تأثير سياسة الحصار على صادرات قطاع غزة من التوت الأرضي والزهور

 

المركـــز الفلسطــيني لحقـــوق الإنســان

 

 

 

إن السماح بتصدير بضع كميات من التوت الأرضي كانت بمثابة ذر الرماد في العيون.... لقد تسممت حياتنا, حيث نقوم بزراعة الأراضي ومن ثم نقوم بإتلاف المحاصيل أو نقوم بتصريفها بأسعار بخسة.                                

                                                              

                                                     المزارع نظير رجب العطار من بيت لاهيا

... وخوفاً من ذلك اضطررت لبيع المحصول في السوق المحلي بسعر 2.5 شيقل للكيلو بدلاً من 15 شيقل وهو ثمن الكيلو في حالة تصديره.                   

                                                                                                                                                 المزارع خالد غبن من بيت لاهيا

 

كان لدينا أمل بنجاح الموسم، حيث تم تشغيل معبر كيرم شالوم جنوب شرق رفح أمام تصدير الزهور... وصدرت لبورصة الزهور في هولندا ما يقرب من 250 ألف زهرة ولكن إسرائيل عادت وأغلقت المعبر أمام التصدير.

                                                           المزارع زاهر احمد القاضي من سكان رفح

 

كل صباح أتوجه إلي دفيئات الزهور بنية خلعها ولكني أعجز عن ذلك، و أتمني أن تقطع يدي قبل أن تخلعه وهو في ذروة إنتاجه....  ولكن هذه الذروة بدون فائدة بل تعود بالخسائر علي... يجب خلعه وزراعة شيء بديل عنه كي أتمكن من الاستمرار وسداد الديون المترتبة و المتراكمة علي كاهلي. 

                                                                                                     المزارع نشأت مصطفى حجازي من مدينة رفح


 

يعتبر التوت الأرضي والزهور من القطاعات الإنتاجية الزراعية الهامة في قطاع غزة، إذ تسهم بما قيمته حوالي 25 مليون دولار سنوياً من الدخل القومي.  كما يعتمد على زراعتهما والعمل فيهما الآلاف من المزارعين, وذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.  ويمتد موسم تصدير التوت الأرضي من الفترة ما بين 20/11- 15/1 من كل عام.  بينما يمتد موسم تصدير الزهور من الفترة ما بين 15/11- 25/4 من كل عام.

وخلال انتفاضة الأقصى، التي بدأت في التاسع والعشرين من سبتمبر2000 ومستمرة حتى تاريخ إعداد هذا التقرير،  تعرض هذان النوعان من الزراعة في موسم التصدير إلى مضايقات متنوعة جراء القيود المفروضة على المعابر، لا سيما معبر كارني " المنطار"، المعبر الوحيد الذي يسمح من خلاله بتصدير هذين المنتجين الزراعيين.

يهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على تأثير إجراءات الحصار وإغلاق المعبر على صادرات قطاع غزة من التوت الأرضي والزهور، وانعكاس ذلك على تمتع المواطنين بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما  الحق في المستوى المعيشي اللائق، والحق في العمل.  ويركز التقرير على الفترة ما بين 20/11/2007 و حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، باعتبار هذه الفترة هي الموسم الذي يصدر فيه مزارعو غزة إنتاجهم من التوت الأرضي والزهور.  كما يلفت التقرير نظر المجتمع الدولي إلى ممارسات وإجراءات سلطات الاحتلال بحق أكثر من مليون ونصف مليون شخص يسكنون في سجن جماعي بقطاع غزة، الأمر الذي يحرمه القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة.

 

خلفية عن زراعة التوت الأرضي والزهور في قطاع غزة

تبلغ مساحة قطاع غزة 365 كم مربع،  وتشكل نسبة الأراضي المزروعة حوالي 8%(أي حوالي 160 ألف دونم), ويسود نمط زراعة الحمضيات والخضراوات والفواكه. ومنذ قدوم السلطة الفلسطينية في العام 1994، تم الاهتمام وتطوير أنواع زراعية معينة في قطاع غزة، تتميز بأنها ذات قيمة اقتصادية ومالية عالية.  ومن بين هذه الأنواع التوت الأرضي والزهور. وتقدر المساحة الكلية للأراضي المزروعة بهذين النوعين حوالي 2800 دونم، منها حوالي 2200 دونم مخصصة لزراعة التوت الأرضي، وحوالي 500 دونم مخصصة لزراعة الزهور. وتتركز زراعة التوت الأرضي في محافظة الشمال" بيت لاهيا"، بينما تتركز زراعة الزهور في جنوب غزة، في محافظتي رفح وخان يونس. 

