المركـــز الفلسطــيني لحقـــوق الإنســان

 

أوهام الانسحاب

تقرير حول  انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة بمناسبة مرور عام على تنفيذ خطة الفصل

 

المركـــز الفلسطــيني لحقـــوق الإنســان

يتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة

عضو لجنة الحقوقيين الدولية – جنيف

عضو الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان – باريس

عضو الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان – كوبنهاجن

عضو مجموعة المساعدة القانونية الدولية (أيلاك) – ستوكهولم

عضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان – القاهرة

 

مقدمـــة

بعد عام من تنفيذ دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي خطة الفصل أحادي الجانب عن قطاع غزة في 12 سبتمبر 2005، تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة تصعيداً غير مسبوق في انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني التي تقترفها قوات الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين.  ويشمل ذلك، أعمال القتل، بما فيها جرائم الاغتيال والقصف والتوغل والاجتياح للأراضي الفلسطينية؛ تدمير البنية التحتية؛ فرض الحصار والعقاب الجماعي على المدنيين الفلسطينيين.

وقد ازدادت وتيرة الانتهاكات التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين خاصة في أعقاب العملية العسكرية التي نفذها رجال المقاومة الفلسطينية بتاريخ 25 يونيو 2006 في موقع عسكري إسرائيلي، في منطقة كرم أبو سالم، إلى الجنوب الشرقي من قطاع غزة، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة 6 آخرين، فيما تم أسر جندي إسرائيلي واقتياده إلى غزة.  ومنذ ذلك التاريخ، تشن قوات الاحتلال حرباً معلنة ضد المدنيين المحميين بموجب القانون الدولي، وظفت فيها الطائرات الحربية والبوارج البحرية والدبابات، مستخدمة القوة المفرطة وغير المتناسبة في ضد هؤلاء المدنيين.  وقد شملت هذه العملية العسكرية واسعة النطاق التي أطلقت عليها قوات الاحتلال اسم "أمطار الصيف"، عمليات الاجتياح والتوغل في عمق الأراضي الفلسطينية في القطاع، بما في ذلك احتلال أجزاء من المدن، مدعومة بآليات وحشودات عسكرية ضخمة، مساندة بالطائرات الحربية، بما فيها طائرات (أف 16) وطائرات الأباتشي الهجومية وطائرات الاستطلاع من الجو، بالإضافة إلى البوارج البحرية في عرض البحر.  ويرافق ذلك كله أعمال القصف من قبل الطائرات الحربية لمنازل المواطنين والتجمعات السكانية، بما في ذلك جرائم الاغتيال التي تنفذها الطائرات الحربية.  وقد أدى ذلك إلى مقتل وإصابة المئات من المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ.  ووفقاً للتحقيقات الميدانية التي قام بها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وشهود العيان والدلائل الظرفية، فقد استخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي القوة المفرطة، دون تمييز وبشكل غير متناسب، في العشرات من حوادث القتل، وهو ما يفسر عملياً الارتفاع في عدد الضحايا المدنيين في هذه الجرائم، خاصة الأطفال منهم.

تترافق هذه الجرائم مع فرض قوات الاحتلال حصار محكم، بحري وبري وجوي، على قطاع غزة بشكل لم يسبق له مثيل، فصلت بموجبه قطاع غزة عن محيطه الخارجي.  فقد أحكمت قوات الاحتلال من إغلاقها لمعبر إيرز الذي يفصل بين غزة وإسرائيل، وفصلت القطاع بموجبه عن إسرائيل وعن الضفة الغربية بما فيها القدس.  كما أغلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي معبر رفح البري، وهو المعبر الوحيد لغزة مع العالم الخارجي.  وبموجب هذا الإغلاق حرمت الفلسطينيين من حرية الحركة للقادمين والمغادرين عبر المعبر، خاصة الطلاب والمرضى.  كما أغلقت قوات الاحتلال المعابر التجارية، خاصة معبر المنطار (كارني) ومنعت أو أعاقت المواد الغذائية والدوائية والحاجات الأساسية الضرورية للفلسطينيين.  على جانب آخر، أغلقت قوات الاحتلال البحر في وجه الصيادين الفلسطينيين وحظرت الصيد في الحدود المتاحة.

وترافق هذه الحملة العسكرية واسعة النطاق أعمال قصف وتدمير لمئات المنازل السكنية، مما أدى إلى تشريد مئات المدنيين الفلسطينيين، وتجريف لمئات الدونمات الزراعية بما يشمله من تدمير لشبكات وآبار المياه والمعدات الزراعية.  كما شنت تلك القوات حملة ممنهجة لتدمير البنية التحتية، بما في ذلك تدمير محطة توليد الكهرباء الرئيسية التي توفر 45% من حاجة قطاع غزة للكهرباء، قصف الجسور الحيوية التي تربط أوصال القطاع؛ تدمير المؤسسات العامة، بما فيها الوزارات والمؤسسات الحكومية؛ تدمير المؤسسات التعليمية؛ تدمير شبكات الصرف الصحي، وشبكات المياه.

وقد أدت سياسة الحصار الخانق، إلى جانب تدمير البنية التحتية بشكل منهجي، إلى مساس خطير بحقوق الإنسان سيما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ترتب عليها نتائج كارثية على المدنيين، خاصة في قطاع غزة.   وقد كان مؤشر هذا التدهور الخطير، ارتفاع ملحوظ في معدلات البطالة والفقر بين صفوف الفلسطينيين، وتدهور خطير في أوضاعهم الإنسانية في ضوء نقص المواد التموينية الأساسية، بما يشمله ذلك من نقص في المواد الغذائية والطبية، ونقص في الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات والعيادات الطبية وتشغيل محطات الصرف الصحي.

وفي موازاة ذلك، تشهد الضفة الغربية تصعيداً محموماً في الانتهاكات وجرائم الحرب التي تواصل قوات الاحتلال اقترافها بحق المدنيين الفلسطينيين.  وفضلاً عن جرائم القتل والقيود المستمرة على حركة وتنقل المدنيين، تواصل تلك القوات أعمال الاستيطان وبناء جدار الضم، وذلك في إطار الاستمرار في الخطوات أحادية الجانب التي تعني في النهاية ضم أكثر من 58% من الضفة الغربية إلى دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي وتحويل ما تبقى من أراضي الضفة إلى كانتونات معزولة وغير متصلة تضم التجمعات السكانية ذات الكثافة العالية.  وتهدف هذه الخطة في نهاية الأمر إلى تقويض أية فرصة لإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وكانت أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة قد بلغت مرحلة من التدهور الخطير حتى قبل العملية العسكرية المشار إليها، وذلك في ضوء التصعيد المستمر من جانب قوات الاحتلال، بعد إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 25 يناير.

وتشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الانتخابات التشريعية تصعيد في جرائم الحرب وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك جرائم القتل والحصار المفروض على الأراضي المحتلة.  يترافق ذلك مع فرض مقاطعة مالية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، فضلاً عن إسرائيل، على السلطة الوطنية الفلسطينية مما ساهم بشكل أساسي في تدهور أوضاعهم الاقتصادية لحد غير مسبوق.  ويعتقد الفلسطينيون بأنه يجري عقابهم على خيارهم الديمقراطي، في أعقاب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية وتشكيلها للحكومة الفلسطينية الجديدة.  ويشعر الفلسطينيون بخيبة أمل جراء الاستجابة لمطالب إسرائيل وفرض عقوبات جماعية على المدنيين الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال منذ عقود، فيما لا يقوم المجتمع الدولي بمعاقبة إسرائيل "الدولة المحتلة" على جرائمها بحق المدنيين الفلسطينيين طيلة العقود السابقة، على الرغم من المطالبة الدائمة بذلك.   

