السادة الممثلين،،،
10 نوفمبر 2001
يرجى الاطّلاع على النسخة المرفقة من وثيقة "الالتزام بضمان الاحترام: دعوة إلى اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة بشأن ضمان احترام إسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة" الصادرة عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
يصادف يوم 12 أغسطس 2001 الذكرى الثانية والخمسين لتوقيع اتفاقية جنيف الخاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب المؤرخة في 12 أغسطس 1949 (اتفاقية جنيف الرابعة). وقد كانت إسرائيل منذ فترة طويلة أحد الأطراف السامية المتعاقدة على الاتفاقية، ولكن منذ احتلالها لقطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، في عام 1967، رفضت الاعتراف بالانطباق القانوني للاتفاقية على هذه الأراضي الفلسطينية المحتلة. وخلال سنوات الاحتلال الأربع والثلاثين، خرقت إسرائيل بصورة مستمرة ومتكررة الكثير من بنود الاتفاقية. ولكن العام الأول من انتفاضة الأقصى شهد تصعيداً غير مسبوق في العنف الذي ترتكبه بحق المدنيين الفلسطينيين. وما القتل العمد، والتعذيب، والمعاملة السيئة للسجناء، والتدمير المتعمّد للمنازل والممتلكات، وإقامة المستوطنات ووجود المستوطنين، والعقوبات الجماعية، سوى بعض الانتهاكات التي اقترفتها وما زالت تقترفها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين. كخروقات خطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة، تشكّل هذه الانتهاكات جرائم حرب، كما تقرّ بذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والكثير من الأطراف السامية المتعاقدة على الاتفاقية.
كان الهدف من اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، الذي عقد في 15 يوليو 1999 استجابة لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو مناقشة السبل الكفيلة لضمان احترام إسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة. ولكن بضغط من حكومات الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، طغت الاعتبارات السياسية على المؤتمر. وعلى الرغم من أن انعقاده كان يشكّل إظهاراً للالتزام بالمادة الأولى من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تدعو الأطراف السامية المتعاقدة إلى "احترام وضمان احترام الاتفاقية في كافة الظروف،" إلاّ أن المؤتمر قد أخفق في القيام بأيّة خطوات من أجل تنفيذ التزامه أو ضمان تطبيق إسرائيل للاتفاقية.
وإذ يرحّب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بدعوة الحكومة السويسرية إلى إعادة عقد المؤتمر في الخامس من ديسمبر 2001، فإنه يدعو الأطراف السامية المتعاقدة إلى عدم السماح بإخضاعه للاعتبارات والمصالح السياسية مثلما حدث في المؤتمر السابق. ويرى أنه يجب ألاّ تكون نتيجة المؤتمر مجرد بيان إدانة للانتهاكات التي تقترفها إسرائيل، فالمدنيون الفلسطينيون يدفعون يومياً ثمناً باهظاً بسبب لامبالاة المجتمع الدولي، وقد آن الأوان لتحطيم مؤامرة الصمت هذه. لذا فإن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يطالب بأن يسفر اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة عن خطة عمل، تشمل خطوات عملية يتم تطبيقها على الفور من أجل ضمان احترام إسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة.
ويدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قرار حكومة الولايات المتحدة القاضي بمقاطعة المؤتمر، ويشعر أن هذا الموقف إنما يقوّض ادّعاء حكومة الولايات المتحدة بالتزامها بالقضاء على الإرهاب بكافة أشكاله في أنحاء العالم. فإرهاب الدولة الذي تقترفه إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين يجب أن يحارب بنفس الالتزام والجهود المبذولة من أجل محاربة الأشكال الأخرى للإرهاب. ولا يجب السماح لأية دولة تقترف أو تدعم الأعمال الإرهابية أن تتمتّع بالحصانة.
إن اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة الذي سيعقد في الخامس من ديسمبر 2001 هو خطوة جوهرية تجاه ضمان تطبيق الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحماية المدنيين الفلسطينيين، ووقف جرائم الحرب، وعمليات إرهاب الدولة، التي ارتكبتها وترتكبها الآن إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويأمل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأن يقرّ المجتمع الدولي ويقبل بأن حل الصراع في الأراضي الفلسطينية المحتلة يكمن فقط في تطبيق معايير حقوق الإنسان الدولية والقانون الإنساني الدولي.
يرجى الإطلاع أيضاً على النسخة المرفقة من بيان صحفي صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، بالتعاون مع الجمعية الفلسطينية لحماية حقوق الإنسان والبيئة، بتاريخ 10 نوفمبر 2001.
راجي الصوراني المحامي
مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
الالتزام "بضمان الاحترام "
دعوة الى الاطراف السامية المتعاقدة بشأن ضمان احترام اسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة
يعيش الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس تحت احتلال عسكري منذ عام 1967 عندما انتشرت القوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. وبعد 34 عاماً مازال الفلسطينيون محرومين من حقهم غير القابل للتصرف في تقرير مصيرهم. إن إسرائيل كقوة محتلة مدينة للمدنيين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال بضمانات حماية ذات أشكال متعددة بموجب اتفاقية جنيف الخاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب المؤرخة في 12 أغسطس 1949 (لاحقاً اتفاقية جنيف الرابعة أو "الاتفاقية"). لقد أقر المجتمع الدولي بأسره، باستثناء إسرائيل، بأن الاتفاقية تنطبق من الناحية القانونية على الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولم تغيّر اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، الممثّل الرسمي للشعب الفلسطيني، بأي حال من الأحوال انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، فحسب المادتين (7) و(47)، لن تحرم أيّة اتفاقية يتم التوصل إليها بين الطرفين الأشخاص المحميين من حقوقهم التي تكفلها الاتفاقية.
وقد صدرت عن الجلسة الخاصة الطارئة التاسعة للجمعية العامة للأمم المتحدة سلسلة من القرارات جدّدت التأكيد على الانطباق القانوني لاتفاقية جنيف الرابعة على الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد أوصت هذه القرارات بصورة غير مسبوقة الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة ب "عقد مؤتمر بشأن تدابير إنفاذ الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وضمان احترامها بموجب المادة الأولى."[1]
وفي المؤتمر الذي عقد في 15 يوليو 1999، وقد أصبح شأناً ضغطت الولايات المتحدة بقوة على الأطراف السامية الأخرى من أجل التخلي عن الغاية المقصودة من المؤتمر، وتجاهل التزامها القانوني بضمان احترام اتفاقية جنيف الرابعة. وأصبح المؤتمر خاضعاً للمصالح السياسية، ولم تكن هنالك أية نقاشات جدية فيما يتعلق بتطبيق الاتفاقية. بل إن الأطراف السامية المتعاقدة أرجأت المؤتمر بعد مرور حوالي خمس عشرة دقيقة على بدئه بالبيان الختامي الذي تضمّن ما يلي:
آخذاً بعين الاعتبار تحسن الأجواء في الشرق الأوسط ككل، فإن المؤتمر ينفضّ بناءً على إدراك بأنه سوف يعقد مرة ثانية على ضوء المشاورات الخاصة بتطورات الوضع الإنساني في الميدان.[2]
ولم يتحقق ذلك حتى بعد مرور عامين على ذلك. ومن الصعب القول بوجود "تحسن للأجواء في الشرق الأوسط ككل."[3] فالانتفاضة الثانية على دخلت في عامها الثاني. هذه الانتفاضة التي انطلقت لتكون شاهداً على أسوأ الانتهاكات المنظمة لاتفاقية جنيف الرابعة على يد إسرائيل منذ بدء الاحتلال. والسبب الرئيسي لتأجيل المؤتمر الأول للأطراف السامية المتعاقدة – "لإعطاء فرصة للسلام" – غير موجود الآن، هذا على افتراض أنه كان موجوداً أصلاً. إنه الوقت المناسب – إلزامي - الآن أكثر من أي وقت مضى للأطراف السامية المتعاقدة لكي تعقد مؤتمرها مجدّداً من أجل دراسة الوسائل المتاحة لإلزام إسرائيل بقبول وتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة.
