ورقة موقف حول

عقوبة الإعدام في السلطة الوطنية الفلسطينية

 

 

 

 

المركـــز الفلسطــيني لحقـــوق الإنســان

يتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة

عضو لجنة الحقوقيين الدولية – جنيف

عضو الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان – باريس

عضو الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان – كوبنهاجن

عضو مجموعة المساعدة القانونية الدولية (أيلاك) – ستوكهولم

عضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان – القاهرة

 

 

 

مقدمـــة

 

 تشكل عقوبة الإعدام واحدة من أبرز القضايا التي تحظى على اهتمام نشطاء حقوق الإنسان، والمؤسسات الدولية العاملة في الحقل الحقوقي والقانوني.  فبالإضافة إلى انتهاكها لأحد أهم حقوق الإنسان، وللركيزة الأساسية لأية حقوق أخرى، وهو الحق في الحياة،  تمثل عقوبة الإعدام أقصى درجات التعذيب والمعاملة القاسية واللإنسانية.  وعليه، قيّدت المادة (3) من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"،[1] استخدام هذه العقوبة، وأكدت على حق كل فرد "...في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه".  ويشمل هذا الحق، كما تؤكد المادة (5) من الإعلان نفسه، عدم إخضاع الفرد للتعذيب، والمعاملة القاسية والحاطة بالكرامة الإنسانية، بما في ذلك من عدم تطبيق عقوبة الإعدام.   

 

خلال النصف الثاني من القرن العشرين  سٌنت العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية والإقليمية[2] التي أكدت على ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشأن الحق في الحياة، وطالبت-بصراحة- بعدم تطبيق عقوبة الإعدام إلا في حالات استثنائية، ووفق شروط ومعايير محددة.  في هذا السياق، أكدت المادة (6، فقرة "1") من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[3] على الحق في الحياة كـ "...حق ملازم لكل إنسان...ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا."  وحددت الفقرة الثانية من المادة نفسها الحالات والمعايير والشروط التي يسمح فيها بتطبيق عقوبة الإعدام، حيث أكدت على أنه "لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة وفقاً للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد...ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة".  برغم سماح هذه الفقرة بتطبيق عقوبة الإعدام وفق شروط محددة جداً، إلا أن الفقرة (5) من نفس المادة حرمت تطبيق هذه العقوبة على الأطفال والنساء الحوامل، حتى في ظل تلك الشروط المحددة.  فقد أكدت تلك الفقرة على عدم جواز الحكم "...بعقوبة الإعدام على جرائم ارتكبها أشخاص دون الثامنة عشر، ولا تنفيذ هذه العقوبة بالحوامل".

 

 وطالب البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يهدف إلى إلغاء عقوبة الإعدام،[4] الدول الموقعة عليه باتخاذ "...جميع التدابير اللازمة لإلغاء عقوبة الإعدام داخل نطاق ولايتها القضائية"، وبعدم تطبيق عقوبة الإعدام إلا "... في وقت الحرب طبقاً لإدانة في جريمة بالغة الخطورة تكون ذات طبيعة عسكرية وترتكب في وقت الحرب...".[5]

 

ولا تقتصر نتائج تطبيق عقوبة الإعدام على انتهاك حق الفرد في الحياة، ولكنه يمتد ليشمل أيضاً انتهاك حقه في التمتع بالمعاملة الإنسانية غير الحاطة بكرامته، وهي بذلك تشكل انتهاكاً صارخاً للاتفاقية الخاصة بمناهضة التعذيب وغيره من أشكال المعاملة اللا إنسانية للعام 1984.

 

ونتيجة لانتهاكها للحق في الحياة، وللاتفاقية الخاصة بمناهضة التعذيب وغيره من أشكال المعاملة اللإنسانية للعام 1984، عمدت العديد من الدول- منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي- على وقف العمل بهذه العقوبة. فوفقاً لبعض المصادر، بلغ عدد الدول التي ألغت العمل بعقوبة الإعدام على المستوى القانوني والعملي at de-jure and de-facto level)) في العام 2006،  88 دولة، فيما بلغ عدد الدول التي ألغت العمل بعقوبة الإعدام طبقاً لإدانة في جرائم عادية (لا تتعلق بالأمن القومي) 10 دول، و37 دولة (من بينها دولة عربية واحدة وهي تونس) ألغت العمل بتلك العقوبة على المستوى العملي (de-facto level[6]) ، فيما أبقت 55 دولة، من بينهم 12 دولة عربية (بما في ذلك السلطة الفلسطينية) على العمل بتلك العقوبة قانوناً وعملاً (at de-jure and de-facto level).[7]

 

عقوبة الإعدام في مناطق ولاية السلطة الوطنية الفلسطينية

 

في العام 1994، أنشئت السلطة الوطنية الفلسطينية لكي تشرف، بموجب الاتفاقية الإسرائيلية-الفلسطينية الانتقالية، على إدارة الشؤون المدنية لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة.  ومن بين أشياء أخرى، توجب على تلك السلطة تحديد الأسس والمبادئ القانونية التي ستحكم علاقتها بالمجتمع الفلسطيني.  في هذا الصدد، أكدت السلطة الوطنية الفلسطينية في دستورها المؤقت للعام 1997، ونسخته المعدلة للعام 2003، على التزامها بالعمل- دون إبطاء- على الانضمام إلى المواثيق والإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان، واحترامها لكافة المواثيق والصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.  وعلى الرغم من أن هذا الالتزام كان يعني ضرورة سعيها لتعديل كافة التشريعات والقوانين المعمول بها في مناطق ولايتها بطريقة تكفل انسجام هذه التشريعات والقوانين مع روح الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان، إلا أن السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنذ نشأتها في العام 1994، طبقت عقوبة الإعدام بطريقة تتعارض مع المعايير الدولية، استناداً إلى المادة (37) من قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936، المعمول به في قطاع غزة، والمادة (14) من قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 المعمول به في الضفة الغربية.  إضافة إلى القانونين المذكورين، استندت السلطة الوطنية الفلسطينية إلى قانون العقوبات الثوري الصادر عن منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1979، وغير المقر من الهيئة التشريعية الفلسطينية (المجلس التشريعي الفلسطيني).

 

ومنذ نشأتها في العام 1994 حتى نهاية العام 2005، أصدرت السلطة الوطنية الفلسطينية 74 حكماً بالإعدام بحق مواطنين طبقاً لإدانة في جرائم مختلفة (بما فيها إدانة بجرائم تتعلق بالأمن القومي).[8] الغالبية العظمى من هذه الأحكام صدرت عن محكمة أمن الدولة، التي أنشئت في فبراير 1995، عندما أصدر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات  قراراً  يقضي بإنشاء محكمة أمن دولة عليا.[9]  في حينه، قوبل القرار بمعارضة قوية من قبل منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، بما فيها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الذي اعتبر تلك المحكمة مخالفة للمعايير الدولية الخاصة بالمحاكمة العادلة والإجراءات القانونية السليمة.  فمحكمة أمن الدولة لا تعطي- في العادة- المتهم الوقت الكافي لتحضير الدفاع عن نفسه، كون إجراءاتها تتم بسرعة، دون إبلاغ محاميه بالمحاكمة في وقت معقول يسمح له بإعداد دفاعه.  إلى جانب ذلك، تغيب في هذا النوع من المحاكمات التقارير الفنية من قبل جهات قضائية مستقلة، كالمعمل الجنائي ومعهد الطب الشرعي، فضلا على أن أحكام هذه المحكمة هي أحكام قاسية (كعقوبة الإعدام والسجن مدى الحياة) غير قابلة للاستئناف.

 

على الرغم من حجم الانتقادات التي تعرضت لها السلطة الوطنية الفلسطينية من قبل منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية نتيجة لقرارها القاضي بإنشاء محكمة أمن الدولة، إلا أن تلك الانتقادات لم تكن لتجد آذانا صاغية لديها، حيث عمدت - خلال السنوات اللاحقة - إلى تنفيذ جزء من الأحكام الصادرة عن تلك المحكمة، وأصدرت قراراً في نوفمبر 1999، يقضي باستحداث منصب النائب العام لمحكمة أمن الدولة، بطريقة أدت إلى تكريس عمل هذه المحكمة في مناطق ولايتها القانونية. 

