"نشرة خاصة حول الإغلاق الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة"
العدد 43 – الاثنين 2 ديسمبر 2002 نشرة خاصة يصدرها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
لا تزال قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تفرض، ومنذ بداية انتفاضة الأقصى، بتاريخ 29/9/2000، سياسة حصار وإغلاق شاملين على جميع الأراضي الفلسطينية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها مدينة القدس، الأمر الذي يكرس واقعاً مؤلماً على المستوى الإنساني يفقد معه البشر كافة حقوقهم.
ففي قطاع غزة، وعلى مدار ستة وعشرين شهراً، تقوم قوات الاحتلال بإغلاق جميع المعابر والمنافذ الحدودية التي تفصل قطاع غزة عن العالم الخارجي. وقد أغلقت تلك القوات مطار غزة الدولي بشكل كلي لحوالي 721 يوماً، فيما أغلقته جزئيا 72يوماً. أما معبر رفح على الحدود المصرية فقد أغلق لحوالي120 يوماً بشكل كلي و673 يوماً إغلاقاً جزئياًً، بينما أغلق معبر بيت حانون " إيرز" لمدة 684 يوما إغلاقاً كلياً و109 أيام إغلاقاً جزئياً. وأغلق معبر المنطار التجاري لمدة 56 يوماً إغلاقاً كلياً ولـ 737 يوماً إغلاقاً جزئياً، فيما أغلق معبر صوفا لمدة 349 يوما بشكل كلي و444 يوما إغلاقا جزئياً، فضلا عن إغلاق الممر الآمن بشكل كلي لحوالي 780 يوماً. [1]
كما تستمر قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بفرض قيود داخلية على الحركة بين المدن، حيث تنتشر الحواجز العسكرية التي قسمت قطاع غزة إلى ثلاث مناطق منعزلة بعضها عن بعض، من خلال حاجز أبو هولي على شارع صلاح الدين، جنوب مدينة دير البلح، وحاجز نتساريم المقام إلى الشرق من المستوطنة المذكورة إلى الجنوب من مدينة غزة على شارع صلاح الدين. وقد شهد العام 2002، مزيداً من القيود على هذين الحاجزين حيث قامت قوات الاحتلال بإغلاقهما تماماً ولعشرات المرات في وجه المواطنين، ما شل الحركة والتنقل بين المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية في القطاع.
على صعيد آخر، لا تزال قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تعزل عدداً من مناطق القطاع عزلاً كاملاً، وذلك بفرض نظام منع التجول عليها، كمنطقة المواصي في خان يونس ورفح، السيفا في بيت لاهيا ووادي السلقا والقرارة شرق دير البلح. وأدت هذه السياسة التعسفية لأضرار بالغة على مجمل حياة السكان فيها، حيث تدهورت ظروفهم المعيشية، وانتهكت حقوقهم المدنية والسياسية، لا سيما تلك المتمثلة بالحق في حرية التنقل والحركة، عدا عن انتهاك حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وشكلت سياسة عزل المناطق والحصار الذي تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة انتهاكاً فاضحاً للحق في التعليم، حيث لا يزال آلاف الطلاب والمعلمين يعانون من صعوبة الوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم جراء الحواجز العسكرية المضروبة على الطرق الرئيسية. وفي أحيان كثيرة يمنع جنود الاحتلال المتمركزون على الحواجز المدرسين من الوصول إلى مدارسهم، ما يؤدى إلى توقف العملية التعليمية فيها.
ولم ينأى أفراد الطواقم الطبية الفلسطينية والدولية وسيارات الإسعاف عن إعاقة جنود الاحتلال الحربي الإسرائيلي لهم في أداء عملهم وواجبهم تجاه المرضى ونقلهم إلى المشافي، فمنعت المئات من هذه السيارات من نقل الضحايا وإسعاف الجرحى. وقد أدى ذلك إلى وفاة 51 فلسطينيا في الأراضي الفلسطينية المحتلة كان آخرها بتاريخ 24/10/2002، بينهم ثمانية أفراد من قطاع غزة. كما منعت وصول الإمدادات الطبية الضرورية إلى المشافي والعيادات الصحية، فيما تدهورت برامج الرعاية الطبية والتطعيمات الخاصة بالأطفال. وأشارت إحدى الدراسات الحديثة، أن ما نسبته 12.5% من السيدات يعانين من أنيميا متوسطة أو شديدة، ومن الأطفال نسبة 21.5% يعانون من أنيميا متوسطة إلى شديدة. كما أن الخدمات الصحية والوصول إليها تأثر بشدة بسبب الإغلاق الإسرائيلي، حيث أن 33% من الذين احتاجوا الطوارئ لم يستطيعوا الوصول إليها، وأن 21% من الذين بحاجة لرعاية الأمومة وما قبل الولادة لم يستطيعوا تلقي الرعاية المطلوبة. علاوة على ذلك، فإن نسبة 17% من الأطفال، الذين شملتهم الدراسة، لم يستطيعوا تلقي التطعيمات اللازمة، ونحو 44% من مرضى الكلى لم يستطيعوا عمل غسيل الكلى، و38% من مرضى السكر و46% من مرضى السرطان المحتاجين للعلاج الكيماوي، حيث لم تستطع هذه الفئات الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية المطلوبة على مدار ستة أسابيع متواصلة.
وخلال أكثر من عامين، أدى الإغلاق الإسرائيلي المفروض على المعابر إلى تدهور شامل للاقتصاد الفلسطيني، حيث يعاني من أزمة خانقة شملت مختلف مرافق الحياة الاقتصادية في فلسطين. حيث تدهورت القطاعات الاقتصادية التجارية والصناعية والزراعية وقطاعات العمالة والسياحة والنقل والمواصلات والاستثمار. وتشير التقارير الفلسطينية الرسمية إلى أن خسائر الاقتصاد الوطني الفلسطيني بلغت حوالي 11.7 مليار دولار أمريكي منذ بدء انتفاضة الأقصى وحتى تاريخ إعداد هذه النشرة. وتوقع آخر تقرير للبنك الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي في الأراضي الفلسطينية قد يتراجع بنسبة 25% نهاية العام الحالي 2002م، وذلك جراء استمرار سياسة الحصار والقيود المفروضة على المعاملات التجارية. وقد بلغت نتائج هذا الإغلاق الجائر لمس حياة السكان المدنيين في مصادر رزقهم، حيث بلغت حدة الفقر ذروتها فوصلت إلى حوالي 75%، وارتفعت نسبة البطالة لتصل إلى حوالي 65%.
ولم تتوقف الآثار السلبية لسياسة الحصار على معاناة، يمكن أن تحصر ضمن نطاق ضيق وصغير، بل إمتدت لتشمل نسيج العلاقات الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني، وأصبح الوضع الاقتصادي الصعب جداً أساساً للزيارات العائلية لمعظم السكان، خشية من الحاجة للإنفاق المادي غير المتاح لتغطية احتياجاتها الأساسية كالغذاء وخدمات الصحة والتعليم.
مع صدور هذا العدد، من نشرة الإغلاق الشامل على قطاع غزة، تكون انتفاضة الأقصى قد دخلت في شهرها السابع والعشرين، والشعب الفلسطيني في كافة محافظات ومدن وقرى الأراضي الفلسطينية المحتلة يعيش تحت وطأة حصار وإغلاق بري وبحري وجوي لم تشهد له تلك الأراضي مثيلاً منذ احتلالها عشية الرابع من حزيران/ يونيو في العام 1967.
قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عززت من إجراءات الحصار والإغلاق الشامل، المفروض منذ سنوات، على كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعزلت مدينة القدس كلياً عن امتدادها الجغرافي في باقي المحافظات والمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، حيث منع الفلسطينيين من غير سكانها من الدخول إليها لأي سبب كان. كما كرست قوات الاحتلال عملية الفصل الكامل للضفة الغربية عن قطاع غزة، وقطعت كافة إمكانيات التواصل الجغرافي بينهما. وخلقت تلك السياسة واقعاً جديداً شكلت فيه هاتان المنطقتان، بموجب الخطوات التي اتخذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي ميدانياً، سجنين جماعيين كبيرين بداخلهما عشرات السجون الصغيرة، يعيش فيهما أكثر من مليوني فلسطيني. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل تفاقمت الأمور سوءاً على حياة السكان الذين أصبحوا يعيشون واقعاً خطيراً، يهدد حياتهم وأمنهم وسلامتهم إذا ما حاولوا الحركة والتنقل في أقرب الأماكن على بيوتهم أو أماكن عملهم.
وقد شهدت كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة تصعيداً إضافياً جديداً مع بداية شهر شباط/ فبراير 2002، حيث فرضت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي نمطاً جديداً من تشديد الخناق على السكان المدنيين الفلسطينيين، خاصة في مدن وقرى الضفة الغربية. فقد حولت أراضي الضفة الغربية إلى عشرات الكانتونات منعزلاً، منع فيه الأشخاص من التمتع بحقهم في حرية التنقل والحركة، ما أدى لنتائج وخيمة على حياتهم، وانتهك بشكل صارخ حقهم في التمتع بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
سياسة الإغلاق والحصار الشامل المفروضة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي أقر المجتمع الدولي كونها أحد أشكال العقوبات الجماعية المحظورة، بموجب القانون الدولي الإنساني، تسببت بإلحاق أضرار جسيمة على حياة السكان المدنيين الفلسطينيين في كافة المجالات الحياتية. وإضافة لوسائل القمع والبطش وكافة أشكال القتل والقتل خارج إطار القانون وتدمير وتخريب الأعيان المدنية، التي مارستها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال العامين الماضيين في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، فقد أصبح من الصعب أن يتم تذليل العقبات الناجمة عن النتائج الكارثية لمثل هذه السياسات. لقد شكلت هذه الممارسات المنهجية والمنظمة حرماناً للسكان من حقهم في التمتع بوسائل عيشهم الخاصة، ومنعتهم من الوصول لمصادر رزقهم وأعمالهم، وكرست شعورهم بفقدانهم حقهم في الشعور بالأمان الشخصي والطمأنينة.
إن وضع مئات الآلاف من السكان المدنيين الفلسطينيين، وفي إطار تشديد سياسة الإغلاق على الأراضي الفلسطينية المحتلة، تحت وطأة نظام حظر التجول، ولفترات طويلة، قد حرمت هؤلاء السكان من البحث عن مصادر رزقهم، وتسببت في نقص حاد في الإمدادات الغذائية، وخاصة غذاء الأطفال. كما أصبح من المتعذر على السكان المرضى منهم بأمراض مزمنة الوصول إلى المؤسسات الصحية للحصول على العلاج، فيما تعجز النساء الحوامل أو المرضعات من التوجه إلى مراكز الرعاية الصحية للعلاج. إن فرض قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي نظام حظر التجول على ما يزيد عن مائتي ألف نسمة في محافظة نابلس، ولمدة تجاوزت المائة يوم، قد خلق واقعاً أصبح السكان فيه غير قادرين على توفير الغذاء والدواء لهم ولأفراد أسرهم.
وفي قطاع غزة لا تزال قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تفرض حالة تقطيع أوصاله إلى ثلاث كانتونات منعزلة عن بعضها البعض، فيما تكرس حالة الفصل الكامل والشامل لبعض مناطق القطاع عن امتدادها الجغرافي، حيث تخضع مناطق مواصي خان يونس ورفح ومنطقة شمالي القرارة ووادي السلقا ومنطقة السيفا إلى إجراءات أكثر تعقيداً، يحرم بموجبها السكان من التنقل والحركة. وتعاني تلك المناطق من نظام حظر التجول الذي يفرض ليلاً عليها. وتمتد إجراءات الحصار الشامل لتطال حرية توريد واستيراد البضائع من وإلى القطاع، ما حرم السكان من التمتع بمجمل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد واصلت قوات الاحتلال خلال هذه الفترة أعمال التفتيش والتنكيل في صفوف المواطنين الفلسطينيين، الذين يتنقلون بين شمال القطاع وجنوبه عبر حاجزي المطاحن وأبو هولي، جنوب مدينة خان يونس واللذين يفصلان جنوب القطاع عن شماله ووسطه. فعلى مدار الأربعة شهور الأخيرة( يوليو- أغسطس- سبتمبر – أكتوبر- نوفمبر 2002 )، قامت قوات الاحتلال باحتجاز المركبات المدنية الفلسطينية بين حاجزي أبو هولي والمطاحن، وأجبرت الركاب على النزول منها، وأجرت أعمال تفتيش وتنكيل في صفوفهم، وتم احتجازهم لعدة ساعات تحت أشعة الشمس الحارقة.
وفي تطور خطير، وغير مسبوق، حولت سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي حاجز التفاح، الذي يفصل منطقة المواصي عن مدينة خان يونس، إلى معبر على غرار معبر إيرز "بيت حانون". ويسير العمل فيه وفقاً لمزاج جنود قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي المتواجدين فيه. كما لا تزال تلك القوات تفرض نظام منع التجول الليلي على قرية وادي السلقا منذ أكثر من عام، بموجب ذلك يمنع المواطنون في القرية من التحرك في ساعات المساء.
