"نشرة خاصة حول الطوق الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة"
العدد التاسع 15/5/1996 نشرة خاصة يصدرها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
هذا هو العدد التاسع من "نشرة حول الطوق الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة" الصادرة عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان والتي توثق الآثار الناجمة عن فرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي حصاراً على قطاع غزة منذ 25 فبراير الماضي، ضمن أسوأ حصار يفرض على مجمل الأراضي الفلسطينية المحتلة على مدى سني الاحتلال الإسرائيلي. وإزاء ذلك تستمر العقوبات الجماعية الإسرائيلية ضد نحو مليون فلسطيني في قطاع غزة لليوم الحادي والثمانين على التوالي، دونما اكتراث من سلطات الاحتلال الإسرائيلي للمعاناة الفلسطينية اليومية وحجم الصعوبات الناتجة عن الإغلاق.
وتشير آخر المعطيات التي يجمعها طاقم خاص في المركز إلى استمرار الإغلاق وتأثيراته على كافة مناحي الحياة في القطاع والتي تم توثيقها في الأعداد السابقة من هذه النشرة، خلال الثلاثة أسابيع المنصرمة، رغم الادعاءات الإسرائيلية المتكررة حول اتخاذ تدابير جديدة لتخفيف الإغلاق. فما تزال القيود مفروضة على حرية التنقل؛ الطلبة الغزيون يحرمون من الوصول إلى مقاعدهم الدراسية في جامعات ومعاهد الضفة الغربية؛ المعتقلون الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية محرومون من حقهم في زيارات ذويهم لهم؛ وتستمر الأوضاع الاقتصادية في التردي حيث تفرض إسرائيل حظرا على تصدير المنتجات الصناعية الغزية عبر أراضيها إلى أسواق الضفة الغربية بالإضافة للأسواق الإسرائيلية والعالمية، بينما تخضع الكميات المحدودة من الصادرات الزراعية إلى إجراءات بطيئة تؤدي إلى تلف المحاصيل وتأخرها على المعبر الحدودية لعدة أيام، في حين تفرض قيود مماثلة على واردات القطاع من مواد الخام والمواد التموينية. وخلال الفترة بين 22-28/4/1996 ألغت إسرائيل التسهيلات المحدودة المعلنة وأعيد فرض الطوق الشامل على القطاع وأغلقت جميع المعابر المؤدية إلى الأراضي الإسرائيلية بصورة تامة.
وأثناء إعداد هذه النشرة، أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن تشديد الحصار المفروض على الأراضي المحتلة ابتداء من صباح اليوم الأربعاء الموافق 15/5/1996 إلى أجل غير مسمى، تحسبا من وقوع هجمات انتحارية ضد أهداف إسرائيلية مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات العامة في إسرائيل في 29 مايو الجاري. جدير بالذكر أن إجراءات الإغلاق فشلت سابقا في منع مثل هذه الهجمات، حيث نفذت عمليتان انتحاريتان في القدس الغربية وتل أبيب يومي 3 و 4/3/1996 رغم فرض حصار شامل على الضفة الغربية وقطاع غزة منذ 25/2/1996، الأمر الذي يقوض مقولة الدوافع الأمنية وراء الإغلاق التي ترددها المحافل الأمنية والسياسية الإسرائيلية.
وفيما يلي آخر ما استجد حول آثار الإغلاق وانعكاساته خلال الأسابيع الثلاثة الماضية:-
عرقلة وصول أعضاء المجلس التشريعي من قطاع غزة إلى الضفة الغربية
تستمر السلطات الإسرائيلية في وضع العراقيل أمام تنقل الشخصيات الفلسطينية الرسمية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي أحدث تطور من نوعه، عرقلت سلطات الاحتلال وصول أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني من القطاع للمشاركة في أعمال المجلس الذي يعقد ابتداء من صباح اليوم الأربعاء 15/5 في مدينة بيت لحم. و قد تعثرت يوم أمس اجتماعات لجان المجلس جراء منع إسرائيل لنواب القطاع من السفر إلى بيت لحم.