ونظراً لما تحتاجه زراعة التوت الأرضي والزهور من رعاية خاصة، فإن تكلفة إنتاجهما تعد مرتفعة إلى حد ما، حيث تقدر تكلفة إنتاج الدونم الواحد من التوت الأرضي حوالي 3473 دولار أمريكي، بإجمالي يبلغ 7.640.600 دولار أمريكي.  بينما تقدر تكلفة الدونم الواحد من الزهور حوالي 7158 يورو ( 10.000$) بإجمالي يصل إلى 3.579.000 يورو (5.000.000$). [1]

وعلى الرغم من محدودية مساحة الأراضي المزروعة بالتوت الأرضي والزهور، مقارنة بالمساحة الكلية للأراضي الزراعية في قطاع غزة، إلا أن زراعة هذين النوعين يعتبران من الأصناف التي تتمتع بقيمة اقتصادية ومالية واجتماعية عالية.  فهذان الصنفان يوفران ما قيمته من 10-12 مليون دولار أمريكي للتوت الأرضي، و 13 مليون دولار للزهور في كل موسم.

عدا عن ذلك، تساهم زراعة هذين النوعين من المنتجات في عملية التشغيل وخلق فرص العمل, حيث يقدر عدد مزارعي التوت الأرضي بحوالي  450 مزارعاً  بشكل مباشر,  في حين يقدر عدد مزارعي الزهور بحوالي 60 مزارعاً .  إلى جانب ذلك تتيح العديد من فرص التشغيل المرتبطة بأنشطة وأعمال متصلة بعملية الإنتاج الزراعي والتسويق والخدمات الأخرى.  والذين يقدر عددهم بحوالي 7500 فرداً مرتبطون بزراعة التوت الأرضي، وحوالي 800 فرد مرتبطون بزراعة الورود.[2]

ووفقاً للمهندس جبر قرموط من وزارة الزراعة، يتم تصدير التوت الأرضي والزهور بموجب اتفاقية مبرمة بين شركة جرسكو الإسرائيلية ومزارعي قطاع غزة.  وتقوم بموجبها شركة جرسكو بشراء محصول التوت الأرضي والزهور من المزارعين الغزيين وفقاً لمواصفات محددة، عالية الجودة، وخالية من متبقيات المبيدات.  وتقوم الشركة بدورها بتصديره إلى الدول الأوربية، وفقاً لإجراءات معينة. جدير بالذكر أن شركة جرسكو تقوم بشراء كمية المحصول من المزارعين الغزيين لتغطية العجز في كمية هذين المنتجين، حيث تلتزم هذه الشركة – بموجب اتفاقية مع السوق الأوروبية- على تزويدها بكمية معينة من هذين المحصولين من المزارعين الإسرائيليين.  ونظراً لأن المزارعين الإسرائيليين لا يتمكنون من تغطية الكمية المطلوبة،  فقد لجأت الشركة إلى تغطية العجز من المزارعين الغزيين.  وووفقاً للاتفاقية، تمر عملية التصدير عبر عدة مراحل يمكن ذكرها على النحو التالي:

 

1.     الفحص من قبل وزارة الزراعة الفلسطينية

حيث ينقل المزارعون إنتاجهم من التوت الأرضي والزهور إلى محطات أعدت خصيصاً لذلك. يقوم مهندسون زراعيون من وزارة الزراعة بعملية فحص المنتج للتأكد من جودته حسب المواصفات المعمول بها، فضلاً عن التأكد من متبقيات المبيدات التي عادة ما تظهر في شكل المنتج.

 

2.     الفحص من قبل شركة جرسكو

بعد انتهاء وزارة الزراعة من عملية الفحص، تقوم شركة جرسكو بأخذ عينة من المحصول للتأكد من الفحص الداخلي وسلامته.  علماُ بان عملية الفحص تستغرق  ما بين 3- 4 أيام. أثناء ذلك يتم شحن الكمية إلى معبر المنطار " كارني " . وفي حال اكتشاف الشركة  لأي خلل في الفحص توقف عملية إدخال المنتج إلى المعبر.  