إن الهدف من هذا التقرير هو تسليط الضوء على تلك الانتهاكات لقانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي تقترفها إسرائيل، والحصول على التزام الأطراف السامية المتعاقدة بالوفاء بمسئولياتها بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. ولهذه الغاية، سيركّز الجزء الأول من التقرير على انتهاكات اتفاقية جنيف الرابعة التي ارتكبتها إسرائيل خلال انتفاضة الأقصى، وسيسلّط الجزء الثاني الضوء على الالتزام القانوني للأطراف السامية المتعاقدة ب "ضمان احترام [اتفاقية جنيف الرابعة] في كافة الظروف." ومن الواجب عليها أن تقوم بذلك فوراً، ونأمل أن يكون عقد اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة أول خطوة فعّالة على طريق تحقيق هذا الهدف في 5/12/2001.
الجزء الأول: الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاقية جنيف الرابعة بحق المدنيين الفلسطينيين
المادة 47
لقد قتل على الأقل 631 فلسطينياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 29 سبتمبر 2000، منهم 164 تحت سن 18 عاماً، و19 من الإناث.[4] وكان 83% من الذين قتلوا مدنيين. وأصيب ما لا يقل عن 16275 فلسطينياً.[5] وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون اليهود مسئولين عن عمليات القتل والإصابة هذه.
وفي بعض حالات القتل العمد، ألقى المتظاهرون الفلسطينيون الحجارة باتجاه الجنود الإسرائيليون، ولكن كان من النادر أن شكّلوا أي تهديد حقيقي أو مخيف من الناحية المنطقية على سلامة الجنود. فالجنود الإسرائيليون، الذين يرتدون بزّات عسكرية واقية، بقوا غالباً في سيارات الجيب العسكرية أو الدبابات، أو كانوا في مواقع عسكرية محصّنة بالكتل الإسمنتية والأبراج، أو متمركزين في مواقع أعلى من تلك التي يتواجد فيها المتظاهرون. علاوة على ذلك، أطلق الجنود الإسرائيليون النار على المتظاهرين عادة عندما كانوا يبعدون عنهم مسافات كبيرة. في مثل هذه الظروف، من المشكوك فيه إلى حد كبير أن يكون المتظاهرون الفلسطينيون قد شكّلوا أي خطر على حياة الجنود الإسرائيليين في كافة الحالات التي تشمل استخدام قوّة مميتة ضد الفلسطينيين.
وفي تلك الأوضاع التي شكّل فيها المتظاهرون الفلسطينيون تهديداً على سلامة الجنود الإسرائيليين، كان يجب أن يكون رد أولئك الجنود متناسباً مع حجم التهديد. ولكن لم تكن تلك هي الحال كما يظهر ذلك من خلال أنواع الذخيرة التي تسبّبت في مقتل أو إصابة فلسطينيين:[6]
21% ذخيرة حية
32% أعيرة معدنية مغلفة بالمطاط أو أعيرة بلاستيكية
29% غاز مسيل للدموع
18% متفرقة (غالباً شظايا قذائف)
وقد شمل ما يزيد عن نصف حالات القتل أو الإصابة استخدام الرصاص الحي أو الأعيرة المعدنية المغلفة بالمطاط. وتدل الإحصائيات السابقة على وجود توجّه لدى الجنود الإسرائيليين لاستخدام مفرط وغير متناسب للقوة ضد الفلسطينيين.
عمليات القتل خارج إطار القانون
واصلت إسرائيل سياسة اغتيال فلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة على خلفية الاشتباه بقيامهم بنشاطات معادية. وقد أكّد رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئيل شارون بشكل متكرر على حق إسرائيل في قتل الفلسطينيين الواردة أسماؤهم في قوائم "المطلوبين" التي أعدتها إسرائيل وذلك خارج إطار القانون. ففي انتهاك صارخ للقوانين الدولية والمحلية الخاصة بالإجراءات القضائية لاعتقال واتهام ومحاكمة أولئك المشتبه بضلوعهم في مخالفات جنائية، اغتالت إسرائيل على الأقل 37 فلسطينياً تدّعي أنهم كانوا يشكّلون تهديداً على أمنها. واتخذت عمليات الاغتيال أشكال إطلاق النار مباشرة و زرع متفجرات في الهواتف أو السيارات التي استخدمها الضحايا والصواريخ التي تطلقها الطائرات المروحية. وقد أدّت هذه العمليات غير القانونية إلى مقتل 11 من المدنيين المارة على الأقل وإصابة أعداد أخرى.
عمليات القتل التي يرتكبها المستوطنون اليهود
منذ اندلاع الانتفاضة، كان المستوطنون اليهود مسئولين عن قتل 24 مدنياً فلسطينياً على الأقل بشكل متعمد. وحتى الآن، لم يوجّه الادّعاء الإسرائيلي أية تهمة ضد أي مستوطن له صلة بعمليات القتل هذه.
2. الرعاية والطواقم الطبية والمرضى
المادة 16
يكون الجرحى والمرضى وكذلك العجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين.
أغلقت إسرائيل خلال الانتفاضة كافة المعابر الحدودية بين الضفة الغربية وقطاع غزة وكل من إسرائيل والأردن ومصر بصورة شبه كاملة. ونتيجة لذلك، فقد أعاقت إسرائيل نقل الجرحى إلى مستشفيات في الخارج، وإدخال التجهيزات الطبية الضرورية للمستشفيات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلاوة على ذلك، منع الفلسطينيون الذين كانوا يتوجهون إلى المستشفيات الإسرائيلية للعلاج المنتظم قبل اندلاع الانتفاضة من الوصول إلى تلك المنشآت الطبية. كما أعاقت القوات الإسرائيلية الحركة الداخلية ونقل المرضى إلى المستشفيات الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد توفّي 22 مدنياً فلسطينياً على الأقل نتيجة إعاقة القوات الإسرائيلية لهم على المعابر الحدودية والحواجز العسكرية.
المادة 20
يجب احترام وحماية الموظفين المخصصين كلية بصورة منتظمة لتشغيل وإدارة المستشفيات المدنية، بمن فيه الأشخاص المكلفون بالبحث عن الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء النفاس وجمعهم ونقلهم إلى المستشفيات.
إن الاعتداءات والعمليات الانتقامية ضد الطواقم أو سيارات الإسعاف أو المنشآت الطبية تشكّل انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة. مع ذلك، فقد هاجمت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الانتفاضة سيارات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني 156 مرة، ملحقة أضراراً ب 66 سيارة.[7] وأصيب أيضاً 116 من أفراد الطواقم الطبية التابعة للهلال الأحمر وقتل واحد منذ 29 سبتمبر 2000.[8] كما منعت القوات الإسرائيلية أو فرضت قيوداً على الوصول إلى سيارات الطوارئ التابعة للهلال الأحمر في ما لا يقل عن 185 حالة خلال الانتفاضة.
تحظر ممارسة أي إكراه بدني أو معنوي إزاء الأشخاص المحميين؛ خصوصاً بهدف الحصول على معلومات منهم أو من غيرهم.
المادة 32
تحظر الأطراف السامية المتعاقدة صراحة جميع التدابير التي من شأنها أن تسبب معاناة بدنية أو إبادة للأشخاص المحميين الموجودين تحت سلطتها. ولا يقتصر هذا الحظر على القتل والتعذيب والعقوبات البدنية، … ولكنه يشمل أيضاً أي أعمال وحشية أخرى، سواء قام بها وكلاء مدنيون أو وكلاء عسكريون.
