التاريخ: 18 أكتوبر 2000

 

التضحية بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني: ورقة موقف حول نتائج قمة شرم الشيخ

انتهت بعد ظهر أمس الثلاثاء أعمال قمة شرم الشيخ الطارئة التي عقدت بمشاركة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك ببيان تفاهم تلاه الرئيس الأميركي بيل كلينتون بعد نحو 28 ساعة من الاجتماعات المتصلة تقريباً. ولخص الرئيس كلينتون ما تم الاتفاق عليه في ثلاثة محاور يمكن إجمالها فيما يلي

وقف العنف واتخاذ إجراءات فورية من الطرفين لإنهاء المواجهات وعدم تكرار الأحداث الأخيرة وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة الأخيرة

ستشكل الولايات المتحدة مع الفلسطينيين والإسرائيليين، بالتشاور مع الأمين العام للأمم المتحدة، لجنة "تقصي حقائق" في الأحداث الأخيرة. وسيتم إشراك الرئيس الأميركي والأمين العام للأمم المتحدة والأطراف في التقرير قبل نشره. وسينشر التقرير برعاية الرئيس الأميركي

ستجري الولايات المتحدة مشاوراتها مع الأطراف في غضون الأسبوعين القادمين حول كيفية المضي قدماً واستئناف الجهود من أجل التوصل إلى اتفاقية حول التسوية النهائية على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338 والتفاهمات اللاحقة

وفيما انتهت القمة الطارئة، استمرت يوم أمس واليوم المواجهات بين قوات الاحتلال الإسرائيلي والمتظاهرين الفلسطينيين في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما أوقع مزيداً من الضحايا في صفوف المدنيين الفلسطينيين جراء استمرار قوات الاحتلال وجماعات المستوطنين في اقتراف جرائم القتل والاعتداءات والاستفزازات ضدهم. ويخشى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من أن تشكل نتائج قمة شرم الشيخ عاملاً آخر من عوامل التوتر في المنطقة في ظل استمرار الصمت الدولي على انتهاكات قوات الاحتلال الجسيمة وفي ظل تفرد الولايات المتحدة بمواقفها غير الحيادية في معالجة الأحداث، بمنأى عن المجتمع الدولي والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تلزم تلك الأطراف بضمان احترام وتطبيق الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين

ويرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن جملة التفاهمات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي كما لخصها الرئيس كلينتون لا توفر أية ضمانة لوضع حد لأعمال القتل والجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال وجماعات المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين وأملاكهم ولا توفر أية آلية حقيقية للتحقيق النزيه في الأحداث من قبل لجنة دولية ترعاها الأمم المتحدة، وهذا يتضح مما يلي

 

أولاً: تغييب القانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان

شأنه شأن جميع الاتفاقيات والمذكرات والتفاهمات التي اتفق عليها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة منذ بدء عملية التسوية وحتى الآن، لم يرتكز تفاهم شرم الشيخ الأخير إلى القانون الدولي، خصوصاً القانون الدولي الإنساني بما فيه اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب، ولم يشر لا من قريب أو بعيد إلى مبادئ حقوق الإنسان. ومرة أخرى تم التضحية بحقوق الإنسان لاعتبارات سياسية في ظل ضغوط أميركية متواصلة على الجانب الفلسطيني ودعم أميركي غير محدود لموقف إسرائيل

إن إحدى الاخفاقات الأساسية لعملية السلام بمجملها كانت التضحية بحقوق الإنسان لصالح السلام الأمن. وبعد سبعة أعوام على توقيع إعلان المبادئ في أسلو لم يتحقق السلام، فيما استمرت انتهاكات حقوق الإنسان ضد المدنيين الفلسطينيين في أبشع صورها وبشكل مطرد. ويوماً بعد يوم تبرهن الأحداث صحة موقف منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والعربية والدولية بأنه لا يمكن تحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة دون احترام وتوفر ضمانات أساسية لاحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك احترام الحق في تقرير المصير للشعب الفلسطيني

 