 

3.     الشحن والتحميل

بعد عمليات الفحص يتم تحميل والمنتج وشحنه إلى معبر المنطار " كارني" ومنه مباشرة إلى مطار بن غوريون " اللد" ومن ثم إلى الدولة المستوردة. 

 

أوضاع معبر كارني" المنطار

 

تتحكم سلطات الاحتلال الإسرائيلية في حركة صادرات وواردات قطاع غزة عبر معبر أساسي وهو معبر المنطار " كارني" ، والذي يقع على الحدود الشرقية الفاصلة بين قطاع غزة ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

 

ومنذ مطلع يونيو 2007, أغلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي كافة المعابر والحدود إغلاقاُ تاماً  بما فيها معبر المنطار" كارني" .  وبموجب ذلك أوقفت تلك القوات بشكل كامل جميع الصادرات والواردات إلى قطاع غزة، باستثناء بعض اللوازم الضرورية مثل الأدوية الأساسية وبعض المواد الغذائية الأساسية.  من جهة أخرى كان لقرار السلطات المحتلة اعتبار قطاع غزة "كياناً معاديا" دوراً بارزاً وملموساً في تصعيد  إجراءات الحصار والخنق الاقتصادي،  والتي من الممكن أن تنذر بحدوث كارثة إنسانية غير مسبوقة في حال استمرار هذه السياسة. 

ووفقاً لمعلومات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان،[3] أغلق المعبر في وجه الواردات والصادرات من البضائع والمنتجات من وإلى قطاع غزة، لمدة (91)  يوما إغلاقا كليا، فيما أغلق لمدة (16) يوماً إغلاقا جزئياً، وذلك من الفترة ما بين 15/11/2007 وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير بتاريخ 29/2/2008. حظرت خلالها قوات الاحتلال الإسرائيلي خروج الصادرات من المنتجات الغزية إلى إسرائيل أو الضفة الغربية والخارج.  وسمحت فقط بتوريد كميات محدودة من حبوب القمح، الدقيق والأعلاف، ما أدى إلى تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية لسكان قطاع غزة.  جدير بالذكر أن المواد الغذائية التي كانت تمر عبر معبر كارني " المنطار" قد توقفت ويتم استخدام معابر أخرى لإدخالها وتحديداً معبر كرم أبو سالم.

يشار أيضاً، أنه خلال العام 2007، بلغ عدد أيام إغلاق المعبر مدة 131 يوماً بشكل كلي، ومدة 56 يوماً بشكل جزئي. كما يشار أيضا إلى أن المعبر أغلق إغلاقا تاما منذ يوم 13/6/2007، فيما سمح بفتحه جزئياً، ولأيام محدودة لتوريد شحنات من القمح، الدقيق والأعلاف.  وقد أدى استمرار إغلاق المعبر على هذا النحو، ولفترة زمنية طويلة، أو تشغيله لساعات محدودة إلى شلل شبه تام في حياة السكان المدنيين، وعرض القطاع بأكمله إلى أزمة إنسانية، ما يزال يخشى من نتائجها.

 

تأثير الحصار وإغلاق المعابر على صادرات التوت الأرضي والزهور

أدى استمرار إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي لمعبر المنطار  "كارني"  إلى إلحاق خسائر فادحة لمزارعي قطاع غزة،  وخصوصاً مزارعي التوت الأرضي والزهور،  نظراً لاعتماد هؤلاء المزارعين في تصدير إنتاجهم إلى الدول الأوربية على معبر المنطار - المعبر الوحيد المخصص للتبادل التجاري بين قطاع غزة وإسرائيل وباقي دول العالم.