تشديد إجراءات الحصار، التي تفرضها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، على الحواجز العسكرية أدت إلى انتهاكات جسيمة لحق المواطنين في التمتع بالرعاية الصحية، حقهم في التعليم وفي حرية التنقل والسفر. فالمعابر المخصصة للمسافرين وللمعاملات التجارية لا تزال تشهد قيودا مشددة أمام حركة المواطنين، وفي أحيان كثيرة تغلق هذه المعابر بشكل كلي، عدا عن القيود المفروضة على حركة التجار، و التي بموجبها تتوقف جميع أعمال التصدير والاستيراد من وإلى قطاع غزة. أما في حالات الإغلاق الجزئي فتسمح سلطات الاحتلال لبعض البضائع من الدخول والخروج ولكن ضمن قيود وشروط مجحفة. كما تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي انتهاكها للحق في العمل، وذلك من خلال استمرار منعها العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل. وعلى الرغم من السماح لعدد محدود من العمال بالوصول إلى أماكن عملهم بين الفترة والأخرى إلا أن ذلك لم يوقف مشكلة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، حيث وصلت نسبة البطالة في القطاع لحوالي 65%، فيما ارتفعت نسبة الفقر إلى حوالي 75% على مستوى القطاع، و82% في مخيمات رفح وخان يونس.
إن ادعاء سلطات الاحتلال الإسرائيلي وتبريرها لاستخدام سياسة الحصار باعتباره جزء من الإجراءات الأمنية الهادفة لمنع وقوع أعمال عنف، قد اثبت بطلانه منذ بدء العمل بتلك السياسة. ومما يؤكد ذلك أن تلك الإجراءات لم تمنع الفلسطينيين من تنفيذ عمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية، كما أنها لم تمنع مئات العمال الفلسطينيين من التسلل والوصول إلى أماكن عملهم في إسرائيل، حيث نسمع بشكل روتيني تقريبا عن عمليات اعتقال لهؤلاء العمال. فإذا كان العمال الباحثين عن الرزق يتمكنون من التسلل والوصول إلى داخل إسرائيل، فهذا يعني استحالة منع وصول رجال المقاومة إلى أهدافهم.
يوثق هذا العدد، الثالث والأربعون، من نشرة خاصة حول الإغلاق الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة، آخر الآثار الناجمة عن الحصار على أوضاع السكان المعيشية في قطاع غزة من الفترة ما بين 1/7/2002 - 30 /11/2002. فحق الأفراد في الحركة والتنقل يعتبر من الحقوق الإنسانية الأساسية التي يجب ضمان احترامها وتمتع الأفراد بها. وتمثل سياسة الحصار شكلاً من أشكال العقوبة الجماعية التي يحظرها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي، ومنذ بداية انتفاضة الأقصى، فرض قيود مشددة على حرية التنقل والحركة في قطاع غزة. وخلال الفترة التي تغطيها النشرة شهد معبر رفح البري على الحدود المصرية الفلسطينية، وهو الممر الوحيد الذي يربط القطاع بالخارج، ازدحاما شديدا بالمسافرين من مواطني القطاع، خاصة المرضى والطلاب والزائرين. فيما بقي كل من مطار غزة الدولي والممر الآمن، الذي يربط قطاع غزة بالضفة الغربية، على حالهما منذ بداية انتفاضة الأقصى. فضلا عن ذلك منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أي مواطن من سكان قطاع غزة أو الضفة الغربية من استخدام مطار اللد في السفر، كما منعت مواطني قطاع غزة من السفر عبر معبر الكرامة على الحدود الأردنية الفلسطينية. علاوة على ذلك، فقد شكلت الحواجز المقامة على الطرق الرئيسة انتهاكا جسيما لحق السكان في حرية التنقل والحركة. وتنتهك قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي من خلال هذه الإجراءات كافة المعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، سيما تلك المتعلقة بحقوق الأفراد والجماعات في حرية السفر والتنقل. كما تنتهك إجراءات سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، خاصة المادة المادة 33 التي تحظر فرض العقوبات الجماعية على الأشخاص المدنيين المحميين.
تسيطر قوات الاحتلال الإسرائيلي، بموجب اتفاقية التسوية المرحلية الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، والاتفاقيات اللاحقة على المعابر والمنافذ المطلة على القطاع. وبموجب ذلك، تتحكم إسرائيل في حرية الحركة من وإلى القطاع. ومنذ بداية الانتفاضة تفرض قوات الاحتلال العديد من القيود على حرية سفر سكان قطاع غزة، حيث يتعرض معبر رفح الحدودي لإغلاقات متكررة بوجه الطلبة والمرضى والزوار، وكان آخرها يومي الأحد والاثنين الموافقين 15-16/9/2002م. عدا عن ذلك تتخذ قوات الاحتلال إجراءات تعسفية ومذلة بحق المسافرين، حيث يعاني الآلاف منهم جراء عرقلة مرورهم وتأخير عبورهم من وإلى القطاع بشكل متعمد ومقصود .جدير بالذكر أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قد اتخذت منذ عدة شهور على معبر رفح مجموعة من الإجراءات التعسفية التي بموجبها ألغت كافة الإجراءات المتبعة قبل الانتفاضة، منها، تقليص عدد الموظفين بشكل كبير حيث لا يتواجد فيه إلا موظفين فلسطينيين اثنين، أحدهما مسؤول عن صرف شيكات العبور للمغادرين، والآخر مسؤول عن استلام جوازات السفر من المسافرين الفلسطينيين وتسليمها للموظفين الإسرائيليين. وبالمقابل أصبح جنود قوات الاحتلال الإسرائيلي مسؤولين كلياً عن الجمارك داخل المعبر، حيث يخضع القادمون من الجانب المصري لعمليات تفتيش مدققة وفحص لكافة الأمتعة. ولجأت سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي إلى تقليص عدد ساعات العمل في المعبر، حيث أصبح العمل فيه يبدأ من الساعة التاسعة صباحاً وحتى الثانية بعد الظهر بالنسبة للمغادرين إلى مصر، ومن الساعة التاسعة صباحاً وحتى الساعة الرابعة بعد الظهر للقادمين من مصر. علماً بأن المعبر كان يعمل لمدة 24 ساعة قبل انتفاضة الأقصى. وبالإضافة إلى الإجراءات المعلن عنها رسمياً، تطبق سلطات الاحتلال العديد من الإجراءات، وتسلك العديد من السبل الهادفة لعرقلة مرور القادمين والمغادرين من وإلى القطاع. وفي أغلب الأحيان تماطل في البدء بفتح المعبر عند التاسعة صباحاً، وأحياناً أخرى تلجأ إلى تقليص عدد المسافرين، وذلك عبر قيام جنودها بعملية تدقيق مبالغ فيها في إجراءات التفتيش الشخصية للمغادرين ولأمتعتهم. وتلجأ قوات الاحتلال في كثير من الأحيان إلى تعطيل مرور بعض المواطنين، وتمنعهم من المغادرة بدون مبرر أو سبب. كما يقوم أفراد جهاز المخابرات العامة لقوات الاحتلال باستجواب المئات من المغادرين والقادمين، فيما يتم اعتقال العشرات من الفلسطينيين داخل المعبر، الأمر الذي يحول السفر خارج القطاع إلى عملية صيد سهلة للعديد من المواطنين الفلسطينيين، خاصة أولئك الذين يضطرون للسفر لأسباب خاصة كالعلاج أو الدراسة في الخارج. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، أفاد باحث المركز الميداني، أنه في يومي الاثنين والثلاثاء الموافق 13-12/8/2002، لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى تأخير فتح المعبر أمام المسافرين إلى الساعة 11:55 صباحاً بدلاً من الساعة التاسعة صباحاً, ما أدى إلى تعطيل حركة المسافرين في المعبر. وتسبب ذلك، إضافة إلى ما يرافقه من الإجراءات سابقة الذكر, إلى زيادة عدد المسافرين الراغبين في العودة إلى قطاع غزة والموجودين في الجانب المصري إلى حوالي 1000 مسافراً تقريباً. وقد اضطر غالبية القادمين إلى المبيت في صالة الانتظار في الجانب المصري لمدة ما بين يومين وخمسة أيام. وتفتقر الصالة المذكورة، في الجانب المصري، إلى أبسط متطلبات الحياة الأساسية ما يعني زيادة معاناة المسافرين، خاصة المرضى والأطفال منهم. وفي كثير من الأحيان يصاب بعض المسافرين بالإعياء والمرض وينقلون إلى المستشفيات في مدينة رفح المصرية بعد مماطلة وتسويف كبير.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومن خلال متابعته لما يحدث في المعبر من أحداث ومشاهد مأساوية ومعاناة حقيقية، يؤكد أن المعاملة التي يتلقاها المغادرون والقادمون من الفلسطينيين تمثل إهانة بشرية وحاطه بكرامة الإنسان. كما أنها تمثل معاناة إنسانية تتجدد يومياً، يواجهها ويعايشها مئات الفلسطينيين من الطلبة والمرضى والزوار، بسبب الإجراءات والشروط القاسية التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تكرس عرقلة وتعطيل تنقل وحركة السكان الفلسطينيين من القادمين والمغادرين. المسافر من قطاع غزة إلى مصر عبر المعبر يحتاج عدة أيام على أقل تقدير، حيث يبدأ مشواره بالتوجه للمعبر قبل أيام من سفره للحجز ومعه جواز سفره الخاص، ويقوم بتسليمه للموظفين الفلسطينيين المسئولين ليضعوه على قائمة المسافرين. ويتم الربط بين اسمه وبين واحدة من السيارات المسموح لها وفق ترتيب تسلسلي محدد بنقل المسافرين للجانب الإسرائيلي، وعلى المسافر الانتظار ليوم أو اثنين أو ثلاثة أيام وأحياناً كثيرة أسبوع .يضطر المواطن إلى المبيت في رفح عند أحد الأقارب[2].
شيخ مريض يضطر للانتظار أسبوعاً كاملاً للسماح له بالسفر إلى مصر
المواطن (ع، ب) سنوات عمره تجاوزت على أقل تقدير الستين عاماً، كان يجلس في الكافتيريا، ويتبادل حديثا غاضبا مع صديق قديم التقاه في محنة مماثلة لمحنته، محنة الانتظار على المعبر. يقول الشيخ:
" معي تقرير طبي، ويفترض أن أسافر للعلاج ورغم ذلك لم أنجح، حتى مرضي لم يشفع لي، هذا هو اليوم السابع لي هنا، سلمت جواز سفري منذ أسبوع، ويومياً أحضر منذ الصباح الباكر وأقضي النهار بطوله هنا، وفي الختام أسمع نفس الجملة، إنشاء الله بكرة دورك، وها أنا أنتظر دوري لليوم السابع على التوالي. على كل إذا لم أنجح في العبور اليوم، لن أعود للمنزل، سأقضي الليلة هنا". صمت الحاج برهة ثم توجه ببصره لصديقه وقال: " يا زلمة صرت مضحكة للأولاد، كل يوم وأطلع مع آذان الصبح وأرجع آخر النهار". لاحظنا الحاج، وطوال الوقت، يسير ذهابا وإيابا من الكافتيريا لغرفة الموظفين الفلسطينيين. وفي كل مرة يعود بمعلومة جديدة: " يقولون بأنهم نسقوا اليوم لمرور 28 سيارة، وعدوني بالمرور اليوم وقالوا لي ربنا يسهل. أنا في السيارة رقم 23، أكدوا لي بأن السيارة رقم 23 ستمر اليوم. رقم السيارة تغير من 23 إلى 26، ثم قالوا لي بأنه لا فرق بين الأرقام فالتنسيق اليوم لـ 28 سيارة، وهكذا …". وعندما حان موعد انطلاق السيارة رقم 26 شاهدنا الحاج ينطلق ويركب في السيارة. وأخيراً نجح في العبور.
إمرأة وأطفالها تقضي أربعة أيام في انتظار السماح لها بالمرور
أفادت المواطنة (أ، ق)، 42 عاماً، من سكان محافظة خان يونس، بما يلي:
" منذ أربعة أيام وأنا أحضر يومياً، برفقة أطفالي الثلاثة، من منزلي في خان يونس إلى المعبر، وأحاول المرور وركوب أي من السيارات بلا فائدة. وكل يوم يعطونني رقماً جديداً وفي بعض الأحيان يتغير الرقم في اليوم الواحد عدة مرات، ومع كثرة الأرقام التي حملتها لم أنجح إلى الآن في المرور. أمي تسكن في مصر وهي مريضة، أريد أن أزورها، وللأسف يبدو أنني لن أنجح. أكثر ما يحزنني ويثير شفقتي أطفالي، الذين يضطرون يوميا لقضاء النهار في العراء وتحت الشمس على أمل أن يروا جدتهم. ورغم أنني قمت بالحجز للمرور من المعبر منذ عدة أيام، إلا أنني لم أنجح وأطفالي في ذلك. يبدو بأن صاحب المعارف فقط هو من ينجح في السفر عبر المعبر، أحياناً يأتي أشخاص في منتصف النهار وينجحون في ركوب إحدى السيارات ويمرون. وأحياناً أخرى يمر شخص دون أن يضطر للذهاب والعودة مرات متعددة مثلي. أما أنا، وغيري كثيرون فمنذ أيام ونحن نحاول وبلا فائدة ".