ثانياً: الدعوة لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الأحداث

إن الدعوة لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الأحداث تشكل دعوة للعودة إلى كل الأوضاع قابلة للانفجار في الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل تاريخ 28 سبتمبر الماضي. إن زيارة شارون للحرم القدسي الشريف لم تكن سوى الشرارة التي أشعلت النار في برميل من البارود جراء تراكم عوامل الاحتقان والغضب في صفوف الشعب الفلسطيني في ظل عملية تسوية غير متوازنة أخفقت حتى الآن في تلبية الحد الأدنى من توقعاته. فبعد عشرة أعوام على انطلاقة عملية السلام في مدريد وبعد ستة أعوام من توقيع أول اتفاقية للتسوية المرحلية وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية على أجراء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما تزال قوات الاحتلال تسيطر على أكثر من 90% من أراضي الضفة الغربية وأكثر من 40% من قطاع غزة، فيما فشلت عملية التسوية في وضع حد لانتهاكات قوات الاحتلال الجسيمة وجرائمها ضد الشعب الفلسطيني وأرضه

وعلى مدى السنوات الماضية، استمرت قوات الاحتلال في ابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية ومصادرتها لصالح توسيع المستوطنات القائمة وإقامة مستوطنات جديدة وشق الطرق الالتفافية التي تصل تلك المستوطنات بالأراضي الإسرائيلية. ولم تتوقف أعمال القتل التي تنفذها قوات الاحتلال وجماعات المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين. وبقي آلاف المعتقلون الفلسطينيون في سجون الاحتلال يواجهون بطش إدارة السجون وأساليب التعذيب على أيدي محققي جهاز الأمن العام وظروفاً معيشية غير آدمية. وعلى مدى السنوات الماضية شددت إسرائيل من حصارها وإغلاقها للأراضي الفلسطينية المحتلة وفرضت قيوداً على تنقل المدنيين والبضائع، ومارست سياسة الخنق الاقتصادي على الشعب الفلسطيني، مما ساهم في تصعيد انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمدنيين الفلسطينيين، فضلاً عن انتهاك حقوقهم المدنية والسياسية

وبتاريخ 4/5/1999، انتهى الموعد المحدد للمرحلة الانتقالية دون أن تفي الحكومة الإسرائيلية بالتزاماتها بموجب اتفاقية التسوية المرحلية المتعلقة بإعادة انتشار قواتها في الضفة الغربية. وكان لتوقعات أطراف دولية عديدة بانفراج عملية السلام في أعقاب تسلم حزب العمل بزعامة إيهود باراك مقاليد الحكم في إسرائيل منذ أيار 1999 الأثر المباشر في تأجيل مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الذي دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة لانعقاده في 15 يوليو 1999 من أجل البحث في سبل تطبيق الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. غير أن منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والعربية والدولية قد استبعدت هذا الانفراج المزعوم وحذرت من تفاقم الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وأكدت على ضرورة تبني مؤتمر الأطراف السامية لإجراءات عملية وفورية في مواجهة انتهاكات إسرائيل الجسيمة للاتفاقية. وقد أثبتت الوقائع إفراط التفاؤل الدولي أمام استمرار باراك بنهج سلفه بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الليكود آنذاك، واستمرار انتهاكات قوات الاحتلال في عهده بوتيرة ثابتة. بل إن النشاطات الاستيطانية، على وجه الخصوص، قد ارتفعت في عهد باراك عن ما كان عليه الوضع خلال حكم الليكود

وبتاريخ 26/7/2000، انتهى أسبوعان من المفاوضات المكثفة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة دون التوصل إلى اتفاق على القضايا المؤجلة للتسوية النهائية بما فيها اللاجئين، القدس، المستوطنات، الحدود، وهي القضايا الأساسية في الصراع وجوهر القضية الفلسطينية في الواقع

إن العودة إلى مجمل تلك الأوضاع طبقاً لتفاهمات شرم الشيخ، هو دعوة لإعادة تفجر الأوضاع لأنها لا تقبل الاحتمال من قبل الشعب الفلسطيني

 

ثالثاً: الأحداث الأخيرة ولجنة التحقيق

إن اللجنة التي ستشكلها الولايات المتحدة مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لتقصي الحقائق لن توفر آلية للتحقيق النزيه والمحايد في الأحداث ولن تتمكن من تحديد الطرف المسؤول عنها ولن تفوض بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة وأعمال القتل والاستخدام المفرط للقوة من جانب قوات الاحتلال. إنها باختصار لجنة سياسية وليست مهنية، لن

تنشر تقريرها إلا بموافقة الأطراف وبرعاية الرئيس الأميركي شخصياً. وتتناقض اللجنة على هذا النحو مع مطالب منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والعربية والدولية بتشكيل لجنة دولية ترعاها الأمم المتحدة للتحقيق - وليس لتقصي الحقائق – في انتهاكات قوات الاحتلال الجسيمة وأعمال القتل التي تمارسها ضد المدنيين الفلسطينيين حتى اليوم، منها على سبيل المثال

قتل قوات الاحتلال وجماعات المستوطنين بدم بارد لـ 97 فلسطينياً، 25% منهم أطفال، خلال الفترة من 29/9 – 17/10/2000، بعد إصابتهم بالرصاص الحي في الرأس والصدر في معظم الأحيان

إصابة أكثر من 2500 فلسطيني بالرصاص، إصابة بعضهم خطيرة، ومعظمها في الجزء العلوي من الجسم. وبين المصابين أكثر من 15شاباً وطفلاً فقدوا أعينهم نتيجة إصابات مباشرة في العين بالرصاص الحي والأعيرة المعدنية المغلفة بالمطاط. وبين المصابين أيضاً عدد من حالات الموت السريري

قصف قوات الاحتلال للمباني والمنشآت الفلسطينية بواسطة الطائرات العمودية والزوارق الحربية والمدرعات

اشتراك الطائرات العمودية لقوات الاحتلال في إطلاق الرصاص الثقيل على المتظاهرين العزل

فرض قوات الاحتلال عقوبات جماعية ضد المدنيين الفلسطينيين من خلال الاستمرار في اتباع سياسة الحصار وإغلاق الأراضي الفلسطينية المحتلة أمام حركة الأفراد والمعاملات الاقتصادية، إضافة إلى إغلاق جميع المعابر الحدودية ومطار غزة الدولي

إن الانتهاكات الجسيمة التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة في غضون الأسبوعين ونيف الماضيين وإخفاق المجتمع الدولي في التدخل الفاعل لوقف قتل المدينين الفلسطينيين، تعكس فشلاً ذريعاً من جانب المجتمع الدولي في تطبيق القانون الدولي الإنساني، خصوصاً اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، في واحدة من أخطر الحالات التي تستحق التدخل والتطبيق الفوري

إن ما حدث في شرم الشيخ لا يشكل علاجاً للأزمة ولا يتعرض لأسبابها، ولا يعوض الضحايا من المدنيين الفلسطينيين ولا ينصف الشعب الفلسطيني، ويتنافى مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. وتبقى كل عوامل تفجر الأوضاع قائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما لم يتخذ المجتمع الدولي إجراءات فعالة من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة وغير القابلة

للتصرف، بما فيها الحق في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، دون انتقاص

ولتدارك تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يدعو المركز الفلسطيني إلى ما يلي

تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة ومهنية للتحقيق في الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال وجماعات المستوطنين - التي تعمل تحت حماية قوات الاحتلال - ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة

الإدانة الدولية الواضحة لممارسات قوات الاحتلال والمستوطنين الدموية ضد المدنيين الفلسطينيين

توفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين من اعتداءات قوات الاحتلال والمستوطنين، وعدم الانتظار لحين تفاقم

أكثر في الأوضاع أو حدوث مجازر أكثر هولاً بحقهم على غرار ما حدث في كوسوفو مثلاً

ضرورة أن تقوم الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة بالاجتماع مجدداً لبحث إجراءات تطبيق الاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة واتخاذ تدابير عملية للوفاء بالتزاماتها القانونية بضمان تطبيق الاتفاقية وتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين

أن يقوم الاتحاد الأوروبي بتفعيل المادة الثانية من اتفاقية الشراكة الأوروبية – الإسرائيلية المتعلقة باحترام إسرائيل لحقوق الإنسان، وضمان عدم مكافأة إسرائيل على انتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان الفلسطيني بامتيازات وأفضليات اقتصادية مع دول الاتحاد

ضرورة أن تقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بلعب دور أكبر في حماية المدنيين الفلسطينيين، وذلك من خلال توسيع دائرة الحضور والتواجد لطواقمها في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة

ضرورة أن تقوم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بتوسيع نطاق عملياتها وزيادة حضورها ومساعدتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة

 

"انتهـي"