ورقــــة موقــف

 

 

الأوضاع الداخلية الفلسطينية وتحديات الإصلاح

 

 

 

 

 

المركـــز الفلسطــيني لحقـــوق الإنســان

يتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة

عضـــــو لجنــــــة الحقـوقـييــــن الدوليــــــــة جنيـــف

عضـــو الفدراليـــة الدوليــة لحقــوق الإنســان - باريس

عضــو الشبكـة الأوروبيـة المتوسطية لحقوق الإنسان - كوبنهاجن

 

الصفحة الإلكترونية: www.pchrgaza.org

البريد الإلكتروني: pchr@pchrgaza.org

 

 

 

 

المقدمـة

 

تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة أزمة داخلية حادة تمس كافة مناحي الحياة وتهدد أمن المواطنين وسلامتهم، إضافة لتهديدها لمسيرة المجتمع الفلسطيني في الكفاح والنضال طوال عقود الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.  ومع أن جذور هذه الأزمة تعود لسنوات خلت، إلا أنها تصاعدت بشكل غير مسبوق منذ منتصف الشهر الماضي (يوليو تموز) في شكل جملة من الاعتداءات والأعمال غير القانونية نفذها أفراد ومجموعات مسلحة، بطريقة تعكس حالة الغياب الكامل لسيادة القانون وفوضى انتشار السلاح.  أعقب ذلك جملة من الإجراءات التي قامت بها السلطة الوطنية، شملت تعيينات جديدة ودمج في الأجهزة الأمنية.  ومن المؤسف أن تُغلف الاعتداءات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالدعوة للإصلاح في السلطة الوطنية ومؤسساتها.  ومن المؤسف أيضاً أن تبدو إجراءات السلطة رداً عليها وكأنها خطوات إصلاح تستجيب لمطالب إصلاحية.

 

تهدف هذه الورقة إلى توضيح موقف المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من التطورات الجارية حتى الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  فالدعوة للإصلاح دعوة مشروعة، ولكن أن تختلط بما يجري حالياً من أفعال وردود أفعال ينطوي على سوء فهم ومغالطة.  وتتطرق الورقة إلى جملة من القضايا التي يرى المركز أنها تشكل مدخلاً للإصلاح المؤسسي في السلطة الوطنية الفلسطينية.

 

تصاعدت الأزمة الداخلية منذ ساعات ظهر يوم الجمعة 16 يوليو 2004، عندما اختطفت مجموعة تطلق على نفسها "كتائب جنين" اللواء غازي الجبالي، وطالبت السلطة بإقالته والتحقيق معه على خلفية اتهامه بالفساد.  وبعد ساعات قليلة قام أفراد مجموعة ثانية تسمي نفسها "كتائب الشهيد أحمد أبو الريش" باختطاف العقيد خالد أبو العلا، مسؤول لجنة الارتباط العسكرية المشتركة في المنطقة الجنوبية، حيث وجهوا له تهماً بالفساد والتعامل مع إسرائيل، وطالبوه بتوظيف عدد من أعضاء المجموعة في الأجهزة الأمنية.  وبعد وقت قصير، اختطفت مجموعة أخرى من "كتائب الشهيد أحمد أبو الريش" أيضاً أربعة فرنسيين من عمال الإغاثة، بهدف التعبير عن الاحتجاج على تصريحات مبعوث الأمم المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط تيري رد لارسن الخاصة بالأوضاع في الأراضي الفلسطينية، والمطالبة بالإصلاح، على حد تعبير الخاطفين. 

 

ورغم أنه تم الإفراج عن كافة الرهائن بعد وقت قليل على احتجازهم، إلا أن الوضع لم يستقر.  ففي أعقاب هذه الحوادث قدم مدير المخابرات العامة اللواء أمين الهندي، ومدير جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة العميد رشيد أبو شباك، استقالتيهما للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات احتجاجاً على التدهور الأمني الداخلي.  وصباح اليوم التالي، السبت الموافق 17/7/2004، قدم رئيس الوزراء أحمد قريع استقالته للرئيس عرفات.

 

وفي غمرة هذه الأوضاع، وفي ذات اليوم، اتخذ الرئيس عرفات عدداً من الإجراءات التي بدت وكأنها رد على ما حدث واستجابة لمطالب الإصلاح المزعومة، غير أنها ساهمت أكثر في تصعيد حالة التوتر القائمة أصلاً، فيما لم تمس جوهر ومضمون الإصلاح الحقيقي.  فقد عين الرئيس اللواء موسى عرفات، الذي يشغل منصب مدير عام الاستخبارات العسكرية، قائداً لقوات الأمن الوطني خلفاً للواء عبد الرزاق المجايدة.  وعين اللواء صائب العاجز، الذي يشغل منصب مدير قوات الأمن الوطني في محافظات شمال غزة، مديراً عاماً للشرطة الفلسطينية، خلفاً للواء غازي الجبالي.  وأصدر الرئيس مرسوماً يقضي بتوحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ثلاثة أجهزة هي الأمن الوطني، الشرطة والمخابرات العامة.

 

غير أن هذه الخطوات قد قوبلت بالرفض، وجابت شوارع المحافظات الجنوبية في القطاع مسيرات احتجاج على تعيين اللواء موسى عرفات قائداً لقوات الأمن الوطني، شارك فيها مسلحون من بعض الأجهزة الأمنية و"كتائب شهداء الأقصى" التابعة لحركة فتح.  وفي مساء اليوم التالي، 18/7/2004، هاجم مئات الشبان المسلحين من جهاز الأمن الوقائي و"كتائب شهداء الأقصى" مقر الاستخبارات العسكرية في مدينة رفح.  واندلعت بين الجانبين اشتباكات أسفرت عن إصابة 14 شخصاً بجراح، توفي منهم طفل في وقت لاحق متأثراً بجراحه البالغة.

 

ومع استمرار تردي الأوضاع الأمنية، قام الرئيس عرفات بترقية اللواء عبد الرزاق المجايدة إلى رتبة فريق وعينه قائداً لقوات الأمن الوطني في محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما قام بتعين اللواء موسى عرفات قائدا لقوات الأمن الوطني في محافظات قطاع غزة، فيما قام وترقية العميد إسماعيل جبر إلى رتبة لواء وعينه قائداً للأمن الوطني في محافظات الضفة الغربية.  كما عين اللواء ربحي عرفات قائداً للقوات الحدودية في قطاع غزة، خلفاً للواء خالد سلطان، إلى جانب منصبه الحالي كقائد للارتباط العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

ولكن الخطوات الجديدة أيضاً لم تساهم في التهدئة، واتسع نطاق الأحداث لتنتقل إلى مدن الضفة الغربية.  وبلغت الاعتداءات مدى خطيراً بإطلاق النار على عضو المجلس التشريعي والوزير السابق نبيل عمرو أثناء تواجده في منزله في رام الله، مما أسفر عن إصابته برصاصتين في قدمه أدت إلى بترها فيما بعد.  وحتى إصدار هذه الورقة كانت الأوضاع الأمنية في تردٍ مستمر، حيث سجلت اعتداءات عدة في الأيام التالية تعكس حالة الانفلات الأمني وغياب سيادة القانون.  ففي نابلس، اختطفت مجموعة مسلحة يوم الجمعة الموافق 30 يوليو ثلاثة أجانب واحتجزتهم لمدة ساعتين في أحد المنازل في مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين، إلى أن تمكنت الشرطة الفلسطينية من إطلاق سراحهم بعد محاصرة المنزل.  وبعد هذا الحادث بساعات معدودة أضرم مسلحون ينتمون لكتائب شهداء الأقصى النار في مبنى محافظة جنين، وفي مبنى المخابرات في المدينة فيما يؤذن بانفجار الوضع الداخلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

 

يقف وراء هذه الأحداث دون استثناء أفراد ومجموعات محسوبة (أو كانت محسوبة) على حركة فتح.  ومع أن تسلسل الأحداث وردود الفعل قد أخذ منحىً تصاعدياً بدءاً من تاريخ 16/7 وحتى الآن، إلا أنه ليس من الواضح بعد ما إذا كان هناك ناظم بينها أو بين من يقف وراءها.        

 

لقد تجاهلت السلطة الوطنية الفلسطينية طوال سنوات مطالب الإصلاح الحقيقية التي نادت بها منظمات المجتمع المدني والقوى السياسية والمجلس التشريعي.  والخطوات التي اتخذتها السلطة مؤخراً، بما في ذلك التعيينات الجديدة، لا يمكن اعتبارها بأنها خطوات باتجاه الإصلاح، بقدر ما هي رد على الأزمة الداخلية.  كما أن منفذي الاعتداءات ليسوا دعاة إصلاح، ومن غير المقبول أن يستغلوا مطالب الإصلاح لاقتراف أعمال خطيرة كالخطف والحرق والتدمير وغير ذلك من انتهاكات لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون الإصلاح مطلباً مبرراً لها.  إن ما يجري حالياً من ممارسات على أيدي جماعات مختلفة بدعوى الإصلاح هو نتاج لفوضى السلاح وغياب سيادة القانون، ولا يخدم عملية الإصلاح بأي شكل من الأشكال، كما أنه لا يساهم في تطور الديمقراطية الفلسطينية، بل يشكل تهديداً خطيراً لها، ولمطالب الإصلاح الحقيقية.  وبالتالي فإن ما يجري من اعتداءات وانتهاكات يتنافى بشكل قاطع مع مطالب الإصلاح، بل ويعزز حالة الفساد وانعدام الأمن المتزايد بشكل خطير.

 

إن هذه الأحداث هي مؤشرات خطيرة على تردي الوضع الداخلي بشكل متزايد، قد نعجز عن السيطرة عليه لاحقاً، مما يستدعي وقفة حقيقية وجادة في هذه الفترة بالذات، والخروج بمجموعة من القرارات الهامة لوقف تدهور الوضع الفلسطيني، ولإنقاذ الوضع الداخلي من خلال القيام بجملة من إجراءات الإصلاح.  ويرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن الاستجابات والتغيرات التي قامت بها السلطة التنفيذية والتي تتمثل في مجملها بإقالة أفراد وتعيين آخرين مكانهم، إضافة إلى دمج الأجهزة الأمنية جميعها في ثلاثة أجهزة وإعلان حالة الطوارئ، لم تمس حتى الآن جوهر عملية الإصلاح، بل زادت الأمور تعقيداً وفاقمت من الأزمة القائمة.

 

إن مطالب الإصلاح تعتبر مطالب جديدة قديمة، حيث قامت منظمات المجتمع المدني، والقوى السياسية إضافة إلى المجلس التشريعي، بالمطالبة منذ سنوات عديدة بإجراء تغييرات جذرية وشاملة لكافة مكونات وعناصر السلطة الوطنية الفلسطينية، خاصة إثر نشر تقرير هيئة الرقابة العامة لعام 1996، والذي اتهم العديد من أعضاء الحكومة الفلسطينية آنذاك والشخصيات المتنفذة في السلطة الوطنية الفلسطينية بالفساد، ولم تتخذ السلطة التنفيذية أي إجراءات فعالة تكفل محاسبة هؤلاء المتهمين، كما لم يتم عزلهم حيث بقوا في مناصبهم.  ومما لا شك فيه فإن تجاهل السلطة التنفيذية المتكرر للمطالب الإصلاح ساهم بتفاقم الأزمة، والوصول لمرحلة تهدد بنسف كافة جهود الشعب الفلسطيني وكافة تضحياته، وغني عن القول أن السلطة التنفيذية هي الجهة الأولى والأساسية التي يجب أن تبدأ بإجراءات إصلاح جاد، يقتلع كافة مظاهر الفساد ويعزز مبدأ سيادة القانون واستقلال السلطة القضائية واحترام حقوق الإنسان.  وتجدر الإشارة إلى أن السلطة كانت قد بدأت بخطوات أولية في الإصلاح، إثر ضغوط خارجية وداخلية، وقد شملت هذه الإصلاحات بعض الجوانب القانونية حيث تم تعديل القانون الأساسي (الدستور المؤقت)، كما تم إصدار قانون السلطة القضائية. كما خطت السلطة خطوات باتجاه الإصلاح المالي والإداري، وجميعها كانت ضرورية ولازمة لكنها غير كافية، فهناك حاجة ملحة للمزيد من الإصلاحات والتعديلات في هذه الجوانب وغيرها.

 

يتعلق الإصلاح أولاً وأخيراً بقرار سياسي وإرادة سياسية واعية تُترجم عبر إجراءات محددة في إطار رؤية ومنهج.  ولا يكون الإصلاح أبداً من خلال سلسلة ردود أفعال على قضايا جزئية هنا وهناك، إنما هو توجه واعٍ ونهج للتغيير الحقيقي.  

 

تقسم هذه الورقة إلى قسمين أحدهما يرصد تطورات الأوضاع التي شهدتها الأراضي الفلسطينية والإضطرابات الداخلية، فيما يشمل القسم الثاني عدداً من الخطوات المقترحة من أجل عملية الإصلاح.