رحلة العودة من مصر إلى القطاع: إذلال مهين وانتظار طويل وظروف صعبة وقاسية وغير إنسانية
أحد المسافرات القادمات من مصر إلى قطاع غزة وصفت رحلة المعاناة غير الإنسانية وعملية الوصول عبر معبر رفح البري، وقالت في إفادتها التي أدلت بها للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان:
" وصلنا الجانب المصري من المعبر في حوالي الساعة 5:45 صباح يوم الأربعاء الموافق 31/7/2002، وتوجهنا فوراً نحو الصالة حيث سلمنا جوازات السفر لسلطات المعبر المصرية، وكان عدد القادمين حوالي 15 شخصاً فقط. وفي حوالي الساعة 6:30 صباحا انتهت الإجراءات المتعلقة بختم المغادرة وتسلمنا جوازاتنا، وخرجت من الصالة، فوجدت طابور طويل جداً من المواطنين قدرته بحوالي 300 مسافراً، فيما كانت عربات الحقائب في طابور آخر بجوار المغادرين. وقفت في آخر الطابور حيث حجزت لي مكاناً، وبقي الحال على ما هو عليه حتى الساعة 12 ظهراً. وكنا طيلة هذه الفترة نقف في الطابور تحت الشمس الحارقة، حيث لا يوجد أي شيء نستظل به سوى بعض الأشجار، وكان عشرات المسافرين يجلسون تحتها ليستظلون بظلها. وفي حوالي الساعة 12:15 ظهراً، وبينما كنت أقف في الطابور، وأمامي حوالي 50 مسافر ، وخلفي أكثر من 100 مسافر، تقدم مني أحد الضباط المصريين، وسألني: هل أنت وحدك؟ أجبته: نعم. فكرر السؤال ليتأكد من أنه ما من أحد بصحبتي، ثم قال لي، لأنك وحدك، سأحاول مساعدتك كي نضمن مرورك اليوم، فالباص القادم هو آخر باص سيسمح له بالمرور، ومكانك في الطابور غير مضمون. شكرته وتقدمت معه حيث توجد الأسلاك الشائكة، وعند بداية الطابور الذي كنت أقف فيه، شاهدت عدداً من الضباط والجنود المصريين يقفون في مقدمة الطابور. سأل أحدهم الضابط الذي اصطحبني للأمام عن سبب تقدمي وتجاوزي مكاني في الطابور، فقال له أنني وحدي ويجب أن يساعدوني كوني فتاة، فوافقه الضابط وطلب جواز سفري ثم سمح لي بتجاوز السلك الشائك والوقوف في الطابور الثاني، وهو الطابور المخصص لركاب الباص الذي سيتوجه للجانب الإسرائيلي من المعبر. وقفت في الطابور وكان أمامي حوالي 80 مسافر، من الساعة 12:30 وحتى الساعة 1:00 ظهراً، ثم ركبنا الباص، وكان عدد ركابه عند إغلاقه من 90 – 100 راكباً، ناهيك عن حقائب المسافرين التي رصت في الجانب الخلفي منه. توجه الباص نحو البوابة المؤدية للجانب الإسرائيلي من المعبر، وظل الباص متوقفا في هذه المنطقة ونحن داخله، والشبابيك مغلقة، حتى الساعة 3:45 عصراً، حيث سمح لنا أخيرا بعبور البوابة والدخول للجانب الإسرائيلي من المعبر. خلال وقوفنا أمام البوابة أصيب أحد الركاب بالإغماء حيث كان الجو حار وخانق بسبب كثرة عدد الركاب، ناهيك عن حرارة الشمس. وكان جنود الاحتلال يتلاعبون بأعصابنا إذ كانوا يقومون ما بين الحين والآخر بفتح البوابة ثواني قليلة ثم يغلقونها. شخصياً تعرضت داخل الصالة الخاصة بالإسرائيليين للتفتيش الشخصي، كما قام أحد الجنود بأخذ الجوال الخاص بي، وفحصوه بواسطة آلة. كما قام أحد الجنود بنبش واحدة من حقائبي بشكل مستفز ومبالغ فيه، وقد لاحظت خلال تواجدي في الصالة أنهم يدققون في إجراءات التفتيش بشكل لم يكن معمول به في السابق. أما فيما يتعلق بالموظفين الفلسطينيين فلم يكن هناك سوى موظف واحد، وهو المسئول عن استلام الجواز من المسافر وتسليمه للإسرائيليين. ولحظة خروجي من الصالة بالجانب الإسرائيلي تفاجأت بأن الموظفين الموجودين بالقرب من البوابة، هم إسرائيليون وقد كانوا في السابق فلسطينيين، يقومون بسؤال المسافر عما إذا كان معه سجائر أو أجهزة كهربية وما شابه. خرجت من الصالة فوجدت الباصات الخاصة بنا تنتظر، ركبت في أحدها، وانتظرنا مجدداً، لحين خروج باقي المسافرين، ولم يتحرك الباص بنا إلا عند الساعة 5 تقريباً، حيث أوصلنا لخارج المعبر، وهناك نزلنا، وأنزلنا حقائبنا، ووقفنا بانتظار السيارات المخصصة لنا".
تسهيلات إسرائيلية واهية على حركة السفر في معبر رفح
ضمن سياستها الكاذبة والهادفة إلى تضليل الرأي العام العالمي، أعلنت سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عن تسهيلات للمسافرين القادمين من الجانب المصري، خاصة بعد أن شهد الجانب المصري من المعبر اكتظاظا شديداً، وذلك من يوم الثلاثاء الموافق 20/8/2002، وحتى يوم الجمعة الموافق 23/8/2002. وقد تمكن حوالي 1500 مسافر من عبور المعبر بعد أن سمحت سلطات الاحتلال لخمسة عشر حافلة بالدخول إلى الجانب الفلسطيني من المعبر. وعلى الرغم من العدد الكبير نسبياً، والذي سمح له بالدخول، إلا أن التسهيلات كانت غير كافية ولم تحل مشكلة المئات من المسافرين الذين اضطروا للانتظار في الجانب المصري. كما أن هذه التسهيلات المعلنة كانت في حقيقة الأمر مشروطة بضرورة بقاء أحد أفراد العائلة مع حقائبه وحقائب أفراد عائلته، حيث يسمح له بالدخول في اليوم التالي. وإضافة لذلك فإن نفس العراقيل والإعاقات، كالانتظار الطويل وعمليات التفتيش والفحص الأمني والاستجواب للعشرات، بقيت على حالها. وفيما يلي تذكير بالإجراءات الإسرائيلية في المعبر:
-استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلية على الحركة في المعبر بحجة المحافظة على الأمن.
على الرغم من تقليص ساعات العمل في المعبر من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الساعة الثانية بعد الظهر للمسافرين المغادرين، ومن الساعة الثامنة صباحاً وحتى الساعة الخامسة بعد الظهر للمسافرين القادمين، إلا أن سلطات الاحتلال تبدأ السماح لسيارات المغادرين بالدخول إلى المعبر بعد الساعة التاسعة صباحاً.
-استمرار حالات استجواب واعتقال المواطنين على المعبر.
-انتظار لعدة ساعات للسماح بدخول الحافلات إلى الجانب الفلسطيني في المعبر.
-انتظار المسافرين القادمين في الحافلات من الجانب المصري لعدة ساعات، وسط ظروف ازدحام شديد داخل الحافلات وحر شديد وشبابيك يمنع فتحها مما يسبب معاناة صحية للركاب.
يحرم سكان قطاع غزة من ممارسة حقهم في حرية التنقل والحركة إلى الضفة الغربية، بما فيها مدينة القدس المحتلة، التي تم عزلها بالكامل عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك منذ بداية انتفاضة الأقصى. جدير بالذكر أن اتفاقية التسوية قد منحت مواطني القطاع الحق في التنقل من قطاع غزة إلى الضفة الغربية والعكس عبر الممر الأمن، والذي يمتد من معبر بيت حانون " إيرز " في قطاع غزة وحتى نقطة ترقوميا بالقرب من الخليل لمسافة 40 كيلومتر. ومنذ بداية انتفاضة الأقصى قامت قوات الاحتلال بإغلاق هذا الممر أمام السكان الفلسطينيين المدنيين من قطاع غزة والضفة الغربية، وبموجبه لم يتمكن هؤلاء السكان التنقل عبره. حيث توقفت الزيارات العائلية، و تراجعت المعاملات التجارية وبالتالي أدى إلى تدهور الاقتصاد الفلسطيني، عدا عن ذلك لم يتمكن طلاب قطاع غزة من الوصول إلى جامعاتهم في الضفة الغربية، كذلك منع طلاب قطاع غزة المتواجدون في الضفة الغربية من الوصول إلى منازلهم في قطاع غزة. فضلا عن عدم تمكن أعضاء المجلس التشريعي في قطاع غزة من حضور الاجتماعات، مما يضطروا إلى استخدام الهواتف أو الفيديو كونفرنس للتواصل مع الأعضاء في الضفة الغربية. جدير بالذكر أن الممر الآمن هو المعبر الوحيد أمام تنقل المواطنون.
منع أربعة عشر عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني من الوصول إلى الضفة الغربية
تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي منع أعضاء المجلس التشريعي من حرية الحركة والتنقل، وذلك ضمن سياسة الحصار والإغلاق التي تنتهجها تلك القوات منذ بداية الانتفاضة وحتى الآن، وضمن هذا السياق منعت يوم الأحد الموافق 8/9/2002، عدداً من أعضاء المجلس التشريعي من الوصول إلى الضفة الغربية لممارسة مهامهم. ومن بين الأعضاء المرحوم وجيه ياغي والمعتقل مروان البرغوثي، وهو ما يدلل على عدم صدق المبررات الأمنية التي تفرضها سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بين الحين والآخر تجاه السكان الفلسطينيين. جدير بالذكر أن قوات الاحتلال لم تقتصر على منع أعضاء المجلس التشريعي من الانتقال بحرية من وإلى قطاع غزة. وإنما تتعرض لبعضهم وتقوم بالتنكيل والضرب والاعتقال أحياناً أخرى.
إجراءات الاحتلال بمنع أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني تتعارض مع اتفاقيات التسوية بين الجانيين الفلسطيني وسلطات الاحتلال، والتي حصلوا بموجبها على بطاقات خاصة يسمح لهم بموجبها بحرية الحركة والتنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة حسب حاجة كل منهم.
في إطار سياستها المستمرة بتحويل المناطق الفلسطينية إلى كنتونات منعزلة بعضها عن بعض، أقدمت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال الفترة التي تغطيها النشرة على إغلاق شارع صلاح الدين إغلاقاَ كاملاً قي عدة مناطق، وهو الطريق الوحيد في قطاع غزة الذي يربط شمال القطاع عن جنوبه عدة مرات، وقامت بإغلاق الطرق الفرعية والجانبية المؤدية له. وفرضت تلك القوات نظام منع التجول على العديد من المناطق مثل منطقة المواصي في جنوب القطاع، وادي السلقا في وسط القطاع، ومنطقة السيفا في شماله. فخلال شهر يوليو 2002، أغلقت تلك القوات طريق صلاح الدين، وهو الشارع الرئيس الذي يربط بين محافظة رفح ومحافظة خان يونس، وأغلقت جميع الطرق البديلة التي يسلكها المواطنون في حالة إغلاق الطريق الرئيسية. وأدى ذلك لعزل قرابة 150 ألف مواطن في محافظة رفح وأصبحوا يعيشون واقعاً أشبه بسجن جماعي.
وبموجب استمرار قوات الاحتلال إغلاق طريق صلاح الدين عند حاجزي المطاحن وأبو هولي يصبح قطاع غزة مقسماً إلى ثلاثة مناطق منعزلة بعضها عن بعض،[3] ونتيجة لذلك يصبح أكثر من مليون وثلاثمائة ألف شخص يعيشون داخل عدد من السجون الجماعية في انتهاك سافر لأبسط حقوق الإنسان، لا سيما ممارسة حقهم في حرية التنقل والحركة بين المحافظات، فضلا عن تخوفهم من التنقل داخلها في فترة المساء، وخاصة تلك المناطق المحاذية للمستوطنات والحواجز العسكرية. كما شهد شهري يوليو وأغسطس 2002، المزيد من أعمال التفتيش وامتهان الكرامة من قبل قوات الاحتلال للمواطنين الذين يتنقلون عبر حاجزي المطاحن وأبو هولي. وحسب معلومات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان[4]، فقد احتجزت قوات الاحتلال المتمركزة على الحاجزين المذكورين في حوالي الساعة الخامسة مساء يوم الأحد الموافق 21/7/2002، عددا من السيارات المارة، قام الجنود خلالها بحملة تفتيش واسعة بين الركاب، وأجبروهم على النزول خارج السيارات، ودققوا في يطاقاتهم الشخصية. وفي تطور خطير، وانتهاك للكرامة الإنسانية، أجبروا على خلع ملابسهم العلوية وتفتيشهم بشكل مهين وباستفزاز شديد من جنود قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي. وفي غضون ذلك احتجز جنود الاحتلال عددا من المواطنين لساعات طويلة في ساحة محاطة بالكتل الأسمنتية قرب مفترق المطاحن شمال خان يونس، وأخضعوهم للتحقيق السريع، فيما تعرض بعضهم لاعتداء بالأيدي قبل أن يتم إخلاء سبيلهم.
وفي وقت لاحق، واستمراراً لحملة المضايقات والخنق التي تمارسها قوات الاحتلال بحق المواطنين المدنيين المتنقلين عبر حاجزي المطاحن وأبو هولي، احتجزت قوات الاحتلال في حوالي الساعة 12:00 ظهر يوم الأربعاء الموافق 24/7/2002، عدداً من سيارات نقل الركاب وشاحنات البضائع بين الحاجزين المذكورين. وقامت بحملة تفتيش واسعة في صفوفهم، وأجبرتهم على النزول من السيارات وخلع ملابسهم. واحتجزت ثلاثة مواطنين لعدة ساعات، حيث أخضعوا للتحقيق، وفي وقت لاحق ادعت سلطات الاحتلال بأنها ألقت القبض على أحد المطلوبين دون ذكر اسمه.
سياسة العراقيل التي تكرسها سلطات الاحتلال على الحواجز أصبحت عملية منظمة وممنهجة، حيث يقوم جنود الاحتلال الإسرائيلي بين الفترة والأخرى بإغلاق الحاجزين واحتجاز السيارات وتفتيشها وركابها. وقد تكرر ذلك بتاريخ 11-12/8/2002، وبتاريخ 21/8/2002. وفي حوالي الساعة 11:00 من صباح يوم الثلاثاء الموافق 27/8/2002 قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باحتجاز عدداً من السيارات بين الحاجزين، شرع خلالها الجنود بعملية التفتيش والتدقيق في البطاقات الشخصية للركاب. كما احتجزت عددا من المواطنين لمدة طويلة بالقرب من الجدار الأسمنتي وأخضعتهم للتحقيق المهين.
وقد شهد شهر سبتمبر 2002 استمراراً في انتهاج قوات الاحتلال الإسرائيلي لسياسة إغلاق الحاجزين، حيث أفاد باحث المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أنه في حوالي الساعة 7:00، صباح يوم الخميس الموافق 5/9/2002، أقدمت قوات الاحتلال على إغلاق حاجزي المطاحن وأبو هولي، ومنعت حركة تنقل السيارات العامة والخاصة بالاتجاهين. كما احتجزت هذه القوات سبع سيارات بين الحاجزين في ظروف صعبة للغاية، حيث لم يسمح لركابها ولمدة 13 ساعة على التوالي النزول من السيارات أو قضاء حاجاتهم، ما سبب لهم معاناة بالغة، خاصة للنساء والأطفال. وقد أجبروا على العودة إلى دير البلح، علما بأن طريقهم الأساسية تجاه خان يونس ورفح. إغلاق الطريق حال دون وصول آلاف من الموظفين والطلبة والمدرسين إلى جامعاتهم ومدارسهم وأعمالهم في مدينة غزة، وقد اصطفوا طوابير طويلاً قرب الحاجز في انتظار فتح الطريق. وفي غضون ذلك أطلق جنود الاحتلال، المتمركزين على هذين الحاجزين، النار بشكل عشوائي تجاه المواطنين من نقطة المراقبة ومن منزل صلاح أبو ناهية الذي احتله الجنود منذ عدة أشهر وحولوه إلى ثكنة عسكرية. واضطر المواطنون لافتراش الأرض خوفاً من إصابتهم بالرصاص، وعانوا أوضاعاً صعبة خاصة بين النساء والمسنين. كما أطلق جنود الاحتلال القنابل المسيلة للدموع ما أدى إلى إصابة العديد من المواطنين بحالات اختناق. وفي غضون ذلك طلب جنود الاحتلال عبر مكبرات الصوت من المواطنين، التفرق والعودة إلى دير البلح معلنين أن الطريق لن تفتح وستبقى مغلقة لعدة أيام. وأصر المواطنون على البقاء على الحاجز، خاصة أولئك الذين لا يوجد لديهم أقارب أو مكان يبيتون فيه سوى السيارات كطلبة الجامعات وتلاميذ مدرسة الأوقاف الذين يتنقلون بواسطة حافلات خاصة، ورغم استمرار إطلاق النار. وفي حوالي الساعة التاسعة مساءً أعاد جنود الاحتلال فتح الطريق، وسمحوا للسيارات التي تصطف على الحاجز بالمرور باتجاه خان يونس. وبقيت الطريق مفتوحة جزئياً، حيث سمح لعدد محدود من السيارات بالمرور على فترات متقطعة حتى صباح يوم الجمعة الموافق 6/9/2002، ثم أحكم جنود الاحتلال إغلاق الطريق حتى يوم السبت الموافق 7/9/2002. وفي غضون ذلك اعتقل جنود الاحتلال المتواجدين على الحاجز المصور الصحفي محمد حكمت عدوان، 14 عاماً، خلال أداء عمله حيث كان يقوم بتصوير تجمع السيارات وعملية إغلاق الطريق، كما صادروا الكاميرا واقتادوه إلى جهة مجهولة. جدير بالذكر أن المصور الصحفي عدوان يعمل في مكتب رامتان للصحافة لصالح تلفزيون دبي والكويت.
- الصحفي محمد خليل سلامة أبو فياض يدلي بإفادته
" أعمل محررا صحفيا في وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، وبتاريخ 7/9/2002 وبعد انتهاء دوامي الليلي في مقر الوكالة بغزة، قررت العودة صباحا لمنزلي في خان يونس فوصلت عبر سيارة أجرة إلى حاجز أبو هولي جنوب دير البلح على طريق صلاح الدين. وتقدم السائق حتى وصل إلى مقابل الموقع العسكري " نقطة المراقبة الإسرائيلية على الحاجز"، ولحظتها كانت الطريق مفتوحة للسيارات المتوجهة من خان يونس إلى دير البلح ومغلقة بالعكس، ولكن جنود الاحتلال سمحوا للسائق بالمرور مع خمس سيارات أخرى حتى أصبحنا عمليا بين الحاجزين( حاجز المطاحن وحاجز أبو هولي)، وطلبوا من السائقين التوقف، وكانت سيارتنا أسفل نقطة المراقبة ومقابلها تماماً. وبعد ربع ساعة أغلق الجنود الطريق بالاتجاهين، وأصبحنا في المصيدة بين الحاجزين.
وخلال تواجدنا في المنطقة شاهدت عشرات السيارات يتجمعن قرب الحاجز، والركاب ينزلون من السيارات ويفترشون الأرض. وكانت المنطقة تشهد حركة مكثفة للدبابات والجرافات العسكرية وناقلات الجند، وافترش الناس الأرض على الجهة الأخرى من الحاجز. وفجأة أطلق جنود الاحتلال، المتواجدين داخل نقطة المراقبة ومنزل عائلة أبو ناهية في وادي السلقا والذي تحول لثكنة عسكرية النيران وقنابل الغاز المسيلة للدموع. أما أنا وباقي الركاب في السيارات المحتجزة بين الحاجزين فكان وضعنا صعبا، حيث بقينا في مكاننا حتى الساعة السابعة والنصف مساءً لم نتمكن خلالها من النزول لقضاء حاجتنا لخوفنا من إطلاق النار وحتى الماء لم نتمكن من شربه لعدم توفره. وبعد ذلك وصل جيبان عسكريان وطلبوا منا العودة إلى دير البلح وقالوا أن الطريق مغلقة ولن تفتح خلال الأيام القادمة، فرجعنا إلى الوراء ولكن الناس لم تصغ لهذا الكلام. ووصلت آليات إسرائيلية ثقيلة وبدأت بإطلاق نار عشوائي في المنطقة ما تسبب في خلق حالة من الذعر والخوف خاصة بين النساء والأطفال الذين كانت تعج بهم المنطقة. وبعد الساعة التاسعة مساءً أعيد فتح الحاجز وتمكن الناس من العودة إلى منازلهم ولكن في ساعة متأخرة من الليل".
كما أعادت قوات الاختلال الإسرائيلي إغلاق حاجزي أبو هولي والمطاحن مساء يوم الخميس الموافق18/9/2002، واستمرت في إغلاقهما حتى نهاية الشهر، وتقوم تلك القوات بفتح الحاجزين لمدة ساعة صباحاً وساعة أخرى مساءً يومياً.
وفي إطار انتهاكاتها المستمرة لحق المدنيين الفلسطينيين في التنقل الحر والآمن عبر الطرق وبين المدن الفلسطينية أقدمت قوات الاحتلال في حوالي الساعة العشرة والربع بعد ظهر الاثنين الموافق 14/10/2002 على إغلاق حاجزي المطاحن وأبو هولي على طريق صلاح الدين الواصل بين شمال قطاع غزة وجنوبه. واحتجزت عشرات السيارات بين الحاجزين. وأفاد باحث المركز أنه بمجرد إغلاق الحاجزين انتشر جنود الاحتلال في المنطقة، وباشروا بأعمال تفتيش دقيقة لكافة السيارات، خاصة المتوجهة من خان يونس إلى دير البلح، وجرت عملية تفتيش من سيارة لسيارة على الطريق العام. وقام جنود الاحتلال بالتدقيق في هويات المواطنين من الركاب وأجبروا عدد كبير منهم على النزول، واحتجزوهم في الساحة المحاذية للطريق. وتم نقل عدد منهم في جيبات عسكرية إلى مواقع عسكرية قريبة، حيث أخضعوا للتحقيق الميداني، وكان بينهم الصحفي محمد أبو فياض من وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، وقام أحد جنود قوات الاحتلال بتمزيق بطاقته الشخصية والتحقيق معه لعدة ساعات قبل أن يخلوا سبيله.
وخلفت عملية الإغلاق واقعاً إنسانيا مريراً، قام خلالها جنود قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بحجز جميع الركاب داخل السيارات من الساعة الواحدة والربع ظهراً إلى ما بعد الساعة الحادية عشر قبيل منتصف الليل. وقد أعيد فتح الطريق، وسمح للمئات من المحتجزين، خاصة الطلاب والطالبات الذين علقوا بالعودة إلى منازلهم بعد منتصف الليل. ولم تقتصر المعاناة على السيارات المحتجزة بين الحاجزين إنما تجاوزتها لتشمل كذلك الآلاف من السكان الذين اصطفوا في سيارات على مدخلي الحاجزين من جهة خان يونس ودير البلح في انتظار إعادة فتح الطريق للعودة إلى منازلهم. ووفقاً للمعلومات التي تلقاها المركز من مواطنين كانوا بين الحاجزين فإن قوات الاحتلال أخلت جميع المواطنين المحتجزين باستثناء مواطنين كانا يستقلان سيارة من نوع بيجو 504، حيث اقتيدا لجهة مجهولة وبقيت سيارتهما في المنطقة ولم يتم التعرف على هويتهما.
- الصحافية إسلام عبد الحميد الأسطل، تعمل محررة ومراسلة لإذاعة ومجلة العمال التابعة لاتحاد النقابات العمالية في قطاع غزة، وصفت ما تعرضت له برفقة آلاف السكان، وأدلت بإفادتها التالية:
"أسكن في مدينة خان يونس وأعمل محررة ومراسلة لإذاعة ومجلة العمال التابعة لنقابة عمال فلسطين ومقرها في غزة، حيث يتطلب عملي التوجه أحياناً إلى المقر الرئيسي للعمل في محافظة غزة. في حوالي السابعة صباح يوم الاثنين الموافق 14/10/2002 توجهت إلى عملي بواسطة سيارة أجرة، وصلنا حاجز المطاحن وانتظرنا نحو عشرة دقائق، وبعدها فتح الجنود الحاجز واجتازت سيارتنا إلى غزة. وفي طريق العودة وعند الساعة الثانية بعد الظهر وصلت حاجز أبو هولي، وفوجئت بالعدد الهائل من السيارات اللاتي كن ينتظرن على الحاجز. لاحظت أن الطريق مغلقة وسمعت من الناس ان جنود الاحتلال أغلقوا الطريق. وبعد مرور نصف ساعة نظرت إلى الطريق بين الحاجزين فشاهدت عدداً كبيراً من السيارات قام جنود الاحتلال باحتجازها بين الحاجزين كالعادة. وشاهدت من مكاني القريب من الحاجز جنود الاحتلال يقومون بأعمال تفتيش في بعض السيارات، ويجبرون الشباب على النزول ويدققون في بطاقاتهم ويجبرونهم على رفع ملابسهم. كما شاهدت جنوداً يأخذون بعض الشباب غلى داخل الأراضي القريبة، ولم أعرف ماذا كان يحصل معهم. وبينما كنت متوقفة انتظر، كان الناس يرددون أن الطريق ستفتح الساعة كذا والساعة كذا ، ولكن الساعات كانت تمر دون أن تفتح الطريق. شعرت بالقلق والخوف الشديدين، لاسيما وأن الليل بدأ يحل على المنطقة، وكانت حركة الدبابات مخيفة وأهلي لم يعتادوا على بقائي خارج المنزل لهذا الوقت. وكان الوضع في المكان مأساوياً ومرعباً، ولا يوجد فيه مكان استراحة أو مكان نقضي فيه حاجتنا، ما زاد الوضع بؤساً. وبقيت انتظر مع مئات السيارات والشاحنات التي اصطفت في طوابير طويلة حتى قبيل الساعة الحادية عشرة ليلاً حيث فتحت الطريق. ووصلت لوسط مدينة خان يونس، وكانت مشكلتي في كيفية الوصول إلى منزلي في منطقة الربوات الغربية، وهي قريبة من مستوطنة جاني طال، حيث لا توجد وسيلة نقل في الليل تنقل للمنطقة. فاضطررت للتوجه إلى مركز الإسعاف التابع لجمعية دار الكتاب والسنة الذين قاموا بتوصيلي إلى المنزل".