وهذا ما ذكره أيضاً مقرر الأمم المتحدة الخاص في الأراضي الفلسطينية المحتلة، البروفيسور جون دوغارد، في تقرير أعده بتاريخ 21 يونيو 2006، بعد زيارته للأراضي المحتلة خلال الفترة من 9-17 يونيو 2006.  وأشار دوغارد في تقريره إلى الحصار الذي تفرضه قوات الاحتلال على قطاع غزة وسيطرتها التامة على أجوائه واستخدام القنابل الصوتية لترويع سكانه.  كما أشار التقرير إلى استخدام جرائم القتل بحق المدنيين الفلسطينيين بما في ذلك جرائم الاغتيالات وأعمال القصف الجوي والبحري وإغلاق البحر.  وتطرق التقرير أيضا إلى التدهور الخطير في الأوضاع الصحية والى ارتفاع مستوى الفقر والبطالة نتيجة للإغلاق. 

كما استعرض المقرر الخاص في تقريره التصعيد في انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الضفة الغربية بما في ذلك استمرار أعمال البناء في الجدار وما يشكله من مساس خطير بحقوق الإنسان. كما أشار إلى الزيادة الملحوظة في عدد الحواجز العسكرية التي تقيمها قوات الاحتلال الإسرائيلي للفصل بين مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، وما تخلفه من قيود ومضايقات على حركة المدنيين في حياتهم اليومية.  

على جانب آخر، أشار دوغارد في تقريره إلى المقاطعة المالية التي تفرض على المدنيين الفلسطينيين في أعقاب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في يناير 2006.  وذكر دوغارد في تقريره بأن الفلسطينيين يجدون صعوبة في استيعاب ردة فعل اللجنة الرباعية والدول الغربية تجاه الانتخابات الفلسطينية، وهم يجادلون بأن إسرائيل بانتهاكها للقرارات الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة، وعدم تنفيذها الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الجدار الفاصل، يجب أن تخضع لعقوبات دولية.  غير أنه بدلاً من ذلك يتعرض المدنيين الفلسطينيين إلى ما قد يكون أقسى أشكال العقوبات الجماعية في العصور الحديثة.

إن ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة في قطاع غزة، لا يمكن وصفه سوى بأنه حرباً معلنة تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين الفلسطينيين المحميين بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب لعام 1949. وفي ضوء هذا التدهور الخطير وغير المسبوق لأوضاع حقوق الإنسان يطالب المركز المجتمع الدولي بالتدخل لوقف الانتهاكات الجسيمة التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين.

المركز يطالب المجتمع الدولي بتوفير حماية دولية فورية وفاعلة للمدنيين الفلسطينيين، تكون ذات صلاحيات واسعة.  فمن المستهجن استجابة المجتمع الدولي لمطالبة إسرائيل وهي "القوة المحتلة" بتوفير حماية دولية على حدودها الشمالية، في جنوب لبنان، خلال مدة قصيرة تقارب الشهر، هي فترة الحرب مع قوات حزب الله، بينما يغض الطرف عن مطالبة الفلسطينيين وغيرهم من المنظمات الدولية طيلة العقود الماضية بضرورة توفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين.

إن جوهر المشكلة الحقيقية بالنسبة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة هو الاحتلال الجاثم على الأرض منذ أكثر من 39 عاماً، والحل يكمن في تطبيق القانون الدولي الذي يقضي بإنهاء هذا الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية المحتلة.
 

خطة الفصل

بتاريخ 12 سبتمبر2005 أقفل ضابط كبير في جيش الاحتلال الإسرائيلي البوابة الحديدية على معبر كيسوفيم، شرق قطاع غزة، والتي تربطه مع إسرائيل، ليسدل الستار على إخلاء آخر جندي إسرائيلي من قطاع غزة.  وتأتي هذه الخطوة في إطار "خطة الفصل" أحادي الجانب التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، والتي بمقتضاها أخليت جميع مستوطنات قطاع غزة من المستوطنين، كما أخليت أربع مستوطنات شمال الضفة الغربية.[1]  وقد اعتبرت هذه العملية الرمزية -إقفال البوابة الحديدية-، من قبل دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي، إيذاناً بانتهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة،[2] الذي ما زال مستمراً منذ 39 عاماً.  وقد لاقت هذه الخطوة، أحادية الجانب استحساناً من قبل المجتمع الدولي، بما في ذلك أعضاء اللجنة الرباعية، حيث رأوا جميعاً بأن السلام على الأبواب وأن الأمل في الطريق، وصوّرت خطة إعادة الانتشار على أنها إنهاء للاحتلال.  واعتبرت المقاومة الفلسطينية بشتى أجنحتها العسكرية وتوجهاتها الأيديولوجية إخلاء القطاع نصراً عسكرياً أرغم دولة الاحتلال على الهروب تحت ضرباتهم الموجعة، وأقاموا في أعقاب إخلاء القطاع من الوجود العسكري والاستيطاني المهرجانات والاحتفالات والعروض العسكرية ابتهاجاً بهذا "النصر".

وفي أعقاب إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية في حينه، أريئيل شارون، عن طرح "خطة الفصل" عن غزة، في أبريل 2004، أصدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ورقة موقف في أكتوبر 2004، بعنوان "خطة شارون لإعادة الانتشار في غزة: إنكار لحقوق الإنسان الفلسطيني وليس إنهاءً للاحتلال"[3]، اعتبر فيها أن الخطة هي تعزيز للاحتلال الحربي الإسرائيلي، وتشكّل إستراتيجية يتبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي تهدف إلى حرف الأنظار عن أوضاع حقوق الإنسان المتدهورة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب الانتهاكات المتواصلة التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي، بينما يكون لديه متسع من الوقت من أجل منع تنفيذ الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية،[4] من خلال خلق "حقائق جديدة على الأرض" في الضفة الغربية.  كما اعتبر المركز بأنه على المستوى السياسي، ستعمل الخطة على تحقيق رغبة إسرائيل بـإنهاء مسئوليتها القانونية عن قطاع غزة، من خلال الاستمرار في رفض تطبيق القانون الدولي الإنساني.  وتهدف الخطة الإسرائيلية أيضاً إلى تعزيز وزيادة عزل قطاع غزة، وبالتالي زيادة الخنق الاقتصادي والاجتماعي للسكان المدنيين.  كما أكد المركز في رؤيته بأن الخطة، التي قامت بموجبها سلطات الاحتلال بإخلاء قواتها من داخل حدود القطاع تعني استمرار الاحتلال العسكري الإسرائيلي.  إن هذا الأمر يوضح حقيقة أن الخطة الإسرائيلية هي وسيلة لتدمير آفاق وقدرة الشعب الفلسطيني على إقامة دولة مستقلة، بينما تخلق وهماً بشأن إنهاء الاحتلال.

الحقائق على الأرض منذ عام تدحض، وبشكل جلي، ما حاولت دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي تسويقه للرأي العام الدولي، من أن "خطة الفصل" هي إنهاء للاحتلال العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة، بل توضح بشكل لا يدع مجالاً للشك بأن هذه الخطوة ما هي إلا إعادة انتشار وتمركز لقواتها خارج حدود القطاع، وسيطرتها المطلقة على كافة معابره الحدودية.  والهدف الأساسي من هذه الخطوة هو تحسين صورة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة أمام العالم، وبتكلفة مادية وبشرية أقل من السابق، دون "تبعات سياسية أو أخلاقية أو قانونية" تتحملها الدولة المحتلة.  فقد احتفظت قوات الاحتلال الإسرائيلي ب"حقها في الدفاع عن النفس"، والاحتفاظ بسيطرتها على الغلاف الخارجي لقطاع غزة، بما في ذلك البحري والجوي والبري. 

 

انتهاك الحق في الحياة

وفقاً للمادة الثالثة (أ-3) من خطة الفصل، فإن إسرائيل "تحتفظ لنفسها بالحق الأساسي في الدفاع عن النفس، بما في ذلك الخطوات الوقائية وحق الرد، واستخدام القوة ضد الأخطار التي تنشأ في هذه المنطقة."  كان من الواضح النية المبيتة لقوات الاحتلال من خلال صياغة هذه الفقرة وإقرارها.  أي أن الخطة ستوفر لقوات الاحتلال التدخل في كل وقت ترى فيه مناسباً "أمنياً"  للحفاظ على "أمنها" من هجمات محتملة من قبل الفلسطينيين.  وفي هذا السياق، فقد واصلت قوات الاحتلال استخدام إمكانياتها العسكرية، بما في ذلك الطائرات الحربية والبوارج البحرية والدبابات والآليات المتطورة في مواجهة المدنيين الفلسطينيين. 

وقد أدى هذا الاستخدام المفرط للقوة، وفي أغلب الظروف التي لم تنشأ فيها أي تهديد لحياة جنودها عن مقتل (380) فلسطيني، في قطاع غزة، بينهم (275) مدني، من ضمنهم (72) طفل، و(13) امرأة منذ 12 سبتمبر 2005، حتى الآن.  كما أصيب خلال هذه الفترة قرابة (1100)  فلسطيني، معظمهم من المدنيين.  وقد قتل جميع هؤلاء الفلسطينيين سواء في جرائم اغتيال اقترفتها قوات الاحتلال بحق ناشطين ميدانيين، أو خلال الاجتياحات والتوغلات للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، أو من خلال القصف المتواصل للمناطق الفلسطينية المأهولة على مدار العام.

وكان من الواضح منذ اليوم الأول لتنفيذ خطة الفصل عن قطاع غزة، بأن شيئاً لن يتغير، على مستوى قتل المدنيين الفلسطينيين بشكل متعمد.  فقد أطلقت قوات الاحتلال المتمركزة على محور فيلاديلفي، على الحدود المصرية النار بتاريخ 12 سبتمبر 2005 فقتلت شاب فلسطيني وأصابت شاب آخر بجراح كان يقف قرب بيته على الحدود المصرية الفلسطينية في حي السلام، في مدينة رفح.  وأعقب هذا الحادث بأقل من أسبوعين تنفيذ حملة واسعة النطاق أسمتها قوات الاحتلال "أول الغيث"[5] نفذت خلالها هجمات جوية بطائراتها الحربية، على أنحاء متفرقة من قطاع غزة بهدف تنفيذ جرائم قتل خارج إطار القانون وضرب منشآت مدنية.  وقد نفذت قوات الاحتلال على مدار ثلاثة أيام عدد من الغارات الجوية، أدت إلى مقتل عدد من الناشطين الفلسطينيين. كما ألحق القصف دماراً كبيراً بالمنشآت والمباني، وخلفت حالة من الهلع والذعر لدى المدنيين الفلسطينيين.  هذا فضلاً عن الغارات الوهمية التي شنتها طائرات (إف – 16) والتي أدت إلى تدمير العديد من واجهات ونوافذ الممتلكات والأعيان المدنية، وخلق حالة من الرعب في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وخصوصاً الأطفال منهم.

وقد استمرت قوات الاحتلال في شن غارات جوية على أهداف مدنية فلسطينية طيلة الأشهر اللاحقة، بما في ذلك الغارات الوهمية التي انتهجتها منذ إخلاء المستوطنين من مستوطنات قطاع غزة.  كما واصلت عمليات الاغتيال  والاجتياحات بشكل متسلسل، مما أدى إلى مقتل المزيد من الفلسطينيين.[6]

وقد بلغت عمليات القتل أوجها في أعقاب العملية العسكرية التي نفذها مقاومون فلسطينيون في كرم أبو سالم جنوب قطاع غزة في 25 يونيو 2006، وأدت إلى مقتل جنديين وأسرى آخر لدى المقاومة.  وقد شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي في أعقاب هذه العملية حملة عسكرية واسعة النطاق أطلقت عليها حملة "أمطار الصيف" سبقها فرض حصار بحري وجوي وبري على قطاع غزة، وشملت تدمير البنية التحتية، بما في ذلك المؤسسات العامة، ومن ضمنها المؤسسات الحكومية والوزارات، تدمير محطة الكهرباء الرئيسة التي تغذي قطاع غزة، تدمير الجسور الحيوية التي تربط أوصال القطاع؛ تنفيذ اجتياحات محدودة في مختلف أنحاء قطاع غزة، وما يصحبها من قصف لأهداف مدنية واغتيالات مستهدفة، الأمر الذي أوقع المئات من القتلى المدنيين.  وقد بلغ عدد القتلى الفلسطينيين منذ عملية أمطار الصيف وحتى الآن ما يقارب (228) فلسطينياً في قطاع غزة، بينهم (138) مدنياً، بينهم (48) طفل و(12) امرأة.   كما أصيب في تلك العمليات (813) فلسطينياً أغلبهم من المدنيين، بينهم (216) طفل، و(30) امرأة، و(4) من أفراد الطواقم الطبية و(6) صحفيين.  ولا تزال العملية جارية حتى لحظة إعداد التقرير، الأمر الذي ينذر بسقوط المزيد من الضحايا في صفوف المدنيين، خاصة الأطفال منهم.

 

جرائم الاغتيال

واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي سياسة الاغتيال الرسمية التي تنتهجها بحق الناشطين الفلسطينيين، الميدانيين والسياسيين، على حد سواء بعد تنفيذ خطة الفصل.  ولم تأل تلك القوات جهداً في البحث ومحاولة الوصول إلى أهدافها على الرغم من إعلانها الرسمي عن إنهائها للاحتلال في القطاع.  فمنذ الأيام الأولى لادعائها انسحابها من قطاع غزة، نفذت تلك القوات سلسلة من جرائم الاغتيال طالت عددا من الناشطين الفلسطينيين في القطاع، في حملة أطلقت عليها "أول الغيث" طالت عددا من الناشطين الفلسطينيين في القطاع.  وكانت أولى جرائم الاغتيال منذ إخلاء القطاع،تلك التي اقترفتها قوات الاحتلال بتاريخ 24 سبتمبر 2005، أي بعد 12 يوم من إخلاء القطاع.  فقد أطلقت طائرات حربية إسرائيلية بتاريخ 24 سبتمبر صاروخين باتجاه سيارتين كان يستقلاهما ناشطين من حماس في حي الشجاعية، في مدينة غزة مما أدى إلى مقتلهما على الفور.[7]  ومن ثم توالت جرائم الاغتيال بحق الناشطين الفلسطينيين، على مدار الفترة اللاحقة. وقد ازدادت حدة هذه الجرائم خلال حملة "أمطار الصيف" المستمرة منذ 25 يونيو 2006 وحتى الآن، حيث اقترفت قوات الاحتلال (5) جرائم اغتيال بحق الناشطين الفلسطينيين في قطاع غزة، استهدفت ناشطين فلسطينيين، أوقعت 15 فلسطينياً، بينهم 4 مستهدفين، و11 مدنياً غير مستهدف، بينهم 8 أطفال.  كما أصيب في هذه الجرائم 73 فلسطيني، غالبيتهم من المدنيين، بينهم 10 أطفال، و8 نساء، إحداهن حامل. وكان أبرز هذه الجرائم محاولة اغتيال القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس وعددا من قادة الجناح، بواسطة إلقاء قنبلة ضخمة على المنزل الذي كانوا يتواجدون فيه في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة بتاريخ 12 يوليو 2006.  وقد أدى القصف في حينه إلى مقتل مالك البيت وزوجته وأطفالهما السبعة، فضلاً عن تدمير المنزل بشكل كلي، وإلحاق أضرار في المباني المجاورة.[8]

وفي المجمل بلغ عدد جرائم الاغتيال التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة بين 12 سبتمبر 2005 -12 سبتمبر 2006، في قطاع غزة (27) جريمة اغتيال، راح ضحيتها (100) فلسطينياً، بينهم (56) مستهدفاً، و(44) غير مستهدف، بينهم (21) طفلاً.  

 

عمليات الاجتياح والتوغل

على مدار عام من تنفيذ خطة الفصل لم تنقطع عمليات التوغل أو الاجتياحات التي تنفذها قوات الاحتلال، ولو بشكل محدود في عدد من المناطق الفلسطينية في قطاع غزة، وخاصة الحدودية منها.  فبعد أقل من أسبوع على إعادة الانتشار في قطاع غزة، شرعت قوات الاحتلال صباح يوم 18/9/2005، بأعمال تجريف وتسوية في المنطقة الواقعة شمال شرق بلدة بيت حانون، شمال قطاع غزة، ومن ثم باشرت بوضع مواد بناء بعمق نحو 200 متر داخل الأراضي الفلسطينية.