فبعد تأخير ومماطلة متعمدين أصدرت السلطات الإسرائيلية للنواب الغزيين تصاريح محدودة الصلاحية وتعرضهم للتفتيش المهين من قبل الجنود الإسرائيليين. فقد اقتصرت الفترة الزمنية لهذه التصاريح من 14-20/5 ابتداء من الساعة الخامسة صباحا وحتى السابعة مساء وكتب عليها "صدر لأغراض شخصية". وهذا يعني:
1. وجوب عودة النواب إلى القطاع مساء كل يوم قبل انتهاء الموعد المحدد، وعدم تمكنهم بالتالي من المشاركة في أعمال المجلس التي تستمر مساء. مع أن الإسرائيليين يعلمون أن عمل النواب لا يفترض أن يقتصر على المشاركة فقط في جلسات المجلس، وإنما يتجاوزه إلى لقاءات أخرى رسمية أو غير رسمية في أماكن وأوقات مختلفة تستدعي من النائب أن يكون قادرا على التنقل بحرية بين جميع مناطق الوطن في كل الظروف.
2. إخضاع النواب لإجراءات تفتيش مهينة على الحواجز الإسرائيلية من قبل الجنود الإسرائيليين، حيث لا توضح التصاريح صفتهم الرسمية وتكتفي بعبارة "صدر لأغراض شخصية".
وقد رفض النواب هذه التصاريح وأعادوها للجانب الإسرائيلي وطالبوا بتصاريح أخرى تحدد صفتهم الرسمية ولا تستوجب عودتهم مساء كل يوم إلى القطاع. وصباح أمس الثلاثاء 14/5 استبدلت التصاريح بأخرى لا تستلزم عودتهم إلى القطاع مساء كل يوم، ولكنها لا تتضمن الصفة الرسمية للنواب وتسمح للجنود بتفتيشهم شخصيا. ومرة أخرى رفضت هذه التصاريح وتم إعادتها للجانب الإسرائيلي. وفي ساعات المساء صدرت التصاريح المطلوبة ولكن هذه المرة لم تصدر تصاريح ثلاثة نواب وهم د. حيدر عبد الشافي وجواد الطيبي ورأفت النجار. وبالطبع رفض بقية النواب السفر إلى بيت لحم بدون النواب الممنوعين، وبعد مداولات حثيثة صدرت بقية التصاريح في التاسعة من مساء يوم أمس.
إن وضع هذه العراقيل من جانب إسرائيل يعطل عمل الهيئة التشريعية الفلسطينية، وهو استخفاف ليس فقط بكرامة النواب الفلسطينيين المنتخبين ديمقراطيا وإنما بكرامة الشعب الفلسطيني بأسره. ولا يعقل أن يصبح الشغل الشاغل للمجلس التشريعي وأعضاؤه ينحصر في كيفية تأمين التنقل بين أرجاء الوطن لحضور جلسات المجلس. ويعكس تسلسل الأحداث المذكور استهتار إسرائيل بالعملية السلمية وسوء نيتها تجاهها، وهو أمر لا يخدم قطعا التطلعات لتحقيق السلام العادل والاستقرار في المنطقة.
إن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يعيد مطالبته للمجتمع الدولي للممارسة الضغوط على إسرائيل لمنح النواب الفلسطينيين حصانات خاصة تليق بصفتهم التمثيلية وتمكنهم من التنقل بحرية تامة بين جميع مناطق ولاية السلطة الوطنية الفلسطينية.
وفاة مواطن بسبب الإغلاق
في 30/4/1996 توفى المواطن فتحي محمد شاكر الشوا (62 عاما) من مدينة غزة والذي كان يعاني من سرطان في الحنجرة جراء رفض السلطات الإسرائيلية السماح له بالسفر للعلاج في الأردن. وكانت إدارة العلاج الخارجي في السلطة الوطنية قد تقدمت بطلب إلى الجانب الإسرائيلي بتاريخ 16/4/1996 لمنحه تصريحا للسفر إلى الأردن للعلاج مرفقا بجميع الأوراق الثبوتية اللازمة، إلا أن هذه الأوراق أعيدت بعد حوالي أسبوع دون أن يصدر التصريح. وقد كرر الجانب الفلسطيني المحاولة مجددا ولكن الرد كان سلبيا للمرة الثانية دون ذكر أسباب لذلك، الأمر الذي أدى إلى وفاة المريض.