استمرار معاناة سكان المواصي في خان يونس و رفح [5]
ضمن سياستها المنظمة في تضييق الخناق على سكان منطقة المواصي، والحد من حركتهم ووصولهم إلى منازلهم، أقدمت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي صباح يوم الاثنين الموافق 22/7/2002 على إغلاق حاجز التفاح غرب مخيم خان يونس، المنفذ الوحيد المؤدي للمنطقة. ومنعت المواطنين من التنقل عبره، كما حرمتهم من العودة إلى منازلهم وأراضيهم. و جراء ذلك تجمع العشرات من المواطنين في محيط الحاجز أغلبهم من النساء على أمل إعادة فتحه، ولكن دون جدوى، ما اضطرهم للانتظار تحت أشعة الشمس الحارقة. جدير بالذكر أن بين المواطنين عددا من النساء اللائي كنَ قد خرجن للعلاج ولكنهن لم يستطعن العودة لمنازلهن. كما أفاد باحث المركز الميداني: بأن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي فرضت فجر يوم الثلاثاء الموافق 23/7/2002م، نظام منع التجول على سكان منطقة مواصي خان يونس، ومنعت بموجب أوامرها العسكرية خروج سكانها من بيوتهم، وشلت حركتهم وتنقلهم في المنطقة، أو التنقل لباقي مناطق القطاع. وهو ما هدد، ولا يزال، حياتهم على المستوى الشخصي، وحرمهم من التمتع بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن تمتعهم بحقوقهم المدنية والسياسية، وحالت دون عودتهم لمنازلهم.
- وفي سياق ذلك أفادت المواطنة (م.ق) لباحث المركز الميداني بما يلي:
" أعيش مع عائلتي في منطقة مواصي رفح، وفي حوالي الساعة الثامنة صباح يوم الأحد الموافق 21/7/2002، خرجت من المنطقة عبر حاجز تل السلطان غرب رفح، وكانت معي بناتي وزوجة ابني، وذلك من أجل شراء حاجيات خاصة لإحدى بناتي المقرر أن يتم زفافها يوم الخميس الموافق 25/7/2002. وبعد أن تسوقنا عدنا إلى المواصي عبر حاجز التفاح غرب خان يونس، وذلك بموجب أمر من قوات الجيش الذي يسمح خلاله الخروج من منطقة المواصي عبر حاجز تل السلطان بينما العودة تكون عبر حاجز التفاح. إلا أن الجنود رفضوا السماح لنا بالدخول والعودة لمنازلنا، وأخبرنا الجنود المتمركزين على الحاجز بأنهم قرروا عدم إدخال أية أغراض عبر الحاجز. فاضطررنا للانتظار حتى ساعات المساء على أمل أن يتم فتح الحاجز. وبقي الحاجز مغلقاً فلجأنا إلى أحد المنازل القريبة في مخيم خان يونس، واستضافتنا إحدى العائلات في أحد المخازن، وأمضينا ليلة صعبة. وفي الساعة الخامسة من فجر اليوم التالي توجهنا مجدداً إلى الحاجز على أمل أن نتمكن من المرور مبكراً، غير أن جنود الاحتلال لم يسمحوا إلا لعمال المستوطنات بالدخول عبر الحاجز وأعلنوا أن الحاجز مغلق. وبقينا ننظر مع عشرات المواطنين حتى ساعة متأخرة من الليل".
وأغلقت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي يوم الأحد الموافق 18/8/2002 حاجز التفاح، ومنعت السكان من المرور إلى خان يونس أو العودة إلى منازلهم في منطقة المواصي. كما أغلقته صباح يوم الثلاثاء والأربعاء الموافق 20-21/8/2002، وبموجب هذا الإجراء التعسفي الذي تلجأ إليه قوات الاحتلال بين الفينة والأخرى، لم يتمكن عشرات المواطنين من العودة لمنازلهم في المواصي، واضطروا للانتظار ساعات طويلة على أمل أن يتم فتح الحاجز ولكن دون جدوى. وقد أفاد المواطنون لباحث المركز أنه على مدى اليومين السابقين لإغلاق الحاجز كانت عملية دخول المواطنين عبر هذا الحاجز معقدة، حيث لم يسمح إلا لعدد محدود بالدخول. وأعيد إغلاقه يوم الجمعة الموافق 6/9/2002، واستمر ليومي السبت والأحد 7-8/9/2002، حيث تجدد تجمع المواطنين وانتظارهم، بمن فيهم النساء والأطفال والموظفين والمدرسين والشيوخ، قرب الحاجز لفترة طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة. و جراء ذلك، اضطر المواطنون إلى العودة والمبيت عند أقاربهم أو لدى بعض العائلات في مخيم خان يونس.
- المواطنة (ح.ز) من مواصي خان يونس أفادت لباحث المركز الميداني بالتالي:
" أعيش في منطقة المواصي منذ عدة سنوات، وفي يوم الأحد الموافق 18/8/2002، خرجت من المنطقة عبر حاجز التفاح مع طفلي رامي 4 سنوات، باتجاه خان يونس كي أشتري الحليب والدواء لطفلتي المريضة ابنة التسعة شهور. وقد تركتها في البيت مع والدها وإخوانها الخمسة، أكبرهم 16 عاماً، وعندما عدت فوجئت بجنود الاحتلال يمنعونني من المرور عبر الحاجز، علماً بأن عملية الشراء لم تستغرق مني سوى عشرة دقائق، وبقيت أنتظر حتى الساعة السابعة مساءً دون جدوى. وعدت يوم الاثنين وتكرر نفس الأمر، حيث سمح لعدد محدود بالدخول، ويوم الثلاثاء أغلق الحاجز تماماً، ولا زلت أنتظر إعادة فتحه، علماً بأن زوجي أخبرني عبر الهاتف بأن ابني الثاني أصابه الإعياء والمرض أيضاً".
وبتاريخ 7/10/2002 فرضت قوات الاحتلال نظام منع التجول على منطقة المواصي، حيث منع السكان من الخروج من منازلهم، فيما علق العشرات خارج المنطقة بعيداً عن منازلهم وعائلاتهم. واستمر ذلك لمدة ثمانية أيام، حيث رفع جنود الاحتلال المنع المفروض صباح يوم الثلاثاء 15/10/2002. وتعطلت الحياة تماماً وشلت جميع مرافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية، حيث لم يتمكن السكان من الوصول لمزارعهم لريها والإشراف عليها. وقال المواطن سليمان محمد الأسطل في إفادته لباحث المركز الميداني بتاريخ 20/10/2002 بما يلي:
" أسكن في منطقة المواصي في خان يونس، وأملك منزل مكون من طابق واحد مسقوف بالأسبستوس مساحته 120م2. وأعيش فيه مع عائلتي المكونة من 6 أفراد هم زوجتي وأبنائي، وأعمل مزارعاً في قطعة أرض أملكها ومساحتها 15 دونماً مزروعة بالجوافة والنخيل. قبل بداية الانتفاضة كنت وأفراد أسرتي نعيش ونقتات من مزرعتنا وما نسوقه من إنتاجها، ونتنقل بين منطقة المواصي ومدينة خان يونس رغم المعاناة التي كانت تفرض علينا على حاجز التفاح. وعندما فرضت قوات الجيش الإسرائيلي التوجه لعمل بطاقات ممغنطة، خاصة بكبار السن، وتحظر على صغار السن العودة للمنطقة لم يتمكن أبنائي طارق 17 سنة، إسماعيل 22 سنة، نافذ 25 سنة وإبراهيم 23 سنة من العودة لبيتنا في منطقة المواصي، واضطروا للسكن في مدينة خان يونس في منزل أملكه، فيما بقيت مع زوجتي محضية الأسطل 55 عاماً، وابنتي عزة 18 في منطقة المواصي. وقبل نحو شهر من الآن أصيبت ابنتي عزة بأعراض مرصية وتشنج، فاضطرت زوجتي للخروج معها الى مستشفى ناصر لتلقي العلاج. وبعد علاجها توجهتا لحاجز التفاح للعودة لمنزلنا في منطقة المواصي، إلا أن جنود الجيش لم يسمحوا لهما بالعودة بحجة صغر سن ابنتي. وأخبرتني زوجتي أنها توجهت الى الحاجز، ولعدة مرات، وكان الجنود يرفضون السماح لها ولابنتها بالمرور. ولما طال غيابهم قررت أن أترك المواصي عبر حاجز التفاح متوجهاً الى خان يونس يوم السبت الموافق 5/10/2002، وبعد يوم واحد من وصولي علمت ان قوات الاحتلال أغلقت حاجز التفاح وفرضت منع التجول على منطقة المواصي. ومنذ ذلك التاريخ وأنا أتوجه، وبشكل شبه يومي تقريباً، الى الحاجز على أتمكن من العودة بمفردي لكي أباشر عملي في مزرعتي، خاصة وأن هذه الفترة هي فترة موسم الجوافة والنخيل، كما أنني أملك بعض الدجاج والأغنام ولا يوجد من يرعاها ويتابعها هناك. ورغم ان قوات الاحتلال رفعت نظام منع التجول عن المواصى، إلا أنها تواصل إغلاق الحاجز وتمنعنا نحن السكان الأصليين من العودة لمنازلنا وأراضينا".
إجراءات الاحتلال في المواصي تجبر النساء والأطفال والشيوخ على المبيت خارج منازلهم لعدة أيام
المركز الفلسطيني لحقوق الانسان، والذي قام بتنظيم جولة ميدانية خاصة لوفد من منظمة العفو الدولية ووفد آخر من وفود الحماية الشعبية الدولية، لمنطقة حاجز التفاح للقاء أهالي المواصي والتعرف على معاناتهم، مساء أمس الأربعاء 30/10/2002، التقى بعشرات السكان الذين كانوا يستظلون في مظلة، أقامتها بلدية خان يونس منذ حوالي شهرين على بعد خمسين متراً من الحاجز لتقيهم حر الشمس وبرد الشتاء. النساء والشيوخ والأطفال كانوا في حالة مزرية، حيث افترشوا الأرض، وحملت عشرات من النساء أطفالهن الرضع الذين كانوا قد خرجوا من المستشفيات، وبدت عليهم حالة الإعياء الشديد. وأفاد العديد من السكان أنهم يقضون النهار كاملاً على الحاجز، ولليوم الثالث على التوالي، وبرفقة نسائهم وأطفالهم، ثم يغادرون إلى مدينة ومخيم خان يونس ورفح بحثاً عن مأوى لدى أقاربهم، وذلك بسبب منع جنود قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي مرورهم الأمن إلى منازلهم في منطقة المواصي. كما أفاد عدد من السكان أن العشرات منهم فشلوا في الدخول إلى منازلهم، وهم يحاولون العودة منذ فترة تتراوح بين 15- 25 يوم[6].
وقد حاول أربعة من أعضاء وفد منظمة أمنستي الدولية ووفد الحماية الشعبية الدولية التدخل لدى قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وتوجهوا عبر الممر المخصص لعبور السكان، وتحدثوا إلى أحد الضباط لمدة تزيد عن عشر دقائق. وقد طلبوا من الضابط السماح للسكان بالمرور والعودة الآمنة لمنازلهم، إلا أن الضابط رفض وطلب منهم مغادرة المكان. كما هددهم بإطلاق النار تجاههم في حال عدم مغادرتهم. واضطروا إلى مغادرة المكان.
وكان المركز قد حذر من مغبة استمرار إتخاذ قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي العديد من الإجراءات والسياسات التي فرضتها، منذ بداية الانتفاضة في 29/9/200، والتي شملت فرض نظام حظر التجول على منطقة المواصي، وإغلاق المنطقة بكاملها لفترات طويلة، وفرض نظام ترقيم بطاقات الهوية على البالغين، ثم فرض الحصول على بطاقات ممغنطة مخصصة للبالغين من السكان، إضافة لعمليات الاعتداءات الواسعة التي يشنها، بين الحين والآخر مجموعات المستوطنين وجنود قوات الاحتلال على منازل السكان وممتلكاتهم الزراعية.. وبتاريخ 6/10/2002 فرضت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي إغلاقاً شاملاً على سكان منطقة المواصي، منعت بموجبه السكان من الخروج إلى محافظتي خان يونس ورفح خارج المنطقة، فيما منعت عودة من كان قد خرج للعلاج أو للتزود بالمواد الغذائية أو زيارة الأقارب. و بتاريخ 7/10/2002 عادت هذه القوات وفرضت نظام حظر التجول على المنطقة بالكامل، واستمر سريانه حتى 15/10/2002. وبتاريخ 28/10/2002 أعلنت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عن السماح بدخول النساء بكافة الأعمار، فيما أعلنت السماح للرجال ممن تجاوزوا سن الخمسين من العودة إلى منازلهم. إلا أن هذه الادعاءات لم تنفذ على الأرض وبقي العديد من السكان في انتظار السماح لهم بالعودة لمنازلهم.
