مؤتمـر"الإعلام الفلسطيني....واقع وتطلعات"
المحامي راجي الصوراني
مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
الأخوات والأخوة الكرام،،،
يطيب لي بداية أن أتوجه بالشكر الجزيل لكتلة الصحفي
الفلسطيني على المبادرة بعقد هذا المؤتمر بعنوان
"الإعلام الفلسطيني...واقع وتطلعات." وما أحوجنا
في هذا الوقت بالذات للنهوض بالإعلام الفلسطيني
وتطويره ورفع أدائه، لكي يكون قادراً على المنافسة
في عالم بات يلعب فيه الإعلام دوراً متزايداً مع
التطورات المتسارعة في تكنولوجيا المعلومات وأدوات
الوصول للرأي العام المحلي والدولي.
يسعدني ويشرفني المشاركة في هذا المؤتمر، ولكني لا أدعي
الحديث باسم مؤسسات المجتمع المدني، كما هو محدد
في برنامج المؤتمر، ولا أعرف إن كان باستطاعة أحد
أن يقدم نفسه ممثلاً عن المجتمع المدني. نحن
نتحدث عن مئات منظمات المجتمع المدني، من جمعيات
وهيئات واتحادات، تتفاوت في اهتماماتها واختصاصها
ورؤاها ونشاطاتها. ولقد جرت محاولات عديدة لخلق
أطر وتجمعات تضم قطاعات محددة من هذه المنظمات،
ولكن ليس هناك جسم واحد بإمكانه الادعاء أنه يمثل
المجتمع المدني، وقطعاً ليس بإمكان أحد الادعاء
أنه يمثل المجتمع المدني أو يتحدث باسمه.
سوف أتطرق في هذه المداخلة إلى عدة عناوين، ولا أخفي
انحيازي لقيم ومبادئ حقوق الإنسان حتى في تحديد
هذه العناوين، هي:
مكانة الإعلام في منظومة حقوق الإنسان
الإعلام الفلسطيني في ظل الأزمة الراهنة
العلاقة بين وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان
ماذا نتوقع من حماس وفتح
1) مكانة الإعلام في منظومة حقوق الإنسان
يحتل الإعلام مكانة هامة في منظومة حقوق الإنسان. وعلى
الرغم من أن حقوق الإنسان متكاملة وأنها لا تقبل
التجزئة وأن المس بأحدها يشكل مساً بحقوق أخرى
كثيرة، فإن حرية التعبير والنشر وتداول المعلومات
تحظى بمكانة خاصة في مواثيق حقوق الإنسان الرئيسة،
خاصة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)
والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
(1966). كما تشكل هذه الحقوق دعامات أساسية لأي
مجتمع ديمقراطي، لأن أن من حق المواطن أن يتلقى
وأن يستقي المعلومات دون قيود بما يمكنه من بناء
أرائه وتحديد خيارته بحرية. ولا يمكن الحديث عن
عملية ديمقراطية صحيحة بدون كفالة واحترام حرية
الرأي والتعبير والحريات الصحفية، والنضال من أجل
الديمقراطية يتضمن الدفاع عن هذه الحريات.
إن النهوض بالإعلام يستوجب في الأساس العناية الخاصة
بأوضاع الحريات الصحفية، إذ أنه لا يمكن توقع
ازدهار إعلامي في ظل قمع الحريات، والتخلف
الإعلامي (الرسمي والخاص) هو سمة من سمات الأنظمة
غير الديمقراطية.
2) الإعلام الفلسطيني في ظل الأزمة الراهنة
للأسف الشديد، لعبت وسائل الإعلام، خاصة تلك المحسوبة
على حركتي حماس وفتح، دوراً سلبياً قبل أحداث
يونيو وأثناءها وبعدها، إذ يسجل عليها اللجوء إلى
لغة التحريض وزرع الأحقاد والكراهية وتنمية التعصب
ورفض الآخر. وكان من المؤسف أن توظّف تلك الوسائل
في بث ما يشبه أعمال الدعاية الحربية. ولعل هذا
الدور السلبي كان مقدمة لجملة من الاعتداءات التي
اقترفها طرفا الصراع (حركتا حماس وفتح وأذرعهما
العسكرية والأجهزة الأمنية المحسوبة عليهما) خلال
الأحداث بحق وسائل الإعلام المحسوبة على الطرف
الآخر، وهي اعتداءات مدانة وغير مقبولة وتشكل
انتهاكاً لحقوق الإنسان وللحق في حرية التعبير.
ولكن كان من المؤسف أكثر أن تتواصل الاعتداءات على وسائل
الإعلام والصحفيين بعد الأحداث وبأشكال مختلفة في
كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي قطاع غزة
كنا نأمل أن يكون لانتهاء محنة الصحفي ألن جونستون،
مراسل الـ (BBC)
والإفراج عنه سالماً صباح يوم 4/7/2007 بعد 114
يوماً من اختطافه على من قبل مسلحين في غزة
دلالات باتجاه إعادة الاعتبار للإعلام وتكريس
احترام وحماية الحريات الصحفية. ولكن للأسف
الشديد، سرعان ما تبددت الكثير من هذه الآمال بفعل
الاعتداءات المتكررة من قبل أفراد الأمن (سواء
القوة التنفيذية أو غيرها) على الصحفيين، ولا
يتبقى في الأذهان سوى مشاهد اعتداءات أفراد الأمن
على الصحفيين ومطاردتهم ومنعهم من أداء عملهم، كما
حدث في غزة بتاريخي 27/8 و7/9. ولست هنا بصدد سرد
تفاصيل تلك الاعتداءات فهي جميعها موثقة لدينا في
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وقد سبق وأن
أطلعنا دولة رئيس الوزراء إسماعيل هنية عليها، إلى
جانب غيرها من الاعتداءات.
