سويسرا ووثيقة جنيف: تقويض سيادة القانون

 

يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بشدّة مشاركة سويسرا في ما يسمى "وثيقة جنيف"[1] وموافقتها عليها.  ويؤكّد المركز على أن تأييد سويسرا لوثيقة جنيف يتعارض مع واجباتها كدولة مودعة لديها اتفاقيات جنيف[2] وكطرف سامٍ متعاقد على اتفاقية جنيف الخاصة بحماية المدنيين في وقت الحرب لعام 1949 (اتفاقية جنيف الرابعة). 

 

وثيقة جنيف والقانون الدولي الإنساني

 

"وثيقة جنيف" هي "مقترح للسلام" غير رسمي صاغته وتبنّته مجموعة من الشخصيات الفلسطينية والإسرائيلية[3] برعاية وزارة الخارجية السويسرية، وقد أصدرت في شهر أكتوبر 2003 وقدّمت على أنها "تحقيق للسلام في الوضع النهائي حسب التصور الموجود في عملية خارطة الطريق التي ترعاها اللجنة الرباعية".[4]  وتهدف الوثيقة إلى وضع رؤية مفصّلة وشاملة لـ "الحلول الوسط" المطلوبة[5] من أجل تحقيق "المصالحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين."[6]  وقد تم تسويق وثيقة جنيف على أنها "اختراق" قي مفاوضات السلام، ولكن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يؤكّد بأن "توصيات" الوثيقة تشكّل تقويضاً غير شرعي للحقوق الأساسية الفردية والجماعية للفلسطينيين، وتمسّ بسيادة القانون من خلال المراوغة حول التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة. 

 

إن وثيقة جنيف، في تعارض مباشر مع روح ونصوص القانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة،[7] لا تطلب من إسرائيل أن تتخلّى عن كافة الأراضي التي تمّت مصادرتها من أجل النشاط الاستيطاني، وأن تسحب جميع المستوطنين اليهود وقوات الاحتلال من الأراضي الفلسطينية المحتلة.  كما أن نموذج "الدولة" الفلسطينية المستقبلية الذي ترتئيه وثيقة جنيف يسمح بمواصلة انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة، منكرة حق الفلسطينيين في تقرير المصير والدفاع عن النفس،[8] وتلغي الحقوق الأساسية لنحو خمسة ملايين لاجئ فلسطيني من خلال منح حكومة إسرائيل القدرة على الاعتراض على أي أو كل المطالب من اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم في ما هي الآن مناطق إسرائيل.[9]

 

ولم تكتف وثيقة جنيف بعدم محاسبة إسرائيل على جرائم الحرب المنظمة وواسعة النطاق التي تقترفها يومياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل إنها تحاول أيضاً خلق عملية تشريع، يصبح من خلالها الاستعمار الإسرائيلي، ومصادرة الأراضي الفلسطينية، وحرمان السكان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير باستخدام القوة الحربية ترتيباً دائماً تحت ستار اتفاق "قانوني" حول الوضع النهائي.  

 

دور سويسرا في تقويض القانون الدولي الإنساني

 

تقع على عاتق سويسرا مسئوليات محدّدة كطرف سامٍ متعاقد على اتفاقية جنيف الرابعة أو كدولة مودعة لديها اتفاقيات جنيف.  كطرف سامٍ متعاقد، يقع على عاتق سويسرا التزام واضح بـ "ضمان احترام الاتفاقية في كافة الظروف" (المادة الأولى) وبشكل محدّد "ملاحقة المسئولين عن اقتراف مخالفات جسيمة للاتفاقية" (المادة 146).  إن إيداع اتفاقيات جنيف لدى سويسرا يضع على عاتقها مسئوليات خاصة، من ضمنها مسئوليات إدارية: 1) تسجيل المعاهدات لدى الأمم المتحدة، 2) ترتيب إعداد وإنجاز ترجمات رسمية للمعاهدات، 3) إرسال ترجمات رسمية ونسخ معتمدة من المعاهدات إلى الأطراف السامية المتعاقدة و"أطراف النزاع".[10]    

 

لقد أخفقت سويسرا بصورة مستمرة في الوفاء بمسئولياتها كدولة مودعة لديها اتفاقيات جنيف، وطرف سامٍ متعاقد على اتفاقية جنيف الرابعة، ومن ضمن ذلك الالتزام الواضح بمحاسبة إسرائيل على الانتهاكات الخطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة التي تقترفها بصورة مستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  إن هذا التقصير الكامل في محاسبة إسرائيل على أفعالها كان واضحاً خلال مؤتمري الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة اللذين عقدا بتاريخ 15 يوليو 1999 ثم بتاريخ 5 ديسمبر 2001.  عقد المؤتمران وفقاً لقرارات صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تدعو إلى عقد مؤتمر من أجل مناقشة اتّخاذ إجراءات إنفاذ عملية لإجبار إسرائيل على وقف الانتهاكات لاتفاقية جنيف الرابعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  وأخفق المؤتمران في تحقيق الهدف الأساسي منهما، وأظهرا أيضاً عدم جاهزية سويسرا لاستخدام موقعها القيادي من أجل ضمان تبني آليات إنفاذ ذات مغزى، بل في الواقع، فسّر كثيرون العملية والطريقة التي نظّمت وعقدت فيها سويسرا المؤتمرين على أنها كانت رغبة من جانبها باستخدام مكانتها من أجل تقويض الهدف من المؤتمر.[11]     

 

يؤكّد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأن تأييد سويسرا لوثيقة جنيف يتعارض مع التزامها القانوني لإنفاذ أحكام اتفاقية جنيف الرابعة.  ويؤكّد المركز أيضاً بأن هذا التأييد يشكّل تحوّلاً كاملاً في سياسة حكومة سويسرا من تقبّل انتزاع الأراضي بشكل غير قانوني، ونقل السكان، والانتهاكات المنظمة للحقوق الفلسطينية التي تقترفها الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى تبني حقيقي وعملية تشريع لهذه الأساليب، وهو ما يشكّل مخالفة فعلية لالتزامها باحترام الاتفاقية.[12]  علاوة على ذلك، حسب مبدأ حسن النوايا الواضح في المادة 26 من اتفاقية فينا حول قانون المعاهدات[13]، يعتقد المركز الفلسطيني بأن مكانة سويسرا المميّزة كدولة مودعة لديها اتفاقية جنيف تتطلّب مسئولية بوضع معايير حسنة الصيت حول ممارسة الدولة التي تدعم وتعزّز القانون الدولي الإنساني.  بالتالي، فإن تأييد وتبني الدولة المودعة لديها اتفاقيات جنيف وطرف سامٍ متعاقد على هذه الاتفاقيات لـ "اقتراح" يتعارض بشكل صارخ مع نص وروح اتفاقية جنيف الرابعة، والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني، فقط يؤدّي إلى تقويض وإزالة المعايير التي يتضمنها قانون النزاعات المسلحة، ويشجّع إسرائيل على اقتراف المزيد من الانتهاكات للاتفاقية. 

 

يصرّ المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان على أن سويسرا، كطرف سامً متعاقد ولمكانتها كدولة مودعة لديها اتفاقيات جنيف، عليها التزام واضح بضمان تطبيق القانون الدولي الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالتعاون مع الحكومات الأخرى، حتى كأساس لأية مفاوضات من أجل تحقيق السلام.   بالتالي، فإن تأييد سويسرا لوثيقة جنيف، التي هي عبارة عن مبادرة غير حكومية تتجاهل القانون الدولي الإنساني، يتعارض مع هذه الالتزامات.  وبذلك أسهمت تصرّفات سويسرا في تقويض سيادة القانون بتشجيع الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة على تجاهل التزامها التعاقدي بضمان احترام الاتفاقية.   

 

 

التاريخ: 13 نوفمبر 2003

 

 


 


[1] يشار إليها أيضاً باسم "مبادرة جنيف".

[2] اتفاقيات جنيف المؤرّخة في 12 أغسطس 1949:

-          اتفاقية حنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان  

-          اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار

-          اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب

-          اتفاقية جنيف الخاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب

[3] كان وزير العدل الإسرائيلي السابق يوسي بيلين، ووزير الإعلام الفلسطيني السابق ياسر عبدربه هما الشخصيتين الرئيسيتين في صياغة الوثيقة.

[4] وثيقة جنيف، الديباجة، الفقرة.11

[5] وثيقة جنيف، الديباجة، الفقرة 3.

[6] وثيقة جنيف، الديباجة، الفقرة 12. 

[7] راجع على سبيل المثال اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 49، الفقرة 6، التي تحظر نقل السكّان إلى الأراضي المحتلة، وهو ما يعتبر جريمة حرب حسب البروتوكول الإضافي الأول، المادة 85(4)(أ)؛ والمادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادتين 46 و55 من القواعد الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة فيما يتعلّق بقوانين وأعراف الحرب على الأرض لعام 1907 (قواعد لاهاي)، والتي تحظر مصادرة الأراضي المحتلة من قبل قوة الاحتلال، وهو ما يعتبر جريمة حرب أيضاً حسب المادة 85 من البروتوكول الإضافي الأول.  راجع أيضاً اتفاقية جنيف الرابعة، المادتين 27 و47 التي تحمي الحقوق الأساسية للأشخاص المحميين في الإقليم المحتل؛ واتفاقية جنيف الثالثة، المادة 4، والبرتوكول الإضافي الأول، المواد 43، و44، و48، التي تنص على الحق في المقاومة والدفاع عن النفس في وجه الغزو. 

[8] حسب وثيقة جنيف، فإن "دولة" فلسطين المستقبلية ستكون ممنوعة من تشكيل جيش للدفاع في مواجهة الاعتداءات الخارجية [المادة 5(3)]، ولن تكون لها سيادة أو سيطرة على مجالها الجوي وحدودها [المادة 5(9)(ب) والمادة 5(12)(ج)].  علاوة على ذلك، تسمح ترتيبات جنيف بتواجد قوات الاحتلال الإسرائيلي وأفراد مخابراتها بشكل دائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة مع تمتّعها بالقدرة على القيام بعمليات عسكري [المادة 5(7)(و) والمادة 5(8)(أ)(و)].  وأكثر من ذلك، لا تضع وثيقة جنيف نهاية للاحتلال غير القانوني للأراضي الفلسطينية، بدلاً من السيطرة الإسرائيلية، ستأتي "قوة متعددة الجنسيات" تقودها على الأرجح الولايات المتحدة لتقوم مقام قوة الاحتلال، ويمكن سحبها فقط بموافقة إسرائيلية [المادة 5(6)(أ)(ج)(و)]. 

[9] راجع وثيقة جنيف، المادة 7. 

[10] للحصول على قائمة شاملة تتضمّن مقالات تحدّد هذه المسئوليات راجع: فلاديمير سوفت، وج. أشلي روتش، فهرس القانون الدولي الإنساني، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف، 1987. 

[11] راجع "ورقة موقف للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وجمعية القانون حول مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة"، 22 نوفمبر 2001،www.pchrgaza.org .  

[12] اتفاقية جنيف الرابعة، المادة الأولى. 

[13] المادة 26 – "حسن النوايا: كل معاهدة ملزمة لأطرافها ويجب تطبيقها بإخلاص."