 


 

أولاً: ملخص تطورات الأوضاع الفلسطينية

 

يرصد هذا الجزء الأحداث والاضطرابات الداخلية التي شهدتها الأراضي الفلسطينية منذ يوم الجمعة الموافق 16 يوليو 2004 وحتى لحظة إعداد هذه الورقة.  وقد سبق ذلك عدد من الإضطرابات والاعتداءات المتفرقة التي كانت تؤذن بحصول أزمة وبتردي الوضع الداخلي. وكان لهذه التطورات دور كبير في تفاقم الوضع الداخلي، ووصوله إلى مرحلة تتطلب إجراء إصلاحات جدية لتجاوزها. 

 

الجمعة 16/7/2004

 

·  في حوالي الساعة 2:30 من بعد الظهر، اختطفت مجموعة محسوبة على حركة فتح تطلق على نفسها "كتائب شهداء جنين" اللواء غازي الجبالي مدير عام الشرطة الفلسطينية، على الطريق الساحلي بالقرب من مدخل مخيم النصيرات الغربي واقتادوه إلى مخيم البريج.  وقد تم الإفراج عن الجبالي بعد ثلاثة ساعات.  جدير بالذكر أن المختطفين ادعوا أن عملية الاختطاف جاءت على خلفية فساد الجبالي.  وقد أصيب في الحادث اثنين من مرافقي الجبالي خلال عملية اختطافه.

 

·  في حوالي الساعة 6:00 مساءً، اختطف أفراد مجموعة محسوبة على حركة فتح تطلق على نفسها "كتائب الشهيد أحمد أبو الريش" العقيد خالد أبو العلا، مسؤول لجنة الارتباط العسكرية المشتركة في المنطقة الجنوبية، واقتادوه إلى جهة مجهولة في مدينة خان يونس.  وادعى الخاطفون أن الهدف من خطف أبو العلا هو مطالبته بتوظيف عدد من أعضاء المجموعة في الأجهزة الأمنية. وقد تم الإفراج عن أبو العلا فجر اليوم التالي، بعد أن وجه له الخاطفون تهماً بالفساد والتعامل مع إسرائيل.

 

·  في حوالي الساعة 9:30 مساءً، اختطفت مجموعة أخرى من "كتائب الشهيد أحمد أبو الريش" أربعة فرنسيين بينهم امرأتان من عمال الإغاثة العاملين ضمن فريق التوأمة بين مخيم خان يونس ومقاطعة افري الفرنسية أثناء تواجدهم في مقهى الفقعاوي في خان يونس.  وقد اقتادوا الرهائن إلى مبنى تابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في حي الأمل في المدينة، بعد أن أجبروا عدداً من العاملين على إخلاء المبنى وسيطروا عليه. وإثر تدخل بعض الجهات تم الإفراج عن الامرأتين، وفي حوالي الساعة الواحدة من بعد منتصف الليل تم الإفراج عن الفرنسيين الآخرين.  وقال أحد الخاطفين أن الهدف من هذه العملية هو الاحتجاج على تصريحات مبعوث الأمم المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط تيري رد لارسن المتعلقة بالأوضاع في الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى المطالبة بمكافحة الفساد.

 

·  قدم اللواء أمين الهندي مدير المخابرات العامة، والعميد رشيد أبو شباك مدير الأمن الوقائي استقالتيهما للرئيس ياسر عرفات احتجاجاً على الأوضاع الداخلية المتردية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك بعد إطلاق سراح غازي الجبالي.

 

السبت 17/7/2004

 

·  أعلن مجلس الأمن القومي الفلسطيني حالة الطوارئ في الأراضي الفلسطينية، تم بمقتضاه نشر أفراد من الشرطة الفلسطينية حول المؤسسات والوزارات، كما تقرر وقف الإجازات لجميع أفراد الأمن والشرطة.

 

·  في ساعات الصباح، قدم رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع استقالته إلى الرئيس ياسر عرفات، التي بررها بعدم تمكن الحكومة الفلسطينية من وضع حد لحالة الانفلات الأمني والفوضى الداخلية، وطلب من الرئيس عرفات اعتبار الحكومة حكومة تسيير أعمال. كما أبلغ مجلس الوزراء في اجتماعه الطارئ صباح ذلك اليوم بالاستقالة.

 

·  عين الرئيس ياسر عرفات اللواء موسى عرفات مدير عام الاستخبارات الفلسطينية، قائداً لقوات الأمن الوطني إلى جانب منصبه الحالي، خلفاً للواء عبد الرزاق المجايدة، كما عين العميد صائب العاجز مدير قوات الأمن الوطني في محافظات شمال غزة مديراً عاماً للشرطة الفلسطينية بدلاً من اللواء غازي الجبالي.

 

·  اجتمعت لجنة خاصة شكلت في المجلس التشريعي الفلسطيني برئاسة روحي فتوح رئيس المجلس التشريعي، مع رئيس الوزراء أحمد قريع الذي قدم تقريراً خاصاً عن حالة الفوضى، بهدف تدارس حالة الانفلات الأمني في قطاع غزة.

 

·  جابت شوارع المحافظات الجنوبية في القطاع مسيرات احتجاجية على تعيين اللواء موسى عرفات قائداً لقوات الأمن الوطني، شارك فيها مسلحون من بعض الأجهزة الأمنية وكتائب شهداء الأقصى، كما جابت شوارع مدينة غزة مسيرات مشابهة.

 

·  في ساعات المساء، أصدر الرئيس ياسر عرفات مرسوماً رئاسياً يقضي بتوحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ثلاثة أجهزة هي الأمن الوطني، والشرطة، والمخابرات العامة.

الأحد 18/7/2004

 

·  في ساعات الصباح، هاجم مسلحون فلسطينيون موقعاً للاستخبارات العسكرية بمنطقة قيزان النجار في مدينة خان يونس، احتجاجاً على تعيين اللواء موسى عرفات، وأضرموا فيه النار وأحرقوا أربع سيارات تابعة لجهاز الاستخبارات، واحتجزوا أفراد الأمن العاملين فيه، كما استولوا على كمية من الأسلحة.

 

·  جابت مسيرات ضخمة محافظات رفح، خان يونس، الوسطى وغزة، احتجاجاً على تعيين اللواء موسى عرفات، ولمطالبة القيادة الفلسطينية بتنفيذ الإصلاح وبمحاربة الفساد، شارك فيها عناصر من الأجهزة الأمنية وكتائب شهداء الأقصى.

 

·  قدم اللواء جمعة غالي قائد قوات البحرية الفلسطينية استقالته إلى الرئيس ياسر عرفات، احتجاجاً على الأوضاع السائدة في قطاع غزة وحالة الانفلات الأمني والفوضى.

