7 نوفمبر 2000

السيد/ عضو الاتحاد الاوروبي

إن خروقات إسرائيل الجسيمة للقانون الإنساني الدولي خلال الأسابيع القليلة الماضية تظهر بوضوح أكثر من أي وقت مضى لمنظمات حقوق الإنسان على الأرض بأن من الواجب على دول الاتحاد الأوروبي أن تتصرف بحزم من أجل مساندة المعايير الأساسية لحقوق الإنسان. في بداية هذه الانتفاضة الثانية، كنا سعداء بأن نرى المطالبة العاجلة بعقد جلسة خاصة لمفوضية حقوق الإنسان حول الوضع في الأراضي المحتلة. وبينما لم يثر الاعتراض الأمريكي والكندي استغرابنا، فإننا شعرنا بالارتياح تجاه تأييد أوروبا لهذا المطلب.

مع ذلك، عندما جاءت لحظة تصويت المفوضية، شعرنا ببالغ الإحباط ونحن نرى غياب الأصوات الأوروبية المؤيدة. إننا نتساءل عما حدث للمساندة الأوروبية لحقوق الإنسان، وما إذا كانت هذه الدول تتخذ الآن موقفاً يساند معايير حقوق الإنسان بصورة انتقائية. ما هو المطلوب منا أكثر من ذلك لكي تردوا؟ لقد سقط أكثر من 150 فلسطينياً نتيجة للقتل المتعمد، والقوة المفرطة، والرد غير المتناسب على الإطلاق من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلية. وأصيب أكثر من 4700 فلسطيني خلال الأسابيع القليلة الماضية – المئات منهم أصيبوا بإعاقات دائمة. إن الأطفال يواجهون الدبابات، ومع ذلك فإن أوروبا لا تبالي.

بعد رؤيتكم للدبابات والطائرات العمودية القتالية وهي تستخدم ضد المتظاهرين المدنيين، يجب أن نسأل حول ما إذا كانت هذه حالة حرب أم لا. هل تنتظرون مجازر على غرار صبرا وشاتيلا، وكوسوفو؟ لقد أدخلنا تصويتكم السلبي في وضع لا يطاق، ومنح إسرائيل تفويضاً مطلقاً بأن تصبح أكثر وحشية، وأن ترتكب جرائم أخرى، معتمدة عل استمرار رضاء الدول الأوروبية. إن تقصيركم في رفع صوتكم لا يمكن إلا أن يشجع إسرائيل.

إننا نطالب فقط بأن تقوم حكوماتكم بتفعيل معاهدات القانون الإنساني الدولي ذات الصلة، فمن الناحيتين الأخلاقية والسياسية، فإن هذا هو الحد الأدنى من التزاماتكم. وأي شيء أقل من ذلك سيثير إحباط مجتمع لحقوق الإنسان محاصر هنا منذ ثلاثين عاماً.

وبالرغم من تقصيركم في التحرك، إلا أن هنالك قراراً يدعو، من ضمن أمور أخرى، المفوض السامي لحقوق الإنسان، السيدة ماري روبنسون، والمقررين الخاصين الآخرين ذوي الصلة، إلى زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة. إننا نريد أن نراهم جميعاً يساندون مطالبنا العادلة المتعلقة بحقوق الإنسان. يجب تعجيل زيارتهم بحيث تختتم بحلول منتصف شهر ديسمبر.

إننا نريد أيضاً أن ننتهز هذه الفرصة لتذكيركم بشدة بمعاهدة جنيف الرابعة، وتجديد التعبير عن إحباطنا الكبير إزاء اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة على معاهدة جنيف الرابعة في 15 يوليو 1999، والذي لسوء الحظ أنه لم يكترث لوجهات نظر مجتمع حقوق الإنسان هنا فيما يتعلق بما هو لازم. بدلاً من ذلك قررت الأطراف السامية المتعاقدة ما يلي:

"مع الأخذ بعين الاعتبار تحسن الأجواء في منطقة الشرق الأوسط، تم تأجيل المؤتمر على أن يعقد ثانية في ضوء المشاورات حول تطور الوضع الإنساني على الأرض."

لم نؤمن حينها ولا نؤمن الآن بأن لدى رئيس الوزراء إهود باراك نوايا سلمية. قد تكون لغته تضلل أوروبا ولكن أفعاله على الأرض من التوسع الاستيطاني إلى الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين والأطفال الفلسطينيين لا تخدعنا ولو للحظة واحدة. لذلك فإننا نكرر دعوتنا إلى الأطراف السامية المتعاقدة على معاهدة جنيف الرابعة إلى الاجتماع مثلما اتفقت في شهر يوليو 1999. وبإلحاح متجدد، نعبر عن اعتقادنا لهذه الأطراف بأن الحماية المادية الأوروبية ضرورية – حقيقة، في الوضع الراهن أكثر من أي وقت مضى. إن المدنيين الفلسطينيين غير ضامنين لسلامتهم في ظل قصف الطائرات المروحية والدبابات لمدنهم.

إن الفرق في الكيفية التي يتم فيها التعامل مع إسرائيل، والكيفية التي يتم التعامل فيها مع الدول الأخرى تفقد الصواب. عندما انتخب حزب يورغ هايدر بصورة ديمقراطية في النمسا، وكانت هنالك إمكانية لأن يدخل الحكومة، كانت ردة فعل إسرائيل على الفور هي تجميد العلاقات مع النمسا، وتبعتها أوروبا بتعليق التعاون الاقتصادي. وكان أساس هذه الخطوات هو أيديولوجية ونوايا هايدر.

والآن، بالنسبة لإسرائيل، إننا لا نتحدث فقط عن النوايا، بل عن ممارسات إجرامية حقيقية، أطلعناكم عليها على مدار سنوات، وهي حالياً أوضح مما كانت عليه في أي وقت مضى. ثمة هنالك عدم توازن واضح في الموقفين، فالأول أفضى إلى وقف التعاون الاقتصادي مع النمسا، أما الثاني فقد فشل حتى في ضمان إدانتكم في الجلسة الخاصة لمفوضية حقوق الإنسان.

إن اتفاقية الشراكة بين أوروبا وإسرائيل واضحة، فالمادة الثانية تنص صراحة على أن تأييد إسرائيل لحقوق الإنسان هو شرط مسبق للتجارة معها. ولكن إسرائيل وبصورة واضحة لا لبس فيها تقصر في دعم تلك المعايير من خلال ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ومع ذلك لا نرى أي تحرك من جانب الدول الأوروبية نحو وقف العلاقات الاقتصادية.

كبشر لنا حقوق، فإننا نستحق ما هو أفضل من أن نرى جيراننا الأوروبيين يمضون سعداء بعلاقاتهم التجارية مع تلك الدولة بعينها التي يوماً بيوم تقتل أطفالنا، وتصادر أراضينا، وتقتلع محاصيلنا الزراعية. بصراحة تامة، إننا نتوقع منكم ما هو أفضل بكثير من "الوسطاء النزيهين" الأمريكيين. إن تقصيركم في التصويت إيجابياً مع القرار الأخير مثبط للهمة بشكل كبير، كما أن له معانٍ خطيرة بالنسبة لنا في جهودنا لمساندة حقوق سكان محتلين ولاجئين بالشكل الفعال.

كمؤسسة مستقلة ومهنية لحقوق الإنسان، إننا في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان نعتقد بأن من حقنا أن نصدر أحكاماً أخلاقية وإنسانية حول تقصيركم في اتخاذ موقف. إن عملنا خلال السنوات القليلة الماضية يترك لدينا انطباعاً جلياً بأن اللوم في تراخيكم لا يكمن في تقصير من جانبنا في تزويدكم بالمعلومات عن حقوق الإنسان في وقتها، بل إنه يلقى على عاتق استعدادكم لتقبل كارثة والسماح بوقوع مجزرة قبل أن تقوموا بتردد باتخاذ إجراء ذي مغزى.

إذا كانت هذه هي الحال حقاً، فإننا يجب أن نسأل: ماذا كانت الغاية من كل اتصالاتنا معكم حول حقوق الإنسان على مدار سنوات؟

إننا نصر، بالرغم من تصويتكم ضد قرار مفوضية حقوق الإنسان، على أن تؤيدوا القرار وتبذلوا كل الجهود لتنفيذ القرار كاملاً.

 

راجي الصوراني - المحامي

مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان