دستورية الدعوة لانتخابات مبكرة للمجلس التشريعي الفلسطيني

 

د. أنيس مصطفى القاسم[1]

 

مقدمة

 

1-     في السادس عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2006 أعلن رئيس السلطة الفلسطينية، الأخ محمود عباس، قراره باجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، دون أن يحدد موعدا لذلك، مؤكدا في الوقت ذاته بأنه اذا حصل اتفاق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، فان الانتخابات هذه تصبح غير واردة، بشرط أن يتم الاتفاق خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر. واستند الرئيس أساسا في موقفه على مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات وأنه يعود الى الشعب ليعبر عن رأيه. وما كنت أرغب في المشاركة في الجدل الدائر حول دستورية هذا القرار، غير أن خطورته على النظام الدستوري الفلسطيني تفرض المشاركة على الجميع، وهي خطورة تتمثل في أن هذا القرار، اذا نفذ، قد يصبح سابقة دستورية تهدم النظام الدستوري من أساسه، وقد تمهد الطريق مستقبلا للاستئثار بالسلطة، وتطويع المجلس التشريعي لرغبات الرئاسة، وافقاده دوره الاساسي في المراقبة والمساءلة، هذا الدور الذي نهض به المجلس بجدارة في الأيام الأولى من قيامه عندما خاض معركة وضع القانون الاساسي، وحجب الثقة عن حكومات، في سوابق لم يشهدها أي مجلس نيابي عربي فيما مضى. وكذلك فان أعضاء المجلس التشريعي هم أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني، بمجرد انتخابهم، والتحكم في المجلس التشريعي من جانب الرئاسة، يعني التحكم في هذا الجانب من عضوية المجلس الوطني.

 

2-      إن الحفاظ على المشروعية هو الركن الأساسي لحماية المجتمع ومؤسساته الدستورية ومسيرته السليمة والسلمية، ويتيح لكل مؤسسة فرصة القيام بدورها على الوجه السليم. وقد واجه المجلس الوطني الفلسطيني في دورة عَمَّان عام 1984 مشكلة مشابهة، كانت تهدد بالقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. فقد قاطعت بعض الفصائل تلك الدورة، وقدم عدد من أعضاء المجلس طلبا بفصل بعض الأعضاء المقاطعين والذين كانوا قد أعلنوا عدم شرعيتها، ووقفوا من أحداث 1982 موقفا كان محل اعتراض من كثيرين . وعندما أحيل الموضوع للجنة القانونية أوصت اللجنة برفض الطلب وضرورة الالتزام بالاجراءات التي نص عليها النظام الاساسي لمنظمة التحرير، فيما يتعلق بالفصل من العضوية، وتمسكت اللجنة بهذا الموقف في نقاش استمر اربع ساعات شارك فيه جميع اعضاء المجلس، وانتهى بالموافقة على توصيات اللجنة. فانقذ هذا القرارُ، الذي التزم بالمشروعية، المنظمةَ من الانقسام، وحافظ على حصانة أعضاء المجلس من تعسف قد يتعرضون له، وحافظ بالتالي على حرية المجلس وأعضائه في اتخاذ المواقف المقتنعين بها، دون خوف على عضويتهم بسبب هذه المواقف. وترتب هذا كله نتيجة لقبول الاحتكام الى الشرعية بدلا من العواطف أو الرغبة في الانتقام أو الاستئثار بالسلطة. وتوطدت بالتالي أكثر فأكثر سيادة القانون كركن من أهم أركان منظمة التحرير الفلسطينية.    

3-     ليست هذه هي المرة الاولى في التاريخ الدستوري التي يكون فيها الرئيس من حزب والاغلبية البرلمانية من حزب آخر، فما أكثر ما يقع هذا في النظم النيابية التي تعتمد التعددية السياسية والحزبية من جهة، وانتخابات رئاسية وتشريعية مباشرة،من جهة أخرى، فيأتي الرئيس من حزبٍ، والاغلبيةُ البرلمانيةُ، التي تشكل الحكومة، من حزبٍ آخر. ونظام الحكم في فلسطين وفقا للمادة الخامسة منه يعتمد على التعددية السياسية والحزبية، ومن شأنه أن يؤدي الى مثل هذه النتائج. ومن الطبيعي في هذا النظام أن يجري تسيير الأمور بالتوافق بين برنامجي الحزبين، حيثما أمكن، وفي الوقت ذاته فان كلا من الرئيس والحكومة يواصل ممارسة اختصاصاته الدستورية وفقا لأحكام الدستور أو القانون الاساسي، ولا يجوز لأي منهما أن يغتصب سلطات الآخر، أو يعتدي عليها، أو يدعي لنفسه سلطاتٍ وصلاحياتٍ لم يمنحه أياها الدستور أوالقانون الاساسي. وبناء على ذلك، اذا كان النظام الدستوري يخول الرئيس حل المجلس النيابي واجراء انتخابات مبكرة للتخلص من حكومة وأغلبية نيابية، أملاً  في أن تاتي أغلبية من حزبه، فله أن يفعل ذلك، واذا كان ذلك النظام يجيز له اقالة الحكومة فقط، فله ايضا أن يقيلها، ويكلف شخصا آخر بتشكيلها، حتى ولو لم يكن من حزب الأغلبية اذا كان هذا الشخص قادرا على الفوز بثقة الأغلبية. أما اذا كان النظام الدستوري لا يجيز للرئيس لا هذا ولا ذاك، فليس له سوى التعايش مع هذا الوضع الى أن يحين موعد انتخابات جديدة، أو الاستقالة من الرئاسة واجراء انتخابات رئاسية فقط. ومن أهم اسباب الوضع الحالي في فلسطين أن رئيس السلطة هو في الوقت ذاته رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهذا الوضع يؤدي الى الخلط في الاختصاصات. والأسلم هو الفصل بين المركزين، بحيث يتولى رئيس السلطة ويمارس اختصاصاته المقررة في القانون الاساسي، في حين ينصرف رئيس اللجنة التنفيذية واللجنة لممارسة الاختصاصات المقررة لهما في النظام الاساسي لمنظمة التحرير.

 

الوضع الدستوري الفلسطيني

 

(أولا) استقالة الرئيس

 

4-     ان الاشكال الذي بحثه كثيرون قد انحصر في حق الرئيس في الدعوة لانتخابات مبكرة للمجلس التشريعي، مع أن الدعوة لانتخابات رئاسية تثير أيضاً اشكالا دستوريا. فالرئيس وفقا للقانون الاساسي لا يملك حق الاستقالة دون قيود أو اجراءات. ذلك أنه، وفقا للمادة 37 من القانون الاساسي، التي نصت على سبيل الحصر على الحالات التي يصبح فيها مركز الرئيس شاغرا، تعرضت لموضوع الاستقالة، فنصت، فيما نصت عليه، على أن مركز الرئيس يصبح شاغرا في حالة "الاستقالة المقدمة للمجلس التشريعي اذا قبلت بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس".  ومؤدى هذا النص أن استقالة الرئيس قبل انتهاء مدة الرئاسة، وبالتالي اجراء انتخابات رئاسية مؤقتة، تخضع لقيود دستورية. أولها أن يتقدم الرئيس باستقالته الى المجلس التشريعي، وثانيها أن يوافق المجلس التشريعي على هذه الاستقالة بأغلبية ثلثي أعضائه. وهذه اجراءات رسمها القانون الاساسي ولا يصح تجاوزها والانطلاق رأسا الى انتخابات رئاسية. أما الاستقالة دون اتباع هذه الاجراءات فلا تترك مركز الرئيس شاغرا بحيث يصح اجراء انتخابات رئاسية مبكرة. ومما تجدر ملاحظته أن المادة 37 هذه  لم تخول المجلس التشريعي سلطة اقالة الرئيس بأية أغلبية كانت، وذلك تمشيا مع مبدأ الفصل بين السلطات الذي اعتمده القانون الاساسي أساسا للعلاقة بين السلطات الدستورية التي نص عليها، والذي سنتعرض لبحثه لاحقا.              