المادة 147
المخالفات الجسيمة … هي التي [تتضمن] … التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية…
في السادس من سبتمبر 1999، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً بشأن عدد من الاعتراضات التي تقدّمت بها منظمات حقوق الإنسان ومعتقلون فلسطينيون ضد استخدام جهاز الأمن العام الإسرائيلي للتعذيب. وقد وجدت المحكمة أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي كان يستخدم قوة جسدية بصورة منتظمة خلال عمليات الاستجواب "تمس كرامة المشتبه فيه، وسلامته الجسدية وحقوقه الإنسانية بصورة تتجاوز الحد الضروري."[9] وعلى الرغم من أن أساليب الاستجواب الجسدية مخالفة للقانون الأساسي الإسرائيلي ولالتزامات إسرائيل الدولية، إلا أن المحكمة قررت بأنه "إذا أرادت الدولة تمكين محققي جهاز الأمن العام من استخدام الوسائل الجسدية في عمليات الاستجواب، فإن عليها سنّ تشريع لهذه الغاية."[10]
وقد قبلت الحكومة الإسرائيلية دعوة محكمة العدل العليا الإسرائيلية الضمنيّة بإعادة فتح النقاش حول إضفاء الصفة القانونية على التعذيب. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك وافق في 15 فبراير 2000 على وضع كافة التشريعات المتعلقة باستخدام التعذيب على الرف،إلا أن المدعي العام الإسرائيلي ردّ بالإعلان بأنه أوصى الجهات المختصة بعدم مقاضاة محقّقي جهاز الأمن العام إذا لجأوا إلى استخدام القوة الجسديّة بحقّ الفلسطينيين المشتبه فيهم عندما يرون ذلك "ضرورياً."
والموقف حاليّاً هو أن إسرائيل تنتهك القوانين الدولية المتعلّقة بالتعذيب في الأمور التالية:
· استمرار ورود تقارير حول استخدام أشكال متعدّدة من القوة الجسدية على أيدي محققي جهاز الأمن العام حتى بعد أن أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً اعتبرت فيه بأن استخدام القوة الجسدية مخالف للقانون. وتشمل أشكال التعذيب الضرب، استخدام متعاونين فلسطينيين للضغط على المعتقلين جسدياً من أجل استخلاص المعلومات منهم، وسجن فلسطينيين قصّر مع سجناء جنائيين.
· لم يقرّ الكنيست الإسرائيلي بعد تشريعاً يعتبر استخدام كافة أشكال التعذيب على أيدي محققي جهاز الأمن العام مخالفة للقانون. ويشكّل هذا التقصير مخالفة للمادة 2 (1) من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (فيما بعد اتفاقية مناهضة التعذيب) التي وقّعت عليها إسرائيل.
· لم تتم حتى الآن مقاضاة محققي جهاز الأمن العام الذين ارتكبوا عمليات تعذيب بحق فلسطينيين مشتبه فيهم قبل صدور قرار المحكمة العليا الإسرائيلية وفقاً للمادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة. كما أن المدعي العام الإسرائيلي صرّح رسمياً بأن ليس بالضرورة أنه سيقاضي محققي جهاز الأمن العام الذين يلجأون بشكل فردي إلى استخدام الضغط الجسدي ضد الفلسطينيين المشتبه فيهم إذا وجدوا أن ذلك ضرورياً، حتى بعد أن أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً تعتبر فيه تلك الممارسات غير قانونية.
· تنص المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب على أن أيّ دليل يتم الحصول عليه بأساليب التعذيب لن يتم قبوله في المحكمة ضد المتهم. مع ذلك لم تتّخذ أية خطوات لإعادة محاكمة السجناء الفلسطينيين الذين أدينوا بناء على أدلة تم الحصول عليها من خلال استخدام الوسائل الجسدية في الاستجواب والتي اعتبرها قرار المحكمة العليا الإسرائيلية غير قانونية.
· لم يتم حتى الآن تعويض المعتقلين الفلسطينيين الذين تعرّضوا للتعذيب قبل قرار المحكمة العليا الإسرائيلية أو ردّ الاعتبار لهم، ويشكّل ذلك انتهاكاً مباشراً للمادة 14 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
4. معاملة المعتقلين الفلسطينيين
المادة 5
إذا اعتقل شخص تحميه الاتفاقية في أرض محتلة … لوجود شبهات قاطعة بشأن قيامه بنشاط يضر بأمن دولة الاحتلال … [فإنه] مع ذلك، يعامل بإنسانية، وفي حالة الملاحقة القضائية، لا يحرم من حقه في محاكمة عادلة قانونية على النحو الذي نصّت عليه هذه الاتفاقية.
المادة 71
يتم دون إبطاء إبلاغ أي متهم تحاكمه دولة الاحتلال كتابة وبلغة يفهمها بتفاصيل الاتهامات الموجهة إليه، وينظر في الدعوى بأسرع ما يمكن.
المادة 72
أي متهم له الحق في تقديم الأدلة اللازمة لدفاعه، وعلى الأخص استدعاء الشهود. وله حق الاستعانة بمحامٍ مؤهّل يختاره يستطيع زيارته بحرية وتوفّر له التسهيلات اللازمة لإعداد دفاعه.
الاعتقال الإداري هو وسيلة استخدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء الاحتلال. ويصدر قرار الاعتقال القائد العسكري الإقليمي الإسرائيلي في المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية. ويتضمّن الاعتقال الإداري إنكار الحق في الإجراءات القضائية التي تشمل الحق في محاكمة عادلة، ومعرفة التهمة، والحق في الاستشارة القانونية، مما يعدّ مخالفاً لمعايير حقوق الإنسان. وللفلسطينيين الذين يعتقلون إدارياً الحق في استئناف أوامر الاعتقال الإداري أمام قاضٍ عسكري أو أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، ولكن محاميهم يحرمون تحت ذريعة المخاوف الأمنية من حقّهم في مراجعة الأدلة المقدّمة ضد موكّليهم. وحالياً، هنالك 26 معتقلاً إدارياً فلسطينياً في السجون الإسرائيلية.[11]
في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، لا تتلاءم ظروف المحاكمة مع المعايير الدولية للإجراءات القضائية لعدة أسباب. فمنذ عام 1996، منعت إسرائيل المحامين الفلسطينيين من زيارة الفلسطينيين المعتقلين في إسرائيل، وكان لذلك آثاراً خطيرة على المعتقلين الفلسطينيين الذين لا يمكن لمعظمهم توكيل محامين إسرائيليين، وبالتالي يحرمون من الاستشارة القانونية. كما أن المحامين الإسرائيليين الموكّلين للدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين لا يتم أحياناً إبلاغهم بموعد المحاكمة، وبالتالي يكون من الصعب عليهم توفير تمثيل قانوني ملائم. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن تأجيل المحاكمات بدون أي مسوّغ معقول. كما أن المعلومات التي يتم الحصول عليها باستخدام الوسائل الجسدية خلال التحقيق مع المعتقلين الفلسطينيين تقبل بها المحاكم العسكرية كأدلّة ضد أولئك المعتقلين. وبالمثل، تعتمد السلطات الإسرائيلية على الأدلّة التي يأتي بها المتعاونون الفلسطينيون الذين يحتجزون مع المعتقلين الفلسطينيين. وتواصل المحاكم العسكرية إدانة الفلسطينيين على أساس تلك الأدلة التي يتم الحصول عليها بصورة غير قانونية.
المادة 49
يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال … أياً كانت دواعيه.
المادة 76
يحتجز الأشخاص المحميون المتهمون في البلد المحتل، ويقضون فيه عقوبتهم إذا أدينوا.
بموجب اتفاقيات أوسلو، كان على قوات الاحتلال الإسرائيلي التي أعادت انتشارها في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة أن تترك السجون الموجودة في تلك المناطق. وتبعاً لذلك، قامت إسرائيل بنقل المعتقلين الفلسطينيين المحتجزين في تلك السجون إلى سجون في داخل إسرائيل. وقبل اندلاع الانتفاضة، كان حوالي 2000 فلسطيني معتقلين في سجون تقع داخل إسرائيل، ومنذ بدء الانتفاضة تم اعتقال مئات آخرين والزجّ بهم في السجون الإسرائيلية. وتشكّل حالات الاعتقال هذه انتهاكاً للمادة 49، التي تحظر نقل الأشخاص المحميّين من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال، والمادة 76 التي تدعو إلى أن يقضي الأشخاص المحميون عقوبتهم في البلد المحتل.
وقد أدّى نقل هؤلاء المعتقلين إلى سجون ومراكز اعتقال في داخل إسرائيل إلى حرمان عائلاتهم من زيارتهم. وتعتبر زيارة العائلات لأبنائها المعتقلين أمراً أشبه بالمستحيل بسبب القيود الصارمة التي تفرضها إسرائيل على حرية الحركة للفلسطينيين. كما أن أفراد عائلات المعتقلين الفلسطينيين يمنعون غالباً من زيارتهم دون سبب محدّد.
