المرجع: 100/2007

التاريخ: 21 أغسطس 2007

التوقيت: 11:30 بتوقيت جرينتش  

  

غزة تغرق في ظلام دامس

أوقفوا العقوبات الجماعية ضد السكان المدنيين

يعبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن قلقه العميق إزاء التدهور المستمر للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وذلك جراء انقطاع التيار الكهربائي عن أكثر من نصف سكانه، بسبب وقف ضخ المحروقات اللازمة لتشغيل محطة توليد الطاقة الكهربائية فيها.  ويطالب المركز سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي والمجتمع الدولي، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي المانحة، بالوفاء بالتزاماتها تجاه السكان المدنيين الفلسطينيين، وضمان التدفق العاجل لإمدادات الوقود اللازمة لإعادة تشغيل المحطة، وذلك درءاً لخطر الكارثة المحدقة بحياة السكان المدنيين في قطاع غزة، جراء التوقف التام لعمل محطة توليد الكهرباء في قطاع غزة، ما يخلف نتائجاً كارثية على كافة مناحي حياة ما يزيد عن نصف سكان القطاع، والذين أصبحوا مهددين بالحرمان من الحصول على مياه الشرب والخدمات الصحية والبيئية المناسبة.

ومنذ تاريخ 16/08/2007 أغلقت سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي معبر ناحال عوز، المخصص لتوريد المحروقات لقطاع غزة، بما في ذلك المحروقات المخصصة لمحطة توليد الكهرباء في غزة، متذرعة بأسباب أمنية.  ورغم إعادة فتح المعبر في يوم الأحد الموافق 19/08/2007، إلا أن شركة دور ألون الإسرائيلية أوقفت كمية المحروقات البالغة نحو 270 ألف لتر من إمدادات الوقود، كانت تورد يومياً لمحطة توليد الكهرباء في قطاع غزة، وذلك لامتناع الاتحاد الأوروبي عن تسديد ثمنها للشركة الإسرائيلية الموردة، وذلك لأول مرة منذ تشكيل حماس للحكومة العاشرة في العام 2006.  وقد أعلن الاتحاد الاوروبي صباح يوم الأحد، الموافق 16/08/2007، قراره بالتوقف عن تمويل الوقود اللازم للمحطة، وذلك بسبب شكوك حول قيام الحكومة المقالة في غزة  بتحصيل فواتير الكهرباء من المواطنين، و أن هذه القيمة لا تدخل إلى حساب شركة توزيع الكهرباء.  كما أعربت اليكس دومونتي، الناطقة باسم المفوضية الأوروبية في القدس، في تصريح لوكالة فرانس برس، في نفس اليوم، بأن: " الاتحاد الأوروبي لم يسدد فاتورة تسليم الوقود لليوم (الأحد)، وإننا نعيد دراسة كل جوانب الملف.  بسبب الوضع الأمني قررنا مراجعة كل آلياتنا وأنظمتنا لتسليم مساعدتنا، وبانتظار نتائج المراجعة نأمل أن تستأنف تلك المدفوعات خلال الساعات الأربع والعشرين القادمة أو 48 ساعة كحد أقصى.

وقد جاء قرار الاتحاد الأوروبي في ظل ما تناقلته وسائل الإعلام من تصريحات على لسان د. رياض المالكي، وزير الإعلام في الحكومة الفلسطينية برام الله، يحمل فيها الحكومة الفلسطينية في غزة المسؤولية  عن احتلال شركة الكهرباء وجباية الأموال لصالحها.  وقال د. المالكي، في مؤتمره الصحفي في رام الله: " أن الحكومة في رام الله لن تسدد ثمن الوقود المخصص لمحطة توليد الطاقة، بينما حركة حماس تسيطر على أموال الشركة وتجبي أثمان الكهرباء من المواطنين متجاهلة مصالحهم.  غير أن مصادر في حركة حماس في غزة نفت ذلك، وفند النائب يحيى موسى، عضو المجلس التشريعي عن الحركة، تصريحات د. المالكي.  وقال في مؤتمر صحفي، عقده في غزة، بأن شركة الكهرباء هي شركة خاصة وأموال الجباية تدخل في حسابات شركة توزيع  الكهرباء

ومنذ أغلقت سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي معبر ناحال عوز، يوم الخميس الموافق 16/08/2007، بدأت تتضح معالم أزمة النقص الخطير في الطاقة الكهربائية في القطاع، حيث توقف على اثر ذلك إمداد محطة توليد الكهرباء بالوقود اللازم لتشغيلها.  واضطرت محطة التوليد إلى خفض طاقتها الإنتاجية إلى النصف تقريبا، واستخدام الوقود الاحتياطي الذي يكفي لـ  24  ساعة فقط.  وفي ظهر يوم السبت الموافق 18/8/2007، اضطرت المحطة إلى تخفيض طاقتها الإنتاجية ثانية، وأوقفت ثلاث مولدات  من أصل أربع مولدات كانت تعمل في المحطة.  وفي يوم  الأحد الموافق 19/8/2007، ورغم فتح قوات الاحتلال للمعبر أمام واردات القطاع من الوقود والمحروقات، غير أنها شركة دور ألون أوقفت توريد الوقود الخاص بمحطة توليد الكهرباء، بطلب من الاتحاد الأوروبي، ما تسبب في توقف المحطة عن العمل كلياً، وذلك عند الساعة الحادية عشرة قبل الظهر.

