23 يونيو 2009

 ورقة موقف

المركز يتحفظ على كل التشريعات الصادرة في ظل الانقسام

يبدي المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تحفظه على كافة التشريعات التي تصدر عن السلطة الوطنية الفلسطينية في ظل حالة الانقسام الراهنة، سواء تلك التشريعات التي تصدرها كتلة التغيير والإصلاح في غزة باسم المجلس التشريعي، أو القرارات بقوة القانون التي يصدرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الضفة الغربية بدعوى غياب المجلس التشريعي.  ويطالب المركز بالامتناع عن سن تشريعات جديدة في أوضاع الانقسام القائمة ويرى أن مثل هذه التشريعات لا ضرورة لها، إنما هي جزء من حالة الانقسام وتجلياتها ولا تخدم سوى أجندات وسياسات حزبية من شأنها تعزيز الانقسام، وينبغي بالتالي وضعها على أجندة الحوار الوطني الفلسطيني، بهدف إلغائها جميعاً باعتبارها جزءاً من حالة الانقسام، أو مراجعتها وإعادة النظر فيها من قبل السلطة التشريعية حال التئامها.

الأزمة الراهنة التي تعيشها السلطة التشريعية وعملية التشريع كانت وما تزال نتاج العوامل ذاتها التي أدت إلى حالة التدهور غير المسبوقة في أوضاع حقوق الإنسان وفي مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية منذ فوز حركة حماس بأغلبية كبيرة في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في يناير 2006.  ويأتي في مقدمة هذه العوامل التصعيد في جرائم الحرب التي تواصل قوات الاحتلال اقترافها ضد المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك اعتقال رئيس المجلس التشريعي د. عزيز الدويك وأكثر من أربعين نائباً، معظمهم من قائمة التغيير والإصلاح التي فازت بالأغلبية البرلمانية، بعد أقل من ثلاثة أشهر على تنصيب المجلس التشريعي الجديد.  وللعام الثالث على التوالي ما يزال رئيس وأعضاء المجلس التشريعي رهن الاعتقال، وهو ما يعكس التدخل السافر من قبل قوات الاحتلال في عمل السلطة التشريعية وشل عملها واستهداف للأغلبية البرلمانية التي نالت الثقة الشعبية والتفويض الانتخابي.  يضاف لذلك التدخل السافر في عمل السلطة التشريعية من خلال القيود على الحركة ومنع أعضاء التشريعي من الوصول إلى مقره الرئيس في رام الله، وهو أمر مستمر منذ العام 1996، ويشكل سابقة غير معهودة حيث باتت قوات الاحتلال هي الجهة المقررة فعلياً فيما إذا كان بإمكان المجلس التشريعي أن يعقد جلساته أم لا.

أما العامل الثاني الذي ساهم في تدهور السلطة التشريعية فكان الأزمة الداخلية وحالة الانقسام التي تشهدها السلطة الفلسطينية بعد أحداث يونيو 2007 وسيطرة حماس على قطاع غزة.  فبعيد تلك الأحداث مباشرة، أصدر الرئيس محمود عباس عدداً من المراسيم الرئاسية، تقضي بين ما تقضيه، بفرض حالة الطوارئ، وتعليق العمل ببعض مواد القانون الأساسي بهدف تجاوز السلطة التشريعية وإطلاق يد السلطة التنفيذية في العمل بدون مراقبة أو مساءلة من السلطة التشريعية، وهي أمور سبق للمركز أن عارضها واعتبرها غير دستورية.

وقد شهدت المرحلة اللاحقة مناكفات وتجاذبات سياسية بين طرفي الأزمة، حركتا فتح وحماس، ساهمت في تعطيل المجلس أكثر من ذي قبل، وآلت في نهاية الأمر إلى قيام كتلة التغيير والإصلاح البرلمانية بعقد جلسات في غزة منذ نوفمبر 2007 بعد أن أجازت لنفسها العمل بنظام التوكيل نيابة عن أعضاء المجلس التشريعي المعتقلين، وبالتالي، الادعاء بوجود نصاب قانوني لانعقاد المجلس التشريعي.  وقد عارض هذا الأمر بقية أعضاء المجلس التشريعي سواء من حركة فتح أو غيرها، وامتنع جميعهم عن المشاركة في جلسات المجلس.  وقد سبق أن أوضح المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان موقفه من تلك الجلسات باعتبارها جزءاً من الأزمة السياسية القائمة، دون الخوض في جدل قانوني حول مدى قانونيتها من عدمه.  كما اعتبر المركز أن تلك الجلسات ليس لها أية قيمة قانونية، بل هي جزء من الأزمة، وتكرس الانقسام والفصل التام بين الضفة الغربية وقطاع غزة 

ومنذ ذلك الحين، قامت كتلة التغيير والإصلاح في المجلس التشريعي بمناقشة وإقرار وإصدار عدد من القوانين، حتى بدون مصادقة رئيس السلطة عليها، وذلك استناداً إلى المادة (41) من القانون الأساسي.  وتنص هذه المادة على أن يصدر رئيس السلطة الوطنية القوانين بعد إقرارها من المجلس خلال شهر من تاريخ إحالتها إليه وله أن يعيدها إلى المجلس خلال ذات الأجل مرفقة بملاحظاته أو أسباب اعتراضه وإلا اعتبرت مصدرة وتنشر فوراً في الجريدة الرسمية.  وكان آخر القوانين التي أقرتها كتلة التغيير والإصلاح في المجلس ما تم إقراره من تعديلات في نهاية مايو الماضي على كل من: قانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001، قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم (6) لسنة 1998، وقانون العقوبات رقم (74) لسنة 1936.  وقد تم تبرير إقرار تلك التعديلات بادعاء وجود ثغرات في القوانين، وتلبيةً للحاجات الملحة للمواطن والتي تمس حياته.

بالمقابل، وبالتوازي مع عملية التشريع في غزة، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس عدداً من القرارات بقوة القانون خلال فترة الانقسام أيضاً.  وفضلاً عن المراسيم المذكورة أعلاه بعيد أحداث يونيو 2007، صدرت قرارات أخرى لم يجرِ عرضها على المجلس التشريعي، بدعوى عدم انعقاده، وبالتالي حق الرئيس في إصدار قرارات بقوة القانون، استناداً للمادة (43) من القانون الأساسي التي تجيز للرئيس إصدار مثل تلك القرارات في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي. ومن بين تلك القرارات كان القرار بقانون بشأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية الذي أصدره الرئيس في سبتمبر 2007، وهو ما سبق وأن انتقده المركز باعتباره استمراراً لاغتصاب صلاحية السلطة التشريعية من قبل السلطة التنفيذية والتفافاً على المجلس التشريعي المنتخب.

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عكف خلال الأيام الأخيرة على مراجعة التعديلات المذكورة، وإذ يكرر تحفظه على كافة التشريعات التي صدرت عن طرفي الأزمة في غزة والضفة، فإنه:

  1. يرى أن التشريعات الأخيرة الصادرة عن كتلة التغيير والإصلاح باسم المجلس التشريعي في غزة تتجاوز مبرر الحاجة والضرورة حيث تناولت قضايا حساسة وأساسية، ولكن للأسف تمت معالجتها بطريقة سطحية كان الهدف منها توسيع نطاق الصلاحية لأجهزة الأمن وجهات إنفاذ القانون ومنحها سلطات تكاد تكون مطلقة دون مراجعة.  ولعل أبرز دليل على ذلك هو التعديل في المادة (206) من قانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001، بأن تقام البينة في الدعاوى الجزائية المتعلقة بالمخدرات وغيرها من المؤثرات العقلية "بأي من طرق الإثبات."  وهو تعديل يقصد منه تجاوز المادة (220) من القانون نفسه والتي تنص على أن "تقبل في معرض البينة في الإجراءات الجزائية جميع التقارير الصادرة من الموظف المسؤول عن المختبرات الحكومية أو المعتمدة رسمياً، والمتضمنة نتيجة الفحص الكيماوي أو التحليل الذي أجراه بنفسه بشأن أي مادة يشتبه بها.  وبالتالي لم يعد ملزماً وجود حاجة لفحوص مخبرية من خلال معمل جنائي كطريقة للإثبات بشأن المواد المشتبه بأنها مخدرة، واعتماد أية طريقة أخرى بدلاً عنها.
  2. يرى أن التشريعات المذكورة تنطوي على توجه بالتدرج في إدخال تعديلات وقوانين من منظار سياسي حزبي تخدم رؤى وأهداف أيديولوجية لكتلة التغيير والإصلاح، وهو ما بدا واضحاً، على سبيل المثال، في التعديلات على قانون العقوبات.
  3. يؤكد أن القوانين القائمة كافية لسد الحاجات الراهنة وأن لا ضرورة ملحة لسن المزيد من القوانين الخلافية والتي تكرس حالة الانقسام القائمة.
  4. يؤكد أن المبرر الأساسي لوجود المجلس التشريعي لم يكن لسد فراغ قانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي عانت من تخمة في القوانين الموروثة منذ العهد العثماني مروراً بعهد الانتداب البريطاني والإدارة المصرية في غزة والحكم الأردني في الضفة والأوامر العسكرية الصادرة عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي.  وقد جاء المجلس التشريعي لتوحيد هذه القوانين المختلفة ووضع نظامٍ قانوني واحد بدلاً من النظامين القانونيين اللذين كانا قائمين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.  وبرغم كل ملاحظاتنا على أداء المجلس التشريعي منذ تأسيسه في العام 1996، إلا أنه قد خطا خطوات معقولة في اتجاه توحيد هذه القوانين، بما في ذلك سن القانون الأساسي، الدستور المؤقت للسلطة الوطنية الفلسطينية.  وبالتالي فإن توقف هذا الدور للمجلس التشريعي، بل وتسخيره من أجل سن قوانين وتشريعات تعزز الانقسام وتكرسه بحيث نعود مجدداً إلى وجود نظامين قانونيين في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، يمس جوهر عمل المجلس ويفقده مبرر وجوده.
  1. يشير بقلق إلى استمرار تعطيل الوظيفة الأساسية الأخرى للمجلس التشريعي وهي ممارسة دور الرقابة والمساءلة على السلطة التنفيذية.  فالسلطة التنفيذية المنقسمة إلى حكومتين في كل من غزة والضفة تمارس مهامها بدون أية رقابة برلمانية، والمجلس التشريعي مغيب بالكامل خاصة في الشؤون المالية، فلا موازنات مقرة ولا معلومات واضحة ومنشورة عن الأداء المالي ولا وجود لمبادئ الشفافية والمساءلة.
  2. يؤكد مجدداً أن لا بديل عن الحوار الوطني وانه المدخل الوحيد لحل الأزمة الداخلية الفلسطينية وإنهاء الانقسام وإعادة الاعتبار لمؤسسات الحكم الفلسطيني وتوحيدها بما في ذلك السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.  وإلى أن يتم ذلك يطالب المركز طرفي الأزمة بإلغاء التشريعات الصادرة عنهما والامتناع عن سن تشريعات جديدة تكرس الانقسام وتعززه ولا تخدم سوى مآرب حزبية ضيقة.  كما يطالب بوضع التشريعات التي تم إصدارها خلال فترة الانقسام على أجندة الحوار الوطني الفلسطيني، بهدف إلغائها جميعاً باعتبارها جزء من حالة الانقسام، أو مراجعتها وإعادة النظر فيها من قبل السلطة التشريعية حال التئامها.
  3. يدعو إلى إعادة الاعتبار للسلطة التشريعية، ويطالب المجتمع الدولي بالضغط على سلطات الاحتلال من أجل الإفراج عن رئيس وأعضاء المجلس التشريعي المنتخبين، كما يطالب طرفي الصراع، حماس وفتح، بالعمل على تفعيل دور السلطة التشريعية وتحييدها من الصراع وتمكينها من القيام بمهامها، خاصة في ممارسة الدور الرقابي على السلطة التنفيذية.    

 

 

"انتهــــــى"

 

<الى البداية>