 

·  في حوالي الساعة 8:30 مساءً، هاجم مئات الشبان المسلحين الذين شاركوا في مسيرة دعت إليها كتائب شهداء الأقصى في مدينة رفح، مقر قوات الاستخبارات العسكرية الواقع في شارع أبو بكر الصديق شرق ميدان العودة وحاصروه، واعتلوا المباني المجاورة، وطالبوا من بداخله الاستسلام، وعندما رفض عناصر الاستخبارات الاستسلام بدأوا في إطلاق النار العشوائي وإلقاء الأكواع والزجاجات الحارقة، مما أدى لاشتباك عناصر الاستخبارات معهم، وأصيب نتيجة هذه الاشتباكات 18 فلسطينياً ثلاثة منهم إصابتهم خطيرة، غالبيتهم من المدنيين العزل، بينهم مصور صحفي يدعى أحمد البابا الذي يعمل لصالح وكالة رويترز للأنباء.  وقد أعلنت المصادر الطبية يوم الاثنين الموافق 26/7/2004 عن وفاه الفتى هاني منصور الشاعر، 16 عاماً، الذي كان يعاني من إصابة خطيرة في الرأس أصيب بها أثناء تواجده في شارع أبو بكر الصديق خلال هذه الاشتباكات، علماً بأنه لم يكن مشاركاً في المسيرة.

 

الاثنين 19/7/2004

 

·  قام الرئيس ياسر عرفات بترقية اللواء عبد الرزاق المجايدة إلى رتبة فريق وعينه قائداً لقوات الأمن الوطني في محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، كما قرر تعيين اللواء موسى عرفات قائداً لقوات الأمن الوطني في محافظات قطاع غزة، إضافة لترقية العميد إسماعيل جبر إلى رتبة لواء وعينه قائداً لقوات الأمن الوطني في محافظات الضفة الغربية.  وتظهر هذه الخطوات أن الرئيس لم يرضخ للاحتجاجات، خصوصاً فيما يتعلق بتعيين اللواء موسى عرفات.

 

الثلاثاء 20/7/2004

 

·  نقلت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) 20 من عامليها من قطاع غزة إلى مدينة القدس، حرصاً منها على حياتهم بعد حالة الفوضى والانفلات الأمني التي سادت قطاع غزة.

 

الأربعاء 21/7/2004

 

·  اختطف مسلحون فلسطينيون السيد فضل الشولي، مسؤول القرى في محافظة نابلس، ونقلوه إلى جهة مجهولة في مخيم بلاطة، وقد تم إطلاق سراحه بعد ساعتين.

 

·  عقد المجلس التشريعي الفلسطيني جلسة طارئة لتدارس حالة الفوضى في قطاع غزة، ولمناقشة تقرير وتوصيات اللجنة الخاصة التي شكلت من أجل دراسة الوضع السياسي والميداني في قطاع غزة، وقد حث المجلس في نهاية اجتماعه الرئيس عرفات على قبول استقالة رئيس حكومة أحمد قريع، التي حملها مسؤولية الأحداث الأخيرة.  كما طالب بالعمل على إنهاء حالة الفوضى في قطاع غزة.  وتم تشكيل وفد للتوجه إلى الرئيس ياسر عرفات لتسليمه التوصيات.

 

·  في ساعات الصباح، تجمهر عدد من المسلحين الفلسطينيين داخل مبنى بلدية دير البلح، وحطموا عدداً من النوافذ والممتلكات الخاصة بالبلدية، مطالبين رئيس البلدية العمل على إيصال المياه المقطوعة عن المخيم منذ أن دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي شبكات المياه، كما قام عدد من المسلحين بالاستيلاء على سيارة رئيس البلدية سامي أبو سليم.

 

·  أطلق مسلحون فلسطينيون مجهولو الهوية النار على الوزير السابق وعضو المجلس التشريعي نبيل عمرو أثناء تواجده في منزله، مما أدى إلى إصابته برصاصتين في قدمه اليمنى، نقل على إثرها للعلاج في مستشفى الشيخ زايد بمدينة رام الله ومنه إلى الأردن، ثم إلى ألمانيا لاحقاً، حيث بترت ساقه.

 

السبت 24/7/2004

 

·  في حوالي الساعة الخامسة فجراً، اقتحمت مجموعة مسلحة محسوبة على حركة فتح تضم حوالي 20 شخصاً مبنى محافظة خان يونس، وعبثت بمحتويات المبنى، كما منعت الموظفين من الدخول إليه.  وقد طالبت المجموعة بإعادة تعيين العناصر الأمنية الذين تم إقالتهم مؤخراً، وإقالة موسى عرفات من منصبه.  ولم تنته الأزمة إلا حوالي الساعة 11:30 صباحاً بعد الاتصالات التي أجراها الرئيس ياسر عرفات مع المجموعة، وتفاوض القوى الوطنية والإسلامية والأجهزة الأمنية معهم.

 

·  قامت مجموعة فلسطينية مسلحة مجهولة الهوية بإحراق مركز شرطة قرية الزوايدة في محافظة الوسطى، وقد تسبب الحريق في إحراق مركز الشرطة كاملاً بما فيه من محتويات، كما امتد ليدمر غرفة الجباية التابعة لمجلس قروي الزوايدة، الذي يقع بجوار مركز الشرطة.

 

·  عين الرئيس ياسر عرفات اللواء ربحي عرفات قائداً لقوات الأمن الحدودية في قطاع غزة، إلى جانب منصبه الحالي قائداً للارتباط العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما عين اللواء خالد سلطان قائد قوات الحدودية السابق مستشاراً للرئيس.

 

·  حاصرت مجموعة فلسطينية مسلحة مجهولة الهوية مبنى وزارة الداخلية الفلسطينية في شارع نابلس في مدينة قلقيلية وسط إطلاق كثيف للنيران.  واقتحم عدد منهم المبنى وشرعوا في تفتيشه، بينما طوق الآخرون المبنى، وطالبت المجموعة بفصل المسؤول الأمني في فرع الوزارة في قلقيلية حيث اتهموه بالفساد.

 

الجمعة 30/7/2004

 

·  في ساعات المساء اختطفت مجموعة فلسطينية مسلحة ثلاثة أجانب في مدينة نابلس واقتادوهم إلى مخيم بلاطة للاجئين.  وكان الأجانب الثلاثة وهم أمريكي وبريطاني وايرلندي في طريق عودتهم إلى منزلهم، حين اعترض طريقهم أربعة مسلحين فلسطينيين مجهولي الهوية واحتجزوهم لمدة ساعتين.  وقد تم الإفراج عنهم بعد أن حاصرت الشرطة الفلسطينية المنزل الذي احتجزوا فيه في المخيم.


