PCHR

المركز الفلسطيني لحقوق الانسان

 

 

السعى الفلسطيني لإحلال السلام والإستقرار في المنطقة يواجهه تصميم إسرائيلي على المضي قدما في إقتراف مخالفات جسيمة للقانون الدولي، وتعميق معاناة المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تمحورت سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه عملية السلام مع الفلسطينين- خلال الثلاث سنوات والنصف الماضية- حول فلسفة تقضي بضرورة تغيب أي شريك فلسطيني في تلك العملية كذريعة لتبرير خطواتها أحادية الجانب، وتصعيد عدوانها ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم. هذه السياسة- التي أخذت ملامحها في التبلور خلال مؤتمر هرتسليا الشهير في نوفمبر 2003 (الذي أعلن من خلاله رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرئيل شارون عن نيته بإتخاذ خطوات أحادية الجانب: "خطة الفصل عن قطاع غزة التي طبقت في سبتمبر "2005)، إصطدمت خلال الأسابيع القليلة الماضية بنجاح الفلسطينيين في التوصل إلى اتفاق وطني حول "وثيقة الأسرى" ذائعة الصيت.  فعلى ما يبدو أن الإتفاق حول هذه الوثيقة (خصوصاً بين حركتى حماس وفتح) وضع تلك الحكومة وسياساتها في ورطة حقيقية.  فبعدما نجحت تلك الحكومة- على مدار الأشهر الأخيرة الماضية- في تجنيذ الرأي العام الأوروبي والدولي لصالح سياساتها أحادية الجانب، خصوصاً بعد صعود حركة حماس للسلطة في يناير 2006، وإعلانها عن رفضها الإعتراف بإسرائيل، أو بعملية السلام، أو نبذ العنف- جاء الإتفاق حول هذه الوثيقة (لتي تضمنت اعترافاً ضمنياً من قبل حماس بقرارات الأمم المتحدة، خصوصاً قراراي مجلس الأمن 242 و338 القاضيان بالإنسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران 1967) ليحرمها من ذرائعها الخاصة بعدم وجود شريك فلسطيني، وليعزز من موقف الفلسطينيين المطالب بدولة مستقلة في حدود الرابع من حزيران 1967، في إطار تسوية سياسية مع الحكومة الإسرائيلية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

 في ظل هذا التطور، باتت الحكومة الإسرائيلية ورئيس وزرائها الحالي ايهود أولمرت أمام المجتمع الدولي العائق الوحيد أمام إقامة دولة فلسطينية في إطار قرارات الشرعية الدولية.  هذا الأمر دفع تلك الحكومة إلى تصعيد إجراءاتها العسكرية بحق المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، بهدف خلق وقائع جديدة على الأرض، تعيق تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وتنسجم مع الطموحات الإسرائيلية بمنح الفلسطينيين دولة مفقودة/محدودة السيادة في مساحة لا تتجاوز حدود قطاع غزة، و 42% من مساحة الضفة الغربية، وفي ظل سيطرة إسرائيلية على كافة أوجه السيادة الخارجية لهذه الدولة: بما يشمله ذلك من سيطرة على المعابر الجوية، البرية، والبحرية.  ولعل مشهد الطفلة هدى غالية وهي تصرخ مقتل سبعة من أفراد عائلتها على شاطئ بحر غزة شمال القطاع، يبرز ليس فقط حجم بشاعة جرائم الحرب التي ترتكب بحق المدنيين الفلسطينين، ولكن أيضاً مدى تصميم تلك الحكومة على المضي قدماً في خيارها العسكري، وإستخدام القوة لفرض شروطها على الفلسطينيين. هذه "العربدة" العسكرية-السياسية لحكومة أولمرت خلقت حالة من الإحتقان والغضب بين أوساط الشعب الفلسطيني، وأدت- في نهاية المطاف- إلى العملية العسكرية التي نفذتها مجموعة فلسطينية مسلحة على معبر كرم أبو سالم جنوب قطاع غزة في صبيحة 25 يونيو 2006، وقتلت خلالها جنديين إسرائيليين وأسرت أخر. وبالطبع رأت حكومة أولمرت في عملية أسر الجندي الإسرائيلي الذريعة الأمثل لشن عملية عسكرية واسعة النطاق ضد المدنيين الفلسطينين وممتلكاتهم في قطاع غزة، تحت مبرر تحرير الجندي المذكور من قبضة خاطفيه. وعلى الرغم من أن القانون الدولي يكفل للحكومة الإسرائيلية الحق في إتخاذ ما تراه مناسباً من الإجراءات لحماية جنودها في مناطق العمليات العسكرية، إلا أن القانون نفسه، وخصوصاً إتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949،  يؤكد على ضرورة أن لا تتاثر سلامة وأمن المدنيين وممتلكاتهم بتلك الإجراءات، إنسجاماً مع مبدأي "شخصانية الجرم" (عدم معاقب شخص بذنب إقترفة شخص آخر)، و"التناسب في إستخدام القوة".  برغم ذلك، وكما يستدل من الإجراءات التي ما زالت تتخذها تلك الحكومة بحق قطاع غزة، وقع المدنيين الفلسطينيين ضحية لحملة منظمة ومنهجية من الإنتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان، شملت ما يلي:

-        عزل القطاع عن العالم الخارجي، وحرمانه من تلقي المساعدات الإنسانية، بما يشمله ذلك من الطعام والأدوية.

-        إستهداف البنية التحتية للقطاع، من خلال قصف محطات توليد الكهرباء، وحرمان ما لا يقل عن 80% من سكانه من حقهم في تلقي الطاقة الكهربائية.  ولم يقتصر الأمر على هذا الحد، بل إمتد ليشمل حرمان السكان من حقهم في تلقي المياة، حيث يعتمد القطاع بأكمله على الطاقة الكهربائية لضخ المياه في المنازل والمنشات المدنية.

-        تقطيع أواصر القطاع الجغرافية من خلال قصف الثلاثة جسور التي تربط جنوبه بشماله، وبالتالي عزل سكان جنوب القطاع، وحرمانهم في حقهم في التواصل مع أهلهم في الشمال، بطريقة اعادت إلى الأذهان سياسة الحواجز العسكرية التي عمدت الحكومة الإسرائيلية إلى إتباعها في قطاع غزة قبل أن تعيد إنتشارها منه في سبتمبر 2005، ولا زالت تتبعها في الضفة الغربية حتى وقتنا هذا.

-        قيام الطائرات الحربية الإسرائيلية (ألـ "أف-16" و"الاباتشي") بشن العشرات من الغارات على المناطق المكتظة بالسكان وإطلاق قذائف تجاه تلك المناطق تصل وزنها في بعض الأحيات ألـ 1000 كيلو جرام.

-        إلى جانب، تعمد طائرات الحرب الإسرائيلية (وخصوصاً ألـ "أف-16) إلى التحليق في سماء القطاع على إرتفاعات منخفضة جدا، قبل إختراق حاجز الصوت، وأحداث صوتاً شبيها بصوت الإنفجارات (القنابل الصوتية)ن مما يؤدي إلى غثارة الفرع بين السكانن وخصوصاً بين الأطفال والشيوخ.  وعادة ما تطلق تللط الطائرات هذه القنابل الصوتية في أوقات متاخرة من الليل أو صباحاً، بهدف بث أكبر قدر من الفزع بين السكان المدنيين.

-        وفقاً للتقديرات، تطلق المدفعية الإسرائيلية يومياً ما يين 200-300 قذيفة دباية بإتجاه المناطق الماهولة بالسكان في شمال قطاع غزة.  ويؤكد شهود العيان أن العشرات من تلك القذائف كانت قد سقطت في مناطق لا تبعد اكثر من مائتي  متر عن منازل سكنية ماهولة بالسكان.

-         لا تقتصر الحملة على إستهداف المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، بل تمتد لتشمل أيضاً استهداف إرادتهم المجسدة في ممثليهم في المجلس التشريعي الفلسطيني والحكومة الفلسطينية.  فقد اعتقلت قوات الإحتلال الإسرائيلي ما لا يقل عن 25 نائباً من حركة حماس، وثمانية وزراء من الحكومة الفلسطينية، بطريقة توضح- وبشكل جلي- مدي الإستخفاف الإسرائيلي بقادة وممثلي الشعب الفلسطيني.

-        ويزداد الأمر سوءً اذا علم أن الحصار الإسرائيلي على القطاع أدى إلى شح المحروقات والوقود المتاح للسكان المدنيين، وهو الأمر الذي يعني عدم قدرة العديد من المنشات المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمراكز الطبية، على تقديم خدماتها للمواطينين، خصوصاً أن الغالبية العظمى منها تعتمد على الوقود والمحروقات في تشغيل أجهزتها الطبية، وبالتالي تقديم الخدمات للمواطنين.

نوع وحجم العملية بالشكل المشار إليه أعلاه يوضح- وبشكل جلي- أن قضية أسر الجندي لم تكن إلا بمثابة "قميص عثمان" الذي إستخدمته حكومة أولمرت لتبرير عدوانها على القطاع.  الواقع أن الحكومة الإسرائيلية- ومنذ شهور مضت- عكفت على وضع الخطوط العريضة لحملة عسكرية لإعادة إحتلال القطاع – لفترة مؤقتة لا تتجاوز الأيام المعدودة-بهدف إعادة ترسيم حدوده بما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية (المستندة على الفلسفة أحادية الجانب) لتسوية الصراع مع الفلسطينيين استناداً إلى دولة فلسطينية معدومة/محدودة السيادة في قطاع غزة وما لا يزيد عن 42% من مساحة الضفة الغربية.  وكانت المعضلة التي تواجه تنفيذ هذه الحملة تتعلق بالتوقيت، ومدي الإستعداد الأمريكي لدعمها.  فعلى الرغم من أن مواقف حكومة حماس المتشددة تجاه عمليه السلام، والإعتراف بحق الإسرائيل في الوجود، ونبذ العنف، وفرت الأرضية الصلبة لحكومة أولمرت للمطالبة بدعم الإدارة الأمريكية لهذه الحملة،  إلا أنه- وعلى ما يبدو- رات تلك الإدارة أن تلك المواقف المتشددة لحكومة حكومة لا تبرر شن حملة عسكرية على القطاع، بقدر ما تبرر فرض عقوبات إقتصادية ودبلوماسية على تلك الحكومة، من خلال وقف مساعدات الدول المانحة لها، ومقاطعتها في المحافل الدولية والإقليمية.  وهذا بالفعل ما تم. إلا أنه-وبنجاح الفلسطينيين بأسر الجندى الإسرائيلي خلال عملية كرم أبو سالم الأسبوع الماضي- باتت الإدراة الأمريكية في وضع المتقبل للضغط الإسرائيلي لشن هذه الحملة على القطاع، تحت مبرر تحرير الجندي المذكور من خاطفيه.  هذا ما عبرت عنه كونزاليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، عندما اعنلت قبل أيام مضت بأن إسرائيل تمتلك الحق في إتخاذ كافة الإجراءات التي تكفل إعادة الجندي الإسرائيلي إلى وطنه.  هذا الموقف جاء بمثابة الضوء الأخضر لقوات أولمرت الإحتلالية لإتخاذ الإجراءات المشار إليها بحق المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، بطريقة باتت تعرض أهالي القطاع لكارثة إنسانية وشيكة.

في ظل هذا العدوان الإسرائيلي المساند من قبل إدارة بوش، وفي ظل الصمت الرسمي للمجتمع الدولي والعربي على هذا العدوان، فانه من المستغرب أن نجد بعض الأصوات الدولية تطالب الفلسطينيين وحكومتهم بضبظ النفس، وإتخاذ مواقف أكثر عقلانية وموضوعية.  فبدلاً من فرض عقوبات سياسية ودبلوماسية وإقتصادية على الحكومة الإسرائيلية لإقترافها جرائم الحرب بحق المدنيين الفلسطينيين، نجد تلك الأصوات تطالب "الضحية" (الفلسطينيين) بعدم الدفاع عن أنفسهم من خلال عدم الرد على جرائم الحرب تلك.  هذا الموقف من قبل المجتمع الدولي، والعربي أيضاً، من شأنه أن يدفع المنطقة بأكملها إلى "شريعة الغاب" بدلا من "شريعة القانون والعدل والمساوة"، ويساهم أكثر في سيادة نمودج "بن لادن" في المنطقة، بدلاً من سيادة القانون الدولي الإنساني، بمبادئه المستنده على فلسفة المساوة، العدل، المحبة، والسلام. 

وعليه فانه من المؤكد أن الحملة العسكرية الإسرائيلية المسماه بـ "أمطار الصيف" لن تستقبل من قبل أهالي القطاع بالورود والترحاب، ولكن بالعنف المشابه للعنف الإسرائيلي، الأمر الذي سيؤدي في -نهاية المطاف- إلى دفع المنطقة- مرة أخرى-إلى دائرة من العنف المتبادل.  ولكنه هذه المرة سيكون هذا العنف أكبر عمراً، وأشد خطورة، وأكثر إنتهاكاً لحقوق الإنسان في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

 

راجي الصوراني

1 يوليو 2006.