والميدانية والمراكز الطبية والعيادات الصحية وتدمير سيارات الخدمات الطبية والإسعافات.  كما استمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي في منع وصول الإمدادات الطبية من أدوية وضمادات وأدوات طبية للأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنعت طواقم الإسعاف من القيام بمهماتها الإنسانية.

 قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وفي إطار التصعيد المتواصل لحربها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، كرست تحليلنا السابق، الذي أكدناه بالتوثيق القانوني الحي والدقيق، وحذرنا من استمراره في تقرير سابق، والذي مارسته هذه القوات ضد الطواقم الطبية ورجال المهمات الطبية وعربات نقل المرضى والجرحى وكافة مؤسسات الخدمات الصحية الفلسطينية ومراكز الدفاع المدني، والذي يعزز استهداف هذه الطواقم ومؤسساتها عن قصد وسابق إصرار، وتأتي بناءً على أوامر عليا من القيادة السياسية لحكومة الاحتلال وقادة الجيش، وفي إطار تم التخطيط له بشكل مسبق.[5]  وقد شنت مختلف الدوائر السياسية والعسكرية في دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي حملة إعلامية تحريضية واسعة النطاق ضد رجال المهمات الطبية ووسائط النقل الطبية، كالإسعافات وعربات نقل الإمدادات الطبية، حيث وجهت اتهامات واضحة لطواقم الإسعاف الفلسطينية بالمساهمة والمساعدة في نشاطات غير قانونية، كنقل السلاح ومساعدة بعض نشطاء الانتفاضة الفلسطينية على التنقل والحركة باستخدام سيارات الإسعاف.  وقد عرضت وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية لدولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي هذه الدعاية من أجل تبرير اعتداءات قواته على الطواقم الطبية الفلسطينية وسيارات إسعاف ونقل الجرحى والمرضى.  والمصادفة الغريبة، والتي يمكن أن تبعث على السخرية، أن هذه الدعاية المغرضة والموغلة في الكذب والنفاق قد عريت تماماً، وكشف عدم صحتها عندما قامت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وحتى المكتوبة منها، بعرض الفظاعات التي ارتكبتها دبابات قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي وهي تقوم بعملية تحطيم سيارات الإسعاف الفلسطينية التي كانت تتواجد في طريقها، وتدمرها بالكامل.  إن فظاعة الاعتداءات على الأطباء والممرضين والمسعفين، والذين كانوا في غالبيتهم يتحركون بعد التنسيق المسبق مع مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو بمرافقتهم في أحيان أخرى كثيرة، وقتلهم بدم بارد ودون أدنى وازع من المسوؤلية أو إصابتهم بجراح هو دليل حي وبشهادة محايدين من منظمة دولية يعزز الهدف الذي سعت إليه الحملة الإعلامية لسلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بكافة مستوياته القيادية، العسكرية أو السياسية، والتي إن لم تعط أوامر علنية ومباشرة لقواتها الميدانية لضرب كل فلسطيني، مدنياً كان أم طبيباً أو ممرضاً أو مسعفاً، فإنها بالتأكيد قد وفرت الغطاء الضروري اللازم لتنفيذ مثل هذه الاعتداءات والانتهاكات الجسيمة.   

 إن الارتفاع الملحوظ في حجم النشاطات الحربية التي استهدفت أعضاء هذه الطواقم يؤكد صحة الاستنتاجات، فقد سقط خلال الفترة التي يغطيها التقرير ثمانية شهداء من الأطباء والممرضين والمسعفين وسائقي سيارات الإسعاف، مما يرفع عدد الشهداء من رجال المهمات الطبية، منذ بدء الانتفاضة، إلى خمسة عشر شهيداً قضوا بينما كانوا يحاولون تقديم خدمات الإسعاف والعلاج للمحتاجين من المرضى والجرحى.[6]  فيما أصيب ما يزيد عن مائة وخمسين منهم أثناء تأديتهم واجبهم الإنساني، ليرتفع عدد الجرحى والمصابين في صفوف الطواقم الطبية، منذ بدء الانتفاضة وحتى الفترة التي يغطيها التقرير، إلى ما يزيد عن مائتين وخمسين شخصاً.  وقد تعرضت عشرات المستشفيات الميدانية والثابتة والعيادات والمستوصفات الطبية لعمليات التدمير والتخريب والأضرار الجسيمة، فيما لا تزال العديد من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية تعاني أوضاعاً صحية خطيرة بسبب منع وصول الإمدادات الطبية اللازمة للسكان المدنيين، سواءً للجرحى أو للمرضى.

 ويخشى على حياة السكان المدنيين الذين قضى عدد كبير منهم، وخاصة الأطفال المواليد والرضع والنساء، خاصة الحوامل والمرضعات، والمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة كأمراض السكر والضغط والقلب والسرطان من مضاعفات خطيرة بسبب تعذر حصولهم على العلاجات اللازمة وفي الوقت المناسب.  لقد تسبب الحصار الجائر المفروض على الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى وفاة 47 من السكان، خاصة النساء الحوامل اللاتي وضعن أطفالهن على الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي منعت مرور عربات الإسعاف، والمرضى الذين كانوا في طريقهم إلى تلقي العلاج في العيادات الطبية والمستشفيات.  كما اضطرت ما يزيد عن عشرين امرأة فلسطينية من الولادة قرب الحواجز العسكرية التابعة لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، والتي أغلقت الطرق والشوارع في كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 كما أدى تقطيع أوصال المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية إلى وفاة العديد من السكان المدنيين، وذلك بسبب إعلان قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عن العديد منها كمناطق عسكرية مغلقة وفرض نظام منع التجول عليها لفترات طويلة، منع بموجبه السكان من الخروج من مناطق سكنهم التي تفتقر لوجود أي شكل من أشكال الرعاية الصحية.  ما يزيد عن الخمسمائة انتهاك لحق الطواقم الطبية في التنقل والحركة بحرية سجلت خلال الفترة التي يغطيها التقرير، ما أدى لتدهور خطير في الأوضاع الصحية للجرحى والمصابين والنساء الحوامل والمرضى، وهو ما عكس حالة الاستخفاف بحياة المرضى والجرحى من المدنيين الفلسطينيين الذين كانوا بأمس الحاجة للعلاج والرعاية الصحية.

 وقد سجلت مئات الحالات من الانتهاكات الجسيمة التي أقدمت على ارتكابها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ضد رجال المهمات الطبية وسيارات الإسعاف.  فقد تعرضت أكثر من ثلاثين سيارة إسعاف لعملية تدمير كامل في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بدء الانتفاضة، وعانت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، كبرى المؤسسات الصحية الفلسطينية، والتي تملك أكبر أسطول من سيارات الإسعاف والطوارئ، بسبب العمليات الحربية لجنود الاحتلال ضد عرباتها وأفراد طواقمها.  كما تعرضت سيارات الإسعاف والطوارئ التابعة لوزارة الصحة ووكالة الغوث الدولية واتحاد لجان الإغاثة الطبية واتحاد لجان العمل الصحي والخدمات الطبية العسكرية وسيارات الإسعاف التابعة لجهاز الدفاع المدني وإسعافات المستشفيات والمؤسسات الصحية الخاصة لاعتداءات تسببت في تدمير جزء منها وإعطاب عدة سيارات جراء استهدافها من الأسلحة المختلفة لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي. 

 وتدير جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أسطولاً تابعاً لدائرة الإسعاف والطوارئ في كافة مدن ومخيمات وقرى الأراضي الفلسطينية المحتلة، يبلغ قوامه قرابة المائة سيارة إسعاف، وذلك من خلال ثلاثين مركزاً للإسعاف منها أربعة وعشرون مركزاً في الضفة الغربية وستة مراكز أخرى في قطاع غزة. وقد حجبت الإمدادات الطبية ورسالات الأدوية عن المحطات الميدانية ومراكز الرعاية الأولية التابعة للجمعية والبالغ عددها اثنين وعشرين مركزاً.  تعرض أسطول الإسعافات التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني لأكثر من مائتي انتهاك على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، أدت لإصابة ستة وستين سيارة إسعاف بأضرار بالغة وتدمير كلي أو جزئي بسبب الإصابات المباشرة التي استهدفتها.  ومن بين تلك الإسعافات دمر ما يقرب من عشرين سيارة إسعاف وخرجت من الخدمة لفداحة الأضرار التي وقعت فيها.

 لقد كانت الطواقم الطبية الفلسطينية ووسائط نقلها، ولا تزال، تظهر في الميدان بشكل مميز عن كافة الأشخاص سواءً العسكريين منهم أم المدنيين.  فأفراد تلك الطواقم وباستمرار يلبسون ألبسة مميزة وعليها الشارات المميزة والتي تشير إلى عملهم في المجال الطبي والخدمات الصحية.  ومن جهة ثانية فإن سيارات الإسعاف ووسائط نقل المرضى والجرحى وعربات الإمدادات الطبية أيضاً مميزة بعلامات تظهر بشكل أكثر وضوحاً عن غيرها من وسائل النقل الأخرى العسكرية أو المدنية.  ومن جهة ثالثة فإن كافة المؤسسات الصحية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سواءً تلك التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية أو لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أو الأخرى التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أو المؤسسات الأهلية الفلسطينية أو القطاع الخاص، تظهر وبشكل واضح ومميز عبر يافطات مكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية وأعلام مرفوعة في أعلى مبانيها تشير إلى طبيعة تلك المؤسسات وعملها في المجال الصحي، حيث تقدم الخدمات الإنسانية في مجال الرعاية الصحية.

 تعاملت الطواقم الطبية الفلسطينية المختلفة بقدر عال من المسؤولية في تقديم خدمات الرعاية الصحية لكافة محتاجيها، سواءاً كانوا من الجرحى والمصابين الذين سقطوا خلال الاعتداءات المختلفة التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، أو من المرضى من النساء الحوامل والنفاس والأطفال وكبار السن.  ومنذ بدء الانتفاضة، في التاسع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2000 وحتى الفترة التي يتناولها التقرير، سقط على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي 1585 شهيداً فلسطينياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما أصيب ما يزيد عن ثلاثين ألف فلسطيني آخر بإصابات مختلفة.  وقد تلقى جل الشهداء والجرحى والمصابين خدمات الإسعاف والطوارئ على أيدي رجال المهمات الطبية، وبشكل عاجل سواء في سيارات الإسعاف أو في المستشفيات الميدانية التي أقيمت في العديد من مناطق الأحداث، نظراً لبعد العيادات والمستشفيات النسبي عن هذه المناطق.  إن ضخامة الأرقام المشار إليها، حول عدد الشهداء والجرحى، تشير وبشكل لا يدع مجالاً للشك أن هذه الطواقم قد تحملت مسؤوليات ضخمة تفوق إمكانياتها الفعلية من حيث عدد سيارات الإسعاف التي تتوفر لديها والمعدات والأجهزة الطبية اللازمة لها.

 ورغم كل الصعوبات والعراقيل والتهديد الحقيقي الذي نال من عدد كبير من أفرادها، سواء الضحايا الذين سقطوا وهم يؤدون واجبهم الإنساني، أو أولئك الذين جرحوا وأصيبوا برصاص قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، أو حتى من تعرض منهم لعمليات اعتداء بالضرب والإهانة والمعاملة القاسية والحاطة بالكرامة الإنسانية، والتي وصلت حد إجبار بعضهم على التعري الكامل وسط أجواء من البرد القارس والشديد ولعدة ساعات، أو حتى أولئك الذين جرى إيقافهم واعتقالهم والتحقيق معهم, رغم كل ذلك أصر هؤلاء على تحمل كافة المشاق والآلام من أجل الوصول لمن يحتاج علاجاً أو تطبيباً.  وقد شكل هؤلاء نموذجاً يحتذى في التضحية والقيام بكافة المحاولات الممكنة التي يمكن أن تخفف عن كاهل المصاب أو الجريح أو تلك التي يمكن أن تؤدي لإجلاء شهيد سقط هنا أو هناك.  الطواقم الطبية الفلسطينية مثلت حالة فريدة من نوعها وهي تقوم بإسعاف الجرحى والمرضى في الميدان، وشكلت ظاهرة جديرة بالدراسة اللاحقة من حيث قدرتها على التحرك السريع والفوري من أجل بلوغ هدفها في نقل المرضى والجرحى.  وقد أكملت تلك الطواقم مشوارها عبر القيام بعلاج كافة الحالات الطبية التي وصلت إلى المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية، وقامت بإجراء العمليات الجراحية اللازمة للآلاف منهم، في وقت افتقدت فيه العديد من المنشآت الطبية لأبسط التجهيزات والمعدات الطبية والأدوية والعلاجات التي نفذت، ولم يتسنى تعويضها أو إحضار ما يعوضها بسبب الحصار الجائر الذي فرضته قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على مدن وقرى ومخيمات الأراضي الفلسطينية المحتلة.  

 الاستخدام المفرط للقوة القاتلة التي مارستها، ولا تزال، قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي منذ بداية الانتفاضة، تبرز وبشكل واضح مدى الحاجة الملحة للتدخل الدولي الفاعل من أجل وقف حمام الدم الفلسطيني الذي يسيل يومياً، من أجل وقف كافة الانتهاكات التي وصلت حداً خطيراً، ولضمان الحفاظ على حياة أبنائه وضمان سلامتهم وأمنهم.  إن ذلك يعني ضرورة الإسراع بتشكيل قوات دولية تتولى مسؤولية حماية المدنيين ومنع كافة الانتهاكات التي يجري ارتكابها بحقهم.  كما يعني الحفاظ على ممتلكاتهم وأعيانهم المدنية.  إن شعباً لا زال يناضل من أجل تمتعه بأحد حقوقه الأساسية المتمثل في حقه في تقرير المصير، لا يمكن أن تستمر مواجهة إرادته باستخدام الدبابات والطائرات الحربية والمروحية وكافة أنواع الأسلحة الفتاكة والقاتلة أو تلك التي تخلف الإعاقات الدائمة في أجسام البشر أو التي تتسبب في أضرار تدميرية في الممتلكات والأعيان المدنية.

 

القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني

 تشكل حماية واحترام حقوق الإنسان في الأوضاع الطبيعية، كما في أوقات الحرب والنزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، الاهتمام الأساسي لكل من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.  وقد أكدت الشرعة الدولية لحقوق الإنسان على أن كرامة جميع أعضاء الأسرة البشرية المتأصلة فيهم، وحقوقهم المتساوية والثابتة تشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم.  كما أعادت شعوب الأمم المتحدة، في ميثاق الأمم المتحدة، تأكيد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية، وبكرامة الإنسان وقدره، من أجل النهوض بالتقدم الاجتماعي وتحسين مستويات الحياة في فضاء من الحرية أوسع.  كما يهدف القانون الدولي الإنساني إلى حماية الأشخاص المتضررين، في حالات النزاعات المسلحة التي تأخذ الطابع الدولي أو غير الدولي، وأموالهم وممتلكاتهم.  وتعتبر قواعد القانون الدولي الإنساني أن الإنسان يتمتع بحصانة، وبالتالي فان كل من لا يشارك في الأعمال الحربية يجب أن يخضع للحماية من الاعتداء على حياته.  كما أن من يشارك في القتال أو الأعمال الحربية يجب أن يخضع للحماية من الاعتداء على حياته حينما يصبح غير قادراً على القتال.  وبموجب قواعد القانون الدولي الإنساني يمنع التعذيب بشتى أنواعه، وتحترم الشخصية القانونية حتى لضحايا الحرب الذين يبقون على قيد الحياة. وتنص قواعد هذا القانون على احترام الحقوق العائلية واحترام الشرف والمعتقدات والعادات والتقاليد، كما تحمي الملكية الفردية. 

 ووفقاً للقانون الدولي الإنساني يتمتع السكان المدنيين والصحافيين وأفراد المهمات الإنسانية وطواقم الحماية المدنية لنوع خاص من الحماية توفرها لهم اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.  وتنص المادة الرابعة، في الفقرة الأولى منها على أن الأشخاص المدنيين هم " أولئك الأشخاص الذين يجدون أنفسهم في لحظة ما وبأي شكل كان، في حالة قيام نزاع مسلح أو حالة احتلال، تحت سلطة طرف في النزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال ليسوا من رعاياها."  وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة فإن عمليات التعذيب والإكراه والعقوبات الجماعية وتنفيذ أعمال انتقامية أو فرض الحصار واحتجاز الرهائن أو ترحيل السكان بشكل قسري، فردياً أو جماعياً، أو تدمير الممتلكات والأعيان المدنية، أو نقل سكان من رعايا الدولة المحتلة إلى المناطق المحتلة أو مصادرة الأراضي، كلها تعتبر أعمالاً محظورة بموجب الاتفاقية.  كما تكفل الاتفاقية احترام حقوق الإنسان بما فيها الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.[7]

 ويشكل حق السكان الفلسطينيين في تلقي الرعاية الصحية أحد الحقوق التي ينص عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.  وتكفل المادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حرية مرور الأدوية والمهمات الطبية المختلفة اللازمة للسكان المدنيين، حيث تنص على أن: " على كل طرف من الأطراف السامية المتعاقدة أن يكفل حرية مرور رسالات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العبادة المرسلة حصراً إلى سكان طرف متعاقد آخر المدنيين، حتى لو كان خصماً.  وعليه كذلك الترخيص بحرية مرور أي رسالات من الأغذية الضرورية، والملابس، والمقويات المخصصة للأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، والنساء الحوامل أو النفاس…".  وعليه فإن دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي ملزمة، وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وفي ظل ظروف الحرب التي تشنها بضمان الوصول المستمر لكافة الاحتياجات اللازمة للسكان المدنيين الفلسطينيين من أدوية ومعدات طبية ووسائط نقل وعلاجات ولقاحات وتطعيمات وغيره من المهمات الطبية المختلفة، ووسائط النقل كعربات الإسعاف ونقل المرضى والجرحى، وسواءً كانت مرسلة من قبل أفراد أو جماعات أو دول أو منظمات إنسانية، والتي تضمن تمتع هؤلاء السكان بأفضل مستوى من الرعاية الصحية يمكن الوصول إليه.  إن واجب دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي حددته بشكل أكثر تفصيلاً، فيما يتعلق بتموين السكان المدنيين، المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تنص على: " من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها، على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمهمات الطبية وغيرها إذا كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية...".  والحق في الحصول على الغذاء الكافي والحق في الرعاية الصحية يرتبطان ببعضهما ارتباطاً ينبع من كونهما يشكلان مكانة ذات أهمية خاصة في منظومة حقوق الإنسان، حيث يعتمد استمرار الحفاظ على حق الإنسان في الحياة والبقاء عليهما، ويشكلان أساساً لاستمرار الإنسان من أجل تمتعه بباقي حقوقه.  وعليه فإن انتهاك أحدهما أو كلاهما يعرض الحقوق الأخرى للانتهاك.  فكيف يمكن أن نحفظ حق الإنسان في التمتع بجملة من حقوقه المدنية والسياسية أو حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إذا ما كان يعاني بسبب حرمانه من الرعاية الصحية اللازمة له أو إذا أصبح مهدداً بالجفاف أو الموت بسبب عدم وجود الغذاء الكافي والمناسب له.      

 وقد أولت الإعلانات والمواثيق و المعايير الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان الحق في الصحة أهمية كبيرة، وشددت على ضرورة صون هذا الحق في كل الظروف والأحوال، ولا يجوز بأي حال المساس به أو التعرض له، حيث تنص المادة 25 من  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن " لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه".  كما تنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن[8]:

1 - تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه.

2 - تشمل التدابير التي يتعين على الدول الأطراف في هذا العهد اتخاذها لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق، تلك التدابير اللازمة من أجل:-

(أ) العمل على خفض معدل موتى المواليد ومعدل وفيات الرضع وتأمين نمو الطفل نمواً صحياً ،

(ب) تحسين جميع جوانب الصحة البيئية والصناعية ،

(ج) الوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية والأمراض الأخرى وعلاجها ومكافحتها ،

(د) تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض.

 

في حين أشارت المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية " أنه لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة . وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر" .

 
 

كما أكدت المادة 12 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على أن:-

1 - تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية من أجل أن تضمن لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة، الحصول على خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك الخدمات المتعلقة بتنظيم الأسرة.

2 - بالرغم من أحكام الفقرة 1 من هذه المادة تكفل الدول الأطراف للمرأة خدمات مناسبة فيما يتعلق بالحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة، موفرة لها خدمات مجانية عند الاقتضاء، وكذلك تغذية كافية أثناء الحمل والرضاعة.

 كما يؤكد المبدأ الرابع من إعلان حقوق الطفل أنه"  يجب أن يتمتع الطفل بفوائد الضمان الاجتماعي وأن يكون مؤهلاً للنمو الصحي السليم.  يجب أن يحاط هو وأمه بالعناية والحماية الخاصتين اللازمتين قبل الوضع وبعده.  وللطفل حق في قدر كاف من الغذاء والمأوى واللهو والخدمات الطبية" .

 

في حين تشير المادة 24 من اتفاقية حقوق الطفل إلى ضرورة أن:-

1 - تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في التمتع بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه وبحقه في مرافق علاج الأمراض وإعادة التأهيل الصحي.  وتبذل الدول الأطراف قصارى جهدها لتضمن ألا يحرم أي طفل من حقه في الحصول على خدمات الرعاية الصحية هذه.

2 - تتابع الدول الأطراف إعمال هذا الحق كاملاً وتتخذ بوجه خاص، التدابير المناسبة من أجل:-

( أ ) خفض وفيات الرضع والأطفال .

(ب) كفالة توفير المساعدة الطبية والرعاية الصحية اللازمتين لجميع الأطفال مع التشديد على تطوير الرعاية الصحية الأولية.

(ج) مكافحة الأمراض وسوء التغذية حتى في إطار الرعاية الصحية الأولية، عن طريق أمور منها تطبيق التكنولوجيا المتاحة بسهولة وعن طريق توفير الأغذية المغذية الكافية ومياه الشرب النقية، آخذة في اعتبارها أخطار تلوث البيئة ومخاطره.

(د) كفالة الرعاية الصحية المناسبة للأمهات قبل الولادة وبعدها.

(هـ) كفالة تزويد جميع قطاعات المجتمع، ولا سيما الوالدين والطفل، بالمعلومات الأساسية المتعلقة بصحة الطفل وتغذيته، ومزايا الرضاعة الطبيعية، ومبادئ حفظ الصحة والإصحاح البيئي، والوقاية من الحوادث، وحصول هذه القطاعات على تعليم في هذه المجالات ومساعدتها في الاستفادة من هذه المعلومات.

(و) تطوير الرعاية الصحية الوقائية والإرشاد المقدم للوالدين، والتعليم والخدمات المتعلق بتنظيم الأسرة.

3 -  تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الفعالة والملائمة بغية إلغاء الممارسات التقليدية التي تضر بصحة الأطفال.

4 - تتعهد الدول الأطراف بتعزيز تشجيع التعاون الدولي من أجل التوصل بشكل تدريجي إلى الإعمال الكامل للحق المعترف به في هذه المادة.  وتراعى بصفة خاصة احتياجات البلدان النامية في هذا الصدد.

 

كما تنص المادة 8 من إعلان الحق في التنمية على أن:-

1 - ينبغي للدول أن تتخذ، على الصعيد الوطني، جميع التدابير اللازمة لإعمال الحق في التنمية ويجب أن تضمن، في جملة أمور، تكافؤ الفرص للجميع في إمكانية وصولهم إلى الموارد الأساسية، والتعليم والخدمات الصحية والغذاء والإسكان والعمل والتوزيع العادل للدخل.  وينبغي اتخاذ تدابير فعالة لضمان قيام المرأة بدور نشط في عملية التنمية.  وينبغي إجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية مناسبة بقصد استئصال كل المظالم الاجتماعية.

 

أما المادة 5 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري فتشير إلى أنه " إيفاءً للالتزامات الأساسية المقررة في المادة 2 من هذه الاتفاقية، تتعهد الدول الأطراف بحظر التمييز العنصري والقضاء عليه بكافة أشكاله، وبضمان حق كل إنسان، دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الإثني في المساواة أمام القانون، لا سيما بصدد الحقوق التالية:

 

(ه) الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما الحقوق التالية:…

"4 " حق التمتع بخدمات الصحة العامة والرعاية الطبية والضمان الاجتماعي والخدمات الاجتماعية.

 

وينص الإعلان الخاص بحقوق المتخلفين عقلياً على أن " للمتخلف عقلياً حق في الحصول على الرعاية والعلاج الطبيين المناسبين وعلى قدر من التعليم والتدريب والتأهيل والتوجيه يمكنه من إنماء قدراته وطاقاته إلى أقصى حد ممكن".

 وجاء في الباب الثاني من الإعلان حول التقدم والإنماء في الميدان الاجتماعي أنه " يجب أن يستهدف التقدم والإنماء في الميدان الاجتماعي تحقيق الارتفاع المتواصل بالمستويين المادي والروحي لحياة جميع أفراد المجتمع، مع احترام ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية"، وذلك بتحقيق الأهداف الرئيسية التالية:

1- تأمين الحق في العمل على جميع المستويات وحق كل إنسان في تكوين النقابات ورابطات العمال وفي المفاوضات الجماعية، وتعزيز العمالة المنتجة، والقضاء على البطالة والعمالة الناقصة، وتهيئة شروط وظروف العمل العادلة والملائمة للجميع، بما في ذلك تحسين الظروف المتعلقة بالصحة والسلامة .... الخ.

2- الوفاء بأعلى المعايير الصحية، وتوفير الحماية الصحية لمجموع السكان، مجاناً عند الإمكان.

 

وأشار الإعلان بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة أنه " لا يجوز حرمان النساء والأطفال، من بين السكان المدنيين الذين يجدون أنفسهم في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة أثناء الكفاح في سبيل السلم وتقرير المصير والتحرر القومي والاستقلال أو الذين يعيشون في أقاليم محتلة، من المأوى أو الغذاء أو المعونة الطبية أو غير ذلك من الحقوق الثابتة، وفقاً لأحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإعلان حقوق الطفل، وغير ذلك من صكوك القانون الدولي".

 وتصنف العمليات الحربية، التي تنفذها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، باعتبارها انتهاكات خطرة للقانون الدولي الإنساني.  وحسب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية السكان المدنيين زمن الحرب، توصف هذه الأعمال بالمخالفات الجسيمة.  وتمثل العمليات التي تستهدف الفرق والطواقم الطبية الفلسطينية العاملة وسيارات الإسعاف ووسائط النقل الطبية شكلاً من أشكال القتل العمد، والذي يندرج في إطار المخالفات الجسيمة وفقاً لما تنص عليه المادتين 146، 147.[9]  كما تشكل هذه الجرائم انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة والحرية والأمان باعتبارها جزءاً من الحقوق المدنية والسياسية والتي ينص عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

 وقد حددت المواد (المادة 14 وحتى المادة 23) من الاتفاقية وجوب إنشاء مناطق ومواقع للاستشفاء، بما فيها مناطق الاستشفاء الميداني الآمنة، والتي تسمح بحماية الجرحى والمرضى المدنيين الذين لا يشتركون في أية أعمال ذات طابع عسكري، وذلك في حالة نشوب الأعمال العدائية.  ومنعت مهاجمة المستشفيات المدنية المعدة لتقديم الرعاية الصحية للجرحى.  كما تنص المادة 20 من الاتفاقية على وجوب احترام وحماية الموظفين العاملين في إدارة وتشغيل المستشفيات، بمن فيهم طواقم الإسعاف والممرضين والمسعفين الذين يقومون بنقل وإخلاء الجرحى من أماكن العمليات ذات الطابع العسكري.  وتنص المادة 23 إلى التزام الأطراف السامية المتعاقدة بكفالة حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية.  وقد عزز البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949، والمتعلق بضحايا المنازعات  المسلحة الدولية، آليات حماية رجال المهمات الطبية، وتسهيل عمليات نقل الجرحى والمصابين في مناطق الأعمال الحربية، وكرس ضرورة حمايتهم وعدم التعرض لهم بأية أعمال تسبب لهم الأذى والضرر.[10]

 

من هم أفراد الخدمات والمهمات الطبية؟

 إن التساؤل بشأن تحديد ماهية أفراد الخدمات والمهمات الطبية أمر ضروري لضمان توفير الحماية اللازمة والتعهد بضمان حرية تنقلهم وحركتهم، من أجل القيام بواجباتهم في إجلاء أو نقل الضحايا سواءً كانوا قتلى أم مصابين، أو حتى مرضى.  ويعتبر تحديد من ينطبق عليهم هذا اللفظ الدقيق، من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني، هدفاً أساسياً من أجل سلامة وأمان الوحدات الطبية ووسائط النقل الخاصة بهم من قبل الأطراف المتحاربة أو التي تدور أعمالاً مسلحة في مناطقهم.  وقد يستغرب البعض حينما يعلم أن القانون الدولي الإنساني قد أعطى مجالاً أوسع، ينضوي بموجبه العديد من الجماعات والأفراد الذين ينطبق عليهم هذا التعريف.  إن ذلك ينبغي أن يكون له أثر كبير في تدريب القوات المتحاربة أو المتنازعة من أجل تدريب قواتها في ميادين القتال على ضرورة تجنب استهداف أو التعرض لهؤلاء الأفراد.  وبالتالي فإن الالتزام الناشئ من تعاقد الأطراف السامية على اتفاقية جنيف الرابعة، يلزمها بتقديم التعليمات والتوجيه اللازم، بل وربما التدريب على هذه القواعد لأفراد قواتها من أجل احترامها لها، وعدم خرق هذه القواعد بأي شكل إلا في إطار ما تسمح به هذه الاتفاقية.  وتحتل مسألة احترام أفراد الخدمات والمهمات الطبية أولوية خاصة، كون هذه الفئة تقوم بنشاطات إنسانية، تهدف إلى تجنب وقوع أية مضاعفات على حياة الضحايا والجرحى والمصابين من المدنيين.[11]

 

يحدد البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف الموقعة في العام 1949، على وجه الحصر، مفهوم أفراد الخدمات الطبية والمهمات الطبية.  وقد خصصت المادة الثامنة من القسم الأول ( الباب الثاني من البروتوكول) للتعريف الدقيق بهذا المصطلح، حيث تنص المادة على ما يلي:

"يقصد بالتعابير التالية لأغراض هذا الملحق " البروتوكول" المعنى المبين قرين كل منها:

(ج) "أفراد الخدمات الطبية هم الأشخاص الذين يخصصهم أحد أطراف النزاع إما للأغراض الطبية دون غيرها المذكورة في الفقرة (ه) وإما لإدارة الوحدات الطبية، وإما لتشغيل أو إدارة وسائط النقل الطبي، ويمكن أن يكون مثل هذا التخصيص دائماً أو وقتياً، ويشمل التعبير:

- أفراد الخدمات الطبية، عسكريين كانوا أم مدنيين، التابعين لأحد أطراف النزاع بمن فيهم الأفراد المذكورين في الاتفاقيتين الأولى والثانية، وأولئك المخصصين لأجهزة الدفاع المدني؛

- أفراد الخدمات الطبية التابعين لجمعيات الصليب الأحمر الوطنية (الهلال الأحمر والأسد والشمس الأحمرين) وغيرها من جمعيات الإسعاف الوطنية الطوعية التي يعترف بها ويرخص لها أحد أطراف النزاع وفقاً للأصول المرعية؛

- أفراد الخدمات الطبية التابعين للوحدات الطبية أو وسائط النقل الطبي المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة التاسعة؛

- "أفراد الهيئات الدينية" هم الأشخاص عسكريين كانوا أم مدنيين، كالوعاظ، المكلفون بأداء شعائرهم دون غيرها والملحقون:

     بالقوات المسلحة لأحد أطراف النزاع؛

- أو بالوحدات الطبية أو وسائط النقل الطبي التابعة لأحد أطراف النزاع؛

- أو  بالوحدات الطبية أو وسائط النقل الطبي المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة التاسعة؛

- أو أجهزة الدفاع المدني لطرف في النزاع.  ويمكن أن يكون إلحاق أفراد الهيئات الدينية إما بصفة دائمة وإما بصفة وقتية وتنطبق عليهم الأحكام المناسبة من الفقرة (ك)؛

(ه) "الوحدات الطبية" هي المنشآت وغيرها من الوحدات عسكرية كانت أم مدنية التي تم تنظيمها للأغراض الطبية أي البحث عن الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار وإجلائهم ونقلهم وتشخيص حالتهم أو علاجهم، بما في ذلك الإسعافات الأولية، والوقاية من الأمراض.  ويشمل التعبير، على سبيل المثال، المستشفيات وغيرها من الوحدات المماثلة ومراكز نقل الدم ومراكز ومعاهد الطب الوقائي والمستودعات الطبية والمخازن الطبية والصيدلية لهذه الوحدات، ويمكن أن تكون الوحدات الطبية ثابتة أو متحركة دائمة أو وقتية؛

(و) "النقل الطبي" هو نقل الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار  وأفراد الخدمات الطبية والهيئات الدينية والمعدات والإمدادات الطبية التي يحميها الاتفاقيات وهذا الملحق" البروتوكول" سواء كان النقل في البر أو في الماء أم في الجو؛

(ز) "وسائط النقل الطبي" أية وسيطة نقل عسكرية كانت أم مدنية دائمة أو وقتية تخصص للنقل الطبي دون سواه تحت إشراف هيئة مختصة تابعة لأحد أطراف النزاع؛

(ح) "المركبات الطبية" هي أية واسطة للنقل الطبي في البر؛

(ط) "السفن والزوارق الطبية" هي أية وسيطة للنقل الطبي في الماء؛

(ي) "الطائرات الطبية" هي أية وسيطة للنقل الطبي في الجو؛

(ك) "أفراد الخدمات الطبية الدائمون" و " الوحدات الطبية الدائمة" و " وسائط النقل الطبي الدائمة" هم المخصصون للأغراض الطبية دون غيرها لمدة غير محددة.  و " أفراد الخدمات الطبية الوقتيون" و " الخدمات الطبية الوقتية" و " وسائط النقل الطبي الوقتية" هم المكرسون للأغراض الطبية دون غيرها لمدة محددة خلال المدة الإجمالية للتخصيص. وتشمل تعبيرات " أفراد الخدمات الطبية" و " الوحدات الطبية" و " وسائط النقل الطبي" كلا من الفئتين الدائمة والوقتية ما لم يجر وصفها على نحو آخر؛

(ل) "العلامة المميزة" هي العلامة المميزة للصليب الأحمر أو الهلال الأحمر أو الأسد والشمس الأحمرين على أرضية بيضاء إذا ما استخدمت لحماية وحدات ووسائط النقل الطبي وحماية أفراد الخدمات الطبية والهيئات الدينية وكذلك المعدات والإمدادات؛

(م) "الإشارة المميزة" هي أية إشارة أو رسالة يقصد بها التعرف فحسب على الوحدات ووسائط النقل الطبي المذكورة في الفصل الثالث من الملحق رقم (1) لهذا الملحق "البروتوكول" ."

  

 

 

سياسة قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة

 شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة تصعيداً خطيراً في استخدام قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي للقوة المفرطة وغير المتناسبة التي تجاوزت كل التوقعات.  وأبرز ما ميزت الفترة، التي يغطيها هذا التقرير هو التعليمات والأوامر العسكرية التي أعطيت لقيادة وأفراد هذه القوات، من قبل القيادة السياسية لحكومة إسرائيل.  وعلى الرغم من عدم وضوح التعليمات والأوامر العسكرية التي اتبعتها القوات الحربية الإسرائيلية في مدن ومخيمات وقرى الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن الممارسات والنتائج التي تبعتها تؤكد إعطاء تعليمات تكرس فكرة استهداف وقتل الفلسطينيين.  كما يؤكد سقوط الضحايا من الشهداء والجرحى وحتى المرضى وبأعداد كبيرة وفي فترات وجيزة على تجاوز التعليمات والأوامر العسكرية التي نفذها الجنود في الميدان لكافة القواعد والمعايير الدولية لكل من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.  فعلى سبيل المثال، وبتاريخ 8/3/2002 ، سقط عشرون شهيداً في قطاع غزة، بينهم اثني عشر مدنياً ومسعفاً طبياً، خلال أقل من خمس ساعات بقذائف ورصاص قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي.[12] 

 عشوائية إطلاق نيران الأسلحة الرشاشة من الأعيرة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة على السكان الفلسطينيين، واستهدافها فرق الممرضين والأطباء وأفراد الخدمات الإنسانية لم يكن يصل لمثل هذه النتائج الكارثية لولا وجود موافقة، أو مباركة في أسوأ الأحوال من قبل الحكومة السياسية لدولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي.  إن عدم وجود أي نوع من التحقيقات الجدية، سواءً من قبل قيادة هذه القوات أو الحكومة الإسرائيلية أو القضاء الإسرائيلي، في حالة سقوط ضحايا من المدنيين أو الطواقم الطبية أو الصحفيين تؤكد الموافقة الضمنية لكل هذه الأجسام التنفيذية والتشريعية والقضائية، لدولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي، على هذه الانتهاكات الخطرة والجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي تم اقترافها.  ولا يمكن لهذه الأطراف الثلاثة التذرع بعدم معرفتهم أو علمهم بكل حادثة على حدة، إذ أن تقاريراً تفصيلية تصل لهذه الأطراف وبشكل متواصل.  كما أن وسائل الإعلام تعرض تفاصيلاً تكفي لكي تتحرك القيادة السياسية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، هذا إن كانت فعلاً معنية باحترام قواعد القانون الدولي.

 وخلال المواجهات المستمرة حتى كتابة هذا التقرير، اعتدت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف بطرق عدة ومختلفة.  وانتهكت حقوقهم في الحماية والأمان والسلامة على أرواحهم خلال قيامهم بمهامهم الإنسانية، للحفاظ على حق المدنيين في الحياة.  ولم تكتف تلك القوات بعمليات الاستخدام المفرط للقوة ضد كل من يتواجد في مناطق المواجهات، والتي أدت في حقيقة الأمر إلى قتل وجرح ضحايا من رجال المهمات الطبية والطواقم المسعفة في العديد من محافظات ومدن وقرى الأراضي الفلسطينية المحتلة.  ومما يدلل على الاستهداف الواضح لهؤلاء العاملين ، لإنقاذ حياة الأشخاص المصابين، أن الرصاص والقذائف المختلفة والتي أطلقت عشوائياً، كان هدفها وباستمرار ثني هؤلاء عن قيامهم بواجباتهم الإنسانية تجاه الآلاف من الجرحى والمصابين والمرضى. 

 قوات الاحتلال الإسرائيلي استهدفت، وفي غالبية أعمالها الحربية التي لا زالت مستمرة حتى اليوم، أفراد الخدمات الصحية وطواقم المهمات الطبية الفلسطينية بشكل عمد.  وقد هدفت فيما يبدو منع وصول أفراد الخدمات الطبية للمرضى والجرحى والمصابين.  ويدلل على ذلك قيام هذه القوات، خلال عملياتها العدوانية، بالاستخدام المفرط للقوة ضد هذه الطواقم.  ولم تنته جرائم الاحتلال ضد الطواقم الفلسطينية الطبية عند هذا الحد، بل تعدته لتشمل إطلاق القذائف الصاروخية والأسلحة الرشاشة من العيارين الثقيل والمتوسط والرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز والصوت ضد سيارات الإسعاف، وضد المستشفيات، الميدانية والدائمة منها، والعيادات الطبية التابعة لكل من وزارة الصحة الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة، والهلال الأحمر الفلسطيني والخدمات الطبية العسكرية والمؤسسات الطبية الأهلية الأخرى وعيادات القطاع الخاص.

 الاعتداءات الإسرائيلية شملت عمليات قصف بالقذائف والأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة لعربات الإسعاف، وقتل وإصابة أعضاء من الطواقم الطبية الفلسطينية، والاعتداء على أفرادها، وتدمير مباني المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية كلياً أو جزئياً.  إن مقتل ثمانية من فرق وطواقم المهمات الطبية، وإصابة العشرات الآخرين منهم بجراح مختلفة في الضفة الغربية وقطاع غزة، يدلل على جسامة جرائم الحرب التي ارتكبت والتي ينبغي أن تتوقف فوراً، وأن يجري التحقيق الفوري بتفاصيلها تمهيداً لتقديم مرتكبيها إلى محاكم جرائم الحرب.

 

انتهاك الحق في الحياة والأمان الشخصي لأفراد الطواقم الطبية الفلسطينية

 يعتبر الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي حقاً أساسياً من حقوق الإنسان المقرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتنص المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه".  كما تنص المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن " الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته بشكل تعسفي".[13]  وتحدد اتفاقية جنيف الرابعة، الصادرة في 12 آب/ أغسطس 1949، والخاصة بحماية المدنيين زمن الحرب، حظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وأعمال القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب ضد الأشخاص المحميين بموجب تلك الاتفاقية.

 قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي كثفت من عمليات استهدافها للفرق والطواقم الطبية الفلسطينية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقامت بانتهاك حقها في القيام بمهامها الإنسانية، وتقديم خدمات العلاج والاستشفاء والإسعاف للمرضى والجرحى والمصابين.  كما منعت عمليات نقل الضحايا من القتلى سواءً المدنيين أو العسكريين، وهو ما يشكل جرائم حرب بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949.  ورغم النداءات المتكررة التي صدرت عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، العاملة في مدن ومخيمات وقرى الأراضي المحتلة، ورغم النداءات الصادرة عن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والعديد من المؤسسات الطبية الدولية، إلا أن هذه النداءات تم مواجهتها بتصعيد عمليات الاعتداء على الطواقم الطبية الفلسطينية.  وقد نتج عن العمليات العسكرية المتكررة ضد رجال الإسعاف والأطباء والممرضين سقوط العديد منهم ضحايا، وأثناء قيامهم بواجبهم الإنساني.  كما أصيب العشرات منهم بإصابات مختلفة نتجت عن استهداف عربات نقلهم من إسعافات ووسائط نقل المرضى والمعدات الطبية، أو بسبب قصف تعرضت له المنشآت الطبية. 

 عمليات قتل وإصابة أعضاء الطواقم والفرق الطبية، على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، لم تكن تتم فقط بسبب الاستخدام المفرط للقوة وبشكل عشوائي في معظم الأحيان، وعدم تفريق هذه القوات بين العسكريين من ناحية والمدنيين ورجال المهمات الطبية والصحافيين ورجال الدفاع المدني وطواقم الإغاثة، بل كانت ضمن استهداف واضح بغرض ترهيبهم ومنع تقديم أي نوع من الخدمات الصحية والعلاجية لإسعافهم وتطبيبهم.  وقد منعت قوات الاحتلال بالفعل تقديم أي نوع من الخدمات الصحية من قبل الطواقم الطبية في كل من مخيم جنين ومدن نابلس ورام الله وبيت لحم وقلقيلية وطولكرم والخليل.  ورغم كل ما حدث، ولا يزال، فقد أقدمت سيارات الإسعاف وبمرافقة طواقمها من أطباء وممرضين ومسعفين على المغامرة في كثير من الأحيان للعمل على إنقاذ الجرحى والمرضى. 

 لقد نجحت هذه الفرق والطواقم الطبية في تقديم الخدمات العلاجية والاستشفائية لكل من وصلته، وعلى الرغم من قلة الإمكانيات الطبية المتاحة بين أيديهم، والتي بدأت في النفاذ خلال الفترة من أواخر آذار/ مارس وحتى العاشر من نيسان/ أبريل 2002، بسبب منع قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي دخول رسالات الأدوية والمهمات الطبية، بل وبسبب قصف بعض المنشآت الطبية وتدمير بعض مخزوناتها من الأدوية والمستلزمات الطبية.  ورغم أن الثمن كان باهظاً في صفوف هذه الطواقم الإنسانية، على صعيد القتلى والجرحى من بينهم، إلا أن عملياتهم المتواصلة في جو من التحدي والقناعة بالرسالة الإنسانية التي يقدمونها لكل محتاج كشف بشاعة الجرائم التي ينبغي أن تتوقف، وأن يمنع تكرارها من قبل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي وآلته العسكرية.

 إن مهاجمة قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لفرق العمل الطبية الفلسطينية لا يعدو كونه عملاً غير متعمد أو مقصود، أو حادث عرضي واحد بسبب خطأ ما، أو نتيجة خطأ فردي صادر من أحد أفراد جنوده، الأمر الذي بالإمكان تجاوزه وبالتالي يمكن تداركه ونتائجه في العمليات اللاحقة لتلك القوات.  وعلى العكس من ذلك تماماً فقد شكلت الأشهر الثلاثة الأخيرة الماضية تكرار مثل تلك الاعتداءات على الأطباء والممرضين والمسعفين، وهو ما يؤكد حقيقة استهدافهم من قبل هذه القوات.  وتشير المعطيات المتوفرة، والتي قامت مؤسسات حقوق الإنسان المحلية والدولية بتوثيقها، إلى أن الإفراط في استخدام القوة القاتلة ضد هؤلاء الأشخاص المحميين وضد عربات الإسعاف التي يستقلونها تعزز النية المبيتة للجنود بالعمل على قتلهم وإصابتهم وتدمير سياراتهم. 

 

أولاً: استشهاد أفراد من الطواقم الطبية ورجال المهمات الطبية

 قتل ثمانية من أعضاء الفرق والطواقم الطبية خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وهو ما يشير إلى تدهور خطير وغير مسبوق في حالات الاعتداء على العاملين في مجال الخدمات الطبية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  مستوى الاعتداءات ضد الطواقم الطبية الفلسطينية وصل ذروته في شهر آذار/ مارس 2002، ووصل حداً خطيراً وغير مسبوق منذ بداية انتفاضة الأقصى.  فقد استشهد خمسة أعضاء منهم في غضون ثلاثة أيام من نفس الشهر.  ويمكن القول أن مقتل ثلاثة من فرق الخدمات الطبية في حوادث مختلفة ومتفرقة، وفي يوم واحد، هو مؤشر هام لمدى فداحة الثمن الذي دفعته هذه الفرق للقيام بمهامها الإنسانية. وهو مؤشر أيضاً على سياسة القتل العمد التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ميدانياً، رغم تمايز هذه الطواقم عن غيرها من حيث لباسها وشاراتها التي تظهر بوضوح شديد نهاراً أو ليلاً، ورغم لون سيارات الإسعاف المميز أيضاً بشارة الهلال والصليب الأحمرين.

 أربعة أطباء، بينهم طبيبان صيدلانيان، وسائق إسعاف وثلاثة ضباط إسعاف، اغتالتهم العيارات النارية الثقيلة وقذائف الدبابات وصواريخ الطائرات في الوقت الذي هرعوا فيه لإنقاذ حياة الجرحى والمصابين.  إطلاق النار تجاه الأطباء والمسعفين وسائقي الإسعافات لم يكن له أي مبرر، ولا يمكن تفسيره إلا في إطار منع هؤلاء الطواقم عن القيام بواجبهم الإنساني، ومنع وصول الإسعافات للجرحى بهدف قتلهم ومضاعفة جراحهم.  ولقد كان واضحاً أن استهداف هذه الفرق يعني فيما يعنيه، وكما أعلن شارون مراراً، إجبار الفلسطينيين على الإذعان والعودة للمفاوضات بعد أن يكونوا قد دفعوا ثمناً باهظاً من الأرواح البشرية بشكل أساسي. 

 استشهد الدكتور موسى قديحات، من الخليل، بتاريخ 30/8/2001، عندما أصيب بعيار ناري من العيار الثقيل اخترق منطقة أعلى البطن وخرج من ظهره.  وفي 15/9/2001 قضى ضابط الإسعاف يحيى الصياح عندما مزقت أحشائه قذيفة دبابة أطلقها جندي من قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تجاه سيارة الإسعاف التي كان يستقلها لإسعاف الجرحى في بيت ساحور.  وبتاريخ 5/10/2001 سقط د. أمجد القواسمي بعد إصابته برصاصة من العيار الثقيل اخترقت رأسه في مدينة الخليل.  وكانت الكارثة الكبرى ضد أعضاء الطواقم الطبية الفلسطينية في شهر مارس من العام الجاري، حيث استشهد د. خليل سليمان، مدير مركز الإسعاف والطوارئ في جنين، جراء إصابته بقذيفة دبابة أطلقها جنود قوات الاحتلال على سيارة الإسعاف التي كان يستقلها متوجهاً لإنقاذ حياة طفلة مصابة في المخيم.  كما استشهد المسعف كمال سالم وسائق الإسعاف إبراهيم أسعد في حادثين منفصلين في مخيم طولكرم يوم السابع من مارس الجاري، فيما سقط يوم الثامن من مارس الجاري كلاً من د. نعمان الخضري، مدير مستشفى اليمامة في مدينة بيت لحم، وضابط الإسعاف سعيد شلايل، غرب مخيم جباليا، عندما حاولا إجلاء وإسعاف جرحى، حيث أصيبا بجروح مختلفة جراء القصف الإسرائيلي.

 إن حجم الانتهاكات الجسيمة التي تواصل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ارتكابها، وعلى مشهد من أعين المجتمع الدولي، بحق الطواقم الطبية الفلسطينية، تشير إلى احتمال تصاعدها وبشكل يفوق التوقعات، خاصة وأن حالة الحراك والضغط الدولي لم تكن كافية لإجبار حكومة الاحتلال على الانصياع والالتزام بمعايير القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وضمان حرية حركة وتنقل فرق الخدمات الطبية والإنسانية.  إن أي نوع من التبرير بمنع تقديم الفرق الطبية لخدماتها المتعددة ووصولها الحر والآمن، لكل من يحتاج العلاج والإسعاف، لا يمكن التعاطي معه أو أخذه على محمل الجد، كون مهمة هذه الطواقم تتمتع بحماية تكاد تكون مطلقة بضمان تنقلها وحركتها في إطار تقديم الخدمات العلاجية والصحية اللازمة للمرضى والجرحى والمصابين.

 المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قام برصد وتوثيق حالات القتل العمد التي استهدفت أعضاء الطواقم الطبية على أيدي قوات الاحتلال  الحربي الإسرائيلي وفيما يلي عرضاً لهذه الانتهاكات:

 

        ·          طبيب يلقى مصرعه أثناء قيامه بتلبية نداء للالتحاق بفرق الإسعاف في الخليل

 بتاريخ 30/8/2001، لقى الطبيب موسى صافي قديحات، 50 عاماً، من خاراس في شمالي غرب مدينة الخليل، مصرعه على أيدي قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وذلك في أعقاب اجتياح الدبابات والمجنزرات والعربات العسكرية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي منطقتي وادي الهريا وأم الدالية، جنوبي مدينة الخليل.  وقد قامت بعملية قصف عشوائي من نيران مدفعيتها ورشاشاتها الثقيلة. .  الدكتور قديحات استشهد عندما كان في طريقه إلى مكاتب وزارة الصحة في الخليل، والتي طالبت كافة الأطباء والممرضين والمسعفين الالتحاق بطواقم وفرق الخدمات الصحية للمساعدة في تقديم العلاج للجرحى والمرضى، حيث أصيب بعيار ناري من النوع الثقيل، اخترق بطنه وخرج من ظهره. وقد استمرت عمليات القصف وإطلاق النيران من الساعة الثانية ظهراً وحتى الساعة الخامسة إلا ثلثلاً مساءً.

 

        ·          قذيفة دبابة تحول جسد مسعف من الدفاع المدني إلى أشلاء

 تمزقت أحشاء ضابط الإسعاف يحيى ناصر حسن الصياح، 21 عاما، من سكان بيت لاهيا في قطاع غزة، والذي كان يعمل مسعفاً في جهاز الدفاع المدني، بعد أن أصابته قذيفة دبابة وهو يقوم بإنقاذ الجرحى والمصابين في بيت ساحور.  وقد أفاد زميله المسعف أمجد طه محمود كنعان، أنه وفي حوالي الساعة  العاشرة والنصف ليلاً من يوم السبت الموافق  15/9/2001، قامت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، المتمركزة داخل جبل أبو غنيم، شمالي شرق مدينة بيت ساحور، وكذلك القوات المتمركزة في معسكر "عش الغراب"، بقصف عنيف بقذائف المدفعية والدبابات والرشاشات الثقيلة والمتوسطة عدة مناطق وسط مدينة بيت ساحور.  وقد شملت أعمال القصف أحياء الإسكان والقرية السياحية وكركفة وشارع جمعية الشبان المسيحية.  وأضاف كنعان أنه تحرك وزميله الشهيد الصياح، عند الساعة الحادية عشرة إلا ربعاً من نفس الليلة، بواسطة سيارة إسعاف، تابعة لجهاز الدفاع المدني، وبتكليف من قيادة الجهاز، إلى القرية السياحية الواقعة في الجهة الشمالية الشرقية لمدينة بيت ساحور، وذلك من أجل القيام بنقل وإسعاف المصابين والجرحى.  وأضاف أن سيارة الإسعاف كانت في طريقها إلى عدد من الجرحى الذين سقطوا في المكان، وأصبحت على مقربة خمسين متراً من أحدهم.  وفي هذه الأثناء تعرضت سيارتهم لوابل من الأعيرة النارية الثقيلة.  وأضاف ضابط الإسعاف كنعان أن سيارة الإسعاف كانت تبعد عن موقع قوات الاحتلال الإسرائيلي مسافة كبيرة تقدر بحوالي 1,2 كيلو متر.  وبعد أن هدأت عملية القصف وإطلاق النيران، نزل وزملاؤه من ضباط الإسعاف، وبدأوا بنقل الجرحى والمصابين.  غير أن عملية القصف وإطلاق النيران استمرت أثناء محاولات إخلاء الجرحى، وفجأة أصيب ضابط الإسعاف الصياح، وهو في سيارة الإسعاف التابعة للدفاع المدني، بقذيفة دبابة أطلقها جنود الاحتلال الحربي الإسرائيلي، فأصابته في بطنه بشكل مباشر.  وقد مزقت القذيفة جسد الصياح إلى أشلاء واستشهد على الفور،  كما أصيب مسعفان من أفراد جهاز الدفاع المدني بشظايا القذيفة، وهما:

1. محمد إبراهيم جودة عايش، 24 عاما، من بيت لحم، وأصيب بعدة شظايا في مختلف أجزاء الجسم.

2. معتز محمد عيسى، 24 عاما، من بيت ساحور، وأصيب بعدة شظايا في مختلف أجزاء الجسم.

 

وقد أدت عمليات القصف المدفعي وإطلاق نيران الرشاشات الثقيلة والمتوسطة، التي استمرت حتى الساعة الواحدة من فجر اليوم التالي، إلى إصابة السيارتان، إحداهما تابعة لجهاز الدفاع المدني والأخرى تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وقد دمرت السيارتان بشكل جزئي.

 

        ·          سقوط الطبيب الصيدلاني أمجد القواسمي خلال تأديته لواجبه الإنساني

 احتلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، فجر يوم السبت 6/10/2001، مدرسة النهضة الأساسية للبنين في حارة أبو سنينة، في مدينة الخليل، التي كانت تلك القوات قد احتلتها وفرضت سيطرتها عليها يوم 5/10/2001.  وقد تحولت المدرسة إلى ثكنة عسكرية انتشر فيها الجنود والدبابات وناقلات الجنود، ما أدى لتعطيل عشرة مدارس في مدينة الخليل.  وقد أطلقت القذائف المدفعية ونيران الرشاشات الثقيلة والمتوسطة تجاه العديد من الأحياء في مدينة الخليل، كوادي الهرية وجبل أبو رمان وحي الشريف.  وفي حوالي الساعة الخامسة إلا ربعاً من مساء نفس اليوم كانت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، التي أخذت مواقعها في تلة التكروري وقبة جانب وتل رميدة وجبل جنيد وجبل الرحمة وخلة حاضور، تكرر أعمال القصف وإطلاق النيران، ولمدة ثلاث ساعات متواصلة، على أحياء وادي الهرية وأبو اسنينة وحارة الشيخ وباب الزاوية، ما أدى لإصابة ستة أشخاص بجراح، بينهم الشاب حمزة ابراهيم القواسمي، 23 عاماً، نتيجة إصابته بعيار ناري من النوع الثقيل في رأسه، بينما كان يقف أمام منزلة في حارة الشيخ.  وقد نقل القواسمي لمستشفى الميزان في المدينة حيث فارق الحياة.  وتصادف وجود أحد أقاربه، الدكتور صيدلي أمجد ابراهيم القواسمي في المستشفى، حيث قام بنقل الشهيد أمجد، برفقة اثنين آخرين من أقاربه، بواسطة سيارة خاصة وتوجهوا به إلى منزله في شارع عين قشلة في حارة الشيخ.  وفي حوالي الساعة السادسة مساءً، وعند وصولها إلى مدخل الحي تعرضت السيارة التي كانت تقلهم إلى عملية إطلاق نيران كثيفة من المواقع العسكرية التابعة لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، ما أدى لإصابة د. القواسمي برصاصة من العيار الثقيل في رأسه وعدة شظايا في أنحاء مختلفة من جسمه.  وقد نقل د. القواسمي إلى المستشفى الأهلي في المدينة، إلا أن الجهود الطبية لإنقاذ حياته باءت بالفشل، واستشهد متأثراً بجراحه.