المادة 76
يفصل الأشخاص المحميون [المتهمون] إذا أمكن عن بقية المحتجزين، ويخضعون لنظام غذائي وصحي يكفل المحافظة على صحتهم ويناظر على الأقل النظام المتبع في سجون البلد المحتل.
وتقدم لهم الرعاية الطبية التي تتطلبها حالتهم الصحية.
يؤخذ في الاعتبار النظام الخاص الواجب للصغار.
يحتجز المعتقلون الفلسطينيون في غرف ذات أوضاع سيئة ومزدحمة، ويعانون من درجات الحرارة العالية وعدم النظافة في أماكن الاعتقال. كما أن هنالك تمييزاً واضحاً في ظروف الاحتجاز بين السجناء الإسرائيليين والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
وتتناقض نوعيّة وكميّة الطعام الموفرّة للمعتقلين الفلسطينيين مع المعايير الدولية، ولذلك تأثير مباشر على صحتهم، ويزيد من مخاطر إصابتهم بالأمراض. وبسبب المرض أو لظروف معيّنة يحتاج بعض المعتقلين الفلسطينيين إلى حميّات خاصة، وهو ما لا توفره سلطات السجون الإسرائيلية. وهكذا، فإن الأوضاع الصحية تستمر في التدهور بسبب النظام الغذائي.
ولا تجد الحالة الصحية السيئة للمعتقلين الفلسطينيين رعاية طبية ملائمة، فعلى سبيل المثال هنالك نقص حادّ في الطواقم الطبية في السجون. وبعض المعتقلين لا يجدون طبيباً يعالجهم، والبعض الآخر يمكنه الوصول إلى الطبيب فقط لمدة قصيرة كل يوم. وعادة ما يكون الأطباء العاملون في السجون أطباء عامّين، وهو ما يؤدي إلى أن ينتظر المعتقلون الفلسطينيون الذين هم بحاجة إلى رعاية خاصة فترة طويلة لكي يعرضون على طبيب مختص.
ولا يحظى المعتقلون الفلسطينيون الذين تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً بالرعاية الخاصة التي يجب على إدارات السجون الإسرائيلية توفيرها لهم. ويحتجز السجناء السياسيون الفلسطينيون القصّر في سجن تلموند مع سجناء جنائيين إسرائيليين، مما يعرضهم لمخاطر لا داعي لها.
5. هدم البيوت وتجريف الأراضي الزراعية
المادة 53
يحظر على دولة الاحتلال أن تدمّر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلّق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير.
المادة 33
لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب.
تحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.
من أجل إدامة الاحتلال، تبنّت إسرائيل سياسة هدم المنازل. في الماضي، برّرت الدولة هدم المنازل بأن أصحاب تلك المنازل قد بنوها دون الحصول على تراخيص على أراضي الدولة، أو في "مناطق خضراء" أو على أراضٍ ليست مخصّصة للبناء أو على أراضٍ مخصّصة للأغراض الزراعية أو الأمنية.
ومنذ اندلاع الانتفاضة، شهدت الضفة الغربية وقطاع غزة ازدياداً ملحوظاً في عمليات هدم المنازل والمباني الفلسطينية، فقد هدمت إسرائيل ما يزيد عن 308 منزلاً في قطاع غزة وحده، وشرّدت الآلاف من ساكنيها. إضافة إلى ذلك، قامت إسرائيل بتجريف ما لا يقلّ عن 13500 دونم من الأراضي الزراعية في قطاع غزة، وهو ما يشكل حوالي 9% من المساحة الإجمالية للأراضي الزراعية في القطاع. ولهذه الإجراءات آثار تدميرية طويلة الأمد على الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث الزراعة هي القطاع الاقتصادي الرئيسي.
وقد تغيّر المبرّر الإسرائيلي الرسمي لعمليات الهدم والتجريف في الأراضي الزراعية. ولا تعلن القوات الإسرائيلية دائماً عن السبب لأي عملية هدم أو تجريف، سواء قبل أو بعد عملية التدمير. وعندما يكشف النقاب عن سبب، تدّعي السلطات الإسرائيلية دائماً بأن الممتلكات أو الأراضي التي يتم تدميرها كانت تشكَل غطاء لمرتكبي الهجمات، وبالتالي فإن هدمها ضروري من الناحية الأمنية. في الواقع، لا تتبع عمليات الهدم وتجريف الأراضي دائماً وقوع هجمات ضد الإسرائيليين، فقد تم العديد من عمليات الهدم كإجراء وقائي تحسباً لوقوع هجمات فلسطينية.
وتحظر المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة على دولة الاحتلال أن تدمّر الممتلكات المدنية إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير. وتدل الضرورة العسكرية على وضع لا تستطيع فيه الدولة تجنّب خطر الحرب بأية وسيلة أخرى غير ارتكاب عمل يشكّل انتهاكاً للقانون الدولي. إن مصطلح "حتماً" يؤكّد على أن من الواجب قراءة هذه المادة بتمعّن، وأي غموض في تطبيق هذه المادة يجب أن يفسّر على أنه في صالح المدنيين الذين تستهدفهم الحماية.
بدلاً من ذلك، ادّعت إسرائيل بأن عمليات الهدم مبرّرة بالدفاع عن النفس. مع ذلك، تسيء إسرائيل تطبيق حالات الدفاع من ناحيتين على الأقل، فمن أجل الاعتماد على مبدأ الدفاع عن النفس، يجب أن تكون العمليات العنيفة ردّاً على أعمال عنف أو تهديد محدق، ويجب أن توجّه ضد مرتكبي الهجمات. وفي حالة عمليات الهدم وتجريف الأراضي، كانت المجازفة المباشرة غائبة، وكانت عمليات التدمير التي جاءت ردّاً على هجمات فلسطينية موجّهة ضد مدنيين أبرياء لا ضد منفذي الهجمات.
وعلى الأرض، تشير كافة الحقائق إلى أن التدمير الإسرائيلي للممتلكات الفلسطينية يشكّل عمليات انتقامية وعقاباً عشوائياً ضد المدنيين، وهو ما تحظره المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة. إن الطبيعة المفرطة للرد الإسرائيلي على الهجمات الفلسطينية تشكّل انتهاكاً لمبدأ التناسبية الذي يشكل أساساً لحجج الدفاع عن النفس، والضرورة العسكرية. وليس لأصحاب الأملاك الفلسطينيين أية سيطرة على المصادمات التي تجري بين المسلحين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية. وتعجز إسرائيل عن إثبات أن أصحاب الأملاك شاركوا أو ساعدوا في الهجمات ضد الإسرائيليين أو شجّعوها، وهذا يجعل عمليات الهدم تبدو عمليات انتقامية، وهو ما يشكّل انتهاكاً للمادة 33.
لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحّل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها.
منذ بدء الاحتلال، اتّبعت إسرائيل سياسة استيطان عدوانية، تزيد من عدد وحجم المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. إن إقامة المستوطنات في الأراضي التي تحتلها إسرائيل بشكل غير قانوني هي انتهاك للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة. وإسرائيل مسئولة عن التخطيط والمصادقة والتمويل وبناء المستوطنات، وتمنح الإسرائيليين الحوافز المالية للانتقال إلى الأراضي الفلسطينية. حالياً، يعيش حوالي 400000 مستوطن يهودي في أكثر من 200 مستوطنة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.[12] في الثلاثين من إبريل 2001، أوصت لجنة تقصي الحقائق، برئاسة السناتور الأمريكي السابق جورج ميتشل، المنبثقة عن قمة شرم الشيخ، بأن يتم وقف كافة النشاطات الاستيطانية من أجل تحقيق السلام في المنطقة. مع ذلك، لم تبدِ إسرائيل استعداداً للقيام بذلك. ويؤكّد رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئيل شارون بأنه سيجعل التوسّع الاستيطاني مقتصراً على متطلبات "النمو الطبيعي" للمستوطنات القائمة فقط بعد أن تسود فترة من الهدوء التام. وعلى الأرض، تمت إضافة حوالي 950 وحدة سكنية جديدة إلى المستوطنات في الربع الأخير من عام 2000.[13]
وقد جادلت إسرائيل بأن المستوطنات ضرورية لها من الناحية العسكرية للحفاظ على أمنها في المناطق التي تحتلها. ولكن الوقائع على الأرض تدحض هذه الادّعاءات، فمنذ إقامتها، وبالتحديد خلال الانتفاضة، كان وجود وتنامي المستوطنات السبب في الغضب الفلسطيني المتزايد إزاء الوضع في الأراضي المحتلة. وتجلّت صور هذا الغضب خلال الانتفاضة في المظاهرات الفلسطينية التي لقيت ردّاً عنيفاً من قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي نشرت أعداد كبيرة منها قرب المستوطنات لحمايتها. وتدل كافة الحقائق على أن المستوطنات تلحق الضرر بالأمن الإسرائيلي ولا تعزّزه، وأن المستوطنات هي بالأكثر بمثابة خلق "حقائق على الأرض" تجعل من إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة ضرباً من ضروب المستحيل.
ودافعت إسرائيل عن سياستها الاستيطانية على الأرض بأن المستوطنات هي قضية وافقت منظمة التحرير الفلسطينية، كممثّل للشعب الفلسطيني، على مناقشتها في مفاوضات الوضع النهائي حسب اتفاقيات أوسلو، والتي كان من المقرر أن تتم في عام 1999 ولكنها لم تبدأ بعد. مع ذلك، تشكّل تلك المفاوضات انتهاكاً للمادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على ألا يحرم الأشخاص المحميون من الانتفاع من هذه الاتفاقية بسبب أي اتفاق يتم التوصل إليه بين سلطات الإقليم المحتل ودولة الاحتلال. لذا، فإن أية اتفاقية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية خول هذه القضية لا تنفي حقيقة أن وجود المستوطنات يشكل خرقاً خطيراً لاتفاقية جنيف الرابعة.
المادة 33
لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب.
تحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.
منذ بدء الاحتلال، احتفظت إسرائيل بالقدرة على التحكّم في تحرّك الفلسطينيين والبضائع من وإلى الأراضي الفلسطينية من خلال فرض إغلاق عام. وفي عام 1989 استحدثت الإغلاقات المشدّدة، مع نظام البطاقات الممغنطة التي يشترط حصول كافة السكان الفلسطينيين فوق سن السادسة عشرة عليها. وبشكل دوري، شدّدت إسرائيل من سيطرتها على حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال فرض إغلاقات مشدّدة أو حتى إغلاقات شاملة – إغلاقات تمنع كافة أشكال التحرك للفلسطينيين والبضائع من وإلى الأراضي المحتلة.
ومنذ 29 سبتمبر 2000، فرضت إسرائيل فرضت إسرائيل طوقاً جوياً وبحرياً وبرياً شبه كامل على الضفة الغربية وقطاع غزة، كان الهدف منه عزل الضفة الغربية وقطاع غزة عن إسرائيل وعن العالم الخارجي وقطع أي اتصال بين المنطقتين الفلسطينيتين، وتقييد الحركة حتى داخل المناطق الفلسطينية نفسها.
وقد منعت إسرائيل بشكل كامل أو فرضت قيوداً على ما يلي:
· التحرك عبر كافة المعابر الحدودية من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى إسرائيل.
· التحرك عبر كافة المعابر الحدودية بين الأراضي الفلسطينية وكل من الأردن ومصر.
· التحرك عبر الممر الآمن الذي يربط بين قطاع غزة والضفة الغربية.
· الرحلات الجوية من مطار غزة الدولي وهو المنفذ الجوي الوحيد لقطاع غزة.
· الصيد في البحر المتوسط.
علاوة على ذلك، شكّل الإغلاق المتكرر للطرق الرئيسية التي تربط جنوب قطاع غزة بشماله وفرض سيطرة إسرائيلية محكمة على كافة محاور الطرق الرئيسية عائقاً أمام الحركة داخل قطاع غزة. وفي الضفة الغربية، إضافة إلى القيود على الحركة الناجمة عن العدد الكبير للحواجز الإسرائيلية، فرض حظر التجول على العديد من البلدات الفلسطينية مما عزلها عن بقية المناطق. وقد جزّأت نقاط التفتيش والحواجز والطرق الالتفافية المخصصة لاستخدام الإسرائيليين فقط الضفة الغربية إلى حوالي 64 منطقة منفصلة.
إن للإغلاق المفروض على الضفة الغربية وقطاع غزة آثار تدميرية على اقتصاد فلسطيني يعتمد بشكل كامل على الاقتصاد الإسرائيلي والسيطرة الإسرائيلية على المعابر. وقد نتج عن القيود شبه الكاملة على الحركة أن حوالي 120000 عامل فلسطيني أصبحوا عاطلين عن العمل، وهو ما يشكّل انخفاضاً بنسبة 75% في عدد الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل،[14] وخسارة سنوية تقدّر بنحو 75 مليون دولار من عائدات الاقتصاد الفلسطيني من خدمات العمل.[15] إضافة إلى ذلك، نتج عن القيود المفروضة على نقل البضائع من خلال إغلاق المعابر الحدودية المؤدية إلى إسرائيل خسارة تقدّر بنحو 60 مليون دولار على الأقل هي قيمة الصادرات إلى إسرائيل منذ اندلاع الانتفاضة.[16]
ولم يبقى أي فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية لم يتأثر بالإغلاقات التي تفرضها إسرائيل، فقد فقدت حوالي 14.2 % من الأسر مصادر دخلها خلال الانتفاضة، بينما فقدت حوالي 74.4 % من الأسر على الأقل نصف دخلها المعتاد في الفترة نفسها.[17] وانخفض معدل الدخل الشهري للفلسطينيين من 2500 شيكل إلى 1300 شيكل.[18]
ومن جانبها، علّلت إسرائيل إحكام سيطرتها على الأراضي الفلسطينية بالمخاوف الأمنية، وبالتحديد إمكانية تعرضها لهجمات انتحارية. مع ذلك، لم تحل الإغلاقات دون دخول المنتحرين إلى إسرائيل خلال الانتفاضة، وهي حقيقة تؤكّد بأن الحصار لم يحقّق الهدف الذي تزعم إسرائيل السعي إلى تحقيقه. في الواقع، إن تأثيرات الحصار الكارثية على حياة السكان المدنيين العاديين تساهم في إثارة أعمال العنف ضد إسرائيل ولا تهدّئها. كما أن الإغلاقات تشكل عقاباً ضد الفلسطينيين كافة دون تمييز، وهو ما يمثّل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، والعقوبات الجماعية هي انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني.
الجزء الثاني: الأساس القانوني لاجتماع الأطراف السامية المتعاقدة
أظهر الجزء الأزل بأن إسرائيل قد انتهكت بنوداً متعددة في اتفاقية جنيف الرابعة. ومن غير المنظور أن تغيّر إسرائيل ممارساتها غير القانونية في المستقبل، خاصة وأنها مستمرة في رفض الاعتراف بالانطباق القانوني لاتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويقع على عاتق الأطراف السامية المتعاقدة الالتزام بضمان احترام إسرائيل للاتفاقية في كافة الظروف. وعلى أساس المادة الأولى التي تحدّد هذه المسئولية، يحثّ المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الأطراف السامية المتعاقدة على عقد اجتماع في أقرب وقت ممكن لمناقشة السبل الكفيلة بضمان إلتزام إسرائيل بالاتفاقية.
المادة الأولى: حق أم التزام؟
لا تعط المادة الأولى أطرافاً ثالثة فقط الحق في ضمان احترام الدول المتنازعة للاتفاقية بل تؤكّد أيضاً على أنه واجب عليها أن تقوم بذلك.
في عام 1986 فسّرت محكمة العدل الدولية المادة الأولى على هذا النحو في قرارها في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، عندما ذكرت بأن:
من واجب حكومة الولايات المتحدة حسب المادة الأولى من اتفاقيات جنيف أن "تحترم" الاتفاقيات وحتى "أن تضمن احترامها" في "كافة الظروف لأن هذا الالتزام لا ينبع فقط من الاتفاقيات نفسها بل من المبادئ العامة للقانون الإنساني الذي تشكّل المعاهدات فقط تعبيراً محدّداً له.[19]
وقد دعت قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن التابعين للأمم المتحدة بشكل متكرّر الأطراف السامية المتعاقدة إلى ضمان احترام إسرائيل لالتزاماتها.[20] ومؤخّراً، جدد 115 من أصل 188 هم عدد الأطراف السامية المتعاقدة واجبهم بموجب المادة الأولى من خلال
تصويتهم لصالح سلسلة من قرارات
الجمعية العامة خلال جلسة الجمعية العامة الطارئة الخاصة التاسعة.[21]
وقد أشارت كافة القرارات التي اتخذتها الجمعية العامة خلال الجلسة الطارئة إلى
المادة الأولى "كالتزام."
وإقراراً منها بالتزامها بموجب المادة الأولى، اجتمعت الأطراف السامية المتعاقدة في جنيف في عام 1999 لمناقشة السبل الكفيلة بضمان التزام إسرائيل بالاتفاقية. وأصدرت بياناً مشتركاً في ختام المؤتمر عبرت فيه عن عزمها الاجتماع مرة أخرى في وقت لاحق.[22]
مع ذلك، وبعد مرور أكثر من عامين على اجتماعها الأول، لم يكن هنالك أي مؤشر على وجود جهود ملموسة من جانب الأطراف السامية المتعاقدة من أجل الوفاء بالتزامها القانوني لضمان احترام إسرائيل للاتفاقية. ويمكن أن نعزو هذه اللامبالاة إلى عدم وجود رغبة سياسية لا إلى وجود خلل في الأساس القانوني في التزام المادة الأولى، والدليل على ذلك عملية التسييس التي جرت للمؤتمر الأول للأطراف السامية المتعاقدة، كما اتضح في بيانها الختامي. إن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يعتبر في الظروف الراهنة أن تقاعس غالبية الأطراف السامية المتعاقدة عن "ضمان احترام الاتفاقية" في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو خرق للالتزام الوارد في المادة الأولى. لذا فإن المركز يحثّ الأطراف السامية المتعاقدة على أن تجتمع ثانية في أقرب وقت ممكن كوسيلة لتجديد تأكيدها على اعترافها بالتزامها القانوني. ويجب على الدول أن توضح بأن مشاركتها في مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة ينبع من التزامها القانوني بموجب المادة الأولى، ولا ينبع من، أو يتأثر بالاعتبارات السياسية وحدها.
مدى الالتزام
تشكّل المادة الأولى من اتفاقية جنيف الرابعة التزاماً قانونياً من شقين تتولاه 188 دولة. أولاُ: يلقي التعهّد باحترام الاتفاقية على عاتق كل دولة واجب تنفيذ كافة بنود الاتفاقية عندما تكون الدولة طرفاً في نزاع من النوع الذي تعنى به الاتفاقية. ثانياً: يقع على عاتق كل دولة من الدول الأطراف التزام بضمان احترام الاتفاقية حتى عندما لا تكون طرفاً في نزاع.
لا تعرّف اتفاقية جنيف الرابعة بشكل واضح مضمون الالتزام بضمان الاحترام في نص المعاهدة. مع ذلك، حدّدت محكمة العدل الدولية مفهوم الالتزام في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة.[23] ففي تلك القضية، اعتبرت محكمة العدل الدولية أن الولايات المتحدة خرقت الالتزام المتعارف عليه بضمان احترام الاتفاقية من خلال تشجيعها لثوار الكونترا في نيكاراغوا الذين انتهكوا الاتفاقية. وبذلك، بينما لم تحاول تحديد إطار المادة الأولى بصورة كلية، إلا أن المحكمة اعتبرت بأن تشجيع الانتهاكات للاتفاقية يشكّل واحدة من الطرق التي يمكن أن تخرق الدولة من خلالها التزامها بضمان احترام الاتفاقية.
في الواقع، إن التعهّد بضمان الاحترام يمكن أن يفسّر بشكل أوسع ليجعل من التقاعس عن التحرك ضد انتهاكات للاتفاقية معروفة أو بالإمكان التنبؤ بوقوعها وأعمال متعددة كانتهاك بحد ذاته. بعبارات أخرى، تلقي المادة الأولى على عاتق الأطراف السامية المتعاقدة واجب إنفاذ اتفاقية جنيف الرابعة في كافة الظروف. وإذا كانت تلك الظروف تتضمّن أن أحد الأطراف السامية المتعاقدة، كطرف في نزاع، ينتهك بنود الاتفاقية، عندها يكون من الضروري أن تبذل الأطراف السامية المتعاقدة الأخرى جهوداً جدّية ومعقولة من أجل إجبار الدولة المنتهكة على وقف انتهاكاتها. وإذا لم تفعل الدول الأطراف ذلك، فإنها بذلك تنتهك التزامها بموجب المادة الأولى. وبهذه الطريقة لا يعتبر الالتزام بموجب المادة الأولى من أعمال معينة تتناقض مع الاتفاقية غير قانونية، بل إنه يجعل من عدم تحرّك دولة أخرى لوقف هذه الانتهاكات أمراً غير قانوني. وبذلك، فإن المادة الأولى تمنع الأطراف الثالثة في نزاع من أن تعفي نفسها من المسئولية على أساس عدم اشتراكها في النزاع. أنها تجعل من حماية المدنيين مسئولية كافة الدول بصرف النظر عن مشاركتها أو عدمها في النزاع.
ويبقى تطبيق الاتفاقية في المقام الأول من مسئولية الدول الأطراف في النزاع. وعندما لا يضمن طرف في النزاع أو يرفض ضمان أن ممارساته لا تلتزم بالقانون، فإن مسئولية إنفاذ الاتفاقية تقع بالضرورة على الدول غير المشاركة في النزاع. تلك هي بالضبط الظروف القائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فمنذ بدء الاحتلال، ارتكبت إسرائيل بشكل منظّم انتهاكات لاتفاقية جنيف الرابعة ضد الفلسطينيين. وقد أظهر الجزء الأول بأن الانتهاكات قد تصاعدت بشكل غير مسبوق خلال العام الأخير. وعلى الرغم من أن إسرائيل تفتح أبواب محكمتها العليا أمام الفلسطينيين لاستئناف قرارات وإجراءات الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، إلا أن الجهاز القضائي الإسرائيلي قد أخفق في توفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين من الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وينبع هذه الإخفاق إلى حد كبير من حقيقة أن إسرائيل تشكّك في الانطباق القانوني لاتفاقية جنيف الرابعة على الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لذا فإن الفلسطينيين لا يستطيعون استخدام الاتفاقية لإثارة تساؤلات حول قانونية الإجراءات العسكرية. وبما أن رفض إسرائيل القبول بتطبيق الاتفاقية يترك آلية التطبيق الداخلية معطّلة، فإن من واجب الأطراف السامية المتعاقدة الأخرى أن تحقّق التزام إسرائيل بالاتفاقية.
من الواضح أن هنالك دليلاً لا لبس في على أن إسرائيل تقاعست عن التقيّد بالتزامها القانوني لحماية المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد كان هذا الدليل واضحاً أمام الأطراف السامية المتعاقدة. ولا يمكن لأي من الأطراف السامية المتعاقدة توقع أن القوة المحتلة نفسها ستلتزم في هذه الحالة باحترام الاتفاقية، حيث أن إسرائيل لم تبدِ استعداداً للقيام بذلك. ومع الإدراك الواضح لعدم احترام إسرائيل لبنود الاتفاقية، فإن المسئولية تقع على عاتق الأطراف السامية الأخرى لضمان التزام إسرائيل بالاتفاقية. ويبقى السؤال الوحيد هو كيف يفعلون ذلك.
