ووفقاً للتقرير، شكلت
الأحداث الأخيرة امتداداً لأعمال عنف واقتتال
دامية بين أنصار حركتي حماس وفتح، شاركت فيها
الأذرع العسكرية التابعة للحركتين وكذلك الأجهزة
الأمنية المنقسمة على نفسها، على مدى نحو 15
شهراً، من أبريل 2006 وحتى يونيو 2007. وقد جاءت
أعمال العنف والاقتتال هذه في سياق التنازع على
الصلاحيات الأمنية والصراع السياسي على السلطة بين
الطرفين وما خلفه من شرخ حاد بين مؤسستي الرئاسة
ورئاسة الوزراء في السلطة الفلسطينية والتنازع على
الصلاحيات الأمنية وغيرها، بعد الانتخابات
التشريعية التي جرت في يناير 2006 وفازت فيها حركة
حماس بأغلبية برلمانية عالية. ومع أن الانتخابات
التشريعية مثلت نقطة تحول هامة على طريق التحول
الديمقراطي، لما اتسمت به من شفافية ونزاهة قل
نظيرهما على المستوى الإقليمي، إلا أن التطورات
اللاحقة قد شكلت انتكاسة لهذه العملية حيث تمت
محاربة هذه التجربة الديمقراطية ومحاصرتها لوأدها
في مهدها. وبعد تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة
من قبل حركة حماس (حزب الأغلبية البرلمانية) في
مارس 2006، فرضت عليها مقاطعة مالية من قبل
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا
واليابان وغيرهم. وفيما صعدت قوات الاحتلال من
جرائمها ضد المدنيين الفلسطينيين، توقفت الحكومة
الإسرائيلية عن تحويل عائدات الضرائب المستحقة
للسلطة الفلسطينية. كما سُدّت أمام الحكومة
الجديدة كافة الطرق لتحويل منح دولية عربية
وإسلامية عبر البنوك بسبب المقاطعة الدولية.
وساهم ذلك كله في تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل
غير مسبوق، وتوقفت الحكومة عن دفع الرواتب بانتظام
للموظفين المدنيين والعسكريين، فيما تراجعت
الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين بشكل ملموس.
وقد رافق ذلك تدهور غير
مسبوق في الأوضاع الأمنية الداخلية في ظل تصاعد
الاعتداءات على سيادة القانون وتفشي حالة الانفلات
الأمني المستشرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة
منذ عدة أعوام.
وبينما انعكس الصراع السياسي
على السلطة بين حركتي فتح وحماس سلباً على مجمل
الأوضاع الداخلية الفلسطينية، بما في ذلك الشرخ
العميق الذي أحدثه في السلطة التنفيذية بين
الرئاسة ورئاسة الوزراء، فقد وجد هذا الصراع أسوأ
تعبيراته في أعمال اقتتال دامية بين أنصار
الحركتين تورطت فيها الأذرع العسكرية التابعة
لهما، وكذلك الأجهزة الأمنية المنقسمة على نفسها
بين موالية للرئاسة (بعض الأجهزة الأمنية المشكلة
قبل حكومة حماس) وأخرى موالية للحكومة (القوة
التنفيذية المساندة، والتي شكلت بعد حكومة حماس).
وكثيراً ما كان المسلحون المتورطون في الأحداث
ينتمون إلى الأذرع العسكرية التابعة للحركتين
والأجهزة الأمنية معاً.
وشهدت الشهور الخمسة عشر
الأخيرة جولات عدة من الاشتباكات المسلحة
والاعتداءات المتبادلة في قطاع غزة بين ميلشيات
مسلحة تابعة لحركتي فتح وحماس والأجهزة الأمنية
المنقسمة على نفسها بين الجانبين. ورافق ذلك
انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان والقانون الدولي
الإنساني اقترفها المسلحون وأفراد الأمن من كلا
الطرفين، بما في ذلك أعمال القتل العمد والاختطاف
والتنكيل. وأظهرت تحقيقات المركز في عشرات
الحوادث عدم اكتراث واستهتار بحياة المدنيين من
قبل الطرفين المتنازعين، بما في ذلك استخدام
المنشآت المدنية، خاصة المباني السكنية، في
العمليات القتالية.
وكانت تنتهي كل جولة من
جولات العنف هذه بتوصل الطرفين في غضون أيام إلى
اتفاق تهدئة بجهود مكثفة وحثيثة يبذلها الوفد
الأمني المصري في القطاع وبوساطة القوى السياسية
الفلسطينية، دون أن يتم أي تحقيق في هذه الأحداث،
على الرغم من الجرائم المقترفة خلالها. وقد ظل
العشرات بل المئات من المشتبه في تورطهم في جرائم
القتل وغيرها من الجرائم طلقاء، لكن هذه المرة
بتغطية سياسية وتوفير الحماية لهم. وفي المقابل،
لم يتم إنصاف مئات الضحايا وذويهم، أو تقديم
المجرمين للعدالة، الأمر الذي ساهم بشكل فعال في
زيادة حالة الاحتقان في الشارع الفلسطيني، مما كان
يهيئ الأمور إلى مرحلة جديدة من الصراع. وكان
اتفاق التهدئة يدوم لفترة تتراوح بين عدة أيام أو
أسابيع، فيما تظل أجواء التوتر وعدم الثقة تخيم
على العلاقات بين الجانبين المتناحرين، إلى أن
تتجدد الاشتباكات في جولة جديدة أكثر عنفاً
وشراسة، وهو ما ميز الأحداث الدامية الأخيرة، التي
انتهت باستيلاء الذراع العسكري لحركة حماس على
مقرات ومواقع الأجهزة الأمنية وبسط حركة حماس
سيطرتها على قطاع غزة.
يسلط هذا التقرير الضوء على
الأحداث الأخيرة المذكورة التي شهدها قطاع غزة
خلال الفترة من 7 – 14 يونيو 2007، وما رافقها من
انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي
الإنساني الخاص بالنزاعات الداخلية المسلحة. ولا
يغطي التقرير الجرائم والانتهاكات الجسيمة بصورة
حصرية، بل ما تمكن المركز من توثيقه ومتابعته من
خلال التحقيقات الميدانية التي أجراها، وزار
خلالها باحثو ومحامو المركز مناطق الأحداث والتقوا
عشرات الضحايا وشهود العيان، وجمعوا منهم إفادات
حول ما تعرضوا له أو ما شاهدوه من انتهاكات، علاوة
على معاينة الأضرار الناتجة عن تلك الأحداث.
ولا يتطرق التقرير إلى ما
تلا هذه الأحداث من تطورات، بما في ذلك الأعمال
الثأرية التي اقترفتها مجموعات مسلحة تابعة لحركة
فتح والأجهزة الأمنية في الضفة الغربية بحق أفراد
حركة حماس، أو الخطوات التي اتخذها الرئيس
الفلسطيني محمود عباس.
ويتضمن التقرير أربعة أجزاء،
إضافة إلى المقدمة. يستعرض الجزء الأول التطورات
التي شهدتها السلطة الوطنية الفلسطينية في أعقاب
الانتخابات التشريعية التي جرت في 25 يناير 2007،
بما في ذلك رصد أعمال العنف التي اندلعت بين أنصار
حركتي فتح وحماس منذ بداياتها، مروراً بجولات
الاقتتال الدامية التي شهدها قطاع غزة منذ أبريل
2006 وحتى يونيو 2007. ويتضمن الجزء الثاني إعادة
رسم للأحداث الأخيرة التي جرت خلال الفترة بين 7 –
14 يونيو، من حيث كيف بدأت وكيف تطورت، مروراً
بقرار الحسم العسكري لحركة حماس والذي انتهى
بسيطرتها الكاملة على قطاع غزة. أما الجزء الثالث
فيسلط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان والقانون
الدولي الإنساني التي اقترفت أو يشتبه باقترافها
من قبل الأطراف المتناحرة، ويشمل ذلك: جرائم إعدام
خارج إطار القضاء وجرائم القتل العمد؛ جرائم
اختطاف وتنكيل؛ استخدام المنازل والأبراج السكنية
في الهجمات القتالية، واستهدافها من قبل الأطراف
المتنازعة؛ الاعتداءات على المستشفيات والطواقم
الطبية وفرق الدفاع المدني؛ تعريض حياة المدنيين
للخطر في الشوارع والمنازل؛ الاعتداءات على
المسيرات السلمية؛ وأعمال التدمير والنهب والسلب
والاستيلاء على المؤسسات العامة والخاصة
والأهلية. ويتضمن الجزء الأخير من هذا التقرير
الخلاصات والاستنتاجات التي توصل لها المركز من
تحقيقاته وتوثيقه، والتوصيات التي يوجهها للأطراف
ذات العلاقة. وأخيراً يتضمن التقرير ملحقاً خاصاً
بأسماء جميع الضحايا الذين سقطوا في هذه الأحداث
المؤسفة.