 

 

 السبت 31/7/2004

 

·  في ساعات الصباح أضرم مسلحون فلسطينيون ينتمون لكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح النار في مبنى محافظة جنين.  وقد أعلن قائد في كتائب شهداء الأقصى في جنين أن أعضاء من الكتائب أضرموا النار في مبنى المحافظة بسبب غضبهم على رفض محافظ جنين الجديد قدورة موسى تنفيذ مطالبهم المتمثلة في دفع مرتبات لمسلحي الكتائب أو التعاون معهم.

 

·  وبعد ساعات من حرق مبنى المحافظة، قام مسلحون من كتائب شهداء الأقصى بإضرام النيران في مبنى المخابرات في مدينة جنين.  حيث اقتحم مسلحون مبنى المخابرات في المدينة وأضرموا فيه النيران بعد أن دمروا محتوياته، كما منعوا سيارات الدفاع المدني من الوصول إلى المبنى.  وقال قائد كتائب شهداء الأقصى زكريا زبيدي إن التصعيد يأتي رداً على قيام المخابرات الفلسطينية بتعقب عناصر المقاومة وجمع المعلومات عنهم والتجسس عليهم. 

 

الأحد 1/ 8/2004

 

·  اقتحم ما يقرب من خمسين مسلحاً فلسطينياً ينتمون لكتائب شهداء الأقصى اجتماعاً شارك فيه أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني ومسؤولون كبار في فتح، لبحث مسألة الفساد والوضع المتدهور في مدينة نابلس، وقاموا بتفريق المشاركين في الاجتماع بعد أن فتحوا النار في المكان، دون أن تقع إصابات.

 

·  نظمت كتائب شهداء الأقصى في مخيم جنين مسيرة ظهر اليوم، شارك فيها ما يقرب من 200 مسلح يتصدرهم زكريا الزبيدي قائد كتائب الأقصى في المخيم، والهدف من هذه المسيرة كما أوضح الزبيدي هو التأكيد على أن أحداث الحرق التي نفذتها الكتائب في اليوم السابق ليست موجهة للرئيس ياسر عرفات، كما حاولت بعض الجهات في فتح تصويرها.  فيما يرى مراقبون أن هذه المسيرة عبارة عن استعراض للقوى بدأ يشهد مظاهر أكثر حدة في الفترة الأخيرة، حيث تهدف هذه المسيرة للرد على جهات أخرى في كتائب الأقصى تحاول التقليل من وزن التنظيم الذي يتزعمه الزبيدي.


 

الاثنين 2/8/2004

 

·  بعد منتصف ليل الأحد بدقائق، قام مسلحون مجهولون يستقلون سيارة بإطلاق النار باتجاه منزل رئيس بلدية نابلس السابق غسان الشكعة، المقرب من الرئيس الفلسطيني، ولم يسفر هذا الهجوم عن أي إصابات، كما لم تعرف دوافعه.

 

 

ثانياً: خطوات مقترحة من أجل الإصلاح

 

تتطلب عملية الإصلاح أول ما تتطلب قراراً سياسياً وإرادة سياسية بالتغيير الحقيقي، تُترجم في سلسلة من الخطوات التي يتوجب على السلطة الوطنية القيام بها.  وفيما يلي عدداً من المطالب المحددة والأساسية لعملية الإصلاح، تتعلق بالعملية الانتخابية، وبالأجهزة الأمنية، والسلطة القضائية، والنيابة العامة وأداء الإدارات الحكومية، إضافة لهيئة الرقابة العامة، وأوضاع حقوق الإنسان.

 

 

1. الانتخابات العامة والمحلية

 

بقدر ما توفر الانتخابات أداة لاختيار الحكام بطريقة تعكس إرادة الشعب فإنها تعتبر وسيلة للمساءلة والمحاسبة.  إن إخضاع الحكام دورياً لاختبار الإرادة الشعبية هو بحد ذاته طريقة لمساءلتهم ومحاسبتهم.  وبالتالي، ففي سياق الحكم الديمقراطي لا يكفي أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة، إنما دورية أيضاً.

 

منذ إجراء الانتخابات العامة في يناير 1996، لم تخضع قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية لاختبار الشرعية الديمقراطية في انتخابات عامة جديدة.  وبموجب اتفاقية التسوية المرحلية، تنتهي فترة ولاية مجلس السلطة في مايو 1999، أي مع انتهاء الفترة الانتقالية، وكان من المفترض عقد انتخابات عامة جديدة منذ ذلك الحين، الأمر الذي لم يتم حتى يومنا هذا.  ولم تسعَ السلطة الوطنية جدياً حتى لعقد انتخابات جزئية لملء المقاعد الشاغرة في المجلس التشريعي.[1]  ترافق ذلك مع تعثر عملية التسوية وعدم وفاء إسرائيل بالتزاماتها، خصوصاً عدم تنفيذ المراحل اللاحقة من إعادة انتشار قواتها في الضفة الغربية، واستمرار النشاطات الاستيطانية بصورة سرطانية في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة.  وقد تراجعت فرص عقد انتخابات فلسطينية عامة أكثر فأكثر مع اندلاع الانتفاضة في سبتمبر 2000 وما رافقها من جرائم حرب تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي اقترافها بحق المدنيين الفلسطينيين حتى الآن.  

 

أما على مستوى الحكم المحلي فيبدو أن المساعي الفلسطينية الرسمية التي بُذلت على مدى الأعوام الماضية لم تكن جدية في سبيل عقد انتخابات مجالس الهيئات المحلية.  لقد أقرت السلطة الوطنية قانون انتخابات مجلس الهيئات المحلية في العام 1996، غير أنها لم تعطِ دفعة حقيقية في سبيل عقد تلك الانتخابات لا قبل هذا التاريخ ولا بعده.  وعلى مدى السنوات الماضية تراجعت السلطة الوطنية مراراً عن قرارات أو إعلانات بشأن إجراء تلك الانتخابات رغم تحديد موعد أو سقف زمني لها.   وما تزال جميع مجالس الهيئات المحلية الفلسطينية معينة من قبل السلطة التنفيذية، وهي تفتقر بالتالي لشرعية ديمقراطية وتستمد شرعيتها من السلطة التنفيذية التي فقدت هي الأخرى شرعيتها الديمقراطية مع عدم عقد انتخابات عامة جديدة.

 

منذ العام 1997 تذرعت السلطة الوطنية بوجود الاحتلال وبالمأزق السياسي الذي تشهده عملية السلام وعدم تنفيذ إسرائيل لمراحل عملية الانتشار المستحقة بموجب اتفاقية التسوية المرحلية.  ولكن كان معلوماً أن الانتخابات العامة في يناير 1996 لم تُعقد في شروط وظروف أقل بؤساً.  وكان واضحاً أن التراجع عن إجراء الانتخابات المحلية كان محاولة لإقصاء المعارضين السياسيين وخشية من وصولهم إلى مجالس الهيئات المحلية في وقت كانت تتراجع فيه شعبية السلطة الوطنية.  وأمام التصريحات المعلنة لمعظم القوى السياسية الوطنية والإسلامية، بمن فيها القوى التي قاطعت الانتخابات العامة عام 1996، حول عزمها خوض الانتخابات المحلية، لم يكن هناك خيار آخر سوى تأجيل إجراء هذه الانتخابات عاماً تلو عام والإبقاء على مجالس معينة في الهيئات المحلية.  ومع الأسف الشديد فإن الجهات الدولية التي تطالب الآن السلطة الوطنية بإجراء انتخابات كانت أول المتفهمين لمخاوف القيادة الفلسطينية!

 

يُدرك المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان العقبات التي تحول دون عقد انتخابات، خصوصاً الانتخابات العامة، في ظل الأوضاع السياسية والميدانية الراهنة والتصعيد المستمر في جرائم الحرب التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  ويقع على عاتق المجتمع الدولي التدخل لوقف هذه الجرائم، والعمل الجاد من أجل توفير البيئة المناسبة لإجراء الانتخابات.   ولكن يقع على السلطة الوطنية مسؤولية الشروع الجدي في التحضير لهذه الانتخابات، العامة والمحلية على السواء، بما في ذلك:

·  الإسراع في إجراء تعديلات على قانون الانتخابات الصادر بمرسوم رئاسي عام 1995 أو إصدار قانون جديد، بما يكفل إجراء انتخابات حرة ونزيهة.  ويجب أن يضمن القانون التعددية السياسية والتمثيل النسبي لكافة أو معظم الخيارات السياسية الفلسطينية، بقدر ما يحيد العشائرية والعائلية والولاءات المحلية الضيقة.

·  الإسراع في إجراء تعديلات على قانون انتخابات مجالس الهيئات المحلية رقم (5) لعام 1996،[2] والتحضير الجدي لهذه الانتخابات، بما في ذلك تحديد موعد لعقدها إما في جميع الهيئات مرة واحدة، أو على مراحل ضمن جدول زمني معقول وقابل للتطبيق.

·     التأكيد على دورية الانتخابات العامة والمحلية في كل الظروف والأحوال، تجسيداً لمبدأ التداول السلمي للسلطة.

 

2. الأجهزة الأمنية

 

بتاريخ 17 يوليو 2004 صدر مرسوم رئاسي يقضي بتوحيد كافة الأجهزة الأمنية التي تقارب الـ12 جهازاً في ثلاثة أجهزة هي الأمن الوطني، والشرطة، والمخابرات العامة.  ورغم أن أثر هذا المرسوم غير واضح حتى الآن على عمل الأجهزة الأمنية ومستوى أدائها، إلا أننا نرى أن الأساس في إصلاح الأجهزة الأمنية لا يتعلق بعددها، وأن جملة من الأمور يجب أخذها في الحسبان في هذا الشأن، بما في ذلك:

·     التأكيد على دور الأجهزة الأمنية كقوة مكلفة بإنفاذ القانون وأنها تعمل في نطاقه وبموجبه، وأن أفرادها يخضعون لسيادة القانون.

·  من المحظور أن يكون لهذه القوة دور سياسي ويجب إخضاعها تماماً للسلطة السياسية، لا أن تعمل كجزر مستقلة بعيدة عن سيطرة المستوى السياسي.

·  التشديد على وجود لوائح وأنظمة تحدد واجبات واختصاصات كل جهاز أمني، بشكل يكفل عدم تداخل صلاحياتها.  وينبغي التشديد أيضاً على الملاحقة القضائية لأفراد الأجهزة الأمنية الذين ينتهكون القانون، ويستغلون مناصبهم ووظائفهم في الاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم.

·  تطغى مظاهر العسكرة على المجتمع الفلسطيني مما يهدد أمنه وسلامته، ويعطل عملية تحوله لمجتمع مدني ديمقراطي يتمتع بسيادة القانون.  ومن مظاهر العسكرة التي تنتشر بشكل كبير خاصة منذ بدء الانتفاضة الحالية في أيلول 2000، انتشار أعداد كبيرة من مختلف الأجهزة الأمنية في الشوارع، والمسيرات والاستعراضات المسلحة، واستخدام السلاح في حل النزاعات بين الأفراد سواء من قبل رجال الشرطة أو من قبل أفراد عاديين، أو مجموعات مسلحة، أو من قبل فصائل وجهات فلسطينية مختلفة.  ولخطورة هذه الظاهرة وانعكاساتها السلبية يفترض العمل بشكل سريع وفعال للسيطرة عليها والحد منها، عن طريق تفعيل القانون، وملاحقة المخالفين، ومنع أفراد الأجهزة الأمنية من التواجد في الشوارع بلباسهم العسكري وبأسلحتهم، ما لم يكن واجبهم ودورهم يقتضي ذلك.

 

3. السلطة القضائية

 

للسلطة القضائية أهمية خاصة ودور كبير في تطبيق القانون، وفي إيقاع العقوبات بحق الأفراد الذين ينتهكون القانون ويعتدون على حريات وحقوق الآخرين.  باعتبارها دعامة هامة وأساسية من دعائم أنظمة الحكم الديمقراطية، ولأداء دورها على أكمل وجه، بصفتها واحدة من السلطات الثلاث،  يجب العمل على:

·  تعزيز دور القضاء المدني واستقلاله، بحيث لا يخضع لأي تدخل أو تأثير آخر باستثناء القانون، الذي يعتبر هو المرجعية الوحيدة والأساسية له.  لذا يجب أن تلتزم السلطة التنفيذية باحترام استقلال السلطة القضائية.

·  إلغاء محاكم أمن الدولة ووقف عملها كلياً، حيث تشكل هذه المحاكم وصمة عار في جبين القضاء المدني الفلسطيني، خاصة وأن إجراءات المحاكمة فيها تنتهك المعايير الدولية والدستور الفلسطيني المؤقت وقانون السلطة القضائية، وقانون تشكيل المحاكم، التي تؤكد على استقلال السلطة القضائية، وعلى حق كل متهم في التمتع بمحاكمة عادلة ومستقلة ومحايدة، بشكل منصف وعلني، وذلك للفصل في حقوقه والتزاماته.

·     السلطة التنفيذية مطالبة بتنفيذ أحكام القوانين سالفة الذكر والتي تتعلق بآلية تشكيل مجلس القضاء الأعلى وبتشكيل محكمة دستورية. 

·     ضرورة قيام السلطة القضائية بالإشراف على السجون ومراكز الاعتقال، لضمان قانونية إجراءات الاعتقال، ولضمان تقديم المعتقلين للقضاء.

·  وجود معمل جنائي ومؤسسة للطب الشرعي يخضعان للرقابة القضائية وللإشراف من قبل وزارة العدل، يعتبران أمران أساسيان لبناء قضاء مدني مستقل ونزيه.

 

4. النيابة العامة

 

يعتبر منصب النائب العام أحد المناصب الرئيسية الهامة لتحقيق سيادة القانون وحماية حقوق المواطنين، باعتبارها القيمة على الحق العام، ومهمتها هي التحقيق في الجرائم ورفع الدعوى القضائية ومباشرتها.  وقد تعرض أداء النيابة العامة لكثير من الانتقادات طوال السنوات الماضية، بسبب التدخلات المستمرة في عملها من قبل السلطة التنفيذية، وعجز النيابة العامة عن القيام بالمهام الموكلة لها بموجب القانون.  لذا فإن هناك حاجة ملحة لإجراء العديد من الإصلاحات على عمل هذه المؤسسة  الرسمية، منها :

·  التأكيد على منصب ودور النائب العام، باعتباره الشخص الذي يتولى الدعوى العمومية باسم المواطنين الفلسطينيين، والقيم على المصلحة العامة.  والعمل على تمكينه من القيام بصلاحياته المنصوص عليها في القانون على أكمل وجه، دون تدخل من أي جهة، خاصة وأن التدخلات المستمرة من قبل السلطة التنفيذية في عمل النيابة العامة واستمرار تجاهل تطبيق القانون أدى إلى إضعاف هذه المؤسسة، وإلى فقدانها لهيبتها ومكانتها. 

 

·  اضطلاع النيابة العامة بمسؤوليتها، وقيامها بملاحقة الجناة ومرتكبي الاعتداءات والمخالفات بشكل جدي، وتقديمهم للقضاء ليلقوا العقاب اللازم، للتأكيد على أن لا جريمة بدون عقاب.  كما أن النائب العام مطالب بالالتزام بالقانون في إجراءات اعتقال الأفراد واحتجازهم وضرورة تقديمهم للمحكمة، وبتنفيذ القرارات الصادرة عن المحاكم وخاصة تلك القرارات الصادرة عن المحكمة العليا.

 

·  التأكيد على مبدأ سيادة القانون ووضع حد لكافة التجاوزات، خاصة تلك التي تصدر عن جهات متنفذة، تضع نفسها فوق القانون، وتعتبر نفسها بمنأى عن المساءلة والمحاسبة، فتعتدي على حقوق المواطنين وعلى الممتلكات العامة، لتحقيق مكاسب ومنافع شخصية.  والأحداث الأخيرة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية خير شاهد على حالة الفساد والانفلات الأمني التي تعيشها الأراضي الفلسطينية، حيث قامت فئات معينة بتنصيب نفسها سلطة تنفيذية وقضائية، وبدأت باحتجاز واختطاف مسئولين بتهم الفساد، وهو الأمر الذي يرفضه المركز الفلسطيني حيث أن مسؤولية التحقيق مع المسؤولين والمتهمين بالفساد هي من واجب السلطتين التنفيذية ممثلة بالنيابة العامة والسلطة التشريعية، كما أن تقديمهم للمحاكمة واجب يقع على عاتق النيابة العامة، إضافة إلى السلطة القضائية.

 

5. الإدارات الحكومية

 

في ظل الوضع المتردي الذي تشهده الإدارات الحكومية، وعجز هذه الإدارات عن تقديم خدماتها للمواطنين بالمستوى اللائق، وتنازعها فيما بينها على الصلاحيات، إضافة لتكدسها بموظفين غير منتجين يفتقرون للمؤهلات العلمية اللازمة.  في ضوء كل ذلك تظهر الحاجة الملحة لإجراء عملية إصلاح جذرية تطال كافة الإدارات التي تشكل العامود الفقري للسلطة التنفيذية، وتشمل هذه الإجراءات:

·  تطبيق قانون الخدمة المدنية رقم (4) لسنة 1998 بشقيه المالي والإداري لضمان خلق فرص المنافسة المبنية على معيار الكفاءة و الأقدمية بين مختلف الموظفين العاملين في الوظائف العمومية، مما سيساهم في تطوير الوظيفة العمومية بشكل يخدم عملية بناء الوطن، وتنميته وفق أسس تحقق العدالة الاجتماعية في مجتمعنا، وتقضي على العديد من الأوضاع غير الصحية القائمة على أساس نظام الولاء والعلاقات الفردية أو العائلية أو الانتماءات السياسية.

·  قيام الدوائر الحكومية بوضع مشاريع هياكلها التنظيمية التي تتلائم مع قانون الخدمة المدنية، وتشتمل على التقسيمات الوظيفية المختلفة، وتحدد فيها اختصاصات كل وظيفة.

·  تطهير كافة الكوادر الحكومية من الأشخاص المتطفلين، الذين يتلقون رواتبهم من المال العام، دون أن يكونوا على رأس عملهم، أو دون أن يقدموا أية خدمات تذكر لقاء رواتبهم، باستثناء ولاءاتهم السياسية المعلنة لهذه الجهة أو تلك من المتنفذين.

·     الفصل التام بين الحكومة وإداراتها وبين الحزب الحاكم، فأعضاء وقيادات الحزب يتمتعون بامتيازات خاصة في المؤسسة الرسمية.