جدير بالذكر أن عشرات المرضى الفلسطينيين الذين يستعصي علاجهم في قطاع غزة بسبب تدني الخدمات الصحية فيه بعد 27 عاما ممن الاحتلال العسكري الإسرائيلي المباشر، يتم تحويلهم للعلاج إما في المستشفيات الإسرائيلية أو في المستشفيات الفلسطينية في الضفة الغربية، بما فيها القدس، أو في الدول العربية المجاورة. ومنذ فرض الحصار الإسرائيلي الشامل رفضت السلطات الإسرائيلية منح تصاريح المرور الخاصة بالمرضى مما أدى إلى وفاة عدد من المواطنين.
ومع أن سلطات الاحتلال تدعي اتخاذ تدابير لتسهيل مرور مرضى يعانون من أمراض يستعصي علاجها في القطاع، إلا أن عشرا ت الطلبات يتم رفضها دون إبداء أسباب. وتشير آخر المعطيات المتوفرة للمركز من إدارة العلاج الخارجي في القطاع أن الجانب الإسرائيلي رفض إصدار تصاريح لـ 50 مريض من بين 180 مريض قدمت الإدارة طلباتهم للجانب الإسرائيلي في الفترة بين 25/4-11/5/1996.
عدد محدود من العمال يسمح لهم بالتوجه إلى أعمالهم في إسرائيل
خلال الأسبوعين الماضيين لم تطرأ أية زيادة تذكر على عدد العمال الغزيين الذين تسمح لهم سلطات الاحتلال بالعمل داخل الأراضي الإسرائيلية. وحتى تاريخ 12/5/1996 تسلمت وزارة العمل الفلسطينية من الجانب الإسرائيلي تصاريح لـ 6784 عامل، أي ما نسبته 30% من عدد العمال الغزيين الذين عملوا داخل إسرائيل قبل فرض الطوق الشامل والبالغ عددهم 22447 عامل. ويذكر أن السلطات الإسرائيلية تشترط أن تكون أعمار العمال 40 عاما فما فوق، ولم تسمح حتى الآن بدخول عمال دون هذه السن إلى أراضيها.
من ناحية أخرى، يواصل جنود الاحتلال على معبر حانون (ايرز) شمالي القطاع، وهو المعبر الوحيد لدخول العمال الغزيين إلى إسرائيل، ممارساتهم الاستفزازية بحق العمال ويخضعونهم لإجراءات تفتيش تستغرق عدة ساعات. كما يقوم الجنود بمصادرة تصاريح العمل والبطاقات الممغنطة اللازمة لدخول الأراضي الإسرائيلية من عشرات العمال دون سبب ويجبرونهم على العودة إلى القطاع.
وما يزال معبر صوفا، جنوب شرق القطاع، مغلقا أمام العمال الغزيين الذين يعملون في الزراعة جنوبي إسرائيل. ويضطر العدد القليل منهم والحاصلين على تصاريح عمل إلى السفر شمالا مسافة 35 كيلومتر تقريبا لدخول إسرائيل عبر معبر حانون ومن ثم التوجه جنوبا من الجانب الإسرائيلي مسافة مماثلة. وهذا الإجراء يزيد من معاناة العمال الغزيين اليومية في الجهد والوقت الإضافيين لوصولهم إلى أماكن عملهم صباحا وعودتهم إلى القطاع مساء.
استمرار القيود على زيارات المعتقلين في السجون الإسرائيلي
بعد عامين من توقيع اتفاقية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية حول قطاع غزة ومنطقة أريحا في 4 مايو 1994 والتي تضمنت اتخاذ إجراءات بناء ثقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بينها إطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية تدريجيا، ما يزال أكثر من 3500 فلسطيني يقبعون في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية. ومنذ فرض الحصار على الأراضي الفلسطينية المحتلة تحرم سلطات الاحتلال هؤلاء المعتقلين من حقهم في تلقي الزيارات من ذويهم.
ومع أن السلطات الإسرائيلية تدعي أنها تسمح بزيارات السجون، إلا أن الزيارات لأهالي قطاع غزة تقتصر على سجني المجدل ونفحة ولا يسمح للرجال دون الخمسين من العمر بالزيارة. أما بقية السجون فيحظر زيارتها حتى الآن.