 

        ·          قذيفة دبابة إسرائيلية تودي بحياة مدير مركز الإسعاف والطوارئ في جنين وتجرح ستة آخرين

 ارتكبت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي جريمة حرب جديدة في مخيم جنين، وذلك بعد ظهر يوم  الاثنين، 4/3/2002، عندما أطلقت دبابة قذيفة مذيفة مدفعية تجاه سيارة إسعاف، تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.  ووفقاً لبيان صدر عن الجمعية، فقد توجه د. خليل محمود سليمان، 45 عاماً، مدير الإسعاف والطوارئ التابع للجمعية، ومن سكان مدينة جنين، بسيارة إسعاف الجمعية إلى مخيم جنين، برفقة اثنين من ضباط الإسعاف العاملين معه ومتطوع ثالث، في حوالي الساعة الثانية ظهراً، لإخلاء طفلة كانت قد أصيبت في المخيم.  وأثناء تحرك سيارة الإسعاف قامت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي المتمركزة في حي الجابريات، جنوبي المدينة، بإطلاق قذيفة دبابة وزخات من رصاص رشاشاتها الثقيلة والمتوسطة، ما أدى لإصابة د. سليمان بعيار ناري في الصدر وشظايا عديدة في كافة أنحاء جسده، أدت لمصرعه على الفور.  كما أصيب رفاقه الثلاثة بجراح مختلفة.  وتصاعدت الأوضاع خطورة عندما توجهت سيارة إسعاف ثانية، تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، لنقل الشهيد وطاقم سيارة الإسعاف الأولى التي دمرت، فبادرها جنود الاحتلال بإطلاق وابل من أعيرة الرشاشات التي أصابتها مباشرة.  وقد أصيبت السيارة الثانية مباشرة وجرح أفراد طاقمها الثلاثة بجراح وصفت جراح أحدهم بالخطيرة.  وأعلنت جمعية الهلال الأحمر أن عدداً من سيارات إسعافها قد تعرض في نفس اليوم لعمليات استهداف واضح، حيث أطلقت تجاهها النيران والقذائف المدفعية.  إلا أنها أعلنت، ورغم كل المصاعب وتهديد حياة أفراد طواقمها، باستمرار عملياتها بالقيام بواجبها الإنساني تجاه الجرحى والمصابين والمرضى من المواطنين الفلسطينيين.  وقد نقل المصابون من أفراد الطواقم الطبية إلى المستشفى لتلقي العلاج، وهم:

 
1.
المتطوع طاهر محمد الصانوري، 25 عاماً، وأصيب بعيار ناري في الخصر، ووصفت إصابته بأنها خطيرة.

2. محمود إبراهيم السعدي، 28 عاماً، وأصيب بعيار ناري في الظهر.

3. محمد ناصر الجمل، 32 عاماً، وأصيب بعدة شظايا وجهه ورأسه، ووصفت حالته بالخطيرة جداً.

4. المسعف محمد العية، وأصيب بعدة شظايا في أنحاء مختلفة من جسمه.

5. المسعف ابراهيم ياسين، وأصيب بعدة شظايا في أنحاء مختلفة من جسمه.

6. ماهر بشارات، وأصيب بعدة شظايا في أنحاء مختلفة من جسمه.

 

        ·          إطلاق النيران على سيارة إسعاف تابعة لوكالة الغوث الدولية يؤدي لمقتل أحد مسعفيها

 قتل ضابط الإسعاف كمال عبد الرحمن سالم، 35 عاماً، من مخيم طولكرم، مساء يوم الخميس 7/3/2002، بينما كان يسير برفقة سائق سيارة إسعاف، تابعة لوكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، وذلك عندما تعرضت سيارتهم لإطلاق النيران الكثيفة من دبابة كانت على بعد حوالي مائة متر من السيارة في مخيم طولكرم.  ووفقاً لتحقيقات جمعية القانون، فإنه وفي حوالي الساعة السادسة كانت سيارة الإسعاف تسير متوجهة للمدخل الغربي في مخيم طولكرم، لنقل جرحى من داخل المخيم، الذي قامت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي باقتحامه في نفس اليوم.  وعند وصول السيارة على بعد حوالي مائة متر من المدخل، كانت تقف دبابة إسرائيلية، قام على الفور الجنود المتواجدون فيها بإطلاق نيران رشاشاتهم الثقيلة باتجاه سيارة الإسعاف.  وقد أصيب جراء ذلك ضابط الإسعاف سالم برصاصة من العيار الثقيل في بطنه، أسفر عن حدوث نزيف دموي حاد وتهتك شديد استشهد على إثرها على الفور.

 

 

        ·          شهيد آخر من أفراد الخدمات الطبية في طولكرم

 لم تمض ساعتان على استشهاد المسعف كمال سالم في مخيم طولكرم، حتى بادرت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على ارتكاب جريمة جديدة بحق سائق سيارة إسعاف، تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في طولكرم أيضاً.  ففي حوالي الساعة السابعة وخمس وخمسين دقيقة من مساء يوم الخميس، 7/3/2002، فتح جنود الاحتلال المتمركزون داخل دبابة نيران رشاشاتهم الثقيلة باتجاه سيارة الإسعاف، التي كانت تسير على مفترق المقاطعة، شرقي مدينة طولكرم، فأصيب سائق السيارة المواطن إبراهيم محمد أسعد، 38 عاماً، من مخيم نور شمس، بعيار ناري ثقيل في مقدمة رأسه، ما أدى لاستشهاده على الفور. وقد أصيب الدكتور نبهان الجلاد، مدير الإسعاف والطوارئ في مستشفى الهلال الأحمر بمدينة طولكرم بعيارين ناريين في القدمين.  جدير بالذكر أن كافة تحركات سيارات الإسعاف التي كانت تتنقل في محافظة جنين كانت تتم قبلها عملية تنسيق مع قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، من خلال مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر.  وقد كان ابراهيم أسعد موجوداً بسيارته عند إطلاق النيران على الشهيد كمال سالم، واضطر للمغادرة والعودة إلى مركز الإسعاف والطوارئ بسبب عدم مقدرتهم على الوصول لنقل الشهيد.  وعند وصوله طلب بعض السكان المساعدة لنقل جرحى، بمن فيهم مصابين جراء حادث سير.  وحاولت إدارة الجمعية تنسيق عملية خروج سيارة الإسعاف مع مندوب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الأمر الذي اضطرها للانتظار لمدة تقارب الساعة.  وبعد إبلاغ مندوب الصليب الأحمر لهم بالموافقة انطلق ابراهيم أسعد بسيارة الإسعاف، وبرفقة سيارة أخرى تابعة لنفس الجمعية.  وبعد حوالي دقيقتين من سير السيارتين، توقف ابراهيم بعد أن شاهد دبابة، فأطلق جنود الدبابة النيران عشوائياً تجاه سيارتي الإسعاف، ما أدى لإصابته بجروح بالغة استشهد على إثرها.  وقد فر باقي أفراد طاقم السيارتين، الذين نجوا من النيران هرباً على الأقدام.  وبعد حوالي نصف الساعة عادت مجموعة من المسعفين، التابعين للجمعية، سيراً على أقدامهم ونقلوا جثة الشهيد إلى مركز الطوارئ والإسعاف.  وقد اضطرت الطواقم الطبية الفلسطينية في طولكرم إلى تعليق كافة أعمالها في المحافظة بعد سقوط الشهيدين، على الرغم من تصاعد حدة الاشتباكات وسقوط العديد من الضحايا.

 

        ·          قذيفة تودي بحياة أربعة أشخاص بينهم أحد أفراد الطواقم الطبية

 بتاريخ 8/3/2002 استشهد ضابط الإسعاف سعيد شلايل، من أفراد الخدمات الطبية العسكرية في قطاع غزة، عندما وصل بواسطة سيارة إسعاف لتقديم العلاج للضحايا، الذين تعرضوا لعملية قصف بالقذائف والصواريخ من طائرات الأباتشي والزوارق الحربية التابعة لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، في موقع لشرطة الوحدة الهندسية الواقعة في منطقة السودانية، غرب مخيم جباليا.  ضابط الإسعاف شلايل كان متوجهاً ورفاقه من الطواقم الطبية التابعة لكل من الخدمات الطبية العسكرية وطواقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من أجل المساهمة في إنقاذ حياة الضحايا من الشهداء والجرحى.  ومن المعلوم أن طائرات الأباتشي تستطيع تمييز هذه الطواقم، خاصة أن سيارات الإسعاف تشعل أضواءها الحمراء ليلاً، وجميع أفراد طواقمها يلبسون الملابس المميزة، كما يلبسون المعاطف الفوسفورية التي تشير إلى كونهم من الطواقم الطبية.  ورغم ذلك تعرض أفراد هذه الطواقم عند وصولها لعمليات قصف بالقذائف أدت إلى سقوط المسعف شلايل وثلاثة آخرين، اثنين منهم من أفراد موقع الشرطة وشخص رابع مدني كان موجوداً قرب المكان لحظة بدء القصف، كما أصيب أربعة أشخاص آخرين وصفت جراح اثنين منهم بالخطرة، بينهم ضابط الإسعاف محمد غازي الهسي، والذي يعمل في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.  الهسي أوضح للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تفاصيل عملية الاعتداء التي استهدفت المكان قبل وصول فرق الإسعاف، وبعد وصولها، وهو ما يؤكد الاستهداف الواضح والجلي لفرق الإسعاف والمهمات الطبية الفلسطينية.  وفيما يلي تفاصيل إفادته:       

 

اسم معطي الإفادة : محمد غازي محمد الهسي، 27 عاماً، من سكان خان يونس، ويعمل ضابط إسعاف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني .

موضوع الإفادة:

" يوم الجمعة الموافق 8/3/2002، وفي حوالي الساعة الواحدة فجراً، وصلت أنا وزميلي غازي عكيلة، سائق سيارة الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني،  إلي منطقة السودانية الواقعة علي شاطئ البحر غرب جباليا، وذلك بناءً على تعليمات تلقيناها من مركزنا عن وجود جرحي في موقع لشرطة الوحدة الهندسية نتيجة قصف قوات الاحتلال لموقع الهندسة التابع للشرطة غرب شارع البحر.  وجدنا في المكان عدة سيارات إسعاف أخرى متوقفة على مقربة من المكان، ولم يكن هناك إطلاق نار أو قصف في تلك اللحظة. ونزلت من سيارة الإسعاف، وبدأت بالبحث عن مصابين في موقع  يستخدمه أفراد الشرطة كموقع بديل للإخلاء ساعة القصف، يقع شرق الشارع قبالة الموقع الذي تعرض للقصف.  وهناك التقيت بضابط إسعاف آخر يعمل في الخدمات الطبية العسكرية اسمه سعيد شلايل، وبدأنا بالبحث معاً، ولم نعثر علي مصابين.  فتوجهنا إلي المقر الذي تعرض للقصف، وتطوع أحد المواطنين من سكان المنطقة بمساعدتنا في البحث.  ودخلنا الموقع وبدأنا نتفقد المكان والبحث فيه لحوالي عشرة دقائق، ولم نتمكن من العثور علي مصابين.  بعد ذلك سمعت صوت طائرات هليوكوبتر تحلق فوقنا، وارتفع صوتها فقررنا مغادرة المكان والابتعاد، وبمجرد أن تحركنا في محاولة للخروج حتى دوى انفجار عنيف خلفنا كان على ما يبدو  نتيجة قذيفة صاروخية أطلقت باتجاهنا من الطائرات، فسقطت على الأرض وأنا أشعر بألم شديد في ظهري وساقي، وأدركت أنني قد أصبت بشظايا الصاروخ، وحاولت بعد ذلك الزحف لكنني لم أستطع، ونظرت إلي  المسعف سعيد الذي كان يبعد عني حوالي متراً تقريباً، فرأيته مصاباً أيضا بجروح بالغة، وكان الشاب الآخر الذي تطوع لمساعدتنا أيضا ملقى على الأرض.  ولم يكن الاثنان يتحركان فأدركت أنهما قد توفيا، فقمت بخلع السترة الفسفورية الخاصة بالطواقم الطبية التي كنت ألبسها، وبدأت بالصراخ، ولكن لم يسمعني أحد.  وبعد عدة دقائق سمعت صوت جرس جهاز جوال يرن، وكان جوال ضابط الإسعاف سعيد شلايل، فاقتربت منه وأخذت الجوال الذي كان معه، ورددت علي المتصل وكان أحد زملاء سعيد، فأخبرته بأن سعيد قد توفي، وأنني مصاب وبحاجة لإسعاف. وبدأت بعدها بإجراء عدة اتصالات بواسطة جهاز الجوال، وخاصة على مركز جمعية الهلال الأحمر، وبقيت على تلك الحال بدون وصول أي إسعاف لمدة تقارب 40 دقيقة.  وكنت قد فقدت قواي وبدأت بالانهيار عندما سمعت صوت أناس يقتربون من المكان، فصرخت طالباً النجدة.  واقترب مني أربعة شبان في هذه اللحظات، وحاولوا نقلي على النقالة التي كانت بجواري، وما أن اقتربوا مني، وإذا بأصوات إطلاق نيران تجاهنا من جهة الغرب من الزوارق الحربية التي اقتربت من الشاطئ علي ما أعتقد.  انبطح الشبان على الأرض، وأصيب أحدهم علي ما يبدو، وبعد ذلك تمكن طاقم إسعاف من الوصول ونقلني إلي مستشفى الشفاء بغزة، حيث فقدت الوعي ولم أدري ما يدور حولي.  وبقيت في غرفة العناية المركزة في مستشفى الشفاء حتى يوم الثلاثاء 12/3/2002، حيث تحسنت حالتي قليلاً، ونقلت بعدها لمستشفي القدس التابع لجمعية الهلال الأحمر لاستكمال العلاج، حيث كنت قد أصبت بجراح بالغة في مختلف أنحاء الجسم وخاصة في الظهر والذراعين والساقين وكسر مضاعف في الذراع الأيمن.  وعلمت أن ضابط الإسعاف سعيد شلايل الذي كان يرافقني قد استشهد نتيجة إصابته بقذيفة صاروخية مباشرة.

 

        ·          قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تقتل مدير مستشفى اليمامة في قرية الخضر بدم بارد

 يوم الجمعة الموافق 8/3/2002، وفي حوالي الساعة الواحدة إلا ربعاً ظهراً، أطلق جنود من قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، كانوا يتمركزون داخل دبابة كانت تقف على بعد حوالي خمسمائة متر من مستشفى اليمامة، نيرانها الرشاشة، ومن مسافة قريبة باتجاه الدكتور أحمد نعمان عثمان محمود صبيح، 42 عاماً، من بلدة الخضر، وهو مدير مستشفى اليمامة، فأردوه قتيلاً.  وكان د. صبيح قد خرج من منزله للإشراف وإدارة العمل في المستشفى، وبعد أن تلقى تأكيدات نقلها له طبيب يعمل في المستشفى، قام بالاتصال بأحد ضباط قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي الموجودين في المنطقة، وأبلغه بالسماح له بالحضور بواسطة سيارته وأنه لن يتم التعرض له.  ورغم أن د. صبيح قد تعرض لعملية إطلاق النار في المرة الأولى التي غادر فيها منزله متوجهاً لمستشفى اليمامة، إلا أن نفس الطبيب عاد وأبلغه بقيامه بالاتصال مرة أخرى مع الضابط، الذي أكد له بدوره أنه أعطى مواصفاته وسيارته لكافة القوات العاملة في المنطقة، وأنه لن يتكرر ما حدث في المرة الأولى.

 

وفيما يلي الإفادة التي أدلى بها الطبيب، الذي كان مشرفاً على عملية الاتصال لتأمين وصول الشهيد، لجمعية القانون حول ملابسات استشهاد د. صبيح:

" في أعقاب اجتياح قوات الاحتلال لمدينة بيت لحم وضواحيها فجر اليوم الجمعة الموافق 8/3/2002، حاصرت الدبابات الإسرائيلية مستشفى اليمامة، الواقع على الطريق العام بين مخيم الدهيشة ومدينة بيت لحم، وتمركزت أيضاً على طول الطريق المذكورة.  ومنعت تلك القوات تحرك الأطقم الطبية وسيارات الإسعاف في المستشفى. كما أن المستشفى أصبحت تواجه مشكلة بسبب عدم تمكن حضور الكوادر الطبية من منازلهم، وحاجتها لبعض الأدوية والمستلزمات الطبية ووجبات الغذاء اليومية للمرضى.  وبناءً عليه قمت أنا بالاتصال هاتفياً بالدكتور صبيح، مدير المستشفى ووضعته في صورة الوضع.  ونظراً لعدم تمكنه من التحرك من منزله والحضور إلى المستشفى بسبب حظر التجول في المنطقة والحصار المفروض على المستشفى وعمليات إطلاق النار،  اتصلت بالصليب الأحمر الدولي للتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، لتأمين حضور الدكتور صبيح إلى المستشفى ليتمكن من الإشراف على عمله، وإحضار ما أمكن من الكادر الطبي الموجود في أحياء المدينة.  بعد ذلك ردت علينا ممثلة الصليب الأحمر وأخبرتنا بأنه تم الاتصال والتنسيق مع الارتباط العسكري الإسرائيلي، لتأمين تحرك مدير المستشفى واحتياجاته.  وعند الساعة العاشرة صباحاً، أبلغني الجانب الإسرائيلي، بأنه يجب على الدكتور صبيح  أن يلبس عند مغادرته المنزل وحضوره المستشفى قميصاً أبيض اللون، ولا يلبس فوقه أي شيء ولا يحمل معه أي شيء، وأن أقوم أنا الدكتور نضال بانتظاره على باب المستشفى بملابسي الطبية".  وبناءً عليه تحرك الدكتور صبيح من منزله إلى المستشفى الساعة الثانية عشرة ظهراً، وكان الكابتن "جوي" الذي تم التنسيق معه، قد أخذ مني مسبقاً مواصفات الطبيب وسيارته ورقمها.  وهذا بالفعل ما تم حيث غادر الطبيب منزله وحضر إلى المستشفى.  وبعد أن مكث معنا بضع دقائق وفحص ما يلزمنا من موظفين واحتياجات، تم الاتصال من قبلي بالكابتن جوي للتأكد منه بالسماح للدكتور صبيح بالانطلاق على الشارع الرئيسي بسيارته لإحضار موظفين ومستلزمات طبية من بيت لحم، فأكد لي الكابتن استمرار السماح بذلك وضمان تنقله بسلامة، وإنه عمم على كل النقاط والآليات العسكرية في المنطقة. وبالفعل غادر د. صبيح بسيارته على الشارع نحو مدينة بيت لحم.  وبعد أقل من دقيقتين سمعنا إطلاق نار، ثم فوجئنا بعودة الطبيب، وأخبرنا أنه تعرض لإطلاق نار من قبل حاجز الدبابات المتمركزة على الشارع الرئيسي في منطقة معامل (منشار نصار).  اتصلت بالكابتن جوي وأعلمته بذلك، فقال لي سوف افحص. وأكد انه سيتصل فوراً ويؤكد على التعميم، ثم اتصل وتحدث على هاتف د.صبيح وطلب منه مرة أخرى المغادرة والسماح بالمرور بأمان، وانطلق د.صبيح الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق بنفس الاتجاه، وبعد نحو دقيقة ونصف الدقيقة، سمعنا صوت إطلاق نار كثيف من رشاشات ثقيلة، فأصبنا بالقلق والذعر.  اتصلت على بلفون د.صبيح، ولكنه لم يرد.  اتصلت على موظف الأشعة الذي كان من المفترض أن يمر عليه الدكتور، فأكد عدم حضوره إليه، فاتصلت على الفور بالكابتن جوي واعلمته بعملية إطلاق النار وعدم رد زميلنا الدكتور على البلفون، وقال انه سيفحص الأمر، ثم اتصل علينا وأخبرنا أنه قام بالاتصال لإرسال سيارة إسعاف إلى المكان.  وبعد ذلك ركضت أنا واثنين من الزملاء بالمستشفى نحو الشارع وتوجهنا إلى منطقة إطلاق