وتظهر البيانات والمعلومات الواردة من الجمعية التعاونية الزراعية لمزارعي التوت الأرضي والخضار والزهور، وكذلك من المزارعين أنفسهم، حجم الخسائر التي لحقت بمزارعي التوت الأرضي والزهور.   فقد كان من المقرر تصدير 1500 طن من التوت الأرضي لهذا الموسم (2007/2008) في الفترة ما بين 20/11/2007 ولغاية 15/1/2008، وذلك عبر شركة جريسكو.  ولكن نظراً لما تعرض له معبر كارني من إغلاق فقد تم السماح بتصدير 109 طن فقط، عن طريق معبر كرم أبو سالم، وذلك بنسبة 1% من حجم صادرات التوت الأرضي.  جدير بالذكر أن معبر كرم أبو سالم لا يصلح لتصدير التوت الأرضي بسبب عدم توفر إمكانيات استيعاب الشاحنات، فضلاً عن أن فترة انتظار الشاحنات على هذا المعبر طويلة جداً، الأمر الذي أدى إلى تلف جزء كبير من هذه الكميات، وبالتالي فقدانها لصلاحيتها للتصدير.

الأمر ذاته ينطبق على إنتاج الزهور والورود،  فوفقاً للجمعية التعاونية الزراعية، فإنه كان من المفترض أن يتم تصدير حوالي 60 مليون زهرة إلى الدول الأوربية في الموسم الحالي، خلال الفترة من 15/11/2007 ولغاية 25/4/2008.  إلا أنه، وجراء إغلاق معبر كارني، لم يتم تصدير سوى (5) مليون زهرة فقط ، فيما لا تزال باقي الكمية (55 مليون زهرة)  مجهزة للتصدير في الثلاجات.  ومنذ إغلاق قوات الاحتلال معبر كارم أبو سالم بتاريخ 18/1/2008، توقف تصدير الزهور. 

وتقدر حجم الخسائر لهذا الموسم من المنتجين المشار إليهما حوالي 16.250.000 دولار موزعة على حوالي 510 مزارع،  منها 11.250.000 دولار خسائر التوت الأرضي[4] وموزعة على 450 مزارع ،  و5 مليون دولار خسائر الزهور وموزعة على 60 مزارع.[5]

من ناحية ثانية، فقد أدى الإغلاق والحصار إلى  نقص شبه كامل في مستلزمات الإنتاج الزراعي كالمبيدات الزراعية الأسمدة بأنواعها, ومستلزمات تغليف وإنتاج التوت الأرضي والزهور،  فضلاً عن النقص الشديد في قطع الغيار لصيانة مضخات المياه التي تستعمل في ري المزروعات , و مستلزمات إنشاء البيوت البلاستيكية. 

وفي هذا السياق أفاد المزارع نبيل سعدي العطار،37 عاماَ ومن سكان بيت لاهيا – العطاطرة، ويمتلك 11 دونم مزروعة بالتوت الأرضي : 

·   "  إن المزارعين -  وفضلاً عن إغلاق المعبر- يعانون أيضاً من ندرة المواد الأساسية من سماد وأدوية ونايلون وعلب كرتون مما أدى إلى ارتفاع أسعارها في السوق المحلية، حيث وصل سعر كيس السماد 150 شيكلا من أصل 35 شيكلا، وسعر النايلون 15 شيكلا من أصل 10 شيكل، وسعر كرتونة الفراولة الفارغة 13.5شيكلا من أصل 9 شيكل،  بالإضافة إلى مستلزمات أخرى أصبحت نادرة ولا يوجد كميات كافية...  لم أصدر إلا طنا واحداً من التوت الأرضي بسعر حوالي 30.000 شيكل، ورغم ذلك فقد تلقيت رداً من الشركة عبر الجمعية بأني مديون لهم بسبب تلف جزء كبير من الكمية، وكذلك أجرة الشحن والتعبئة وإتلاف الكمية المصدرة".

جدير بالذكر أن هذا ينطبق على المزارعين جميعاً، حيث تراكمت عليهم الديون للتجار والجمعيات الزراعية، ولا يوجد عائد من محصولهم ليسددوا ديونهم.  هذا ما أكده المزارع محمد رباح العطار، 54 عاماً، والذي يمتلك حوالي 15 دونم من التوت الأرضي، حيث تكبد خسائر فادحة جراء منع التصدير، فضلاً عن تراكم الديون عليه.