ويفيد الأهالي أن الإجراءات المتبعة لتنظيم زيارة السجون مضنية جدا، إذ يتم تجميعهم في باصات خاصة تتجه إلى حاجز الشرطة الفلسطينية على بعد كيلو متر واحد من معبر حانون (ايرز ). ويضطر الأهالي وهم من النساء والأطفال والشيوخ السير حتى الحاجز الإسرائيلي على المعبر ويخضعون للتفتيش قبل أن يستقلوا الباصات في الجانب الإسرائيلي. ومن ثم تنطلق الباصات في قافلة ترافقها سيارتين عسكريتين إسرائيليتين. وتستغرق رحلة المعانة هذه، ذهابا وإيابا، ابتداء من ساعات الصباح الأولى حتى الثانية عشر مساء.
تواصل الأعمال العدائية الإسرائيلية داخل قطاع غزة
لا تكتفي السلطات الإسرائيلية بفرض الحصار على القطاع فتلجأ أيضا لممارسة أعمال عدائية داخل قطاع غزة تتنافى واستحقاقات عملية السلام. وبموجب الاتفاقية المرحلية حول قطاع غزة وأريحا تحتفظ سلطات الاحتلال بتواجد عسكري في المناطق القريبة من المستوطنات الإسرائيلية والمشار لها في خارطة إعادة الانتشار باللون الأصفر، ويتعرض المواطنون في هذه المناطق وعلى الحواجز العسكرية الإسرائيلية لممارسات استفزازية مختلفة.
وفي الساعة الثامنة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 7/5/1996 قامت جرافة عسكرية إسرائيلية ترافقها سيارتين عسكريتين بأعمال تجريف في أراضي تعود ملكيتها لعائلة ضهير جنوبي مستوطنة موراج. وقد بدأت أعمال التجريف في قطعة رقم 32 قسيمة 1 ومساحتها 177.029 دونما والتي يملكها حمدان ضهير، وقطعة رقم 32 قسيمة 2 ومساحتها 386.783 دونما والعائدة ملكيتها لحسين الشاعر. وهدفت هذه الأعمال إلى ربط المستوطنة المذكورة مع مستوطنة غوش قطيف، الأمر الذي يعني مصادرة مساحة من الأرض يبلغ طولها 2.5 كيلومتر بعرض يبلغ نحو 300 متر.
وأفاد شهود عيان أن قوات كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي وصلت إلى الموقع في وقت لاحق لمواجهة المواطنين الذين اعترضوا أعمال التجريف. وقد أصيب مواطن بجراح نقل على أثرها إلى المستشفى، كما أصيب عدد من النساء جراء اعتداء الجنود الإسرائيليون عليهن بالضرب.
وبعد تدخل الجانب الفلسطيني في لجنة الارتباط الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة علقت أعمال التجريف وأحيل الموضوع لمفاوضات لاحقة بين الطرفين.
خـــلاصـــة:-
لليوم الحادي والثمانين على التوالي يستمر الحصار الإسرائيلي على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها مناطق ولاية السلطة الوطنية الفلسطينية. ومع أن السلطات الإسرائيلية تواصل زعمها بتخفيف الحصار إلا أن الواقع عكس ذلك، وابتداء من صباح هذا اليوم أعلنت إسرائيل عن تشديد الحصار مجددا بسبب الانتخابات الإسرائيلية.
إن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يجدد مطالبته رفع الحصار الإسرائيلي المفروض على الشعب الفلسطيني، والكف عن استخدام معاناته كورقة انتخابية من قبل الحكومة الإسرائيلية. وبعد مرور عامين على توقيع الاتفاقية المرحلية حول قطاع غزة في 4 مايو 1994 يطالب المركز المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها تجاه الاتفاقية، وفي مقدمتها الالتزام بتشغيل الممرات الآمنة بين قطاع غزة والضفة الغربية. ذلك أن مجمل العملية السلمية تفقد معناها في ظل استمرار المماطلة الإسرائيلية بفتح هذه الممرات، خاصة وأن الحكومة الإسرائيلية قد سلمت منذ التوقيع على إعلان المبادئ في سبتمبر 1993 بأن الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة ترابية واحدة.
"انتهـــى"