 

(ثانيا) انتخابات مبكرة للمجلس التشريعي

 

5-     عندما جرى تعديل القانون الاساسي تحت ضغوط خارجية نتيجة للخلاف حول الاختصاصات بين رئيس السلطة حينذاك، أبو عمار رحمه الله، ورئيس وزرائه، الرئيس الحالي أبو مازن، كان الهدفُ تقليصَ سلطاتِ واختصاصاتِ الرئيس لا توسيعَها. وجاءت التعديلات منسجمة مع هذا التوجه. ازاء هذا فان التفسير الأسلم للنصوص يجب أن يراعى هذا الوضع، فلا يُعيدُ للرئيس سلطاتٍ أو اختصاصاتٍ كان الهدفُ من التعديل تجريدَه منها، أو يمنحه صلاحيات أو اختصاصات لا يمنحها له القانون الاساسي أو تبررها النصوص الدستورية بشكل قاطع. وقد لاحظ الرئيس أبو مازن هذه المسألة بادئ الأمر عندما أعلن أنه لن يحجب عن الحكومة اختصاصات ناضل هو من أجل أن تكون لها، وهو موقف سُجِّلَ له ونأمل في الا يتراجع عنه.

 

6-     تنص المادة الثانية من القانون الاساسي المعدل على ما يلي: "الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الاساسي". ونقطة الانطلاق في تحليل نص دستوري كهذا هي أن الشعب، بصفته مصدر السلطات، قد قرر ثلاثة أمور: (الأول) هو أن يمارس سلطاته عن طريق السلطات التي نص عليها القانون الاساسي في هذه المادة، و(الأمر الثاني) أن تلتزم هذه السلطات بمبدأ الفصل بين السلطات في ممارستها للتفويض الممنوح لها، و(الأمر الثالث) أن تمارس كل سلطة اختصاصاتها على الوجه المبين في القانون الاساسي. ومؤدى هذا، فيما يعنينا في هذا البحث، أنه لا يجوز لسلطة أن تعتدي على سلطة أخرى من السلطات الثلاث، كما لا يجوز لها أن تتجاوز الاختصاصات التي رسمها لها القانون الاساسي. وهذه هي الضمانات الدستورية التي تتيح لكل سلطة فرص ممارسة اختصاصاتها ممارسة سليمة، دون تدخل من السلطات الأخرى. وواضح أن أعنف حالات التدخل هو تسليط سلطة على أخرى بحيث يكون للرئيس أو للمجلس التشريعي حق حل السلطة القضائية مثلا أو يكون للمجلس التشريعي حق اقالة الرئيس أو يكون للرئيس حق حل المجلس التشريعي قبل انتهاء مدته الدستورية. وتمشيا مع مبدأ الفصل بين السلطات فان القانون الاساسي لم ينص على اختصاص لأي من هذه السلطات بحل سلطة أخرى. وفيما يتعلق بحل المجلس التشريعي فان القانون الاساسي حدد اختصاصات الرئيس تحديدا دقيقا، ولو أنه اراد منحه حق حل المجلس التشريعي لنص على ذلك ورسم الاجراءات، وعلى وجه الخصوص، كان سيحدد موعدا الزاميا لاجراء الانتخابات الجديدة، وموعدا الزاميا لعقد أول جلسة للمجلس الجديد، منعاً للسلطة التنفيذية من التعسف في تحديد موعد الانتخابات أو عدم تحديد موعد لها، أو التهرب من دعوة المجلس الجديد للانعقاد. وقد وقع مثل هذا في بعض الدول العربية وترتبت عليه أزمات دستورية دامت عدة سنوات. وزيادة في الايضاح، فان القانون الاساسي، عندما عالج موضوع شغور مركز الرئاسة، نص على الاجراءات التي تتبع لابقاء هذا المركز مشغولا، نظرا لأنه لا يجوز أن يبقى شاغرا، ونص على اجراءات وموعد محدد لاجراء الانتخابات الرئاسية، ولم يترك هذه الأمور الخطيرة التي تمس سلطة من السلطات دون تحديد أو للاجتهاد. وكما يشهد العالم فقد تم انتقال السلطة في يسر وبشكل منتظم دُهِشَ له الكثيرون في أعقاب وفاة الرئيس الراحل المرحوم ياسر عرفات. وما كان ذلك ليتم لولا النصوص الدستورية المحكمة التي عالجت هذا الأمر في القانون الاساسي، ولولا احترام هذه النصوص من جانب الجميع. غير أن نصوصا من هذا القبيل لا وجود لها فيما يتعلق بحل المجلس التشريعي، الأمر الذي ينهض دليلا اضافيا على أن النظام الدستوري الفلسطيني لا يجيز للرئيس حل المجلس التشريعي قبل انتهاء مدته الدستورية. وما كان المشرع ليغفل النص على اجراءات الزامية كهذه بخصوص المجلس التشريعي لو كان من حق الرئيس القيام بالحل. وهذا ما فعلته دساتير أخرى، كتلك التي سنشير الها فيما بعد.

 

7-     لو أراد القانون الاساسي الفلسطيني الاخلال بالتوازن الدستوري بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، لنص عليه صراحة، كما هو الحال في دساتير أخرى. فالدستور الاردني مثلا ينص صراحة على أنه "للملك أن يحل مجلس النواب" و "للملك أن يحل مجلس الأعيان". لم يقيد حق الحل هذا بأي شرط من الشروط أو ظرف من الظروف.  وخلافا لذلك نجد أن الدستور المصري، عندما أجاز للرئيس حل مجلس الشعب، اشترط شروطا، فنص على أنه "لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس الشعب الا عند الضرورة وبعد استفتاء الشعب، ويصدر رئيس الجمهورية قرارا بوقف جلسات المجلس واجراء الاستفتاء خلال ثلاثين يوما. فاذا أقرت الأغلبية المطلقة لعدد من أعطوا أصواتهم الحلَّ، أصدر رئيس الجمهورية قرارا به. ويجب أن يشتمل القرار على دعوة الناخبين لاجراء انتخابات جديدة لمجلس الشعب في ميعاد لا يجاوز ستين يوما من تاريخ اعلان نتيجة الاستفتاء. ويجتمع المجلس الجديد خلال الايام العشرة التالية لاتمام الانتخاب." ونص الدستور السوداني لعام 1973 على أنه "يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس الشعب بعد التشاور مع رئيس المجلس اذا رأى أن المصلحة العامة تقتضي ذلك وأن الظروف تحتم اللجوء من جديد الى الناخبين على أن يتضمن قرار الحل دعوة الناخبين لاجراء انتخابات جديدة تتم في ميعاد لا يتجاوز ستين يوما من تاريخ اعلان قرار الحل وينعقد المجلس في مدة لا تزيد عن خمسة عشر يوما من تاريخ اعلان نتيجة انتخابه ولا يجوز لرئيس الجمهورية حل المجلس الجديد خلال سنة من تاريخ انتخابه". وفي حالة الولايات المتحدة لا يملك رئيس الجمهورية حل الكونغرس والدعوة لانتخابات جديدة.

 

8-     من هذه الأمثلة يتضح أولا أن اختصاص الحل لا بد من النص عليه نظرا لخطورته  ولما ينطوي عليه من اعتداء على خيار الشعب لممثليه وتفويضه لهم باختصاصات دستورية محددة لمدة معينة، وثانيا أن الدساتير تختلف فيما بينها في القواعد التي تحكم الحل، عندما تنص على جوازه . ففي الاردن لا داعي لبيان أي مبرر للحل أو اتخاذ أي اجراء سابق له، في حين أن الدستور المصري يشترط حالة الضرورة ويشترط اجراء استفتاء على الحل وأغلبية محددة للموافقة عليه، ويحدد موعدا للانتخابات الجديدة ولاجتماع المجلس الجديد. والدستور السوداني وضع، كالدستور المصري، قيودا ضرورية لضمان اجراء الانتخابات وضمان انعقاد المجلس في مواعيد محددة، بحيث لا يصبح حق الحل هذا وسيلة لتعطيل السلطة التشريعية أو يترك اختيار مواعيد انتخاب أو انعقاد المجلس الجديد خاضعا لهوى السلطة التنفيذية.  

 

(ثالثا) الأعراف الدستورية

 

9-     الأعراف الدستورية هي ما استقر عليه الفقه الدستوري من قواعد عامة يجري تطبيقها في حالات معينة، ونظرا لأن الدساتير، كما رأينا في الفقرة السابقة، تنهج مناهج مختلفة في موضوع الحل، فانه لا يصح الادعاء بوجود عرف دستوري عام ومستقر يجيز للرئيس حل المجلس النيابي قبل انتهاء مدته الدستورية. واذا قُصد بالاعراف الدستورية ما يجري في بريطانيا مثلا، فان الوضع هناك هو أن طلب الحل يأتي من الحكومة ذاتها، ولا يفرض عليها. وفي بعض البلدان يتخذ المجلس النيابي قرار حل نفسه بنفسه قبل انتهاء مدته، فتجري انتخابات مبكرة، غير أنه لا يوجد عرف دستوري عام ومستقر يجيز لرئيس السلطة حل المجلس النيابي في الوقت الذي يريده أو اذا كانت الاغلبية البرلمانية من حزب غير حزبه، أو اذا اختلف مع هذه الأغلبية، فهذا أمر متوقع في النظم البرلمانية التي تقوم على التعددية السياسية والحزبية، كالنظام الدستوري الفلسطيني. هذا فضلا عما لا يشار اليه عادة عند الحديث عن هذه الاعراف الدستورية من حيث أنه لا يوجد عرف دستوري، عام أو خاص، يحدد مواعيد الزامية لاجراء الانتخابات المبكرة أو لدعوة المجلس الجديد للانعقاد، وهذه أمور في غاية الأهمية لضمان بقاء سلطة تشريعية فاعلة لا تتحكم السلطة التنفيذية في مصيرها، ولا يصح أن تترك لتقدير السلطة التنفيذية.

 

10-قيل بأن النظام الأساسي الفلسطيني نص صراحة على عدم جواز حل المجلس التشريعي في حالة اعلان الطوارئ، وأن هذا يعني، بمفهوم المخالفة، جواز حله في الظروف الاخرى. وهذا احتجاج في غاية الغرابة. فاذا كانت حالة الطوارئ، وهي من حالات الضرورة القصوى، لا تجيز الحل، فمن باب أولى ألا يجوز الحل في غيرها من الظروف، مثل الخلاف السياسي بين الرئيس وحكومته، وهي حالة متوقعة عندما يكون كل من الرئيس والمجلس التشريعي يخضع للانتخاب المباشر. هذا فضلا عن أنه لا يجوز افتعال تفسيرات تتناقض مع الاصل الذي يقوم عليه النظام الدستوري الفلسطيني وهو مبدأ الفصل بين السلطات والتعددية السياسية والحزبية.

 

(رابعا) الطعن في دستورية القرار

 

11-رأى البعض بأنه لا يجوز الطعن في هذا القرار لأنه عمل من أعمال السيادة، ويسوقون مثالا على ذلك حالة اعلان الحرب، أو منح الجنسية لأجنبي. المثالان صحيحان من حيث المبدأ، ولكنهما لا ينطبقان على الحالة التي نحن بصددها. فاعلان الحرب صلاحية مخولة دستوريا للسلطة التنفيذية تمارسها وفق تقديرها هي، ولا يصح للقضاء  أن يستعيض هو بتقديره للحالة عن تقدير السلطة المختصة. وكذلك فان صلاحية منح الجنسية ممنوحة قانونا لجهة مختصة، وهي تمارسها وفق تقديرها. أما حل المجلس التشريعي فليس مخولا لرئيس السلطة وبالتالي فانه لا يتمتع بشأنه بأية سلطة تقديرية، على عكس الوضع وفق الدساتير العربية التي اشير اليها فيما تقدم. فاذا أقدم الرئيس على ممارسة الحل، فانه لا يمارس عملا سياديا، وانما يقوم بعمل غير دستوري يكون من المتعين الغاؤه، ويخضع للرقابة الدستورية والقانونية. وما دام الحال كذلك، فان مبررات الحل التي ساقها الرئيس لا علاقة لها بالاوضاع الدستورية، وانما هي أمر سياسي يستدعي التعامل معه في اطار العمل السياسي الذي يفترض تعاونا جديا وحُسْنَ نية من الجانبين بين الرئاسة والحكومة لمواجهة المشاكل التي يعاني منها الشعب الفلسطيني.

 

(خامسا) خطاب التكليف

 

12-يشير البعض الى ضرورة التزام الحكومة بخطاب التكليف الذي يصدره الرئيس عند تكليف من يختاره لرئاسة الوزراء. إن هذا الطرح يتعارض مع نظام يقوم على التعددية السياسية والحزبية، ومبدأ الفصل بين السلطات. فنظام التعددية قد يأتي، كما سبق القول، برئيس من حزب وأغلبية نيابية من حزب آخر. في هذه الحالة لا يستطيع الرئيس أن يفرض على هذه الأغلبية سياسته. قد تجاريه هذه الأغلبية في بعض ما يريد، ولكنه لا يملك أن يفرض على حكومة تحظى بالأغلبية البرلمانية السياسةَ التي يريدها. ووفقا للتعديلات التي أدخلت على القانون الاساسي الفلسطيني في عهد رئاسة الأخ أبو مازن للحكومة، فإن الحكومة، لا الرئيس، هي "الاداة التنفيذية والادارية العليا التي تضطلع بمسئولية وضع البرنلمج الذي تقره السلطة التشريعية موضع التنفيذ، وفيما عدا ما لرئيس السلطة الوطنية من اختصاصات تنفيذية يحددها القانون الاساسي تكون الصلاحيات التنفيذية من اختصاص مجلس الوزراء" (المادة 63). ووفقا للقانون الاساسي المعدل، فان الرئيس ليس من بين اختصاصاته تحديد برنامج الحكومة أو سياستها، وانما تقوم الحكومة نفسها بذلك وتنال عليه الثقة (المادة 66). ازاء هذا الوضع لا محل لالزام الحكومة بخطاب تكليف، وأقصى ما يمكن أن يكون له من قوة أنه يعبر عن رغبة فقط، ولا يقاس الوضع في فلسطين على الأوضاع في معظم البلاد العربية، حيث أن الحكام هم الذين يقررون السياسة والبرامج وليس للحكومة من دور سوى التنفيذ.  

 

خاتمة

 

اننا ننصح بالعدول عن القرار ، وببذل الجهد الصادق من الجميع، وبحُسْنِِ نيةٍ وتعقلٍ، للوصول الى تفاهم لخير الوطن والمواطنين، وللحيلولة دون استقطابات ومواجهات أليمة لا داعي لها ولا موجب، وبالتزام كل جانب بالاختصاصات المقررة له في القانون الاساسي، وعدم الخلط بين اختصاصات الرئيس بصفتيه كرئيس للسلطة ورئيس للجنة التنفيذية. وبدون التفاهم هذا الذي يفترضه نظام التعددية السياسية والحزبية، فان الجميع سيكون خاسرا، وأول الخاسرين سيكون الوطن وقضيته. ومع أننا لم نتعرض فيما تقدم لمنظمة التحرير الفلسطينية، فاننا نختتم هذا المقال بالتأكيدعلى ضرورة اعادة الحياة والفاعلية لمنظمة التحرير ومؤسساتها، واستغراب تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في هذا الشأن، فهي الأقدر على مواجهة المشاكل وحلها، وهي صاحبة الاختصاص الأصيل في رسم السياسات واعادة النظر فيها حسب التطورات واتخاذ القرارات التي تهم الشعب الفلسطيني كله، وليس اللجنة التنفيذية الحالية التي عليها العديد من المآخذ. إن تغييب المنظمة عن الساحة حتى الآن تقصير لا يغتفر.

 

 


 

[1] رئيس لجنة الميثاق والانظمة في المؤتمر الوطني الفلسطيني التأسيسي لمنظمة التحرير ورئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني الفلسطيني سابقا