إن المنطلق في التعامل مع وسائل الإعلام مغلوط وليس هناك
ما يبرر الاعتداء عليها مطلقاً. وبدلاً من
الاعتداء على الحريات الصحفية وتوجيه الانتقاد
لوسائل الإعلام أو لعدد من الصحفيين بأنهم منحازون
أو لا ينقلون الصورة كاملة وأنهم غير معنيون سوى
ببث مشاهد اعتداءات "تسيء إلى الحكومة،" فإن
المدخل الصحيح هو في التحقيق في الاعتداءات التي
تثثها الصحافة ومعالجة مظاهر الخلل في أداء أفراد
الأمن ومحاسبتهم. إن مثل هذه الاعتداءات هي ما
يسيء للحكومة ولن تجدي أية محاولة لمنع تصويرها أو
بثها.
3) العلاقة بين وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان
هناك علاقة وثيقة وتكاملية وهامش كبير للعمل بين وسائل
الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان. فمن ناحية، تلعب
وسائل الإعلام دوراً هاماً في نشر ما يصدر عن
منظمات حقوق الإنسان من انتقادات تتعلق بانتهاكات
حقوق الإنسان.
والكشف عن الانتهاكات وفضحها هو أداة أساسية لمنظمات
حقوق الإنسان في مواجهة تلك الانتهاكات ومنع
تكرارها والعمل على ملاحقة مقترفيها وتقديمهم
للعدالة، وبالتالي فإن وسائل الإعلام تكمل عمل
منظمات حقوق الإنسان في هذا الجانب، ومهما بلغت
إمكانية المنظمة وقدرتها الإعلامية فإنه لا غنى
لها مطلقاً عن وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها.
ومن ناحية أخرى، تلعب وسائل الإعلام دوراً هاماً
في التوعية بحقوق الإنسان وهو ما يساهم أيضاً في
توفير الحماية لأن الأساس هو تسلح الفرد بالحقوق
وأن يعرف هذه الحقوق للدفاع عنها. كما يلعب
الإعلام دوراً رئيساً أيضاً في تنمية قيم
الديمقراطية والتسامح والحوار وقبول الآخر، وهي
أمور في غاية الأهمية.
من ناحية أخرى، فإن الإعلاميين ووسائل الإعلام هم في
كثير من الأحيان ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان،
وبالتالي فهم بحاجة لمنظمات حقوق الإنسان في
الدفاع عنهم والتضامن معهم. كما أنه لا يوجد
إعلام حر بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا في مجتمع
ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان والحريات العامة بشكل
عام، في القانون والممارسة. وبهذا المعنى فإن
هناك مصلحة إستراتيجية للإعلاميين بوجود بيئة عمل
مواتية لهم، بيئة تحترم حقوق الإنسان والحريات
العامة، وهو ما تسعى من أجله منظمات حقوق الإنسان.
ولكن للأسف الشديد فإن رؤيتنا هذه للعلاقة بين منظمات
حقوق الإنسان ووسائل الإعلام قد اهتزت مؤخراً في
إطار التسييس المستمر لبعض وسائل الإعلام
وابتعادها عن المهنية والاستقلال. أتفهم وجود
صحافة حزبية، وهذا مقر قانوناً لكن حتى هنا يجب
مراعاة معايير عمل مهنية. ما لاحظناه مؤخراً هو
أن الصحافة الحزبية تطعن منظمات حقوق الإنسان في
الظهر وتسعى جاهدة لتوريطها في الصراع الدائر بين
حماس وفتح وتستخدمها بشكل انتقائي يمس بدورها
وباستقلالها. يمكن
أن أسوق عشرات الأمثلة على ذلك، فحتى البيان
الصحفي الواحد الصادر عن المركز يتم تحريفه
واستخدامه بانتقائية أو بتصرف كبير من قبل صحافة
الطرفين لمهاجمة بعضهما البعض. وبهذه المناسبة
فإنني أود التأكيد على ما يلي:
إن منظمات حقوق الإنسان هي منظمات مستقلة ومهنية، وأن
جوهر عملها هو حماية حقوق الإنسان في كل الظروف
والأحوال، وتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان
أياً كانت هوية مقترفيها، ودون أن يكون لها دوافع
أو مصالح سياسية.
ليس من دور منظمات حقوق الإنسان أن تعطي شهادات حسن سلوك
لأية جهة سياسية، وليس مقبولاً أن يوظف أو يستغل
ما يصدر عنها لذلك الغرض.
نؤمن دائماً بضرورة وجود علاقات تكاملية بين وسائل
الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان، ونتوقع أن تساهم
وسائل الإعلام في حماية حقوق الإنسان من خلال نشر
ما يصدر عن هذه المنظمات أو بواعث قلقها، لا أن
يتم استخدامها لجهات حزبية أياً كانت.
إننا نرى أن مصلحة كل الجهات الحزبية تكمن في:
أن تعي ما تقوله منظمات حقوق الإنسان وأن تبرز
الانتقادات التي توجهها لأية جهة كانت وأن تعمل
معها يداً بيد دفاعاً عن حقوق الإنسان؛
أن تعمل على التوافق مع مبادئها لا أن تجير عملها وتوظفه
لمصالح سياسية ضيقة؛
أن تصون وتحافظ على مصداقية واستقلال منظمات حقوق
الإنسان.