" أسكن في مواصي خان يونس برفقة زوجي وأطفالي الستة، أكبرهم في الحادية عشرة من العمر وأصغرهم عمره عامان. في حوالي الساعة التاسعة من صباح يوم الأربعاء الموافق 30/10/2002، خرجت من منزلي متوجهة، عبر حاجز التفاح، إلى عيادة الوكالة في مخيم خان يونس، حيث كنت أعاني من آلام وصداع شديدين. وكنت حريصة على العودة بسرعة بعد العلاج، وفعلاً عدت إلى حاجز التفاح في حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً. وفوجئت بعشرات المواطنين الذين تجمعوا قرب الحاجز، معظمهم من النساء والأطفال، وكان يتدافعون باتجاه الممر المؤدي للحاجز على أمل أن يأذن لهم الجنود بالدخول. وبقيت بجوار الأهالي ننتظر سوية حتى الساعة الخامسة والنصف مساءً، ولكن دون جدوى، فاضطررت للعودة إلى مخيم خان يونس. وحيث أنني لم أجد مكاناً أعرف فيه أحداً فقد استضافتني إحدى عائلات المخيم، مثل عشرات العائلات الأخرى التي عادت من الحاجز، وبت الليلة. وفي ساعات الفجر غادرت المنزل بعد أن شكرت أصحابه على كرم الضيافة، وفي طريقي للحاجز قابلت جنوداً من الأمن الوطني الفلسطيني، فنصحوني بعدم التوجه للحاجز لأن الوقت مبكراً وخوفاً من قيام قوات الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار تجاهي. وانتظرت بجوار الطريق حتى الساعة السابعة صباحاً، وكان الأهالي الذين منعوا من المرور قد بدءوا يتوافدون، وتوجهنا مجموعات تجاه الحاجز. خلال اليوم سمح جنود الجيش بدخول عدد محدود من النساء والأطفال. وفي حوالي الساعة التاسعة صباحاً تدافعت النساء والأطفال باتجاه ممر البوابة الجديدة للحاجز حيث كنت أقف، وفجأة سمعت صوت إطلاق نار من جنود الجيش تجاهنا. وحدثت حالة من الفوضى والصراخ بيننا، وفجأة شعرت بشيئاً يصيب قدمي ووقعت على الأرض. وشاهدت الدماء تنزف من قدمي، وصرخت على من حولي بأني أصبت، ونقلت بمساعدة عدد من الأهالي إلى مستشفى ناصر، حيث تبين إصابتي بشظايا أعيرة نارية في قدمي. وأدخلت قسم جراحة النساء في المستشفى تحت المتابعة والعلاج".
قرية وادي السلقا شاهد على وحشية الاحتلال [7]
تعتبر قرية وادي السلقا من أكثر المناطق الفلسطينية المنكوبة في قطاع غزة لتعرضها للانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، وبسبب ملاصقة المنازل السكنية والأراضي الزراعية الفلسطينية لمستوطنة كفار دروم والدفيئات الزراعية. كما يقطع طريق كيسوفيم (86)، المتفرع شرقاً من شارع صلاح الدين، والذي يستخدمه المستوطنون للتنقل بين الخط الأخضر ومستوطنات وسط وجنوب القطاع أحد المعيقات الأساسية للسكان، حيث يدفعون ثمن أمن وسلامة أولئك المستوطنون بهدم منازلهم وتجريف أراضيهم وتقييد حركتهم ، وإطلاق النار عليهم ، ومنعهم من التوجه إلى أراضيهم الزراعية لممارسة أعمالهم والسعي على مصدر رزقهم. ومنذ بداية انتفاضة الأقصى بتاريخ 29/9/2000م، كانت قرية وادي السلقا مرتعاً خصباً لممارسات جنود الاحتلال الإسرائيلي الوحشية التي تمثلت في :قتل المواطنين ومنعهم من التوجه إلى أماكن عملهم - هدم المنازل وتجريف الأراضي - عمليات التوغل والاجتياح - سياسة الحصار وعزل القرية.
ومنذ بداية شهر يناير 2002 فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي نظام منع التجول الليلي على قرية وادي السلقا، حيث يبدأ من الساعة السادسة مساءً وحتى السادسة صباح اليوم التالي، وتزامن ذلك مع قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي أيضاً بإغلاق الطريق الرئيسي المؤدي إلى القرية، المتفرع شرقاًُ من شارع صلاح الدين الطريق الرئيسي، ما زاد معاناة السكان وضيق الخناق عليهم وعزلهم عن المناطق المجاورة لهم وأدى لصعوبة حركتهم وتنقلهم. ولا تستطيع سيارات الإسعاف الدخول إلى المنطقة في ساعات منع التجوال إذا تعرض أحد السكان لإصابة أو عارض صحي يتطلب نقله إلى مركز صحي للعلاج. ويعاني جراء ذلك العشرات من مرضى السكر والضغط والذين يشكون من عدم تمكن وصول الإسعاف لهم حين تعرضهم لمشاكل طبية عارضة. وفي أكثر من لقاء أكد يوسف أبو العجين، رئيس المجلس القروي أن حياة المواطنين صعبة، وأن حركتهم باتت مشلولة حيث يصعب الحركة والتنقل في القرية، ويخشى التجار دخولهم لنقل المنتجات الزراعية. كما يقوم جنود الاحتلال الإسرائيلي بالتمركز على مدخل القرية الشمالي الوحيد للقرية خلال ساعات النهار ويمنعون سكان القرية من الدخول والخروج إلا بعد تفتيشهم وتدقيق هوياتهم واحتجازهم لساعات، ما حد من حركة السكان وتنقلهم. وأدت هذه الممارسات إلى ازدياد نسبة البطالة في القرية وعدم السماح للسكان من التوجه إلى عملهم في الصباح، حيث أبلغ العديد منهم باستغناء أرباب العمل عنهم. وتتعمد قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الانتفاضة منع السكان القرية من الوصول إلى أراضيهم ومزارعهم الواقعة على امتداد الشريط الحدودي للعمل فيها، حيث يعتمد أكثر من 70% من السكان على أعمال الزراعة في مصادر دخولهم. ويؤكد المواطنون أن جنود الاحتلال الإسرائيلي قاموا بإطلاق النار على كل من حاول الاقتراب من أرضه، ما أدي لوقوع ضحايا من الشهداء والجرحى، كان أولهم الشهيد حسين أبو مغصيب الذي استشهد أثناء عمله في أرضه التي لا تبعد عن الشريط الحدودي أكثر من 300 متر. كما أن طريق كيسوفيم حالت دون تمكن المواطنين من الوصول إلى أراضيهم الواقعة في القرارة حتى شمال محافظة خان يونس، والتي لا تبعد سوى مسافة عرض الطريق البالغة حوالي 20م، مما يجبر السكان السفر إلى دير البلح ومن هناك إلى خان يونس ثم إلى القرارة. وقد ضاعفت تلك الممارسات من معاناة الأهالي، وخاصة مع إغلاق طريق حاجز أبو هولي من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي في الكثير من الأوقات، ما يدفعهم للانتظار لعدة ساعات من أجل الوصول لمزارعهم التي لا تبعد عنهم سوى عشرات الأمتار فقط. ولا زال السكان ومنازلهم تتعرض للقصف المكثف وإطلاق النار سواء من الدبابات المجنزرة أو الأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة والأتوماتيكية، بشكل يومي خلال ساعات النهار أو الليل، الأمر الذي حول القرية إلى ساحة موت حقيقية، وجعل سكانها يعيشون كل لحظة في رعب خوفاً على حياتهم.
قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لم تكتف بإجراءات الحصار والإغلاق على قرية وادي السلقا، وإنما دأبت على هدم المنازل وتجريف الأراضي. ولم تكن الجرافات العسكرية بمنأى عن حقل الدمار الذي حل بالقرية. وأخذت تلك الآليات حظها الوافر والدور الرئيسي في تجريف وتدمير وهدم العديد من المنازل، وتجريف آلاف الدونمات الزراعية وتدمير المئات من الدفيئات الزراعية، إضافة إلى اقتلاع الأشجار المثمرة وغير المثمرة، فضلاً عن عشرات المنازل المهددة والمخطرة بالهدم مما كبد سكان القرية خسائر مادية فادحة.
وتتوغل قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي قرية وادي السلقا بشكل شبه يومي، ومن كافة الاتجاهات بالدبابات والجيبات والآليات العسكرية والجنود المشاة. ويتعرض السكان بشكل مستمر ومتواصل إلى عمليات مداهمة لمنازلهم وتفتيشها والعبث بمحتوياتها. المركز الفلسطيني حصل على بعض الإفادات من سكان قرية وادي السلقا، يصفون فيها معاناتهم وحياتهم المأساوية داخل قريتهم، وفيما يلي بعضها:
- المواطن سالم عطوة سالم خطاب مواليد عام 1950 ويحمل هوية رقم 942125139 أفاد بقوله:
"أعمل خطيب مسجد براتب مقطوع 450شيكل، تتكون أسرتي من 9 أفراد ومنزلي مكون من أربع غرف مساحته 140م مسقوف بالإسبستوس، من سكان قرية وادي السلقا (دبة 86)، ويبعد منزلي عن شمال طريق كيسوفيم حوالي 400م. منذ بداية الانتفاضة وحياتنا صعبة للغاية، إذ يتعرض منزلنا للقصف وإطلاق النار بشكل دائم، وتتوغل قوات الاحتلال الإسرائيلي في القرية بشكل مستمر، ونحن الآن نعيش في سجن اسمه قرية وادي السلقا. أبنائي عمر، 19 عاماً، وياسين، 17 عاماً، كانا يدرسان في مدرسة القرارة الثانوية شمال خان يونس، والتي تبعد عنا حوالي 500م. وعندما اندلعت الانتفاضة قام الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق طريق كيسوفيم التي كان يقطعها أبنائي إلى المدرسة فأصبح من الصعب عليهما للذهاب إلى المدرسة. واضطررت إلى نقلهم إلى مدرسة المنفلوطي الواقعة على طريق صلاح الدين، ما زاد الأمر صعوبة، حيث يضطر ولداي للسير مسافة تزيد عن الكيلو متر، ثم يستقلون بعدها سيارة ليستطيعا الوصول إلى المدرسة. والطريق التي يسلكانها طريقاً خطيرة لقربها من محيط مستوطنة كفار داروم، كما يكلفنا ذلك يومياً 5شيكل، وفي ساعات الليل نعيش لا يستطيع أحد الخروج أو الدخول من البيت، حيث يبدأ نظام منع التجول المفروض على القرية منذ بداية انتفاضة الأقصى، وبموجب ذلك تحولت حياتنا في الليل إلى جحيم وخوف ورعب".
- المواطن بدر الدين رشيد عايش الماحي من مواليد عام 1975م أحمل هوية رقم 900988288. صاحب بقالة – متزوج وعائلته مكونة من 3 أفراد، ويسكن مع والدته من سكان قرية وادي السلقا جنوب شرق مدينة دير البلح. أفاد بما يلي:
" منذ بداية الانتفاضة 29/9/2000، وأنا أعاني من انخفاض مستوى البيع، حيث انخفضت مبيعاتي في دكاني إلى النصف أو أكثر قليلاً. وقد ازداد انخفاض البيع عندي منذ بداية شهر يناير 2002م، وذلك بسبب قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بغرض منع التجوال على سكان القرية من السادسة مساءً وحتى السادسة صباح اليوم التالي، حيث كنت قبل منع التجول أفتح دكاني من السادسة وحتى العاشرة مساء. أما الآن وفي ظل منع التجول والتوغلات الإسرائيلية فصرت أفتح الدكان من الثامنة صباحاً وأغلقها عند الخامسة مساءً. وقد كان تجار الجملة من خان يونس وغزة يمرون علي ثلاثة مرات أسبوعياً قبل انتفاضة الأقصى، أما الآن فلا يستطيع التجار المرور علي سوى مرة في الأسبوع بسبب الإغلاقات والعوائق الإسرائيلية على الحواجز، ما أدى إلى نقص السلع في الدكان، وقد انعكس ذلك على حركة البيع، كما زاد استهلاكي لتلبية احتياج البيت عندي ".
