ورقـــة موقـــف

حول

الجدل بشأن انتهاء مدة الرئاسة

المركـــز الفلسطــيني لحقـــوق الإنســان

يتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة

عضو لجنة الحقوقيين الدولية – جنيف

عضو الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان – باريس

عضو الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان – كوبنهاجن

عضو مجموعة المساعدة القانونية الدولية (أيلاك) – ستوكهولم

عضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان – القاهرة

 

 

 

مقدمــة

شهدت الساحة الفلسطينية مؤخراً، وما تزال، جدلاً واسعاً بشأن انتهاء ولاية الرئيس الفلسطيني محمود عباس في يناير 2009.  وتناقلت وسائل الإعلام تصريحات ومواقف متعارضة عن شخصيات رسمية وحزبية في حركتي حماس وفتح ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية المنقسمة على نفسها بين الطرفين، بما في ذلك تصريحات رئيس المجلس التشريعي بالإنابة د. أحمد بحر، ورئيس ديوان الفتوى والتشريع عبد الكريم أبو صلاح وغيرهم من الشخصيات المحسوبة على القطبين المتصارعين.  ووفقاً لأنصار حركة حماس فإن ولاية الرئيس تنتهي في الثامن من كانون الثاني (يناير) 2009 بانتهاء فترة السنوات الأربعة التي تلت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في التاسع من كانون الثاني (يناير) 2005، وأنه ما لم تُجرَ انتخابات رئاسية جديدة، فإن منصب الرئاسة يكون شاغراً ويتولاه رئيس المجلس التشريعي لمدة 60 يوماً تُجرى خلالها انتخابات جديدة لاختيار رئيس جديد للسلطة، وذلك كله استناداً لأحكام القانون الأساسي.  ويتبنى أنصار فتح موقفاً مغايراً مفاده أن الفترة الرئاسية قد تم تمديدها بموجب قانون الانتخابات رقم (9) لسنة 2005 الذي أصدره المجلس التشريعي نفسه، بما يسمح بتزامن إجراء انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية، بعد انتهاء فترة المجلس التشريعي في يناير 2010.

 

على مدى الأسابيع الماضية، أجرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان نقاشات قانونية معمقة بشأن انتهاء ولاية الرئيس، مستعيناً بعدد من خبراء القانون والنظم الدستورية والقانونية.   كما أجرى المركز تحليلاً وافياً لما صدر من مواقف ووجهات نظر من أنصار فتح وحماس.  وتتضمن ورقة الموقف هذه خلاصة ما توصل إليه المركز من نتائج، يأمل أن تساهم في توضيح ما شاب هذا الجدل من عيوب وسوء استخدام وتوظيف للقانون واستمرار المساعي والمحاولات لتطويعه لخدمة مآرب وغايات سياسية حزبية تخدم هذا الطرف أو ذاك.  ويحذر المركز من مخاطر الاستمرار في تفكيك مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية والذي لا يقود إلا للمزيد من التدهور في الحالة الوطنية العامة والمزيد من الأعباء على كاهل شعب ما يزال يرزح تحت نير الاحتلال ومطالب بتوحيد صفوفه لإنهاء الاحتلال ونيل الحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف.

 

أولاً: التصريحات والمواقف المتضاربة حول ولاية الرئيس

 

لعل أول التصريحات المرصودة في الجدل حول نهاية ولاية الرئيس كانت منسوبة إلى د. أحمد بحر، رئيس المجلس التشريعي بالإنابة، وتناقلتها وسائل الإعلام المحلية في النصف الثاني من مايو المنصرم.  وفي تلك التصريحات، دعا د. بحر إلى الالتزام بالقانون في مسألة الانتخابات الرئاسية، مؤكداً عدم قانونية تمديد الفترة الرئاسية حتى الانتخابات التشريعية.  وقال د. بحر أن "مسألة الانتخابات الرئاسية استحقاق دستوري وقانوني لا بد من الوفاء به، فإذا انتهت ولاية الرئيس في 8 كانون ثاني (يناير) المقبل، فإن على الرئيس أن يقدم استقالته ليتولى رئيس المجلس التشريعي الرئاسة لمدة ستين يوماً يتم خلالها انتخاب رئيس جديد للسلطة الوطنية."  وأضاف د. بحر أن "هذا هو نص القانون الأساسي الذي حصر مدة ولاية الرئيس بأربع سنوات، ولذلك فإن التمديد للرئيس إلى نهاية ولاية المجلس التشريعي أمر مخالف للقانون مخالفة صريحة."  ولكنه استدرك في تصريحاته قائلاً أن "الالتزام بالناحية الدستورية لا ينفي ضرورة التوافق، إذ لا يمكن الحديث عن انتخابات في ظل انعدام التوافق، ولذلك فإن مطلب الوحدة وإنهاء الانقسام ضروري لأي استحقاق انتخابي."[1]   

 

وتناقلت وسائل الإعلام المحلية تصريحات مماثلة أدلى بها محمد نزال، عضو المكتب السياسي لحركة حماس.  وجاء في تلك التصريحات أن الرئيس عباس سيكون أمام خيارين بعد ثلاثة أشهر: إما أن يستقيل بحكم أنه يرغب في

الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة التي ينص القانون على ضرورة الدعوة إليها قبل ثلاثة أشهر من نهاية ولاية الرئيس الحالية، وإلا فسيتولى رئيس المجلس التشريعي المعتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي أو نائبه الأول د. أحمد بحر رئاسة السلطة.[2]

 

رأي ديوان الفتوى والتشريع

رداً على تلك التصريحات، أصدر المستشار عبد الكريم أبو صلاح، رئيس ديوان الفتوى والتشريع في السلطة الوطنية (رام الله) رأياً قانونياً بتاريخ 28/06/2008، قال فيه أن فترة الولاية الرئاسية تمتد إلى نهاية فترة ولاية المجلس التشريعي المنتخب في 25 كانون الثاني (يناير) 2006، أي في يوم 24 كانون الثاني (يناير) 2010.  ودعم الديوان رأيه بالقانون الأساسي، لكنه استند حصرياً إلى قانون الانتخابات العامة رقم (9) لسنة 2005، وكذلك إلى القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة الذي أصدره الرئيس محمود عباس بعد أحداث حزيران (يونيو) 2007 وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة.  ووفقاً لهذا الرأي:

1.     عالجت المادة (2) من قانون الانتخابات رقم (9) لسنة 2005 مسألة ولاية الرئيس في الفترة التي سبقت انتخاب المجلس التشريعي الثاني وأنها وضع انتقالي استثنائي، وأنه بقراءة هذه المادة "نجد أنها تحدثت بشكل قطعي عن أن تاريخ احتساب مدة ولاية السيد الرئيس يبدأ من تاريخ انتخاب المجلس التشريعي الجديد وتنتهي هذه الولاية بتاريخ انتهاء ولاية ذلك المجلس لتكون الانتخابات الرئاسية والتشريعية التالية متزامنة."

2.     حسمت المادة (111) من قانون رقم (9) لسنة 2005 بشأن الانتخابات مسألة الفترة الزمنية للرئاسة التي سبقت الانتخابات التشريعية الثانية بشكل قطعي بحيث تكون متزامنة مع الانتخابات التشريعية، حيث نصت على أن "تجري الانتخابات الرئاسية القادمة بحلول نهاية الدورة التشريعية لأول مجلس تشريعي ينتخب بعد نفاذ أحكام هذا القانون المعدل ووفقاً له."

3.     تتضمن المادة (116) من القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة نفس أحكام المادة (111) من القانون رقم (9) لسنة 2005 ومطابقة لها.

4.     خلاصة هذا الرأي أن ولاية الرئيس تمتد إلى نهاية ولاية المجلس التشريعي الثاني وأن الفترة الزمنية التي سبقت الانتخابات التشريعية التي جرت في 25 كانون الثاني (يناير) 2006 هي فترة مكملة للولاية الرئاسية السابقة وأن الانتخابات الرئاسية المقبلة يجب أن تكون متزامنة مع الانتخابات التشريعية.

 

رد المجلس التشريعي وكتلة التغيير والإصلاح على ديوان الفتوى والتشريع برام الله

تناقلت وسائل الإعلام تصريحات عن د. أحمد بحر، رئيس المجلس التشريعي بالإنابة، وصف فيها رأي ديوان الفتوى والتشريع بأنه "مجزرة قانونية للدستور الفلسطيني لا يقبل بها أحد."  ورفض د. بحر "التأويلات التي قدمها رئيس ديوان الفتوى والتشريع حول نهاية ولاية الرئيس" واعتبرها "محاولة التفافية لا سنداً قانونياً لها."  وأكد د. بحر أن "المادة (36) من القانون الأساسي تؤكد أن مدة ولاية الرئيس عباس أربع سنوات، وهي مدة تنتهي في التاسع من كانون الثاني (يناير) 2009، ومن يريد غير ذلك فهو يقترف مجزرة قانونية بحق الدستور."  وأضاف بحر "في التاسع من كانون الأول (يناير) 2009 تنتهي ولاية الرئيس عباس لتنتقل الرئاسة لرئيس المجلس التشريعي لمدة 60 يوماً، يصار بعدها لانتخاب رئيس جديد، أما إذا استمر أبو مازن في الرئاسة وأخذ رأي هذه البطانة، فإنه سيكون مغتصباً للسلطة."[3]  وفي تصريحات تالية، قال د. بحر أن "القانون الأساسي يحدد مدة الرئاسة بأربع سنوات، وهذا نص صريح وواضح لا يجوز التلاعب به،" واعتبر أن أي تأويل أو تزوير أو تجاوز للقانون يكون انقلاباً على الدستور.[4]  

 

وأعلنت كتلة التغيير والإصلاح في المجلس التشريعي رفضها لرأي ديوان الفتوى والتشريع.  وتناقلت وسائل الإعلام تصريحات نائب رئيس الكتلة د. يحيى موسى شدد فيها على أن وصول الرئيس عباس إلى التاسع من كانون الثاني (يناير) القادم دون إجراء انتخابات رئاسية جديدة "سيخلق وضعاً غير قانوني وسيصبح الرئيس غير شرعي وفاقداً للدستورية."[5]  وأعلن النائب فرج الغول، رئيس اللجنة القانونية في المجلس التشريعي أن مدة ولاية الرئيس تنتهي في التاسع من كانون الثاني (يناير) المقبل وان كتلته البرلمانية ستعترف بالدكتور أحمد بحر النائب الأول لرئيس المجلس كرئيس للسلطة الفلسطينية ما لم يخرج الدكتور عزيز الدويك من السجن الإسرائيلي قبل هذا التاريخ.  لكن الغول أبقى الباب مفتوحاً لإجراء توافق مع حركة فتح لتمديد ولاية الرئيس الفلسطيني بشرط عقد جلسة برلمانية لتعديل القانون الأساسي، واقترح عقد جلسة برلمانية يحضرها نواب حماس وفتح وباقي الكتل الأخرى لإجراء تعديل على القانون الأساسي يتيح للرئيس عباس البقاء في منصبه.[6]  وأدلى الناطق باسم كتلة حماس البرلمانية النائب صلاح البردويل بتصريحات مماثلة، حيث قال أن "أي فتوى تشريعية تصدر مخالفة للقانون الأساسي فهي ليست ذات معنى، وبالتالي فنحن بعد التاسع من كانون الثاني (يناير ) المقبل لن نعترف بالرئيس عباس رئيساً وسوف نجرده من هذه الصفة ليتولى المجلس التشريعي الرئاسة لمدة 60 يوماً ويمكن أن تمدد شهراً لحين الانتهاء من الانتخابات الرئاسية."[7]

 

رد ديوان الفتوى والتشريع في غزة

وأصدر المستشار محمد عابد، رئيس ديوان الفتوى والتشريع المعين من قبل الحكومة في غزة، بياناً بتاريخ 29/06/08 طعن فيه بالرأي الصادر عن المستشار عبد الكريم أبو صلاح، ودعا الرئيس محمود عباس "لعدم الالتفات لمثل هذه البيانات والآراء والفتاوى المريبة والغريبة وتجاهلها، والنأي بنفسه وبمؤسسة الرئاسة لتجاوز أحكام القانون الأساسي.."  وخلص المستشار عابد إلى رأي قانوني، جاء فيه:

1.     لا يجوز لأي تشريع عادي سواء قانون الانتخابات أو غيره مخالفة النصوص الدستورية.

2.     إن مدة الولاية للرئاسية منصوص عليها دستورياً، ومنحها يكون بالانتخابات كحق للمواطنين، ولا يجوز الاعتداء على الحقوق الدستورية في الانتخاب.

3.     تمديد ولاية الرئيس يحتاج لأجراء تعديل دستوري يغطيه، وهذا معقود لممثلي الشعب "الكتل البرلمانية".

 

 

ثانياً: شغور مركز رئيس السلطة في القانون الأساسي

 

1) حددت المادة (37) القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 (الدستور المؤقت للسلطة الوطنية الفلسطينية) على نحو قاطع وحصري ثلاث حالات يعتبر فيها مركز رئيس السلطة الوطنية شاغراً، وهي:

1.     الوفاة.

2.     الاستقالة المقدمة إلى المجلس التشريعي الفلسطيني إذا قبلت بأغلبية ثلثي أعضائه.

3.     فقد الأهلية القانونية وذلك بناء على قرار من المحكمة الدستورية العليا وموافقة المجلس التشريعي بأغلبية ثلثي أعضائه.

2) في هذه الحالات الثلاث فقط وحصراً، يتولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتاً لمدة لا تزيد عن 60 يوماً تجري خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد وفقاً لقانون الانتخابات الفلسطيني (وفقاً لما تنص عليه المادة المذكورة أعلاه).

3) لم يرد في القانون الأساسي قطعاً أن انتهاء مدة الرئاسة المحددة بأربع سنوات (وفقاً للمادة 36 من القانون الأساسي لسنة 2005 بتعديل بعض أحكام القانون الأساسي المعدل لسنة 2003) هو حالة من حالات شغور مركز رئيس السلطة، ولو كان الأمر كذلك لأوضح المشرع الأمر بطريقة جلية.

4) وبناءً على ذلك، فإن القول بأن انتهاء المدة الرئاسية يعني شغور مركز الرئيس هو ادعاء يفتقر إلى السند الدستوري الواضح، وهو أمر يستوجب الإحالة إلى المحكمة الدستورية (المحكمة العليا بصفتها محكمة دستورية) للبت فيه.

 

ثالثاً: قانون الانتخابات رقم (9) لسنة 2005 وتعديلاته

 

من الضرورة بمكان الإشارة إلى بعض المسائل الإشكالية في القانون، وهي:

1)     نصت المادة (2) من القانون على التزامن في إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، حيث "يتم انتخاب الرئيس، وأعضاء المجلس التشريعي في آن واحد في انتخابات عامة حرة ومباشرة بطريق الاقتراع السري."

2)     هذا التزامن غير منصوص عليه في القانون الأساسي، ولكنه يبقى أمراً مرغوباً فيه وندعمه فقط من باب توفير الجهود والأموال والنفقات الانتخابية التي تتحملها السلطة الوطنية إذا ما جرت انتخابات منفصلة لكل من الرئاسة والتشريعي.

3)     لكن تم إقرار هذا القانون بعد وقت قصير من إجراء الانتخابات الرئاسية، وهذا يتعارض عملياً مع فكرة التزامن واستدراكاً لذلك الإشكال نص القانون على استثناء الانتخابات الرئاسية المذكورة، وفقاً للمادة (2) المذكورة أعلاه.  ووفقاً للمادة (111) من القانون ذاته "تجري الانتخابات الرئاسية القادمة بحلول نهاية الدورة التشريعية لأول مجلس تشريعي ينتخب بعد نفاذ أحكام هذا القانون المعدل ووفقاً له."

 

وبناء على ذلك، ورغم إدراكنا "حسن المقاصد" من المشرع، إلا أنه كان هناك تجاوز غير مبرر لأحكام الدستور وذلك بتمديد المدة الرئاسية خلافاً للمادة (36) من القانون الأساسي لسنة 2005 بتعديل بعض أحكام القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، وكان حري بالمشرع أن يعدل القانون الأساسي نفسه.  وبالتالي فإن:

1)     استناد ديوان الفتوى والتشريع في رأيه على هذا القانون غير كافٍ، وأمام حالة الانقسام القائمة فهو لا يحظى أيضاً بقبول الطرفين، علماً بأن ديوان الفتوى والتشريع نفسه جزء من حالة الانقسام، وبات هناك ديوان فتوى وتشريع في رام الله، وآخر في غزة.[8]

2)     تبقى المحكمة الدستورية (المحكمة العليا بصفتها محكمة دستورية) هي الملاذ للحكم في هذا الإشكال ذات الصبغة الدستورية.

 

3)     ولكن أيضاً أمام حالة الانقسام القائم، من المستبعد أن يقبل الطرفان بإحالة المسألة إلى المحكمة العليا، وهو أحد نتائج وتبعات الانقسام الذي طال السلطة القضائية أيضاً بعد انهيار منظومة القضاء في القطاع وسيطرة الحكومة في غزة على السلطة القضائية، وتشكيلها لنظام قضائي خاص بها.  وبالتالي، من المستبعد أن تقبل حركة حماس بإحالة المسألة إلى محكمة مقرها رام الله وترى فيها جزءاً من الأزمة القائمة لا جهة للحل.

 

رابعاً: حول إجراء الانتخابات الرئاسية

 

على مدى سنوات عمله، دعم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وبشدة مبدأ إجراء انتخابات دورية انطلاقاً من انحيازه ودعمه الكامل لعملية التحول الديمقراطي.  ولا حاجة هنا إلى إعادة التأكيد على أهمية الانتخابات في النظام الديمقراطي المعاصر، ولكن لا ديمقراطية بدون انتخابات نزيهة وعادلة ودورية يتمكن من خلالها الشعب من اختيار من ينوبون عنه في ممارسة الحكم ويخضعون لمساءلته ومحاسبته.

 

غير أن إجراء الانتخابات يتطلب توفر شروط وبيئة لضمان النزاهة والشفافية في كافة مراحل العملية الانتخابية ولضمان أن تعكس نتائج تلك الانتخابات إرادة الناخبين.  وإذا ما سلمنا بفرضية انتهاء مدة الرئاسة وانه ينبغي إجراء انتخابات رئاسية قبل العاشر من يناير 2009، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تتوفر هذه الشروط والبيئة لإجراء الانتخابات في ظل حالة الانقسام القائمة، وهل من المتوقع بموجب المعطيات الراهنة أن تتوفر هذه الشروط والبيئة في غضون الأشهر القادمة (أي قبل يناير 2009)؟  وفي حال لم تتم الانتخابات الرئاسية، وإذا ما سلّمنا أيضاً بفرضية تسلم المجلس التشريعي مهام الرئاسة، فهل ستجري انتخابات نزيهة وعادلة في غضون 60 يوماً، وفقاً لما ينص عليه القانون الأساسي؟  وفي هذا الصدد نود التأكيد على ما يلي:

1)     أن الشروط والبيئة القائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في ظل حالة الانقسام القائمة الآن بين فتح وحماس لا تؤهل لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة تعبر عن إرادة الناخبين.[9]  وعلاوة على حالة الانقسام نفسها التي تجعل بحد ذاتها إجراء الانتخابات أمراً مستحيلاً، فإن تجليات هذه الحالة تنعكس في انقضاض الطرفين في غزة والضفة على الحريات العامة، بما في ذلك الحريات والحقوق الأساسية التي تشكل دعامات أساسية للانتخابات والعملية الديمقراطية كالحق في حرية التعبير والحق في التجمع السلمي والحق في تكوين الجمعيات، عدا عن الاعتقالات السياسية التي يجهر بها كل طرف ضد أنصار الطرف الآخر.  وللأسف الشديد فإن الحركتين الرئيستين في الحياة السياسية الفلسطينية تقوضان بعضهما البعض في قطاع غزة والضفة الغربية، وهذا يستحيل معه إجراء انتخابات نزيهة وعادلة. 

2)     المعطيات الراهنة لا تنبئ بتغير هذه الشروط والبيئة في المستقبل المنظور، ما لم يشرع الجانبان فوراً في حوار جاد لوقف حالة الانقسام وتداعياتها والاتفاق على إجراء مثل هذه الانتخابات أو التوافق على أي شكل آخر للحل، يؤدي إلى إجراءات انتقالية تمهد لإعادة الاعتبار لوحدة الأرض الفلسطينية والنظام السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية.

3)     إن تسلم المجلس التشريعي لمهام الرئاسة بعد التاسع من يناير 2009 سيؤدي إلى مزيد من الشرخ والانقسام وهو ما سيحول أيضاً دون إجراء انتخابات نزيهة وشفافة في الضفة الغربية وقطاع غزة في غضون 60 يوماً.

4)     وبالتالي، فإننا سنواجه بذات الإشكالية: عدم القدرة على إجراء الانتخابات ضمن المدة القانونية المحددة في الدستور.  ولكن هذه المرة مع الإطاحة بالرئيس المنتخب، وتسلّم مهامه من رئيس مكلف حتى إشعار آخر! 

 

خامساً: لا بديل عن الحوار

 

بعد ثلاثة أيام من أحداث يونيو 2007 وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، أصدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ورقة موقف تعكس رؤيته وموقفه من تلك الأحداث وتبعاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.  وقد جاء في ورقة الموقف تلك ما يلي:

"أن الأزمة الراهنة التي تعيشها السلطة الوطنية الفلسطينية هي أزمة سياسية وليست دستورية أو قانونية، وأنه لا بديل عن العودة للحوار السياسي بين حركتي حماس وفتح وكافة القوى السياسية الفلسطينية، حوار يستند إلى الشراكة السياسية الحقيقية واحترام نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في يناير 2006، وتغليب مصالح الشعب الفلسطيني على المصالح الفئوية الضيقة للأطراف المتنازعة."    

 

وبعد مرور أكثر من 14 شهراً على تلك الأحداث، فإن هذا الموقف ليس فقط ما يزال سارياً، بل إنه يتعمق أكثر فأكثر، في ظل استمرار حالة الانقسام وما يرافقها من خطوات غير دستورية وغير قانونية يتخذها طرفا الأزمة لتكريس حالة الانفصال وجعل التراجع عنها أمراً غير ممكن.  وفي ضوء كل ذلك فإن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان،

1)     يرى أن الجدل حول انتهاء مدة الرئيس وشغور مركز الرئاسة في حال عدم إجراء الانتخابات قبل التاسع من كانون الثاني (يناير) 2009 هو أحد تجليات حالة الانقسام وجزء أساسي من مكونات الأزمة السياسية والصراع الراهن بين القطبين الرئيسين في الحياة السياسية الفلسطينية، فتح وحماس.

2)     يأسف لاستمرار الزج بالقانون والدستور في هذا الصراع والتعامل مع القضايا الدستورية بانتقائية وازدواجية من قبل الطرفين واستمرار مساعيهما المحمومة لتوظيف المواد الدستورية من أجل إضفاء الشرعية على مصالح سياسية حزبية ضيقة، فيما يتم انتهاك الدستور من قبل الطرفين بطرق مختلفة.

3)     يؤكد مجدداً أن الأزمة بين الطرفين سياسية في جوهرها وأن لا بديل عن الحوار السياسي بينهما، في إطار حوار وطني شامل، ويطالب الطرفين بالشروع فوراً بالحوار والمبادرة إلى اتخاذ خطوات تظهر حسن نواياهما تجاه بعضهما البعض وتمهد الطريق لإعادة الاعتبار لوحدة الأراضي الفلسطينية ومؤسسات السلطة الوطنية وتنهي حالة الانقسام القائمة.

4)     يؤكد دعمه الكامل لإجراء الانتخابات الرئاسية ولكن ليس قبل أن تتوفر الشروط والبيئة اللازمة لإجراء انتخابات نزيهة وعادلة تعكس إرادة الناخبين، وفي مقدمة هذه الشروط التوافق بين فتح وحماس على إجرائها.

5)     يحذر بشدة من مخاطر الإقدام على تنصيب رئيس المجلس التشريعي بالإنابة رئيساً جديداً، إن لم يتسنّ إجراء الانتخابات الرئاسية قبل العاشر من كانون الثاني (يناير) 2009، إذ لن يقود ذلك إلا لمزيد من الانقسام وتدمير مؤسسات الحكم في السلطة الفلسطينية، بما في ذلك تدمير مؤسسة الرئاسة وخلق أمر واقع غير قانوني جديد، يكون فيه رئيسان للسلطة أحدهما في قطاع غزة والثاني في الضفة الغربية.

6)     يذكر بأن من يدفع الثمن الباهظ لهذا الانقسام هو الكل الفلسطيني - الشعب الفلسطيني بأسره وقضيته الوطنية، وسيكون الفلسطينيون أبعد من أي وقت مضى عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ونيل حقوقهم المشروعة وغير القابلة للتصرف في التحرر وتقرير المصير.

 

"انتهـــــى"


 

[1] نشرت هذه التصريحات على الموقع الإلكتروني للمركز الفلسطيني للإعلام بتاريخ 19/05/2008، نقلاً عن وكالة قدس برس.

[2] نشرت تلك التصريحات على موقع فلسطين الآن بتاريخ 12/06/2008، نقلاً عن وكالة قدس برس.

[3]  نشرت هذه التصريحات على الموقع الإلكتروني لصحيفة القدس بتاريخ 28/06/2008، وعلى موقع وكالة سما نيوز، وهي وكالة أنباء فلسطينية، بتاريخ 29/06/2008. 

[4] نشرت هذه التصريحات في موقع الجزيرة نت بتاريخ 17/08/2008.

[5] نشرت هذه التصريحات على موقع فلسطين الآن بتاريخ 29/6/2008.

[6] نشرت تلك التصريحات على الموقع الإلكتروني لشبكة معاً الإخبارية وعلى الموقع الإلكتروني لمركز البيان الإعلامي، بتاريخ 30/06/2008.

[7] نشرت هذه التصريحات على موقع فلسطين الآن بتاريخ 23/7/2008، نقلاً عن وكالة قدس برس.

[8] من الجدير ذكره هنا أن الحكومة في غزة قد عينت المستشار محمد عابد رئيساً مكلفاً لديوان الفتوى والتشريع في غزة، وقد نفى  لوسائل الإعلام بشكل قاطع صدور أي فتاوى عن الديوان تجيز تمديد ولاية الرئيس، وطالب وسائل الإعلام بتحري الدقة وتحمل مسؤولية الأمانة الصحفية.  وقد نشرت تلك التصريحات على الموقع الإلكتروني للمركز الفلسطيني للإعلام.

[9] نكتفي هنا بالحديث عن حالة الانقسام وتبعاتها، مع إدراكنا لتعدد العوامل المعيقة للانتخابات بما في ذلك الاحتلال الإسرائيلي، عدا عن الجوانب الفنية المتعلقة بتنظيم الانتخابات.