يشار إلى أنها المرة الثانية التي يواجه فيها قطاع غزة أزمة حادة في إمدادات الطاقة الكهربائية في غضون الـ 14 شهراً الماضية، وذلك في إطار تشديد سياسة العقوبات الجماعية، التي تواصل سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي فرضها على السكان المدنيين في قطاع غزة.  وكانت القوات الحربية الجوية المحتلة قد قصفت محطة توليد الطاقة الكهربائية، وذلك بتاريخ 28/06/2006، ما أدى إلى تدميرها واشتعال النيران في معظم أجزائها.  وقد أسفر ذلك عن انقطاع تام للتيار الكهربائي عن أكثر من نصف سكان القطاع.  وقد تم تدمير 6 محولات قدرة، وهي المحولات الرئيسة لإنتاج الطاقة الكهربائية، والتي كانت تمد القطاع بنحو 90 ميجاوات، أي حوالي 45% من استهلاك الطاقة الكهربائية في القطاع البالغة في حينه 200 ميجاوات، فيما كان يتم شراء نحو 110 ميجا وات من إسرائيل.  هذا مع الإشارة إلى أن الكميات المستهلكة تقل عن الاحتياجات الحقيقية للقطاع والتي تزيد عن 220 ميجاوات في حينه، وكانت شركة توزيع لكهرباء تقوم بجدولة التوزيع بما يسمح بتغطية كافة أنحاء قطاع غزة. 

وعلى الرغم من إعادة تصليح وصيانة محطة التوليد بعد نحو ستة أشهر من قصفها وتدميرها، إلا أن طاقتها الإنتاجية لم تزد عن 50 ميجاوات، بعد أن كانت تنتج نحو 90 ميجاوات قبل تدميرها، مقابل نحو 110 ميجا وات كان يتم استيرادها من إسرائيل.  وفي أعقاب ذلك اضطرت سلطة الطاقة الفلسطينية إلى استيراد نحو 17 ميجا وات من جمهورية مصر العربية، وذلك لتعويض النقص الحاد في احتياجات القطاع من الكهرباء.  وتقدر الاحتياجات الفعلية الحالية لسكان القطاع بنحو 250 ميجا وات، فيما لم يتوفر منها سوى نحو 185 ميجا وات قبل وقف إمدادات المحروقات لمحطة توليد الكهرباء.  وأدى توقف المحطة الحالي عن إنتاج نحو 50 ميجا وات من الطاقة الكهربائية، بسبب الأزمة الراهنة إلى انقطاع الكهرباء عن مساحة كبيرة من القطاع، حيث كانت المحطة تغطي نحو 27% من كمية الكهرباء التي يستهلكها القطاع.

جدير بالذكر أن العقد الموقع بين محطة توليد الكهرباء والسلطة الفلسطينية يقضي بان تقوم السلطة الفلسطينية بإمداد المحطة بالوقود اللازم لتشغيلها، وتتقاضى المحطة أجرة خدماتها التشغيلية فقط.  وبالفعل قامت السلطة الفلسطينية بإمداد المحطة بالوقود اللازم لتشغيلها منذ إنشائها، وحتى تشكيل حماس للحكومة العاشرة، وكانت تقوم بتسديد المستحقات من أموال الضرائب الفلسطينية التي تقتطعها سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي.  غير أنه ومع تشكيل الحكومة العاشرة، أعلنت السلطات الحربية المحتلة احتجاز أموال الضرائب الفلسطينية، وباتت السلطة الفلسطينية عاجزة عن القيام بالتزاماتها تجاه محطة توليد الكهرباء، وأعلن الاتحاد الأوروبي في تموز 2006 عن توفير مبلغ 12 مليون دولار أمريكي شهرياً، وذلك ضمن الآلية الدولية المؤقتة لدعم الشعب الفلسطيني، لتغطية تكاليف استيراد الوقود اللازم للمحطة منذ ذلك الوقت.

وأفادت مصادر في شركة توزيع الكهرباء بمحافظات غزة، لباحث المركز أن الأزمة الحالية تفوق الأزمة الناجمة عن تدمير محطة توليد الكهرباء في حزيران 2006، حيث عوض وفرة الوقود في حينه تشغيل الشركة لمولدات داعمة للشبكة العامة، وتشغيل عشرات المولدات الأخرى في العديد من المنشآت والمؤسسات العامة والخدماتية.  وغطت الطاقة الكهربائية الشبكة العامة، ووظفت في حينه لصالح المناطق السكنية في إطار برنامج متفق عليه مع تلك المؤسسات.  فيما تتفاقم الأوضاع مأساوية في ظل الانقطاع التام للمحروقات اللازمة لتشغيل محطة توليد الكهرباء، ما يخلف وضعاً كارثياً يتسبب بتوقف مؤسسات الخدمات الأساسية لسكان القطاع عن العمل كلياً، إذا ما استمر وقف تدفق المحروقات، ما يعكس نفسه على كافة مناحي حياة السكان المدنيين في قطاع غزة.

ووفقاً لمصادر شركة توزيع الكهرباء فإن متوسط الإيرادات الشهرية التي يتم تحصيلها من المواطنين تبلغ نحو 13 مليون شيكل ، أي ما لا يزيد عن 1% من مجموع المتأخرات المتراكمة على جمهور المشتركين، ونحو 20% من إجمالي فاتورة الاستهلاك الشهرية للقطاع.  ويصرف نحو 11 مليون شيكل منها لشركة توليد الكهرباء، نظير أجرة تشغيل المحطة فقط، فيما يصرف 2 مليون شيكل كرواتب لموظفي الشركة ومصرفات مشاريع ونفقات تشغيلية.  كما أن كافة الإيرادات التي يتم تحصيلها تودع في حساب الشركة، وتعلم بذلك كافة الجهات الحكومية، بما فيها مؤسسة الرئاسة الفلسطينية.

وتلقي تلك الأزمة بظلالها على كافة مناحي حياة الفلسطينيين، في حال استمرارها، وهناك مخاطر جسيمة تهدد معظم المرافق الحيوية في قطاع غزة، والتي تقدم الخدمات الأساسية للسكان.  وقد بدأت هذه الآثار بالظهور، خاصة في المستشفيات والمراكز والمستوصفات الطبية، والتي تعاني أصلاً من نقص في إمدادات الوقود والكهرباء، ما نجم عنه توقف العديد من الأجهزة الطبية وغرف العمليات عن العمل، فضلاً عن الخشية على مصير مستودعات الأدوية والعقاقير الطبية والدم فيها.  وما يزيد القلق أن أكثر من 700000 نسمة، هم سكان محافظتي غزة والمنطقة الوسطى، قد عاشت، ومنذ يوم أمس ظلاماً دامساً.  ويخشى من عدم قدرتهم على الحصول على كميات المياه اللازمة للشرب، خاصة في المباني العالية التي تنتشر فيها.  كما تطال أزمة نقص إمدادات الكهرباء آبار توليد مياه الشرب، مرافق الصرف الصحي ومحطات المعالجة فيهما، ما يهدد بكارثة حقيقية تهدد حياة سكان القطاع.  وفي مقابل ذلك توقفت المئات من المؤسسات الحكومية، ومؤسسات القطاع الخاص والأهلي، المصانع والشركات التجارية عن العمل بسبب انقطاع التيار الكهربائي عنها.

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يذكر سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي والمجتمع الدولي، وخاصة الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، لعام 1949 والخاصة بحماية المدنيين في أوقات الحرب، بالتزاماتها القانونية حيالهم، والخاصة بضمان توفير إمدادات الأغذية والأدوية والاحتياجات الضرورية الأخرى.  ويدعو المركز:

  1. سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي إلى وقف فرض سياسة العقوبات الجماعية ضد السكان المدنيين في قطاع غزة، والالتزام بتوفير إمدادات المحروقات الضرورية لسكان القطاع، بما يضمن إعادة تشغيل محطة توليد الكهرباء في غزة، وتوفير النقص في إمدادات الكهرباء، والناجم عن تدميرها لمحطة الكهرباء في حزيران/ يونيو من العام 2006.
  2. الدول المانحة، خاصة دول الاتحاد الأوروبي، إلى استئناف تقديم الدعم المالي المخصص لتغطية تكاليف التدفق الطبيعي اليومي للمحروقات اللازمة لإعادة تشغيل محطة توليد الكهرباء في غزة،
  3. ويطالب السلطة الفلسطينية، الرئاسة وكل من الحكومتين الفلسطينيتين في رام لله وغزة إلى القيام بواجباتها لضمان عودة تزويد محطة الكهرباء بالوقود اللازم، ووقف أية إجراءات تتسبب في عرقلة تمويل الاتحاد الأوروبي، لوقف تدهور الأوضاع الإنسانية لسكان القطاع.
  4. عدم زج السكان المدنيين في أتون التناحر السياسي، وحماية حقوقهم المدنية والسياسية، فضلاً عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.