آلية الإنفاذ
إن المادة الأولى تلقي الالتزام بضمان احترام اتفاقية جنيف الرابعة على عاتق الأطراف السامية المتعاقدة، ولكنها لا تحدّد أية طريقة معينة لضمان الالتزام ببنود الاتفاقية. وبالمثل، تركّز المادة 146 على الإجراءات التي تتّخذ بعد ارتكاب انتهاكات للاتفاقية، بينما تدعو أيضاً إلى إخماد كافة الأعمال المخالفة لبنود الاتفاقية. إن غياب بند واضح فيما يتعلق بآلية الإنفاذ لا ينتقص من الالتزام القانوني الواضح على كافة الأطراف السامية المتعاقدة بضمان احترام الاتفاقية، بل إنه يسلّط الضوء على أهمية عقد مؤتمر يناقش هذا الغياب.
وفي تحرّيهم للآليات المتعددة للإنفاذ، يمكن للأطراف السامية المتعاقدة أن ينظروا في كافة الإجراءات التي ينص عليها القانون الدولي العام لضحايا انتهاكات أي معاهدة، طالما لا يستثنيها القانون الدولي الإنساني (كالأعمال الانتقامية ضد الأشخاص المحميين).[24] وفيما يلي قائمة لبعض الأمثلة لآليات الإنفاذ الممكنة على سبيل المثال لا الحصر:[25]
· طرد الدبلوماسيين.
· قطع العلاقات الدبلوماسية.
· وقف المفاوضات الدبلوماسية الجارية أو رفض المصادقة على الاتفاقيات الموقّعة سابقاً.
· عدم تجديد الامتيازات أو الاتفاقيات التجارية.
· خفض أو تعليق المساعدات العامة للدولة المخلّة.
· فرض قيود و/أو حظر على تجارة السلاح والتعاون العلمي والتكنولوجي العسكري.
· فرض حظر على الاستثمارات.
· تجميد رؤوس الأموال.
· تعليق اتفاقيات النقل الجوي.
· طلب الاستشارة من لجنة الحقوقيين الدولية حول ما إذا كان انتهاك دولة للقانون الدولي الإنساني يشكّل فعلاً خرقاً لالتزام دولي تعهّدت به تلك الدولة.
يجب على الأطراف السامية المتعاقدة أيضاً أن تتذكّر واجبها حسب المادة 146 من الاتفاقية لاتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لاعتبار كافة مسئولي الحكومة الإسرائيلية وأفراد الجيش مذنبين باقتراف أو تشجيع ارتكاب خروقات خطيرة للاتفاقية، حسبما هو وارد في المادة 147. وبإمكان الأطراف السامية المتعاقدة أن تقوم بذلك في محاكمها أو في القضاء الدولي، إضافة إلى الضغط على إسرائيل من أجل محاكمة ومعاقبة الأفراد المشتبه فيهم أمام محاكمها.
إن اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة ضروري من أجل تحرّي خيارات الإنفاذ الأخرى وتحديد الخيار الأنسب بالنسبة للوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومن قبيل المناقشة أن أي التزام على أرض الواقع أو قانوني منقوص من جانب إسرائيل بالاتفاقية كاملة لن يكون كافياً لتحرير الأطراف السامية المتعاقدة التي لا تعتبر طرفاً في النزاع من التزامها بضمان احترام الاتفاقية. مع ذلك، يفترض مثل هذا التفسير بالضرورة لجوءاً محتملاً للتدخل المسلّح، ولكن بالنظر إلى طبيعة القانون الدولي الإنساني فإنه لا يمكن أن يشكّل أساساً لتدخّل عسكري لإجبار إسرائيل على احترام الاتفاقية.[26] عوضاً عن ذلك، فإن تدخّلاً عسكرياً يقرّره مجلس الأمن على أساس الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يمكن أن يكون أحد خيارات الإنفاذ المتاحة للأطراف السامية المتعاقدة. ويحظى مثل هذا العمل بالدعم في المادة 89 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المعقودة في 12 أغسطس 1949، والمتعلّق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية (البروتوكول الأول)، والتي تدعو الأطراف السامية المتعاقدة إلى "أن تعمل، مجتمعة أو منفردة، في حالات الخرق الجسيم للاتفاقيات وهذا الملحق ’البروتوكول‘، بالتعاون مع الأمم المتحدة وبما يتلاءم مع ميثاق الأمم المتحدة." مع ذلك، إسرائيل ليست طرفاً في البروتوكول الأول، كما أن البروتوكول الأول لم يحظَ بعد بوضع عرفي. وبذلك، يصبح من مسئولية مجلس الأمن أن يقرّر ما إذا كانت الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تمثّل تهديداً للسلام، وهو ما يخوّله اللجوء إلى التدخّل العسكري وفقاً للمادتين 39 و40 من الميثاق.
على الأقل، تلزم المادة الأولى من اتفاقية جنيف الرابعة الأطراف السامية المتعاقدة باستخدام كافة الوسائل الأخرى بأقصى درجة ممكنة من أجل تحقيق التزام إسرائيل بالاتفاقية كاملة. إن الأطراف السامية المتعاقدة تفرغ التزامها بموجب المادة الأولى من الاتفاقية بضمان الاحترام من محتواه طالما أنها لا تبذل جهوداً معقولة بنية صادقة من أجل ضمان التزام إسرائيل بالاتفاقية. وهذا يعني أن أي قرار من جانب الأطراف السامية المتعاقدة للقيام بإجراء معيّن يجب ، يكون مرتبطاً من الناحية المنطقية بالهدف المتوخّى. بعبارات أخرى، يجب أن تكون لذلك الإجراء فرصة لتحقيق التزام إسرائيل باتفاقية جنيف الرابعة. وإذا تبيّن بعد فترة معقولة أن ذلك الإجراء لم يكن ناجعاً، يجب على الأطراف السامية المتعاقدة أن تجرّب إجراء آخر. إن من غير المقبول أن تستمر الأطراف السامية المتعاقدة بنوع معيّن من العمل دون محاولة تجريب إجراءات أخرى إذا لك يحقّق ذلك الإجراء التزام إسرائيل بالاتفاقية كاملة. ومن الطبيعي أن ذلك سيتطلّب إطاراً زمنياً لاستخدام أي إجراء إنفاذ معيّن، يستند إلى توقّع النجاح في إلزام إسرائيل بالاتفاقية. كما سيتطلّب أيضاً نظام مراقبة يمكن للأطراف السامية المتعاقدة من خلاله أن تجمع المعلومات بصورة مستمرة عن فعالية أي إجراء إنفاذ وتقييمه في النهاية.
إن الجزء الأول يظهر بوضوح أن الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة هم ضحايا انتهاكات لاتفاقية جنيف الرابعة ترتكبها القوة المحتلة الإسرائيلية، ولدى كافة الدول معرفة مفصّلة عن تلك الانتهاكات. لذا فإن من واجب الأطراف السامية المتعاقدة أن تبدأ بالوفاء بالتزامها بموجب المادة الأولى. إن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يطالب الأطراف السامية المتعاقدة بالاجتماع ثانية في أقرب وقت ممكن من أجل مناقشة سبل إنفاذ الاتفاقية، فمؤتمر من هذا القبيل سيوجّه رسالة قوية إلى إسرائيل بأن ليس بإمكانها أن تعوّل على لا مبالاة الدول الأخرى في وجه انتهاكاتها للاتفاقية.
وبتعميم أكبر، ستنقل رسالة واضحة إلى كافة الدول التي تخرق أو ترتكب انتهاكات لاتفاقية جنيف الرابعة. كما أن اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة من شأنه أن يعزّز الطبيعة الإلزامية للمادة الأولى تجاه اتفاقيات جنيف، مما يعني بأن السعي إلى حماية المدنيين من التدمير الذي تخلّفه الحروب سيكون مستندة إلى سيادة القانون.