- المواطن سلمان عبد الكريم أبو ظاهر من مواليد 1940م ويحمل هوية رقم 916061815. ويعمل مزارع، و متزوج وعائلته مكونة من 8 أفراد، يعيش في منزل من طابقين من سكان قرية وادي السلقا الواقعة جنوب شرق مدينة دير البلح. أفاد بما يلي:
" في حوالي الساعة السادسة من مساء يوم الأربعاء الموافق 19/6/2002م أعلن الجيش الإسرائيلي عبر مكبر الصوت بمنع التجوال في القرية. وفي حوالي العاشرة والنصف مساءً تجمع جنود الاحتلال الإسرائيلي بالقرب من طريق كيسوفيم، والذي يبعد عن منزلي بحوالي 500م جنوباً، حيث شاهدت حوالي 4دبابات وجرافة وثلاث جيبات عسكرية. وبعد 3ساعات سمعت حركة وصوت الآليات والدبابات الإسرائيلية ينتشر في أنحاء المنطقة، على طريق كيسوفيم، باتجاه القرية وتوغلت لمسافة تقدر بحوالي 3كم. وعلمت صباحاً أن الدبابات أقامت حاجزين أحدهما عند مدخل القرية الشمالي، والآخر على الجهة الغربية من القرية. وشرع جنود الاحتلال الإسرائيلي بمداهمة وتفتيش منازل السكان في القرية، حيث وقفت دبابة على مقربة من بيتي، وسمعت صوت طرقات على الباب وصوت باللغة العبرية يصرح قائلاً أفتح الباب. وعندما فتحت الباب اندفع الجنود الإسرائيليون وعددهم 11جندياً داخل المنزل، وشرعوا في تفتيش المنزل. فدخلوا أول غرفة بعد أن كسروه، ثم الغرفة الثانية وقاموا بتحطيم الخزانة وإخراج الملابس، ومزقوا كتب ابني هشام، 20 عاماً والذي يدرس في جامعة الأزهر بغزة. ثم دخلوا الغرفة الثالثة وقاموا بتكسير جهاز مسجل وتلفاز وجهاز الاستقبال ( الريسيفر )، ثم طلب الجنود مني فتح البوفيه فلم أستطع فتحه لأنه كان مقفلاً، فقاموا بخلعه وتحطيم محتوياته كاملة، وقاموا بتفتيش فراش النوم فلم يجدوا فيها شيئاً فمزقوها. وصعد الجنود إلى الطابق الثاني، حيث يسكن ابني زياد وعائلته، وقاموا بتفتيش المنزل وتكسير طقم النوم والتسريحة وكل محتوياتها من عطور وماكياج ومزقوا فرشة السرير والتلفاز وجهاز الاستقبال، ودخلوا المطبخ وكسروا وحطموا محتوياته. وبعد ذلك اقتادني الجنود وابني هشام بعد أن أخذوا بطاقات هوياتنا، وأخرجونا من المنزل وعصبوا أعيننا وربطوا أيدينا إلى الخلف وأدخلونا في الدبابة المتوقفة أمام منزلنا. وسارت الدبابة بنا باتجاه الجنوب إلى أن وصلنا قرب موقع عسكري مقاماً على الطريق المؤدي إلى القرية شمال خان يونس حيث أنزلونا هناك، وبقينا جالسين حوالي20 دقيقة. وأدخلت لغرفة التحقيق وسألني المحققين عن المنطقة وإن كنت أرى مخربين، فقلت لهم لا أرى أحداً. واستمر التحقيق معي قرابة الساعة، حيث جاءت شاحنة ونقلتني أنا ومجموعة من سكان القرية الذين كانوا معنا إلى طريق كيسوفيم. وأطلقوا سراحنا وكانت الساعة 12 ظهراً، أما باقي المحتجزين من أهالي القرية فقد تم الإفراج عنهم عند الساعة الثالثة مساءً ".
أقدمت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بتاريخ 5/9/2002 على محاصرة مبني المجلس القروي لقرية أم النصر، شمال غرب بيت لاهيا، حيث منعت جميع الموظفين من مغادرة المبني. وأحاط عدد من الدبابات مبني المجلس، فيما توقفت دبابة أخرى عند مدخل المبني، ومنعت الموظفين المتواجدين داخل المبني من مغادرته حتى الساعة الثانية من بعد الظهر، وذلك بعدما انسحبت الدبابات من داخل القرية. وفي غضون ذلك فرضت تلك القوات نظام منع التجول على القرية، وقامت بإطلاق النار علي كل مواطن يتواجد في الشارع في حين كانت الدبابات تجوب الشوارع. وأغلق الطريق الرئيسي المؤدي للقرية من مدخليها الشرقي والغربي، وبذلك تم تقسيم وعزل القرية لمنطقتين منفصلتين. جدير بالذكر أن الطريق الواصل بين الجزء الغربي والجزء الشرقي يفصل بينهما أيضاً أحواض المجاري، مما يضطر السكان لاستخدام طريق ترابي بديل يمر بجوار أحواض المجاري.
قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لا زالت تمارس انتهاكات صارخة ضد حق المدنيين الفلسطينيين في تلقي الرعاية الصحية، فتشديد العزل والحصار وتعطيل وصول الإمدادات الطبية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنع حركة وتنقل وسائط النقل الطبية الفلسطينية التي تتولى خدمات إجلاء ونقل وإسعاف المرضى والمصابين. كلها ممارسات خلفت آثاراً سلبياً على حياة السكان وفاقمت من تدهور الأوضاع الصحية. وتشكل تلك الممارسات و الانتهاكات، والتي تصل حد تصنيفها إلى جرائم حرب وفق قواعد القانون الإنساني الدولي، كما تعتبر انتهاكاً لكافة المعايير الدولية للحق في الصحة وفق ما جاء المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لا سيما البند الثاني من المادة (12 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966)، والتي تؤكد على ضرورة أن " تشمل التدابير التي يتعين على الدول الأطراف في هذا العهد اتخاذها لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق …(د) تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض". وتتنافى تلك الممارسات مع اتفاقية جنيف الرابعة، لعام 1949 الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، في المادة 23 منها، حيث تستمر قوات الاحتلال بإعاقة إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية من المعابر، كما لا تزال تعيق سيارات الإسعاف من أداء مهامها الإنسانية في نقل المرضى.
أدت سياسة الإذلال والإعاقة للسكان المسافرين من وإلى قطاع غزة، عبر معبر رفح الحدودي، والتي تتبعها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي إلى وفاة عدد من المواطنين على المعبر. كما أدت عملية الإغلاق والقيود التي يفرضها جنود الاحتلال، المتمركزين على الحواجز العسكرية المضروبة على الطرق الرئيسية والفرعية، لوفاة عدد آخر من المواطنين المرضى. وقد بلغ عدد الذين قضوا نحبهم على الحواجز والمعابر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، منذ إندلاع الانتفاضة وحتى تاريخ إعداد هذه النشرة حوالي 51 حالة، من بينهم ثماني أفراد في قطاع غزة. كما بلغ عدد الشهداء الذين قضوا على الحواجز والمعابر، خلال الفترة التي تغطيها هذه النشرة 4 حالات، بينهم إثنين من قطاع غزة،واثنين من الضفة الغربية.[8]
فوفقا لمعلومات المركز أنه وفي حوالي الساعة 9:00 صباح يزم الأحد الموافق 20/10/2002، توفي المواطن إسماعيل خليل سليم حبوش، البالغ من العمر 63 عاماً، من سكان مدينة غزة، أثناء توجهه للعلاج في مستشفى المقاصد بمدينة القدس، حيث كان يعاني من مرض في القلب، وكان من المقرر أن تجرى له عملية جراحية. وأفادت زوجته نوال شعبان حبوش، والتي كانت ترافقه، بما يلي:
" في حوالي الساعة 6:30 من صباح يوم الأحد الموافق 20/10/2002، توجهت مع زوجي بعد إجراءات التنسيق اللازمة إلى معبر بيت حانون "إيرز" بسيارة أجرة بدلاً من سيارة إسعاف، وذلك بسبب عدم السماح لسيارات الصحة الفلسطينية بالدخول إلى إسرائيل. وعندما وصلنا للمعبر بقينا ننتظر ساعتين إلى أن سمح لنا بالمرور للتفتيش وفحص الأوراق الثبوتية. أخبرني أحد جنود الاحتلال بأني ممنوعة من المرور، رغم قيامي بإجراء التنسيق اللازم لدخولي مع زوجي كمرافقة لسوء حالته الصحية. وبعد أن قام الجنود بتفتيش زوجي سار باتجاه الممر المؤدي إلى موقف السيارات في الجانب الإسرائيلي من المعبر، واضطررت للعودة للمنزل. وفي حوالي الساعة 9:30 صباحاً، حضر أحد الجيران وأخبرنا أن زوجي قد توفى وأنه موجود في مستشفى الشفاء بغزة. وفي نفس اليوم علمنا من بعض العمال الذين كانوا متواجدين في المعبر لحظة وفاته، أنهم شاهدوا زوجي يسقط مغمى عليه وهو يسير باتجاه موقف السيارات داخل "إيرز"، وحضرت سيارة إسعاف إسرائيلية وقامت بنقله إلى الجانب الفلسطيني جثة هامدة. وكان سبب الوفاه حسب تقرير مستشفى الشفاء بغزة جلطة قلبية".
كما أفاد باحث المركز: أنه في حوالي الساعة 1:00 من بعد ظهر يوم الثلاثاء الموافق 22/10/2002، توفي المواطن خليل إبراهيم حسين أحمد، 62 عاماً، من مخيم جباليا، نتيجة تعرضه لنوبة قلبية حادة، داخل صالة انتظار المسافرين القادمين من مصر إلى قطاع غزة. وقد نقل جثمان المواطن أحمد، بواسطة سيارة إسعاف وصلت للمكان، إلى مستشفى أبو يوسف النجار بمدينة رفح.
يعاني المواطنون الفلسطينيون من تدهور حاد وخطير في أوضاعهم الصحية، خصوصاً لدى الذين يعانون من أمراض مزمنة والنساء الحوامل والمرضعات والأطفال. ويعود ذلك إلى الآثار الكارثية التي نتجت عن استمرار ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي بفرض الحصار الشامل وتقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية، وبالتالي ارتفاع نسبة البطالة بسبب منع العمال من التوجه إلى أماكن عملهم. وتشير دراسة أجرتها وزارة الصحة الفلسطينية بالتعاون مع مؤسسة كير الأمريكية،[9] أن ما نسبته 12.5% من السيدات يعانين من أنيميا متوسطة أو شديدة، وعند الأطفال كانت النسبة 21.5% يعانون من أنيميا متوسطة إلى شديدة. كما أن الخدمات الصحية والوصول إليها تأثر بشدة بسبب الإغلاق الإسرائيلي، حيث أن نسبة 33% من الذين احتاجوا الطوارئ لم يستطيعوا الوصول إليها، وأن نسبة 21% ممن هم بحاجة لرعاية الأمومة وما قبل الولادة لم يستطيعوا تلقي الرعاية المطلوبة. علاوة على ذلك، فإن 17% من الأطفال الذين شملتهم الدراسة لم يستطيعوا تلقي التطعيمات اللازمة. فضلاً عن أن نحو 44% من مرضى الكلى لم يستطيعوا عمل غسيل الكلى, كذلك 38% من مرضى السكر و46% من مرضى السرطان المحتاجين للعلاج الكيماوي. هذه الفئات لم تستطع الوصول إلى المراكز المطلوبة على مدى 6 أسابيع.
في حوالي الساعة الحادية عشر والنصف صباح يوم الخميس الموافق 5/9/2002، داهمت قوة عسكرية إسرائيلية مكونة من ثمانية جنود العيادة الطبية، التابعة لاتحاد الإغاثة الطبية، وقاموا بتفتيشها بعد أن احتجزوا جميع من كان داخلها من المرضى والطاقم الطبي العامل فيها، فيما كانت الدبابات تنتشر حول العيادة الطبية وفي شوارع القرية مثيرة الرعب في صفوف المواطنين. وأفاد الدكتور محمد ياغي، والذي كان الطبيب المناوب، أنه وفي أعقاب حادث إطلاق النار في الصباح وتوغل الدبابات وسط القرية بقي هو وجميع الموظفين داخل العيادة، ولم يحضر للعيادة مرضى أو مراجعين، خوفا من إطلاق النار عليهم من قبل الدبابات التي كانت تجوب شوارع القرية. وأضاف د. ياغي أنه وفي حوالي الساعة الحادية عشر صباحاً، وبينما كان يشاهد الدبابات تتحرك حول العيادة، اقتحم ثمانية من جنود قوات الجيش الإسرائيلي العيادة، وطلب أحدهم منه أن يجمع كل من في العيادة. وتم حجزهم جميعا داخل غرفة الصيدلية، فيما قام الجنود بتفتيش العيادة وسمع صوت فتح الأدراج والكراسي. وبعد حوالي 15 دقيقة غادر الجنود العيادة وطلبوا من الجميع البقاء داخل العيادة وعدم مغادرتها.
شكلت سياسة عزل المناطق و الحصار الذي تفرضه قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة منذ بدء الانتفاضة، انتهاكا فاضحا للحق في التعليم، لا سيما المادتين (13، 14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد بلغ عدد الطالبات والطلاب الفلسطينيين الذين توجهوا إلى مدارسهم هذا العام 2002- 2003 حوالي 1021057 طالب وطالبة، إضافة إلى 75 ألف طفل في رياض الأطفال. ويتوزع الطلبة والطالبات على مدارس لكافة المراحل، الابتدائية والإعدادية والثانوية، وصل عددها هذا العام 2029 مدرسة. فيما وصل عدد العاملين في جهاز التربية والتعليم الفلسطيني في المدارس نحو 48260 موظفا.[10]
وفي محافظتي خان يونس والوسطى بقطاع غزة لوحدهما، بلغ عدد الطلاب حوالي 60491 طالبا وطالبة موزعين على 80 مدرسة، علاوة على آلاف الطلاب والعاملين في الجامعات الفلسطينية في مدينة غزة. ويتأثر هؤلاء جميعا في أي لحظة تقوم بها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي بإغلاق الطرق الرئيسية والفرعية، لا سيما طريق صلاح الدين عند حاجزي المطاحن وأبو هولي. وفي أحد مشاهد تأثير الحصار على الحق في التعليم، أفاد باحث المركز الميداني أن حوالي 30 مدرساً وموظفاً لم يتمكنوا من الوصول إلى مكان عملهم في مدرسة جرار القدوة، في منطقة مواصي خان يونس، يومي السبت والأحد الموافق 7-8/9/2002، وذلك بسبب إغلاق حاجز التفاح المنفذ الوحيد للمنطقة. وبموجب ذلك لم تنتظم العملية التعليمية في المدرسة المذكورة. وأفاد الأستاذ علي عبد العال النجار، سكرتير المدرسة أن عدد المدرسين العاملين من داخل المنطقة يبلغ 7 مدرسين، فيما يعمل حوالي 25 معلما من خارج منطقة المواصي. وأن أي إغلاق للحاجز يحول دون تمكن المدرسين من الوصول للمدرسة وعدم انتظام الدراسة. جدير بالذكر أنه خلال العام الدراسي الماضي كان يجري تنسيق خاص يسمح بموجبه للمدرسين الدخول والخروج من وإلى المنطقة.
انتظام العملية الدراسية لم يكتمل بصورة طبيعية منذ بدء العام الدراسي الجديد 2002- 2003، في الأول من 31 آب/أغسطس، وذلك للنقص الكبير في عدد المدرسين، حيث لا تزال تجري عملية اختيار المدرسين من داخل المنطقة من قبل وزارة التربية والتعليم. كما يواجه المدرسون العاملون في المدرسة، من خارج منطقة المواصي، الصعوبات والعراقيل خلال محاولتهم اجتياز الحاجز. تجدر الإشارة إلى أن معاناة طلاب منطقة المواصي ليست جديدة، ففي تاريخ 17/6/2002، منعت قوات الاحتلال طلاب الثانوية العامة ذكور من التوجه إلى مدينتي خان يونس ورفح لتأدية الامتحانات. وقد اضطرت وزارة التربية والتعليم لإنشاء لجان خاصة بمدرسة جرار القدوة في نفس المنطقة لتوفير الفرصة للطلبة لتقديم الامتحانات، فيما ساعد مندوبو اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب الارتباط الفلسطيني الطلبة على تقديم للامتحانات.
وأفاد باحث المركز الميداني، أن العشرات من طلاب الجامعات وتلاميذ مدرسة الأوقاف الإسلامية احتجزوا لأكثر من 13 ساعة متواصلة وتحت ظروف قاسية، جراء إغلاق حاجزي المطاحن وأبو هولي وذلك يوم الخميس الموافق 5/9/2002.
وبتاريخ 5/9/2002، لم يتمكن أحد عشر تلميذاً أصماً، معظمهم تحت سن 11 عام، من مدرسة جمعية أطفالنا للصم بغزة ومربيهم، من العودة إلى منازلهم في محافظة خان يونس، حيث ظلوا في المؤسسة لمدة ثلاثة أيام بسبب إغلاق حاجزي المطاحن وأبو هولي. وأفادت الأخصائية النفسية في الجمعية أن الوضع النفسي لهؤلاء التلاميذ كان صعبا للغاية، رغم المساعدة الإرشادية التي حصلوا عليها للتخفيف من معاناتهم والحد من تخوفهم وتخوف أسرهم. وبقيت عائلات هؤلاء التلاميذ على تواصل معهم من خلال الاتصال الهاتفي، وعن طريق موظفي الجمعية الذين اضطروا إلى المبيت معهم داخل الجمعية، وتوفير كافة الاحتياجات اللازمة للأطفال، الذين احتجزوا في مقر المؤسسة، كالطعام والشراب والفراش والملابس.
وفي نفس اليوم، داهمت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي مدرسة حمزة بن عبد المطلب الابتدائية الأساسية الدنيا المشتركة، في قرية بيت لاهيا في شمال القطاع. وقد قام أفراد الجنود بتفتيش المدرسة بشكل دقيق واحتجزوا التلاميذ والمعلمين وعدد من المواطنين بداخلها. وأفاد باحث المركز الميداني، أنه في حوالي الساعة الثامنة والربع صباحاً حاصرت أربع دبابات المدرسة، التي تقع جنوب الشارع العام وعلى بعد قرابة سبعمائة متر عن مستوطنة نيسانيت. وداهمت قوة عسكرية مكونة من عدة جنود المدرسة، واحتجزوا جميع التلاميذ والبالغ عددهم 293 طالب وطالبة في سبعة فصول من فصول المدرسة. كما قام الجنود باحتجاز جميع أعضاء الهيئة التدريسية، والمكونة من مدير المدرسة وثمانية معلمين والحارس، فيما احتجز أحد المهندسين وبرفقته خمسة من العمال واحد أولياء أمور أحد الطلبة تصادف وجودهم في داخل المدرسة لحظة حصارها واقتحامها. وقام الجنود بعملية تفتيش دقيقة لجميع فصول المدرسة والفصول الخاصة بهيئة التدريس، ما أثار حالة من الرعب والخوف في صفوف التلاميذ الأطفال الذين تكدست بهم سبعة فصول. واحتل الجنود المدرسة، وسيطروا على الطابق الثاني فيها إلى أنهوا عمليات التفتيش عند الساعة العاشرة والنصف صباحاً حيث سمحوا للتلاميذ بمغادرة المدرسة. واستمر احتجاز الهيئة التدريسية ومن تصادف وجوده في المدرسة في فصلين دراسيين، وصادر الجنود بطاقات هوياتهم حتى الساعة الثانية بعد الظهر، حيث أعيدت لهم بطاقات الهوية وسمح لهم بمغادرة المدرسة بعد أن غادرها الجنود وانسحبت من حولها الدبابات. جدير بالذكر أن المدرسة تعرضت لإطلاق نار خلال عملية اقتحام جنود قوات الاحتلال لها ما أدى لإحداث أضرار في الواجهة الشمالية الشرقية، وتسببت بتحطيم أربعة نوافذ زجاجية وإحداث ثقوب في الجدران الخارجية للفصول الدراسية في الطابق الثاني.
وواصلت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي فرض نظام منع التجول لليوم الثامن على التوالي على منطقة المواصي، حيث استمر منع التجول من يوم الاثنين 7/ 10/2002 الى صباح الثلاثاء 15/10/2002. وخلال تلك الفترة تعطلت الحياة تماماً وشلت جميع مرافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية. ولم يتمكن 1175 طالب وطالبة من المراحل الدراسية المختلفة من التوجه الى مدرسة جرير القدوة، وهي المدرسة الوحيدة في المنطقة. كما لم تنتظم الدراسة يوم الثلاثاء 15/10/2002، بسبب عدم تمكن المدرسين من خارج المواصي من الوصول للمنطقة بسبب إغلاق حاجز التفاح المؤدي للمنطقة. عدا عن ان غالبية المواطنين لم يعلموا برفع نظام منع التجول، حيث اكتفى جنود قوات الاحتلال بإبلاغ الارتباط الفلسطيني بذلك دون أن تنادي عبر مكبرات الصوت كما فعلت عند فرض المنع وهو الأمر الذي طال دون خروج غالبية المواطنين من منازلهم لعدم علمهم برفع نظام منع التجول. وأفاد الأستاذ طلال شقورة، مدير المدرسة، أن الدراسة لم تنتظم بصورة طبيعية يوم الأربعاء 16/10/2002، نظراً لعدم تمكن نحو 15 مدرساً من خارج المواصي من الوصول إلى مدرستهم بسبب تواصل إغلاق حاجز التفاح. جدير بالذكر أن منطقة المواصي وحتى تاريخ إعداد هذه النشرة، تخضع إلى حصار وإغلاق شديدين، كما يفرض على المنطقة نظام منع التجول بين الفترة والأخرى. و جراء ذلك يعيش المواطنون في المنطقة حياة قاسية وصعبة تنتهك فيها كافة حقوقهم المدنية والسياسية عدا عن انتهاك حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
لا يزال معبر ايرز، والذي كان يعد المعبر الرئيسي لحركة البضائع والأفراد في قطاع غزة قبل بدء الانتفاضة، مغلقاً منذ بداية انتفاضة الأقصى وحتى تاريخ إعداد هذه النشرة. ولم يطرأ أي تغيير في المعبر سوى السماح لعدد محدود من العمال بالدخول للعمل داخل إسرائيل. جدير بالذكر أن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي قد أعادت فتح معبر ايرز أمام عمال القطاع بتاريخ 3/6 /2002، وبموجب ذلك تمكن عدد من العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل. ورغم ذلك أعادت قوات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المعبر بوجه العمال مرة أخرى، وذلك أيام الجمعة والسبت والأحد الموافق 6 و7 و 8/9/2002، ثم أعادت فتحه يوم الاثنين الموافق 9/9/2002. وأغلق المعبر للمرة الثالثة في وجه العمال يوم الأحد والاثنين 15 و16/9/2002، وأعيد فتحه يوم الثلاثاء 17/9/2002.
ووفقا لمصادر وزارة العمل الفلسطينية، فقد أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تصاريح عمل لحوالي 12530 عامل من عمال قطاع غزة حتى نهاية شهر أكتوبر 2002. غير أن قرابة 10500 عامل فقط تمكنوا من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل، وذلك جراء عمليات الإذلال وإجراءات التفتيش المهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية، التي ينفذها جنود وضباط قوات الاحتلال خلال عملية السماح لعمال القطاع بالمرور عبر الممرات المخصصة لهم. وعادة تتم عمليات الفحص والتفتيش الأمني وفقاً لشروط صارمة، يزداد تعقيدها بشكل تصاعدي، ويجب أن تتوفر في العامل الذي يحصل علي تصريح للعمل داخل إسرائيل بعد أن يكون قد خضع للفحص الأمني. ومن أهم هذه الشروط:
- أن لا يقل عمر العامل عن 28 عاما للذكور و25 عاما للإناث.
- أن يكون متزوج ورب أسرة.
رحلة عمال القطاع اليومية من وإلى معبر إيرز لا مثيل لها في الإذلال والقسوة على المستوى العالمي
تمثل رحلة الذهاب والإياب اليومية التي يقوم بها العامل الغزي من منزله في أحد محافظات القطاع، ووصولاً إلى مكان عمله داخل إسرائيل مروراً عبر معبر إيرز، عملية بالغة التعقيد من حيث الوقت والآثار النفسية التي تخلفها على العامل. فهي تمثل من جهة حالة الإذلال اليومي والمتواصل لهذا العامل على أيدي جنود وضباط قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، ومن جهة ثانية فهي أشبه بمحاولة النجاة من عملية موت جماعي بطيء لعدة آلاف من العمال الذين يحاولون المرور الآمن لأماكن عملهم بحثاً عن توفير قوتهم وقوت أفراد عائلاتهم. ومن أبرز علامات تلك الرحلة ما يلي:
تبدأ رحلة العامل الغزي، خاصة الذين يقطنون جنوب القطاع منهم، من الساعة الواحدة فجراً يومياً، حيث يغادرون منازلهم متوجهين إلى معبر إيرز. ومباشرة يتوجه العامل لحجز دور له للدخول عبر ممر ضيق طوله 800 متر وعرضه 3 أمتار وارتفاعه 2,5. وهو محكم الإغلاق من الجانبين بواسطة شبك ومسقوف بالزينكو، ما يؤدي إلي ضغط آلاف العمال ولعدة ساعات. ويوجد عند مدخل الممر بوابات فحص إلكترونية يتم التحكم بالدخول والخروج بواسطتها من قبل الجنود والضباط في المعبر. ويمنع دخول أي عامل تصدر الأجهزة الالكترونية صوته عند مروره، ويمكن أن يكون ذلك لأسباب غير أمنية كوجود ساعة في يد العامل أو مفتاح. وعندها يعاد العامل ليضع كل ما بداخل جيوبه على طاولة بجوار بداية الممر، ويخلع العامل حذاءه وحزامه إن كان حديدياً. وعند وصول العامل نهاية الممر يجبر على المرور عبر فحص إلكتروني مرة أخرى، حيث يسمح بالمرور لمن يجتاز الجهاز الالكتروني فيما يعاد العامل الذي لا يجتاز الفحص. وقد زادت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عدد هذه الأجهزة إلى أربعة أجهزة في نهاية كل ممر. وأطلق العمال على تلك العملية الشاقة، والتي تستغرق وقتاً طويلاً، المرور عبر الحلابات تشبيهاً بعملية حلب الأبقار بالطرق الآلية وعبر ممرات ضيقة.
عند عودة العامل في المساء بعد يوم عمله الشاق يجبر علي الوقوف في طابور طويل يمتد قرب ساحة السيارات وحتى نقطة التفتيش في المعبر، أي لمسافة تزيد علي 600 متر، ولفترة قد تزيد علي ساعتين في بعض الأحيان وفقاً لمزاج الجنود الذين يقومون بعملية فحص العمال في المعبر.
يمنع جنود قوات الاحتلال العامل أثناء مروره للتوجه إلى عمله في إسرائيل حمل لاى شئ معدني حتى النقود المعدنية والسجائر وأي نوع من أنواع الطعام.
جدير بالذكر أن سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي منعت وعلى مدار شهور الانتفاضة، عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل، وتعتبر هذه الإجراءات منافية ومتناقضة للحق في العمل وفقا لما تنص علية المعاهدات الدولية، لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966، حيث تنص المادة (6) على أن " تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل، الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق."