PCHR

المركز الفلسطيني لحقوق الانسان

التاريخ: 20 إبريل 2006

 

عقاب الضحية

ورقة موقف للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من قرار وقف المساعدات الدولية للسلطة الوطنية الفلسطينية

في أعقاب الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في يناير الماضي، وفوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأغلبية المقاعد البرلمانية وتشكيلها للحكومة الفلسطينية الجديدة، قررت كل من كندا والولايات المتحدة الأميركية، تبعهما الاتحاد الأوروبي واليابان، تعليق مساعداتها المالية للسلطة الوطنية الفلسطينية.  وقررت هذه الأطراف، عوضاً عن ذلك، الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية عبر مؤسسات الأمم المتحدة وعبر المنظمات غير الحكومية.

تتضمن هذه الورقة موقف المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من هذه التطورات المتسارعة التي سيكون لها انعكاسات خطيرة خلال الفترة القادمة، تتجاوز حدود الأوضاع المعيشية والإنسانية للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  وإذ تعبر هذه الورقة عن استياء المركز وخيبة أمله من ازدواجية المعايير من جانب الأطراف الدولية المذكورة وتسييسها للقانون الدولي وتوظيفه وفقاً لمصالح واعتبارات سياسية ضيقة، فإنها تظهر أيضاً مخاطر هذه القرارات، ليس فقط باعتبارها عقاباً جماعياً للشعب الفلسطيني وزيادة لمعاناته الاقتصادية والاجتماعية، بل وعلى المجتمع المدني الفلسطيني والمنظمات الأهلية في المنطقة العربية بأسرها، وذلك للاعتبارات التالية: 

1) منذ سنوات عديدة ومنظمات حقوق الإنسان وغيرها من منظمات المجتمع المدني وهي تطالب المجتمع الدولي بالتدخل الفاعل والجاد واتخاذ إجراءات عملية في مواجهة التحدي المستمر من جانب دولة إسرائيل وقوات احتلالها لقواعد القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وذلك من أجل إجبارها على احترام التزاماتها التعاقدية حيال المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، تزايدت المطالب من جانب منظمات المجتمع المدني المحلية والإقليمية والدولية بضرورة التدخل الدولي لحماية المدنيين الفلسطينيين، أمام التصعيد المستمر في جرائم الحرب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني (كما تحددها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب) التي تواصل قوات الاحتلال اقترافها ضد المدنيين الفلسطينيين.[1]  وتستند هذه المطالب المشروعة إلى:

2) بالرغم من ذلك، كان هناك فشل مزمن من جانب المجتمع الدولي، خاصة الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة ودول الاتحاد الأوروبي، في الوفاء بالالتزامات القانونية المذكورة أعلاه.  وشكل ذلك عاملاً مشجعاً لدولة إسرائيل (قوة الاحتلال الحربي) للإمعان في تحديها للقانون الدولي والتصرف كدولة فوق القانون تحظى بحصانة سياسية وقانونية خاصة، والمضي قدماً في جرائمها وانتهاكاتها ضد المدنيين الفلسطينيين بل وتصعيدها إلى مستوى غير مسبوق.  وشملت هذه الجرائم والانتهاكات: الاستخدام المفرط للقوة وجرائم القتل العمد والإعدامات خارج إطار القانون؛ التوسع الاستيطاني وضم الأراضي والاستمرار في تدشين جدار الضم؛ تدمير الممتلكات المدنية؛ فرض العقوبات الجماعية بما فيها الحصار وفرض قيود مشددة على الحركة والتنقل؛ التعذيب وسوء المعاملة؛ وإنكار العدالة للمدنيين الفلسطينيين بما في ذلك حرمانهم من التعويض عن الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال بحقهم بل وعدم التحقيق في الآلاف من تلك الجرائم.[3]  وعلى مدى الأعوام الستة الماضية، أسفرت هذه الإجراءات عن أزمات إنسانية حادة وتدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة والفقر.

3) كانت المطالب التي وجهتها منظمات المجتمع المدني إلى المجتمع الدولي (خاصة الأطراف السامية المتعاقدة على الاتفاقية والاتحاد الأوروبي) معقولة وفي نطاق الالتزامات القانونية الواقعة على تلك الأطراف.  وعلى سبيل المثال، لم تتضمن المطالب الموجهة لدول الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على دولة إسرائيل، إنما تفعيل المادة الثانية من اتفاقية الشراكة ووقف الامتيازات الممنوحة لإسرائيل بموجب الاتفاقية حتى تذعن الأخيرة لالتزاماتها.  ولم تكن المطالب الموجهة للأطراف السامية أكثر من دعوة لعقد مؤتمر لتلك الأطراف لمناقشة الخيارات التي من شأنها أن تجبر إسرائيل على احترام الاتفاقية، وكذلك العمل على ملاحقة المسؤولين عن اقتراف مخالفات جسيمة للاتفاقية.

4) أمام التصعيد في الجرائم والانتهاكات التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين، كان من المؤمل أن تجد هذه المطالب آذاناً صاغية وأن يبادر المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات عملية ضد دولة إسرائيل لضمان امتثالها لقواعد القانون الدولي.

5) ولكن للأسف الشديد وبدلاً من معاقبة إسرائيل على جرائمها، تم معاقبة الضحية، أي معاقبة الشعب الفلسطيني والمدنيين الفلسطينيين الرازحين تحت نير الاحتلال الحربي الإسرائيلي.

6) إن القرارات بوقف المساعدات المالية للسلطة الوطنية الفلسطينية هو عقاب للشعب الفلسطيني بأسره على خياره الديمقراطي، لا عقاباً لحماس.  لقد جاءت الانتخابات التشريعية الأخيرة وما تمخض عنها من نتائج تتويجاً لسلسة من الخطوات في إطار عملية تحول ديمقراطي فريدة من نوعها.  وبالرغم من ظروف الاحتلال وتعقيداته، تمكن الشعب الفلسطيني من إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تشكل نموذجاً فريداًُ على مستوى المنطقة العربية بأسرها، وذلك بشهادة حتى الحكومات التي قررت وقف المساعدات وفرض العقوبات.

7) سوف يكون لهذه القرارات انعكاسات خطيرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية في الأراضي الفلسطينية المحتلة المتدهورة أصلاً منذ عدة سنوات بسبب الحصار وسياسة تدمير الممتلكات، بما في ذلك تدمير الأراضي الزراعية والاستيلاء على الأراضي، وغيرها من السياسات الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين.  وحسب معطيات البنك الدولي يعيش أكثر من 50% من الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت خط الفقر، وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 70% في قطاع غزة.  وتصل نسبة البطالة إلى 34% في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكنها ترتفع إلى 44% في القطاع، وتزداد إلى أكثر من 55% في فترات الإغلاق الشامل الذي تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع.  وتشير المعطيات الاقتصادية الدولية أيضاً إلى تدني خطير في مستوى الدخل الفردي وصل إلى نحو 40% من مستوى الدخل قبل الانتفاضة.  ومن المحتم أن تتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أكثر فأكثر، خاصة عدم قدرة السلطة الوطنية على دفع رواتب موظفيها وبالتالي انضمام أكثر من 150 ألف موظف إلى طابور العاطلين عن العمل! 

8) يرفض المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بشدة توجهات الدول التي أوقفت مساعداتها بإقحام منظمات المجتمع المدني الفلسطيني في سياساتها من خلال التصريحات المعلنة من جانب تلك الدول بأنها ستستمر في تقديم مساعدات مالية من خلال منظمات المجتمع المدني.  وفي هذا الشأن، يحذر المركز من :

9) إن القرارات بوقف المساعدات تفتقر للمنطق وتثير سخط واستياء منظمات المجتمع المدني، بما فيها منظمات حقوق الإنسان والقوى الداعية للديمقراطية فلسطينياً وعربياً.  ويحذر المركز من العواقب الخطيرة لهذه القرارات على مستوى الرأي العام الفلسطيني والعربي وتأثيراتها السلبية من حيث:

10) لقد وقع العالم بأسره في شراك سياسات إسرائيل وما تكرسه من خطوات أحادية الجانب في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  وبعد حصارها وعزلها للرئيس الراحل ياسر عرفات،  سرّعت إسرائيل من خطواتها وسياساتها أحادية الجانب بذريعة عدم وجود شريك فلسطيني، بما في ذلك الاستمرار في تشييد بناء الضم والتوسع الاستيطاني وقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية.  وبعد وفاة الرئيس عرفات في نوفمبر 2004، واختيار محمود عباس (أبو مازن) رئيساً جديداً للسلطة الوطنية الفلسطينية في انتخابات حرة ونزيهة في يناير 2005، واصلت إسرائيل سياساتها أحادية الجانب لنفس الذريعة، بما في ذلك تنفيذ خطة الفصل أحادية الجانب في غزة واستمرار أعمال الجدار في عمق الضفة الغربية.   ولم تكن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة وفوز حركة حماس بأغلبية المقاعد البرلمانية وتشكيلها للحكومة الفلسطينية سوى ذريعة أخرى توظفها إسرائيل للاستمرار في سياساتها أحادية الجانب من أجل تكريس وقائع جديدة غير قابلة للتراجع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  والخطورة هنا أن العالم قد بدأ يتبنى هذا التوجه، إذ يتم حرف القضية الأساسية المتعلقة بضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإجبار إسرائيل على الامتثال لقواعد القانون الدولي الإنساني وممارساته ضد المدنيين الفلسطينيين إلى عقاب جماعي على الشعب الفلسطيني!

 

خلاصــــــة 

إن القرارات بوقف المساعدات المالية للسلطة الوطنية الفلسطينية هي عقاب للمدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في وقت تصعد فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي من انتهاكاتها وجرائمها ضدهم، بما في ذلك ما تمارس تلك القوات من سياسات الحصار والتجويع وأعمال التدمير والقصف.  وللأسف الشديد فإن هذه الجرائم تُقترف على مرأى ومسمع المجتمع الدولي ودون أية إجراءات دولية جدية تجبر إسرائيل على الوفاء بالتزاماتها القانونية وتكفل احترامها لقواعد القانون الدولي الإنساني الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب.

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وإذ يعبر عن استيائه من ازدواجية المعايير فيما يتعلق بمواقف الدول التي قررت وقف المساعدات بشكل عام، والاتحاد الأوروبي بشكل خاص، فإنه يدعو هذه البلدان إلى إعادة النظر في قراراتها الظالمة والمجحفة والتي سيكون لها آثاراً كارثية على الأوضاع المعيشية للمدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما ستنعكس سلباً على كل دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة.     

 


 

[1] كان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وما يزال في طليعة منظمات حقوق الإنسان التي توجه هذه المطالب للمجتمع الدولي.  أنظر في هذا الشأن المذكرة التي قدمها المركز في سبتمبر 2003 للأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة بعنوان "ثلاث سنوات من الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة: ضرورة المحاسبة."

[2] هناك نشاط رائع من قبل منظمات المجتمع للضغط على دول الاتحاد الأوروبي وحثها على الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية الشراكة مع إسرائيل.  أنظر في هذا الشأن، على سبيل المثال، الشبكة الأورو - متوسطية لحقوق الإنسان، "مراجعة لحقوق الإنسان في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل – ربط الالتزامات، 2003-2004،"  كوبنهاجن، 2004.  أنظر في هذا الشأن،  بما   أنظر في هذا الشأن 

[3] لمزيد من التفاصيل حول هذه الجرائم، راجع التقارير الصادرة عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، خاصة التقرير السنوي للعام 2005.  هذه التقارير متوفرة على موقع المركز (www.pchrgaza.org)