وحمل اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة الذي عقد في 15 يوليو 1999 الكثير من البشائر، بشكل خاص للمدنيين الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبتعميم أكبر لتطوير القانون الدولي الإنساني. مع ذلك، كانت نتيجة هذا الاختبار الدولي لقوة اتفاقية جنيف الرابعة محبطة بصورة جدّية، قادت إليه عملية تسييس الالتزام القانوني للأطراف السامية المتعاقدة. وفي ضوء البيان الختامي المحبط الصادر عن المؤتمر الأول للأطراف السامية المتعاقدة، يحثّ المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الأطراف السامية المتعاقدة على بذل أقصى الجهود لضمان نجاح المؤتمر الثاني، يكون نابعاً من التزامهم بالقانون الدولي الإنساني. ويجب على الأطراف السامية المتعاقدة أن تعمل من أجل التوصّل إلى حل يتميّز بما يلي:
· حل يعتمد على احترام حقوق الإنسان
لا يمكن تحت أي ظرف من الظروف إهمال الالتزام باحترام وضمان احترام الاتفاقية. ولا يجب التضحية بحماية المدنيين التي نظمتها اتفاقية جنيف الرابعة باسم المنفعة السياسية. ويجب أن يكون احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني حجر الزاوية لأي حل سياسي للوضع في الأراضي المحتلة. حتى ذلك الحين، يجب أن يحكم احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني العلاقة بين إسرائيل (كقوة محتلة) والمدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما تنص عليه المادتان 7 و47 من الاتفاقية. وطالما أن إسرائيل لا تبدي أي استعداد للالتزام بالقانون، يجب على الأطراف السامية المتعاقدة أن تفي بالتزامها القانوني بإجبار إسرائيل على احترام القانون.
· الزمن
يجب عقد اجتماع للأطراف السامية المتعاقدة فوراً من أجل دراسة الوسائل الفعّالة الكفيلة بإجبار إسرائيل على احترام الاتفاقية، وأي تأخير في عقد المؤتمر سيسهم في ارتكاب المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان – القتل العمد، و الحرمان من الرعاية الطبية، والتعذيب وإساءة معاملة المعتقلين، وتدمير الممتلكات المدنية، والاستيطان، والإغلاقات. إن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يطالب الأطراف السامية المتعاقدة لتحديد موعد على الفور لمؤتمرها لا يتجاوز نهاية عام 2001، من أجل البدء في تنفيذ التزامها بضمان احترام الاتفاقية.
· خطة عمل متماسكة
يجب على الأطراف السامية المتعاقدة أن تتوجه إلى المؤتمر بهدف محدّد هو البحث في الإجراءات الكفيلة بإجبار إسرائيل على احترام الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي ختام المؤتمر، يجب على الأطراف السامية المتعاقدة أن تضع خطة عمل عملية ومقنعة تشكّل أساساً لتنسيق ردّها على خروقات إسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة.
· حالة اختبار
إن توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة للأطراف السامية المتعاقدة بعقد مؤتمر للنظر في اتخاذ إجراءات لضمان احترام إحدى اتفاقيات جنيف في وضع محدّد لا سابق لها، فهي التوصية الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقيات جنيف في عام 1949. وكانت للأطراف السامية المتعاقدة فرصة لصناعة التاريخ في 15 يوليو 1999 من خلال العمل على تطوير القانون الدولي الإنساني وتعزيز ذلك الإطار القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولكن ما حققته الأطراف السامية المتعاقدة لم يكن بمستوى التوقّعات. إن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يحثّ الأطراف السامية المتعاقدة على الإقرار بالأهمية الكاملة لمثل هذا المؤتمر والتعامل معه بذلك الاحترام التي يتطلبه.
![]()
v تم إعداد هذه الوثيقة بمساعدة مالية من المفوضية الأوروبية. والآراء الواردة فيها تعبّر عن وجهة نظر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ولا يمكن بأي حال اعتبار أنها تمثّل وجهة النظر الرسمية للمفوضية الأوروبية.
[1] الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في القدس الشرقية المحتلة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (A/RES/ES-10/3)، 15 يوليو 1997.
[2] البيان الختامي لمؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، جنيف، 15 يوليو 1999، أعيد طبعه في "تسييس القانون الدولي": دراسة نقدية تحليلية حول مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة (غزة: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2000)، ص 136.
[3] المصدر نفسه.
[4] إذا لم يذكر خلاف ذلك، فإن كافة الإحصائيات مأخوذة من المعلومات التي يجمعها الباحثون الميدانيون للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في قطاع غزة والباحثون الميدانيون لجمعية القانون في الضفة الغربية. الإحصائيات هي حتى تاريخ 15 أكتوبر 2001.
[5] جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. الإحصائيات هي حتى تاريخ 15 أكتوبر 2001.
[6] جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.
[7] جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، 5 أكتوبر 2001. للحصول على معلومات بهذا الشأن، أنظر إلى تقرير "الطواقم الطبية الفلسطينية بين النار ومهمتهم الإنسانية، 29 سبتمبر 2000 – 11 إبريل 2001: تقرير حول الانتهاكات الإسرائيلية ضد الطواقم الطبية الفلسطينية (غزة: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2001).
[8] جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، 5 أكتوبر 2001.
[9] قرار المحكمة العليا الإسرائيلية حول استخدام جهاز الأمن العام الإسرائيلي للتعذيب، الفقرة 27.
[10] قرار المحكمة العليا الإسرائيلية حول استخدام جهاز الأمن العام الإسرائيلي للتعذيب، الفقرة 37.
[11] مؤسسة الضمير لرعاية المعتقلين، 26 سبتمبر 2001.
[12] تقرير حول الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة (واشنطن: مؤسسة سلام الشرق الأوسط)، ص 1.
[13] حركة السلام الآن. لا تشمل الإحصائيات الوحدات السكنية الجديدة التي أقيمت في مستوطنات القدس.
[14] مسح أجراه اتحاد الغرف التجارية الإسرائيلي في 4 يوليو 2001 كما ورد في صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 5 يوليو 2001.
[15] المصدر نفسه. الفلسطينيون الذين يعيشون في القدس الشرقية لا يخضعون لهذه الإغلاقات.
[16] المصدر نفسه.
[17] تأثير الإجراءات الإسرائيلية على الظروف الاقتصادية للأسر الفلسطينية (الدورة الثانية: مايو-يونيو 2001) (رام الله: دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية، يوليو 2001). الإحصاءات الواردة في التقرير استندت إلى استطلاع شاركت فيه 2936 أسرة في الفترة بين 19 مايو 2001 و5 يوليو 2001.
[18] المصدر نفسه.
[19] النشاطات العسكرية وشبه العسكرية في وضد قضية نيكاراغوا (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة)، (ميريتس)، [1986] محكمة العدل الدولية، 14، فقرة 220 [فيما بعد: نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة].
[20] م.ت. كامينغا، المحاسبة بين الدول على انتهاكات حقوق الإنسان (فيلادلفيا: مطبعة جامعة بنسلفانيا، 1992)، ص 185.
[21] حصلت سلسلة قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الجلسة الطارئة الخاصة التاسعة على الأصوات التالية (مع – ضد – امتناع):
قرار 10/2، 25 إبريل 1997 134-3-11
قرار 10/3، 15 يوليو 1997 131-3-14
قرار 10/4، 13 نوفمبر 1997 139-3-13
قرار 10/5، 17 مارس 1998 120-3-5
قرار 10/6، 9 فبراير 1999 115-2-5
وكانت الدول التي عارضت القرارات الأربعة الأولى هي إسرائيل والولايات المتحدة وميكرونيزيا. وكانت إسرائيل والولايات المتحدة هما الدولتان الوحيدتان اللتان عارضتا القرار الأخير.
[22] أنظر الحاشية 21 أعلاه.
[23] الحاشية 19 أعلاه.
[24] م. أسولي وأ.أ. بوفيير، كيف يحمي القانون في الحرب؟: حالات ووثائق ومواد تدريسية حول الممارسة المعاصرة في القانون الدولي الإنساني (جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر) ص 231.
[25] هذه القائمة مأخوذة من يو. بالوانكر، "الإجراءات المتاحة للدول من أجل تنفيذ التزامها بضمان احترام القانون الدولي الإنساني" (يناير-فبراير 1994) 298 اللجنة الدولية للصليب الأحمر 9.
[26] تقرير حول حماية ضحايا الحرب (جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 1993)، ورد لاحقاً في كتاب أسولي وبوفيير، الحاشية 24 أعلاه، ص 450.