 

6. هيئة الرقابة العامة

 

تم تشكيل هيئة الرقابة العامة بموجب المرسوم الرئاسي رقم (22) لسنة 1994.  وصدر القانون رقم (17) لسنة 1995 بشأن هيئة الرقابة العامة، في ديسمبر من العام ذاته، أي قبل نحو ثلاثة أشهر من تنصيب المجلس التشريعي الفلسطيني.  وبحسب القانون فإن هذه الهيئة تتبع بشكل مباشر لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وتهدف إلى " تحقيق الرقابة على المال العام وضمان حسن استغلاله، كما تعمل على تطوير السياسات والإجراءات الإدارية وتحسين الأداء والإنتاج"، ولتحقيق الهدف المنوط بهذه الهيئة يجب العمل على:

·  تشكيل الهيئة بطريقة تكفل استقلالها التام، وتمكينها من عملها بعيداً عن هيمنة السلطة التنفيذية، بما ينسجم مع الدستور الفلسطيني (القانون الأساسي)، والفقرة الثالثة من المادة (96) التي تنص على أن "يعين رئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية بقرار من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وبمصادقة المجلس التشريعي"، لذا فيجب أن يتم إعادة تشكيل أعضاء هيئة الرقابة وعرضهم على المجلس التشريعي، وذلك لضمان تمتع هذه الهيئة بأكبر قدر من الاستقلالية، والبعد عن سيطرة السلطة التنفيذية، حتى تتمكن من أداء مهامها على أفضل وجه.  كما يجب أن يتم اختيار رئيسها ونائبه وكافة الموظفين فيها وفقاً لمعايير محددة تضمن تمتعهم بأكبر قدر من المهنية والنزاهة والسمعة الحسنة، ليمارسوا دورهم الرقابي على النحو الأكمل.

·  العمل على اتخاذ إجراءات جدية تكفل تمتع هيئة الرقابة العامة بالاستقلالية وبالصلاحيات المطلوبة واللازمة لقيامها بواجبها، ومن هذه الصلاحيات حقها في الوصول للمعلومات، وحقها في مراقبة أداء عمل المؤسسات الحكومية، وفي التحقيق مع أي مؤسسة أو مسئول أو موظف حكومي في حال وجود سبب يستدعي ذلك.  ويفترض أن تكون كافة التقارير التي تصدر عن هيئة الرقابة علنية، وأن تنشر ليطلع عليها كافة المواطنين  الذين يجب أن يتمتعوا بحقهم في تلقي المعلومات.  إضافة إلى أنه من الضروري العمل على تقديم كل من وجهت له تهم بالفساد أو سوء استعمال المنصب أو أية مخالفات إدارية ومالية إلى النيابة العامة للتحقيق معه وتقديمه للقضاء.

 

7. حقوق الإنسان

 

لارتباط وضع حقوق الإنسان بعملية الإصلاح، وبالتوجه الديمقراطي لأي نظام حاكم، فإنه من الأهمية بمكان العمل على تنفيذ العديد من الإجراءات للتأكيد على احترام السلطة الوطنية الفلسطينية لحقوق الإنسان في إطار عملية الإصلاح الجارية، ومن هذه الإجراءات:

·  إعادة التأكيد على التزام السلطة بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، وتفعيل المادة (10) من القانون الأساسي المعدل بتاريخ 18 مارس 2003، والتي تؤكد على أن السلطة الوطنية الفلسطينية ستعمل "دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان". 

·  دمج المواثيق والمعايير الدولية في القوانين الفلسطينية، بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، واتفاقية حقوق الطفل 1989، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1979، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة 1984. 

 

ورغم أن رصد الأحداث على الساحة الفلسطينية يظهر تراجعاً في تلك الانتهاكات الخاصة بحقوق الإنسان الصادرة عن السلطة الوطنية الفلسطينية، إلا أنه ليس من الواضح إذا ما كان سبب هذا التراجع هو احترام حقوق الإنسان، أو ضعف أداء المؤسسة الرسمية.  خاصة وأن هناك تصاعداً في الانتهاكات الصادرة عن جماعات مسلحة، ترتبط بعلاقات مع المؤسسة الرسمية، ولا يتم التعامل مع هذه الانتهاكات من جانب السلطة التنفيذية وجهاز النيابة العامة بجدية، حيث يتم تجاهلها وعدم التحقيق فيها ومتابعة الجناة.


 

 

الخاتمــة

 

ساهم الوضع الداخلي المتردي الذي شهدته الأراضي الفلسطينية مؤخراً في زيادة المطالب التي تنادي بضرورة القيام بعملية إصلاح جذرية وشاملة لكافة أجهزة ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية.  خاصة وأن استمرار الوضع على ما هو عليه يشكل تهديداً كبيراً لمسيرة المجتمع الفلسطيني بأكمله.  وباعتبار أن عملية الإصلاح هي مسؤولية مجتمعية شاملة تطال المستويين الرسمي والمجتمعي، فإن هناك حاجة ماسة لتضافر الجهود من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية بمؤسساتها التنفيذية والتشريعية، ومن جانب المجتمع الفلسطيني بقواه السياسية ومؤسساته المدنية. 

 

و هذه الورقة التي تتضمن رؤية وتوجهات المركز الفلسطيني لعملية الإصلاح تأتي من منطلق الإيمان بأن عملية الإصلاح في جوهرها تمثل قوة ورافداً للمجتمع ولمؤسسته الرسمية.  كما أنها تشكل ضرورة حتمية للخروج من الأزمة المتفاقمة، والتي لا يمكن التنبؤ بتبعاتها على مستقبل المجتمع الفلسطيني، وعلى ما ستؤول إليه أوضاع السلطة الوطنية الفلسطينية.

 

إن جبهة فلسطينية قوية هي ضرورة أساسية لتعزيز الكفاح الفلسطيني من أجل تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة الديمقراطية التي يسودها حكم القانون.

 

 

  

 


 

[1] هناك أربعة مقاعد شاغرة في المجلس التشريعي من أصل ثمانية وثمانين مقعداً بعد استقالة النائب عن محافظة غزة د. حيدر عبد الشافي (1998)، ووفاة كل من النائب عن محافظة غزة الشيخ وجيه ياغي (2002)، النائب عن محافظة جنين أحمد ارشيد (2003)، والنائب عن الطائفة السامرية سلوم الكاهن (2004).

[2] بتاريخ 26 يونيو 2004، توجه المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان رسالة إلى رئيس وأعضاء المجلس التشريعي يدعوهم فيها إلى إدخال تعديلات على قانون انتخابات مجالس الهيئات المحلية.  أُرفقت الرسالة بمذكرة تضمنت ملاحظات المركز على القانون، منها ما يتعلق باللجنة المشرفة على الانتخابات وضرورة وضع معايير تكفل نزاهتها واستقلالها عن السلطة التنفيذية، هذا بالإضافة إلى الدعوة لتشكيل هيئة وطنية واحدة للإشراف على الانتخابات العامة والمحلية، بدلاً من وجود لجنيتين كما هو الحال الآن.  وأمام ضعف المشاركة السياسية للمرأة، دعا المركز إلى ضمان تمثيل نسوي في مجالس الهيئات المحلية ضمن ما يعرف بـ "مبدأ التمييز الإيجابي"، ولو بشكل مؤقت، وفقاً لاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز للمرأة.