مزارع آخر وهو نظير رجب العطار، يقوم بزراعة التوت الأرضي منذ أكثر من 12 عاماً. ويمتلك  15 دونم من الأرض المزروعة بالتوت الأرضي في بيت لاهيا.  تكبد العطار خسائر في الموسم الزراعي الحالي للتوت الأرضي تُقدر بحوالي 150,000 شيقل،  وذلك  بسبب إغلاق المعابر وعدم تمكنه من تصدير أي كمية من محصول التوت الأرضي.  وقد أفاد لباحث المركز الميداني بما يلي:

·   " إن الحكومة الإسرائيلية تشن حرباً على الاقتصاد الفلسطيني.  وإن الهدف من الحصار هو تدمير ما تبقى من قطاع الزراعة الفلسطينية، وبالتالي زيادة اعتماد القطاع على المنتجات الإسرائيلية.  وأضاف " إن السماح بتصدير بضع كميات من التوت الأرضي كانت بمثابة ذر الرماد في العيون.  لم نصدر سوى بضع كميات لا تتجاوز 9% في أحسن الأحوال, بل إن جزءاً من هذه الكميات قد تلفت في معبر كرم أبو سالم (كيريم شالوم) بسبب الانتظار لساعات طويلة تحت أشعة الشمس. ... لقد تسممت حياتنا, حيث نقوم بزراعة الأراضي ومن ثم نقوم بإتلاف المحاصيل أو نقوم بتصريفها بأسعار بخسة. لا ادري إن كنت سأقوم بزراعة أرضي مجدداً أم لا.  أمتلك أيضاً  50 دونم من الأرض مزروعة بالبطاطا،  ومن الأرجح ألا أتمكن من رشها بالمبيدات والأدوية الزراعية لعدم توفرها, ستقضي الحشرات والآفات الزراعية بلا شك على المحصول.

أما المزارع خالد غبن من سكان بلدة بيت لاهيا، ويبلغ من العمر 38 عاما، ويعيل أسرة مكونة من 8 أفراد، و يقوم بزراعة التوت الأرضي منذ حوالي 20 عام، يقول:

·   " في المواسم السابقة كنت أواجه العديد من المشاكل والصعوبات، خصوصاً في عمليات التصدير، ولكن كان يتم تصدير جزءاً من الإنتاج بأسعار معقولة تغطي التكاليف، وتعود بجزء بسيط من الأرباح... الأمر مختلف في هذا الموسم، حيث قمت بزراعة 8 دونمات بعد استئجارها من صاحبها مقابل 350 دينار للدونم الواحد.  وبدأت العمل على أمل تصدير الإنتاج، حيث كنت استعين بحوالي خمسة عمال في فترات معينة.  كما كانت زوجتي وأولادي الصغار يساعدوني في العمل...  وقد بلغت تكاليف الزراعة لهذا الموسم حوالي 25 ألف دولار ما بين أشتال ومبيدات وسماد ومواد تغليف وبلاستيك وغيرها من  مستلزمات الزراعة...  عند بداية موسم التصدير في شهر 11/2007 كان معبر المنطار مغلقاً تماماً، و لم أتمكن، كباقي المزارعين من تصدير محصولنا، ما أدى إلى  تلفه كميات كبيرة منه... وخوفاً من ذلك اضطررت لبيع المحصول في السوق المحلي بسعر 2.5 شيقل للكيلو بدلاً من 15 شيقل وهو ثمن الكيلو في حالة تصديره.  نتيجة لذلك تكبدت خسائر فادحة تُقدر بحوالي 20 ألف دولار... الآن لم أتمكن من سداد ديوني والتي تقدر بحوالي 15 ألف دولار، ولا أدري كيف سأقوم بسدادها".

المزارع زاهر احمد القاضي، 40 عاماً، ومن سكان رفح – حي المصبح- ، ويعمل في زراعة الزهور منذ حوالي 5 سنوات.   زرع زاهر في هذا الموسم حوالي 7  دونمات من الورد من نوع القرنفل.  تبلغ تكلفة الدونم الواحد ما يقرب من 33 ألف شيكل إسرائيلي.  وجراء الحصار وإغلاق المعابر لم يتمكن من تصدير إنتاجه، حيث  تكبد  خسائر فادحة تصل إلي ما يقرب من 42 ألف دولار أمريكي.  كان لزاهر أمل كبير بنجاح الموسم،  خاصة بعد تشغيل معبر كيرم شالوم جنوب شرق رفح أمام تصدير الزهور.  وقد قام بالفعل بتصدير ما يقرب 250 ألف زهرة إلى بورصة هولندا.  ولكن للأسف حلم زاهر تحطم عندما أعادت قوات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المعبر في نهاية شهر يناير 2008م. 

لم يكن زاهر وحده من تكبد خسائر بسبب توقف تصدير الزهور،  وإنما لحقت بكل أفراد العائلة ممن يعملون معه ويساعدونه في زراعة الزهور، فضلاً عن العديد من العائلات الأخرى الذين يعملون معه، حيث طالتهم الخسائر أيضاً.

ويؤكد المزارع نشأت مصطفى حجازي، وعمره 34 عاماً، من سكان مدينة رفح –حي الأنصار هذه الحقيقة، حيث يقول:

·   "بدأت في زراعة زهور القرنفل مذ حوالي 10 أعوام تقريبا.  و قمت بزراعة 5 دونمات هذا العام.  ولكني تكبدت خسائر فادحة،  تصل إلي ما يقرب من مليون شيكل إسرائيلي، جراء الحصار المفروض علي قطاع غزة وإغلاق  معابره... وكنت قد صدرت جزءاً من الإنتاج في شهر يناير وبسعر متدني جداً.  كان التصدير عن طريق معبر كريم شالوم جنوب شرق رفح، الذي فتحته سلطات الاحتلال  لمدة محدودة قبل إعادة إغلاقه في نهاية شهر يناير 2008... يعمل معي في هذه الزراعة 4 عمال بشكل دائم،  بالإضافة لأسرتي... كل صباح أتوجه إلي دفيئات الزهور بنية خلعها، ولكني أعجز عن ذلك، و أتمني أن تقطع يدي قبل أن تخلعه وهو في ذروه إنتاجه.  ولكن هذه الذروة بدون فائدة بل تعود بالخسائر علي... يجب خلعه وزراعة شيء بديل عنه كي أتمكن من الاستمرار وسداد الديون المترتبة و المتراكمة على كاهلي.  و انوي بيع جرر " تراكتور"  لسداد الديون من جراء كساد موسم الزهور لهذا العام ... بالرغم من أن التراكتور مهم جدا في عملي". 

تعكس حالة المزارعين سابقة الذكر حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الآلاف من المزارعين وعائلاتهم ممن يعملون في زراعة التوت الأرضي والزهور في قطاع غزة، وذلك جراء استمرار إغلاق المعبر وعدم تمكنهم من تصدير إنتاجهم.   فقد كان لتوقف تصدير التوت الأرضي والزهور انعكاسات خطيرة على دخل حوالي 510 مزارعا و حوالي 8300 عاملا في هذين المحصولين، منهم نحو 7500 عامل يعملون في زراعة التوت الأرضي، ونحو 800 عاملا يعملون في زراعة الزهور.

وقد أجملت الجمعية التعاونية الزراعية نتائج توقف عملية التصدير على النحو التالي:

ü         فقد حوالي 50 % من العمال وظائفهم؛

ü         فقدان الإنتاج الفلسطيني مشاركته في الأسواق الأوربية؛

ü         إن المشاريع الممولة من الاتحاد الأوروبي والمنفذة في غزة لم تحقق أهدافها المحددة؛

ü         لن يتمكن المزارعون من زراعة التوت الأرضي في الموسم القادم.

 

 

أعمال غير قانوني

إن ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي من إحكام الحصار واستمرار إغلاق المعابر و  فرض مزيد من القيود على قطاع غزة، لا يمكن فهمه إلا في إطار استمرار فرض سياسة العقاب الجماعي ضد السكان المدنيين في قطاع غزة.  تلك السياسة التي يحرمها ويجرمها القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949. فوفقاً للمادة (33) من الاتفاقية المشار إليها " أنه لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصيا. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب.  السلب محظور.  تحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.  كما تشير المادة (55) من ذات الاتفاقية إلى أن " من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها، علي تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها علي الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمهمات الطبية وغيرها إذا كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية.  ولا يجوز لدولة الاحتلال أن تستولي علي أغذية أو إمدادات أو مهمات طبية مما هو موجود في الأراضي المحتلة...؛ وعليها أن تراعي احتياجات السكان المدنيين...؛.

عدا عن ذلك، فإن تداعيات الحصار يترتب عليه انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث تنتهك سلطات الاحتلال الإسرائيلي بممارساتها مجمل الحقوق التي يجب أن يتمتع بها المواطنون في قطاع غزة، سواء كانت المدنية والسياسية، أو الاقتصادية و الاجتماعية.  إن ما تقوم به قوات الاحتلال يتناقض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966، بموجب المادة (1)، حيث تنص على أنه "لا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة." وبموجب المادة (5) من نفس العهد التي "تحظر على أي دولة أو جماعة أو شخص مباشرة أي نشاط أو القيام بأي فعل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد…"

علاوة على ذلك اعتبرت لجنة مناهضة التعذيب، أن سياستي الحصار وهدم المنازل اللتين تمارسهما قوات الاحتلال تشكلان انتهاكا للمادة (16) من اتفاقية منع التعذيب والمعاملة السيئة والحاطة بالكرامة، ولا يمكن تبرير استخدام هاتين السياستين تحت أي ظرف من الظروف.

خلاصة وتوصيات

من الواضح أن سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي يستهدف بشكل ممنهج الاقتصاد الفلسطيني. وان أحد غايات من الحصار هو تدمير ما تبقى من قطاع الزراعة الفلسطينية.  كما أنها ومن خلال إمعانها في فرض المزيد من القيود، وإصرارها عليه، تتجاهل كل النداءات الدولية الداعية إلى ضرورة فك الحصار عن السكان المدنيين في قطاع غزة. إزاء ذلك:

1.     يكرر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان دعوته للأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، إلى التدخل الفوري من أجل احترام قواعد الاتفاقية وكفالة احترامها، بما في ذلك وقف سياسة العقاب الجماعي ضد السكان المدنيين في قطاع غزة.   

2.     كما يدعو المركز إلى إلزام السلطات الحربية المحتلة برفع كافة أشكال الحصار المفروض على قطاع غزة، بما في ذلك القيود المفروضة على حرية حركة وتنقل البضائع والأشخاص، وإعادة فتح المعابر الحدودية.

3.     يستهجن موقف الاتحاد الأوروبي في ظل اتفاقية الشراكة التي تربطه بدولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي، حيث تنعم منتجاته بمعاملة تفضيلية، رغم تنفيذها لأعمال وتدابير اقتصاص من السكان المدنيين في القطاع.  كما يدعو الاتحاد الأوروبي لتفعيل الاتفاقية التي تكفل احترام حقوق الإنسان.

4.     ويحذر المركز بأن قطاع غزة بات مهدد بحدوث كارثة إنسانية، إذا استمرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في إجراءاتها وممارساتها، ويحمل السلطات المحتلة المسئولية القانونية عن كافة انتهاكاتها لحقوق سكان قطاع غزة، المدنية والسياسية، فضلاً عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

5.     يدعو المجتمع الدولي، بما فيها المنظمات الدولية، إلى تقديم المساعدة الطارئة للقطاعات الاقتصادية الفلسطينية المختلفة، وخاصة للعاملين في القطاع الزراعي، نظراً لما لحق بهم من خسائر فادحة جراء الحصار الذي تفرضه السلطات المحتلة.

 

 


 

[1] المصدر: معلومات الجمعية التعاونية الزراعية لمزارعي التوت الأرضي والخضار والزهور.

[2] المصدر: معلومات الجمعية التعاونية الزراعية لمزارعي التوت الأرضي والخضار والزهور.

[3] لمزيد من المعلومات حول حالة المعابر، يمكن الرجوع إلى الصفحة الإلكترونية الخاصة بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان www.pchrgaza.org

[4] تم حساب خسارة التوت الأرضي بمعرفة الباحث، وبالاستناد إلى البيانات الرسمية التي حصل عليها. حيث تم ضرب كمية إنتاج الدونم الواحد وهي 2طن في عدد الدونمات المخصصة للتصدير وهي 750 دونم في ثمن تصدير الطن الواحد وهو 30.000 شيكل " بمعدل "7500 دولار أمريكي" ليكون ناتج الخسارة من التوت المخصص للتصدير هو " 750×2×7500= 11.250.000.

[5]  يشار هنا إلى أن موسم تصدير الزهور لم ينته بعد، إنما سوف يمتد إلى تاريخ 25/4/2008.  لذلك نجد أن حجم الخسائر في الورود أقل من حجم الخسائر في التوت الأرضي. وفي حال استمرار إغلاق المعبر وعدم تمكن المزارعين من تصدير الزهور سوف يتعرض هذا المنتج إلى خسائر فادحة.