وقد استمرت عمليات الاجتياح والتوغل في عمق أراضي السلطة الوطنية على مدار العام بشكل متقطع، وبأوجه متعددة حتى بلغت ذروتها خلال حملة "أمطار الصيف" التي أطلقتها قوات الاحتلال بهدف "إعادة الجندي الإسرائيلي الأسير لدى المقاومة الفلسطينية في غزة".  فقد شنت قوات الاحتلال سلسلة من عمليات الاجتياح والتوغل في معظم مناطق مدن ومخيمات القطاع، في عملية أسمتها عملية "الجندب".  فما أن تدخل منطقة معينة وتمعن قتلاً وتدميراً فيها بشكل لم يسبق له مثيل، حتى تخرج منها، وتبدأ بعملية توغل لمنطقة أخرى، مواصلة عمليات القتل والتدمير بشكل مماثل، موظفة في ذلك أعتى أنواع الأسلحة الجوية والبحرية والبرية. 

وكانت أشد تلك العمليات التي شنتها قوات الاحتلال خلال تلك الحملة، ما شهدته منطقة شمال قطاع غزة، خاصة بيت لاهيا خلال الفترة بين 6-8 يوليو 2006 حيث احتلت قوات الاحتلال المنطقة بالكامل، مصحوبة بالدبابات والآليات ومسنودة من الطائرات الحربية والبوارج البحرية.  وقد أدت تلك العملية التي استمرت لأكثر من 48 ساعة إلى مقتل 40 فلسطينياً، بينهم 7 أطفال وأثنين من ذوي الاحتياجات الخاصة.  كما جرح في تلك العملية 140 فلسطينياً، بينهم 48 طفلاً، و6 نساء.  وتعرض أكثر من 100 منزل إلى عمليات تدمير كلي وجزئ يقطنها 148 عائلة قوامها أكثر من 1000 شخص.  كما تم تجريف أكثر من 400 دونم من الأراضي، بينها 277 دونما زراعياً، و63 دفيئة زراعية مقامة على أكثر من 120 دونماً زراعياً، ناهيك عن تدمير في المنشآت التجارية وممتلكات المواطنين، والبنية التحتية للمدينة.

وفي المجمل، فقد سقط الضحايا المدنيين خلال هذه الفترة في عمليات التوغل والاجتياحات.  ومن المرشح سقوط المزيد من القتلى، في ظل مواصلة قوات الاحتلال انتهاج هذه السياسة.

 

سيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي على الغلاف الخارجي لقطاع غزة

أتاحت "خطة الفصل" لسلطات الاحتلال الإسرائيلي السيطرة التامة والمطلقة على الغلاف الخارجي لقطاع غزة، بما في ذلك المعابر الحدودية البرية، المطار، والمجال البحري.  فوفقاً للمادة الثالثة من خطة الفصل، الواقع الأمني بعد الإخلاء، الفقرة الأولى،"(إسرائيل) ستشرف وتحافظ على الغلاف الخارجي البري وستسيطر بشكل حصري على المجال الجوي لغزة وستواصل إجراء نشاطات عسكرية في المجال البحري لقطاع غزة."

إن تفاصيل وحيثيات الخطة تؤكد على احتفاظ إسرائيل بالسيطرة على كافة المعابر الجوية والبرية والبحرية.  فبخصوص الترتيبات الاقتصادية بين الأراضي الفلسطينية وإسرائيل فستبقى كما كانت عليه قبيل الخطة، وفقاً للمادة العاشرة من الخطة، خاصة فيما يتعلق بدخول عمال إلى إسرائيل، ستبقى وفقاً للمعايير القائمة؛ وستبقى حركة البضائع بين قطاع غزة والضفة الغربية وإسرائيل والخارج كما هي.  والأنكى من ذلك، أن الخطة أعطت الحق لإسرائيل "انه على المدى البعيد، ووفقا لمصلحة (إسرائيل)... تتطلع (إسرائيل) إلى تقليص عدد العمال الفلسطينيين الذين يدخلون إلى (إسرائيل).  وستعمل (إسرائيل) على تطوير مصادر التشغيل في قطاع غزة والمناطق الفلسطينية في يهودا والسامرة."  كما ستبقى الترتيبات على المنطقة الصناعية بإيرز كما هي، إذ نصت المادة (11) من الخطة "توفر المنطقة الصناعية "إيرز"، الواقعة في قطاع غزة، العمل لأربعة آلاف عامل فلسطيني".

وبخصوص المعابر الدولية، والمقصود بها معبر رفح الحدودي والمقام على الحدود بين مصر والأراضي الفلسطينية، أقصى جنوب قطاع غزة، ومطار غزة الدولي، المقام جنوب القطاع أيضاً، فقد نصت المادة (12) من الخطة، المتعلقة بالمعابر الدولية، "أ) بخصوص المعبر الدولي بين قطاع غزة ومصر (معبر رفح) ستبقى الترتيبات القائمة سارية المفعول، وستكون إسرائيل معنية بنقل المعبر إلى نقطة "المثلث الحدودي"، على بعد كيلومترين جنوبي مكانه الحالي. وهذا سيتم بالتنسيق مع مصر. وسيتيح ذلك توسيع ساعات العمل في المعبر". أما معبر إيرز، فوفقاً للمادة (13) "فسينقل إلى داخل الأراضي (الإسرائيلية) ضمن جدول زمني سيحدد بشكل منفصل."

وفيما يتعلق بالميناء البحري ومطار غزة الدولي، فقد ربطت مصيريهما بموضوع الانسحاب من محور (فيلادلفي) على الحدود المصرية.  إذ أنه، وفقاً للمادة السادسة من الاتفاقية فإنه "في المرحلة الأولى تواصل (إسرائيل) الوجود عسكريا على طول الحدود بين القطاع ومصر (محور فيلادلفي)...ولاحقا ستدرس إمكانية إخلاء هذه المنطقة. وإخلاء هذه المنطقة سيكون مشروطا، بين أمور عديدة، بالواقع الأمني وبمقدار التعاون المصري في خلق تسوية مأمونة أخرى. وعندما تنشأ الظروف لإخلاء هذه المنطقة ستكون (إسرائيل) على استعداد لفحص إمكانية إقامة ميناء بحري ومطار في قطاع غزة وفقا للترتيبات التي ستتقرر مع (إسرائيل).
وكان من الواضح من التفاصيل التي وردت في الخطة، أن قطاع غزة سيظل من الناحية الفعلية تحت السيطرة الاقتصادية لإسرائيل، بما في ذلك من خلال التواجد المستمر في داخل القطاع وعلى طول المناطق الحدودية.    ويؤكد هذه الرؤية قرار السلطات الإسرائيلية بمنع إعادة فتح مطار رفح الدولي.  وعلاوة على ذلك، لن يسمح للصيادين الفلسطينيين بالإبحار خارج منطقة تمتد لـ6 أميال من شاطئ غزة، فيما تقوم البحرية الإسرائيلية بأعمال الدورية.  ومن شأن هذه الخطوة عرقلة الفلسطينيين من الوصول إلى مصادر الغاز الطبيعي في مياههم الإقليمية.  ومع ربط ذلك كله مع إعاقة بناء الميناء الدولي في غزة، فإن المحصلة النهائية خنق اقتصادي واجتماعي لا سابق له في قطاع غزة.

 

اتفاقية المعابر

نتيجة للمفاوضات التي أجريت بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، أعلن في 15 نوفمبر 2005 عن التوصل إلى اتفاق حول المعابر الحدودية في قطاع غزة.  وبين ما نص عليه الاتفاق، فتح معبر رفح البري على الحدود المصرية الفلسطينية، جنوب القطاع، أمام تنقل وحركة سكان القطاع إلى مصر والعالم الخارجي ابتداءً من 25 نوفمبر 2005، وبحيث يتولى الفلسطينيون ومراقبون من الاتحاد الأوروبي إدارة الجانب الفلسطيني من المعبر، على أن يتم نقل مقاطع بث حي من كاميرات مراقبة من خلال المراقبين الأوروبيين، فيما يراقب ضباط أمن من السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ما تنقله الكاميرات من غرفة تحكم على بعد عدة كيلومترات من المعبر.  وفيما يتعلق بمعبر المنطار التجاري (كارني) يسمح الاتفاق للفلسطينيين بتصدير جميع منتجات القطاع الزراعية عبر هذا المعبر، بالإضافة إلى معبر رفح البري.  كما نص الاتفاق على فتح معبر كرم أبو سالم (جنوب شرق قطاع غزة) أمام دخول الواردات الفلسطينية من الخارج، على أن يتم تخليص الشحن الصادر والوارد عبر عملاء جمارك من قوات الاحتلال الإسرائيلي.  كما نص الاتفاق على أن تسمح سلطات الاحتلال بتسيير قوافل حافلات للبضائع والمسافرين بين قطاع غزة والضفة الغربية، أو العكس ابتداءً من 15 ديسمبر 2005، فيما تسمح لقوافل الشاحنات ابتداء من 15 يناير 2006.  وشمل الاتفاق أيضاً البدء في إعداد خطة للحد من العوائق وتسهيل حركة وتنقل فلسطينيي الضفة الغربية بين مدنها ابتداءً من 31 كانون الأول/ ديسمبر 2005، والسماح ببدء البناء في ميناء غزة وإنشاء لجنة ثلاثية لإعداد اتفاقات أمنية وأخرى قبل افتتاحه، واستمرار النقاش حول إعادة تشغيل مطار غزة الدولي.  

وقد عبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن رأيه في اتفاقية المعابر المذكورة،[9] بأنها تكريس للاحتلال، بحيث لا يعني عدم التواجد الفعلي لقوات الاحتلال الإسرائيلي على معبر رفح إنهاءً للاحتلال وإن صيغة الاتفاق تؤكد السيطرة الفعلية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على القطاع المحتل، والتي لم تنتهي بتنفيذ خطة الفصل عن قطاع غزة.  كما اعتبر المركز أن خضوع المعبر من الناحية الفعلية لسيطرة السلطات المحتلة، وبقاء معبر رفح البري معبراً غير حر مع العالم الخارجي، فضلاً عن تحكم السلطات المحتلة في حركة وتنقل الأفراد والبضائع بين الضفة والقطاع فهو سيء.  كما حذر المركز من تكريس الاتفاق لسيطرة قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على اقتصاد القطاع، ووقف أي محاولات حقيقية لنموه، وذلك عبر السيطرة الفعلية للقوات المحتلة في حركة الصادرات والواردات، والتي يمكن للسلطات المحتلة أن توقفها في ضوء أي تطور ميداني، أو تحت مبررات أمنية واهية استخدمتها في السابق. إن ما يؤكد سوء النوايا بالنسبة لسلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي حول التسهيلات المزعومة حول حرية والتنقل والحركة هو تأجيل الاتفاق على إعادة تشغيل مطار غزة الدولي تحديداً، خاصة وأن إعادة ترميمه وصيانته تمهيداً لتشغيله لا تستغرق سوى بضعة أشهر، قبل الحديث عن البدء في إنشاء الميناء، والذي يمكن أن يستغرق أكثر من عامين.

 

انتهاك الحق في حرية الحركة

لم يجن الفلسطينيون ثمار إخلاء قطاع غزة من الوجود العسكري والاستيطاني ولا تحسنت أحوالهم على كافة المستويات.  فباستثناء الحرية النسبية التي تمتع الفلسطينيون في قطاع غزة بها داخلياً، بين مدن القطاع على امتداده، نتيجة لإخلاء قوات الاحتلال والمستوطنين من داخل القطاع، لم يقابله تحسن في حرية التنقل على المستوى الخارجي.  فقد شددت سلطات الاحتلال الإسرائيلي من القيود المفروضة على حرية تنقل فلسطينيين القطاع وبضائعهم من وإلى العالم الخارجي، منذ تاريخ 12 سبتمبر 2005.  وقد كرست اتفاقية المعابر في وقت لاحق من تنفيذ خطة الفصل، في نوفمبر 2005 من إجراءات القيود والحصار على المواطنين في قطاع غزة.  ولم يطرأ تحسن على جميع المعابر البرية، أو البحرية أو الجوية في قطاع غزة، وبقيت قوات الاحتلال تتحكم في هذه المعابر جميعها.  وفي المجمل يمكن اعتبار هذا العام، منذ تطبيق خطة الفصل هو الأسوأ منذ احتلال إسرائيل لقطاع غزة.

 

معبر رفح

بتاريخ 7 سبتمبر 2005، أي قبل إعادة انتشار قواتها، أغلقت قوات الاحتلال معبر رفح، المعبر الوحيد الذي يربط بين قطاع غزة والعالم الخارجي.  وهذا المعبر هو المتنفس الوحيد لمواطني قطاع غزة من كافة الفئات والشرائح المجتمعية، إذ يقصده الآلاف من الفلسطينيين بغرض السفر ومغادرة القطاع أو العودة إليه، سواء للطلبة الدارسين في الخارج أو المئات من الحالات المرضية الباحثة عن العلاج الطبي غير المتوفر في القطاع، أو لزيارة الأقارب أو بغرض السياحة أو التجارة.  وقد فتح المعبر بتاريخ 23 و24/9/2005، ولمدة يوم ونصف اليوم.  وبقي المعبر مغلقاً بشكل كلي حتى تطبيق اتفاقية المعابر بين السلطة الوطنية وإسرائيل في 25 نوفمبر 2005.

واستناداً إلى هذه الاتفاقية، بدأ العمل في المعبر بتاريخ 25 نوفمبر 2005، بواقع أربع ساعات يومياً، ومن ثم تطور إلى العمل بواقع ست ساعات يومياً، ومن ثم إلى 12 ساعة يومياً، قبل إغلاقه بشكل كلي في 25 يونيو 2006.  وخلال الفترة التي أعقبت 25 يونيو 2006، أغلقت قوات الاحتلال المعبر كلياً باستثناء بضعة أيام، سمحت فيه للمسافرين والقادمين من التحرك عبره.  ولا يزال المعبر مغلق بشكل كلي، حتى لحظة إعداد التقرير.

وفي المجمل أغلقت قوات الاحتلال معبر رفح منذ تاريخ 7 سبتمبر 2005، أي قبيل تنفيذ خطة الفصل التي انتهت في 12 سبتمبر 2005، وحتى 12 سبتمبر 2006 ما مجموعه 145 يوم بشكل كلي.  وتعتبر هذه المدة هي الأطول التي يغلق فيها المعبر منذ إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في مايو 1994.

 

معبر المنطار التجاري (كارني)

يعتبر معبر المنطار بمثابة الرئة التجارية التي يتنفس من خلالها الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة، إذ أنه هو المنفذ التجاري الوحيد لسكان قطاع غزة الذي تتم من خلاله المعاملات التجارية خاصة كافة الواردات من السلع والبضائع، والصادرات من منتجات القطاع إلى الضفة الغربية وإسرائيل والعالم الخارجي.  ومنذ إقامة السلطة الوطنية، عكفت قوات الاحتلال على فرض قيود على الأراضي الفلسطينية بين الفينة والأخرى، وبشكل مستمر لتضييق الخناق على الاقتصاد الفلسطيني.  وطالما شكل فتح هذا المعبر الحيوي بشكل دائم مطلباً فلسطينياً ملحاً، لتحسين الوضع الاقتصادي الفلسطيني.  وبعد تنفيذ خطة الفصل في سبتمبر الماضي، استبشر الفلسطينيون خيراً، على أمل أن يدشن إخلاء القطاع لمرحلة جديدة.

غير أن إخلاء القطاع لم يغير من واقع الحال في شيء، بل زادت الأمور سوءاً منذ ذلك التاريخ.  فقد أغلقت قوات الاحتلال بتاريخ 7 سبتمبر 2005، أي قبيل إتمام عملية إعادة الانتشار، معبر المنطار بشكل جزئي، ولم يفتتح المعبر أمام حركة البضائع بشكل كلي حتى شهر نوفمبر 2005.  ومنذ شهر نوفمبر 2005 وحتى تاريخ 4 أبريل 2006 أغلقت قوات الاحتلال المعبر بشكل كلي لمدة وصلت إلى 45 يوماً، تحت حجج ومبررات أمنية.  أي أن تطبيق اتفاقية المعابر بين الجانبين الفلسطينيين والإسرائيليين في نوفمبر 2005 لم يؤد إلى تحسين الأوضاع على المعبر، بل زادت الأمور سوءً.  وقد شددت قوات الاحتلال من إجراءاتها على المعبر منذ استلام الحكومة الفلسطينية الجديدة (حكومة حماس) مقاليد الحكم في أراضي السلطة الوطنية في بداية أبريل. وكانت الفترة الأسوأ تلك التي أعقبت تاريخ 25 يونيو 2006، إذ شددت سلطات الاحتلال من إجراءاتها العقابية بحق الشعب الفلسطيني، أغلقت خلالها المعبر بشكل كلي، ولم تسمح بدخول البضائع الفلسطينية إلى قطاع غزة، باستثناء بعض الأيام، وبطاقم عمل مقلص، ومعدل ساعات محدودة، تصل لـ6.5 ساعة في اليوم بدلاً من 13.5 ساعة في اليوم العادي، وهي أدنى مستوى لها منذ عدة سنوات.

وقد انعكس هذا الإغلاق على أوضاع السكان الفلسطينيين الذين عانوا من عدم توفر احتياجاتهم الغذائية والدوائية الأساسية، والحاجات الضرورةية، مما أدى إلى خلق أزمة حقيقية في القطاعات الحيوية كقطاع الإنشاءات والبناء والزراعة والصناعة والصحة والتعليم وغيرها من القطاعات الأخرى.

 

معبر صوفا

ويقع شرقي مدينة رفح، يستخدم لدخول بعض مواد البناء من إسرائيل، خاصة مادة الحصمة، أو لبعض العمال الفلسطينيين من قطاع غزة.  وقد بقيت قوات الاحتلال تتحكم في هذا المعبر، حتى بعد إخلال القطاع، وتتحكم في الكمية الواردة إلى قطاع غزة.  ومنذ 12 سبتمبر وحتى 25 يونيو كانت سلطات الاحتلال تغلق المعبر بين الفينة والأخرى، متعللة بذرائع أمنية.  غير أنه بعد تاريخ 25 يونيو، أغلقت سلطات الاحتلال المعبر بشكل تام، ولم تسمح بدخول مواد البناء إلى قطاع غزة، كما لم تسمح لبعض العمال من الالتحاق بأعمالهم.

 

معبر إيرز

لم يطرأ تحسن على وضع معبر إيرز منذ إخلاء قطاع غزة في سبتمبر 2005.  فقد بقيت الإجراءات والقيود موضوعة على حالها، إذ يحرم العمال الفلسطينيون من الدخول إلى أعمالهم في إسرائيل، ويحرم الطلاب الدارسين في جامعات الضفة الغربية من الالتحاق بجامعاتهم نتيجة عدم منحهم تصاريح للمرور إلى الضفة عبر الأراضي الإسرائيلية.  كما يحرم بموجب هذا الإجراء الزيارات العائلية، وزيارة الأماكن الدينية، خاصة في القدس للمسلمين والمسيحيين على حد سواء. 

ومنذ تسلم الحكومة الفلسطينية الجديدة في أول إبريل، منعت سلطات الاحتلال النواب والوزراء الفلسطينيون من التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة لعقد جلسات البرلمان الفلسطيني، أو الاجتماعات الحكومية.

ومنذ 25 يونيو الماضي، في أعقاب فرض الحصار الشامل على قطاع غزة، شددت قوات الاحتلال من إجراءاته على المعبر، إذ قلصت عدد الحالات المرضية التي بحاجة ماسة للعلاج في إسرائيل أو مستشفيات القدس والضفة الغربية بشكل كبير.  ولم تسمح سلطات الاحتلال باستخدام المعبر منذ ذلك التاريخ سوى للبعثات الدبلوماسية والموظفين الدوليين، أو بعض موظفي السلطة الوطنية ممن يحملون بطاقة الـ VIP بسياراتهم الخاصة، أو لبعض التجار الفلسطينيين، ولبعض الحالات الصحية الطارئة وبعدد متدن جداً.

 

معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم)

كان من المفترض أن يفتتح هذا المعبر، الذي يقع أقصى جنوب شرق رفح، وفقا لاتفاقية المعابر في 25 نوفمبر 2005.  غير أنه رفضت قوات الاحتلال السماح بفتح المعبر، وبقي مغلقاً حتى نيسان 2006، حيث افتتح لعدة ساعات فقط في اليوم من اجل إدخال مساعدات غذائية مصرية لقطاع غزة، وأعادت إغلاقه في 5مايو 2006 بشكل كلي.  وباستثناء 13 يوم خلال شهري مايو ويونيو لم يتم فتحه حتى الآن، حيث شددت الإجراءات عليه في أعقاب 25 يونيو.

 

مطار غزة الدولي

واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق مطار غزة الدولي بعد إخلائها من قطاع غزة في سبتمبر 2005. ولم تسمح سلطات الاحتلال للسلطة الفلسطينية بإعادة إعمار المطار وتهيئته مرة أخرى لاستئناف عمليات الطيران، بعد الدمار الذي ألحقته به قواتها على مدار انتفاضة الأقصى.  والأنكى من ذلك، قامت قوات الاحتلال خلال حملة أمطار الصيف التي أعقبت العملية العسكرية في كرم أبو سالم، بتدمير أجزاء أخرى من المطار واحتلت جزءً منه لفترة من الزمن.

 

ميناء غزة

أما بخصوص ميناء غزة  فلم تصدق النوايا والوعود الإسرائيلية بشأنه، ولم يتم الشروع في بناء هذا الميناء حتى لحظة إعداد التقرير.

 

قيود على الصيادين

أعطت اتفاقية أوسلو الحق للصيادين في قطاع غزة للصيد بعمق 20 ميل بحري من شاطئ غزة.  ورغم ذلك، لم تلتزم قوات الاحتلال الإسرائيلي بهذه الاتفاقية، وسمحت للصيادين في بادئ الأمر بالصيد، في حدود 12 ميل بحري، ومن ثم قلصت لتصل إلى 6 ميل بحري فقط.  ومنذ إقامة السلطة الوطنية عاني الصيادون الفلسطينيون الأمرين من جراء سياسة قوات الاحتلال التي لاحقتهم في لقمة عيشهم، وطاردتهم وفرضت قيوداً صارمة عليهم.  وخلال الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في سبتمبر 2000، فرضت قوات الاحتلال قيوداً مشددة على هؤلاء الصيادين بغرض تضييق الخناق على الاقتصاد الفلسطيني الذي يمثل قطاع الصيد البحري جزءاً مهماً فيه.  ويعتمد حوالي 35000 نسمة في التجمعات الساحلية ومحيطها في قطاع غزة على صيد الأسماك، ويشمل ذلك 2500 صياد و 2500 من الحرفيين المساندين وأسرهم. 

وفي أعقاب تنفيذ خطة الفصل، خضع الصيادون لمراقبة مشددة من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتستخدم هذه القوات الطائرات المروحية الهجومية والقوارب الحربية في عمليات المراقبة. وفي مناسبات عدة،  فتحت قوات الاحتلال نيران أسلحتها باتجاه الصيادين المدنيين لإجبارهم على البقاء ضمن المسافة المحددة للصيد والتي تبلغ ستة أميال بحرية.  كما تعرض الصيادين لمضايقات أخرى في سبيل محاربتهم في لقمة عيشهم، شملت تخريب وتدمير ممتلكاتهم من القوارب وشباك الصيد، واحتجاز المراكب والصيادين.

ومنذ تاريخ 25 يونيو 2006، تفرض قوات الاحتلال الإسرائيلي حصاراً شاملاً على قطاع غزة، بما في ذلك حصاراً بحرياً على صيادي القطاع،حظرت بموجبه ركوب البحر بأية شكل من الأشكال.  ويتعرض الصيادون الفلسطينيون الذين حاولوا الصيد بمراكبهم وقواربهم الصغيرة لمسافة قصيرة لا تتجاوز الميل الواحد من شاطئ البحر إلى إطلاق النار من القوارب البحرية الإسرائيلية.

 

تدمير البنية التحتية

واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، بعد تنفيذ خطة الفصل، سياستها في تدمير البنية التحتية للفلسطينيين في قطاع غزة، بما في ذلك قصف المنشآت المدنية.[10] وقد ازدادت حدة هذه الأعمال حملة "أمطار الصيف" شنت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات جوية استهدف المرافق الحيوية في قطاع غزة بهدف تدمير البنية التحتية للفلسطينيين، وفرض عقوبات جماعية.  فقد قصفت الطائرات الحربية منذ بتاريخ 27 يونيو 2006 محطة توليد الطاقة الكهربائية الرئيسية في مخيم النصيرات، مما أسفر عن انقطاع تام للتيار الكهربائي عن أكثر من نصف سكان القطاع.  وقد تم تدمير 6 محولات قدرة، والتي توفر حوالي 45% من استهلاك الطاقة الكهربائية في القطاع. وقد استمرت عمليات استهداف محولات الكهرباء من قبل قوات الاحتلال في عدد من مناطق القطاع، حيث قصفت بتاريخ 29 يونية، بقصف محولين للكهرباء في منطقتي إيرز، ومنطقة السودانية في شمال قطاع غزة، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن شمالي القطاع. وبتاريخ 19 يوليو، وأثناء اجتياحها لمخيم المغازي وسط قطاع غزة، قصفت قوات الاحتلال محولات الكهرباء التي تغذي محافظة الوسطى، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن المحافظة بأكملها.

وطالت سياسة تدمير البنية التحتية أيضاً، قصف الجسور الحيوية في القطاع وتدميرها.  فمنذ بدء الحملة العسكرية على القطاع قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلي جسرين حيويين مقامان على وادي غزة وسط القطاع، الأول مقام على طريق صلاح الدين، والآخر على شارع البحر، مما أدى إلى تدميرهما تماماً، فضلاً عن قصف جسر فرعي قديم يقع في الوسط بينهما.  وأعادت طائرات حربية إسرائيلية قصف الجسر المقام على شارع صلاح الدين مرة أخرى، مدمرة الجزء المتبقي منه.  وفي وقت لاحق استهدفت قوات الاحتلال ثلاثة جسور فرعية في وسط القطاع وشماله، مما أدى إلى تدميرها. 

من ناحية أخرى، استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال هذه الحملة قصف مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك المؤسسات الحكومية والوزارات، فضلاً عن المؤسسات التعليمية.  وقد طال هذا القصف، وزارة الخارجية، وزارة الداخلية والأمن الوطني، مكتب رئيس الوزراء الفلسطيني، وزارة الاقتصاد الوطني، ومكتب نواب المجلس التشريعي في شمال غزة.  كما طال القصف أيضاً، مكتب طلاب، وملعب الجامعة الإسلامية بمدينة غزة، مدرسة دار الأرقم في مدينة غزة، كلية الزراعة التابعة لجامعة الأزهر في بيت حانون ومدرسة الزراعة المجاورة لها، ناهيك عن تدمير أسوار عدد من المدارس في بيت حانون خلال اجتياح قوات الاحتلال للمدينة في أثناء الحملة العسكرية.

 

هدم المنازل وتجريف الأراضي

واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد تنفيذ خطة الفصل من أعمال هدم وتجريف المنازل والأراضي الفلسطينية.  فبعد أقل من أسبوعين على إخلاء القطاع احتلت تلك القوات منطقة شاسعة من شمال قطاع غزة وباشرت بأعمال التجريف والهدم فيها.  وعلى مدار العام كانت الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة، خاصة التي تقع على حدود القطاع الشرقية، مسرحاً لأعمال التجريف والهدم على مدار العام.  واشتدت تلك الأعمال حدةً خلال حملة "أمطار الصيف" خاصة في المناطق الحدودية الشرقية لقطاع غزة، بغرض تدمير الاقتصاد الفلسطيني، واستكمال خلق منطقة أمنية عازلة على حدودها.  وفي هذا الإطار فقد هدمت قوات الاحتلال مئات المنزل الفلسطينية، مما أدى إلى تشريد مئات العائلات الفلسطينية، ولجوئها إلى مراكز إيواء أعدتها، في معظمها، وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في المدارس التابعة لها.كما جرفت تلك القوات مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة في عدة مناطق من القطاع.

وقد كانت حصيلة المنازل التي تعرضت للهدم الكلي خلال عام من تنفيذ خطة الفصل، قرابة 250 منزلاً هدم بشكل كلي، فيما هدم 205 منازل هدم بشكل جزئي.  وبلغت الأراضي الزراعية التي جرفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في القطاع خلال تلك الفترة 5165 دونماً.

وفي شكل جديد من أشكال العقاب الجماعي، انتهجت قوات الاحتلال سياسة رسمية جديدة أثناء تنفيذ هدم المنازل للناشطين الفلسطينيين في القطاع. وفي هذا الإطار، بدأت تلك القوات منذ تاريخ 23 يوليو 2006، بإنذار أصحاب المنازل المنوي هدمها أو قصفها عن طريق الهاتف الشخصي لصاحب المنزل، وإعطائه مهلة زمنية لا تزيد عن ساعة من الزمن، أو أقل، من أجل إخلاء منزله.  ويضطلع بهذه المهمة شخص يدعي أنه رجل مخابرات إسرائيلي، ويسمي نفسه.  وفي أعقاب ذلك تتكفل الطائرات الإسرائيلية بتكملة المهمة، إذ تقوم بقصف المنزل المستهدف.  وقد طالت هذه السياسة من انتهاجها، حتى الآن ما يقارب (41) منزلاً في قطاع غزة. المركز الفلسطيني أكد في حينه على أن إنذار المدنيين قبل تعرض منازلهم للقصف لا يمكنه أن يشكل بأي حال من الأحوال مبرراً للإضرار بالممتلكات والأعيان المدنية التي توفر لها اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين لعام 1949.[11]

 

المعتقلون الفلسطينيون من قطاع غزة في سجون الاحتلال الإسرائيلي

كان من المفترض وفقاً للأمر العسكري الذي أصدره قائد قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة في 12 سبتمبر 2005 الذي يقضي بانتهاء الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة في ذات اليوم، واستناداً لقواعد القانون الدولي أن تفرج تلك القوات عن ما يزيد عن 650 معتقلاً فلسطينياً من قطاع غزة في سجونها ومعتقلاتها.  غير أنه منذ ذلك التاريخ، وهاهو قد مر عام على تنفيذ إعادة الانتشار ولم تفرج تلك القوات عن أي معتقل فلسطيني، باستثناء الذين انتهت مدة محكوميتهم. 

وللالتفاف على القانون الدولي، وللتهرب من التزاماتها القانونية، اتخذت قوات الاحتلال الإسرائيلي جملة من الخطوات، بالتزامن مع إعلانها إنهاء حكمها العسكري لقطاع غزة، لتسويغ استمرار احتجازها للمعتقلين الغزيين، المحكومين منهم أو المتهمين، أو حتى أولئك الذين تواصل اعتقالهم إدارياً، أي بدون محاكمة وبدون أن توجه لهم تهماً محددة. فقد ألغت قوات الاحتلال المحكمة العسكرية وكذلك النيابة العسكرية في إيرز (شمال قطاع غزة)، وتم نقل جميع القضايا المتصلة بالمعتقلين من قطاع غزة إلى محكمة مدنية في بئر السبع وإلى المدعي العام المدني.  ومن أجل تسويغ هذه القضية قانونياً، ابتدعت إسرائيل مفهوم "مقاتل غير شرعي" لوصف معتقلين فلسطينيين هم في واقع الأمر مدنيون يتمتعون بالحماية القانونية التي توفرها اتفاقية جنيف الرابعة، وبالتالي تبرير استمرار اعتقالهم وفقاً لقانون خاص بما تسميه "مقاتلين غير شرعيين" كانت قد أصدرته خلال العام 2002.  وبموجب هذا القانون يجوز لرئيس هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي أن يُصدر أمراً بحبس أي شخص استنادا على فرضيات هي في الأغلب-غير قانونية- بأن ذلك الشخص هو "مقاتل غير شرعي."  كما سعت الحكومة الإسرائيلية إلى سن قانونين جديدين لضمان استمرار احتجازها للمعتقلين من قطاع غزة، ولتخويل سلطات التحقيق صلاحيات التحقيق مع معتقلين من قطاع غزة أيضاً.[12] 

 

الخلاصـــة

إن حصاد عام من تطبيق خطة الفصل يؤكد استمرار جرائم قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين.  كما يؤكد بقاء قطاع غزة محتلاً من الناحيتين المادية والقانونية.  إن الوضع الراهن الذي يشهده قطاع غزة منذ قرابة شهرين ونصف، -منذ 25 يونيو- وأمام التصعيد المستمر من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتوظيف القوة المفرطة بحق الفلسطينيين، بما في ذلك الطائرات الحربية والبوارج البحرية والدبابات المتطورة، في مواجهة المدنيين الفلسطينيين، بشكل لم يسبق له نظير، هو الأسوأ منذ احتلال القطاع في العام 1967.  إن ما يجري على الأرض منذ قرابة العام، وبشكل أخص منذ 25 يونيو 2006، هي حرب حقيقية وأعمال انتقامية تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين المحميين بموجب الاتفاقيات الدولية، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب لعام 1948.

قطاع غزة يتعرض لحصار اقتصادي وسياسي خانق يهدف إلى إذلال الشعب الفلسطيني وإخضاعهم وابتزازهم سياسياً.  وهو في هذا الإطار يندرج ضمن العقوبات الجماعية التي يحظرها القانون الدولي الإنساني.

ما تم توضيحه في خضم هذا التقرير يؤكد وبشكل جلي بأن الهدف من وراء خطة "الفصل" التي اتخذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ عام، هو بيع الأوهام للعالم حول الانسحاب، ولكن في الحقيقة ما يجري هو تقوية للاحتلال واستمرار إحكامه السيطرة على قطاع غزة بأشكال عدة.  يقابل ذلك الانسحاب خطوات أحادية الجانب في الضفة الغربية، وفي مقدمتها خلق وقائع جديدة على الأرض من خلال الاستمرار في بناء الجدار الفاصل والتوسع الاستيطاني، بهدف ضم نحو 58% من الضفة إلى إسرائيل، وتحويل البقية إلى كانتونات معزولة وغير متصلة.  والهدف من وراء ذلك كله تقويض أية فرصة للانسحاب من الضفة الغربية وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

 

وفي ضوء هذه المعطيات، فإن المركز، 

  1. يذكر المجتمع الدولي والأطراف السامية بأن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال قائماً بشكليه المادي والقانوني في القطاع ، رغم تنفي خطة الفصل، وأن ما حصل هو إعادة انتشار لقوات الاحتلال في القطاع.  وبالتالي لم يطرأ أي تغير قانوني على وضع قطاع غزة، مما يستوجب من المجتمع الدولي الاستمرار في التعامل مع قطاع غزة كجزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
  2. يطالب المجتمع الدولي، بما في ذلك الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة بضرورة توفير الحماية الدولية الفورية والفاعلة للمدنيين الفلسطينيين في داخل حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 (أي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة).
  3. يرى أنه من المستهجن أن يستجيب المجتمع الدولي لمطالب إسرائيل، وتوفير قوات دولية لحماية حدوده الشمالية مع لبنان، فيما المدنيين الفلسطينيين، ضحايا جرائم الحرب الإسرائيلية يطالبون منذ عشرات السنين بتلك الميزة دون مستجيب.
  4. يؤكد على أن الحماية الدولية هي مصلحة لجميع الأطراف، بشرط أن تكون فاعلة وذات صلاحيات واسعة.

 


 

 [1] بشأن تفاصيل هذه الخطة، أنظر "النص الكامل لوثيقة خطة الفصل"على الموقع الالكتروني للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان www.pchrgaza.org.

[2]  بتاريخ 12 سبتمبر 2005، أصدرت قوات الاحتلال الإسرائيلي "منشور بشأن إنهاء الحكم العسكري" موقع باسم قائد قواتها في قطاع غزة، دان هرئيل، جاء نصه كما يلي:"1. بناءً على قرار حكومة إسرائيل في 11 أيلول 2005، (اليوم 12 أيلول 2005) خرجت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي من قطاع غزة ونقلت السيطرة على هذه الأراضي إلى أيدي مجلس الحكم الذاتي الفلسطيني. 2- منذ نهاية هذا اليوم انتهى الحكم العسكري في منطقة قطاع غزة."

[3] أنظر، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. غزة: ورقـة موقف خطة شارون لاعادة الانتشار في غزة: إنكار لحقوق الانسان الفلسطيني وليس إنهاء للاحتلال، على الرابط التالي: " http://www.pchrgaza.org/arabic/sharon_p.htm ".

[4]  بتاريخ 9 يوليو 2004 أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيها الاستشاري في القضية المتعلقة بقانونية جدار الفصل الذي تبنيه قوات الاحتلال في الضفة الغربية، مفاده أن الجدار الذي تبنيه إسرائيل، القوة المحتلة، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها في مدينة القدس وحولها، يتناقض مع القانون الدولي.  وأضاف القرار بأن إسرائيل ملزمة بوقف انتهاكاتها للقانون الدولي، وبوقف أعمال البناء في الجدار وبإزالة ما تم بناؤه فيه، وإلغاء كافة التشريعات والأوامر ذات الصلة به، وبدفع تعويضات عن الأضرار التي نتجت عن بنائه. 

[5]  أنظر بياني المركز الصادرين بتاريخ 25 و26 سبتمبر 2005.

[6]  كان من أبرز الجرائم التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال تلك الفترة، جريمة قتل عائلة كاملة كانت تتنزه على شاطئ بحر غزة في 9 يونيو.  ووفقاً للحيثيات، فقد أطلقت بارجة إسرائيلية، سبعة قذائف مدفعية بفارق زمني بسيط تجاه المصطافين المتواجدين على شاطئ بحر بيت لاهيا، مما أدى إلى مقتل سبعة مدنيين من عائلة  واحدة، هم أب وأم وأطفالهما الخمسة، ونجت طفلة سادسة لهما بأعجوبة، والقتلى هم: علي عيسى غالية، 49 عاماً، وزوجته رئيسة غالية، 35 عاماً،وأطفاله: هيثم، عام واحد، هنادي، عامان، صابرين، 4 أعوام، إلهام، 15 عاماً، وعالية، 17 عاماً.  كما أسفر القصف عن إصابة اثنين وثلاثين مدنياً آخرين، بينهم ثلاثة عشر طفلاً بجروح متفاوتة، وصفت المصادر الطبية حالة اثنين من  المصابين بأنها خطيرة.

 [7] بشأن هذه الجريمة، راجع بيان المركز بتاريخ 25 سبتمبر 2005، المرجع: 112/2005. على الموقع الالكتروني للمركزwww.pchrgaza.org  .

[8]  بشأن هذه الجريمة، أنظر بيان المركز الصادر بتاريخ 12 يوليو 2006. على الموقع الالكتروني للمركزwww.pchrgaza.org   

 

 [9] أنظر بيان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 16 نوفمبر 2005.

[10]  أنظر بيانات المركز الصادرة بتاريخ 25، 26 سبتمبر، و26 أكتوبر 2005.

[11]  بشأن موقف المركز من هذه الأعمال، أنظر بيان المركز بتاريخ 26 يوليو 2006، المرجع: 75/2006 بعنوان "المركز ينظر بخطورة لانتهاج قوات الاحتلال سياسة إنذار سكان المنازل قبل قصفها كمبرر للقصف"

 [12] بشأن تفاصيل أكثر، أنظر: التوظيف الإسرائيلي لأدوات القانون تقرير خاص حول الإجراءات الإسرائيلية الهادفة لتسويغ استمرارها في اعتقال معتقلي قطاع غزة رغم إعلان إنهاء الحكم العسكري عليه، الصادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بتاريخ 13 أغسطس  2006.