 

في العام 2001، سنت السلطة الفلسطينية ما يسمى بقانون الإجراءات الجزائية رقم (3) للعام 2001.  هذا القانون يحدد إجراءات تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم الفلسطينية.  وفقاً لهذا القانون، للمتهم الحق في الطعن بقرار المحكمة لدى محكمة الاستئناف خلال مدة أقصاها 15 يوماً من تاريخ صدور الحكم بحقه، وإلا اعتبر الحكم قابلاً للتنفيذ. في حالة رفض محكمة الاستئناف للطعن المقدم من قبل المتهم، يحال القرار إلى رئيس السلطة الفلسطينية، للمصادقة أو إصدار العفو، حيث يتمتع رئيس السلطة الفلسطينية، بموجب القانون الأساسي، في الحق بإصدار العفو العام.  برغم ذلك، لم يكفل هذا القانون منع تنفيذ الأحكام الصادرة عن محكمة أمن الدولة.  فخلال العام 2002، على سبيل المثال، نفذ حكمين بالإعدام صدرا عن محكمة أمن الدولة في نفس العام بحق المواطنين فيصل أحمد أبو تيلخ، 26 عاماً، وسعيد لبراوي النجار، 29 عاماً، وكلاهما من رفح بعد إدانتهما باغتصاب وقتل الطفلة إسلام محمود الخطيب، سبعة أعوام من مدينة رفح.[10] 

 

في يوليو من العام 2003، اتخذ وزير العدل عبد الكريم أبو صلاح قراراً يلغي العمل بتلك المحاكم، ويحول اختصاصاتها للمحاكم النظامية التي تعمل وفقاً للقانون.  مع أن هذا القرار قد شكل خطوة إيجابية نحو تعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، إلا أن المركز رأى ضرورة أن يرافق هذا القرار مرسوماً رئاسيا يبطل مفعول المرسوم الخاص بإنشاء هذه المحكمة، من أجل ضمان عدم عقد تلك المحكمة في أي وقت من الأوقات.  وعليه، أكد المركز أن عدم صدور ذلك المرسوم يبقي محكمة أمن الدولة سيفاً مسلطاً يمكن أن يستخدم في أي وقت.   وبالفعل، صدقت توقعات المركز، عندما شكلت السلطة الوطنية الفلسطينية في 2 سبتمبر 2003 "محكمة أمن دولة جزئية" للنظر في بعض القضايا التي تندرج ضمن اختصاصات القضاء المدني.[11]

 

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد ليشمل تنفيذ السلطة الفلسطينية للعديد من أحكام الإعدام الصادرة عن محكمة أمن الدولة في أوقات سابقة.  فخلال العام 2005، على سبيل المثال، نفذت السلطة الفلسطينية خمسة أحكام بالإعدام أصدرتها المحاكم الفلسطينية (بما في ذلك محكمة أمن الدولة) في أوقات سابقة.  وقد طالت تلك الأحكام حياة كل من: 1) محمد داوود الخواجا، 24 عاما من مخيم الشاطئ بغزة، الذي صدر بحقه حكم بالإعدام بتاريخ 12 سبتمبر 2000، عن محكمة أمن الدولة بعد إدانته بجريمة قتل المواطن مصطفى بارود بتاريخ 5 سبتمبر 2000، وقد تم إعدامه رمياً بالرصاص في مقر المديرية العامة للشرطة بمدينة غزة. 2) وائل شعبان الشوبكي، 33 عاماً من غزة، والذي صدر بحقه حكم بالإعدام بتاريخ 15 مارس 1996، بعد إدانته بجريمة قتل المواطن سهيل السيد، وقد تم إعدامه شنقاً في السرايا.  3) عودة محمود أبو زعرب، 27 عاماً من خان يونس، الذي صدر بحقه حكم بالإعدام بتاريخ 13 أكتوبر 1995 بعد إدانته بجريمة خطف وقتل أحد المواطنين، وقد تم إعدامه شنقاً في السرايا.  4) صلاح خليل مسلم، 27 عاما من خانيونس، الذي صدر بحقه حكماً بالإعدام بتاريخ 25 يناير 1996، بعد إدانته بجرائم قتل وسلب، وقد تم إعدام شنقاً في السراياً.  5) رائد خليل المغربي، 32 عاماً من مخيم جباليا، الذي صدر بحقه حكماً بالإعدام في العام 2001، بعد إدانته بجريمة قتل المواطن خليل زملط في العام 1998.  تنفيذ الأحكام المشار إليها أعلاه- والتي صدر معظمها عن محكمة أمن الدولة- جاء منافياً لقرار كان قد أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتاريخ 22 يونيو 2005، يقضي بإعادة النظر في الأحكام الصادرة عن محاكم أمن الدولة، وعرضها على محاكم مدنية.

 


 

موقف المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من عقوبة الإعدام

 

أمام الجدل واسع النطاق في العالم حول جدوى عقوبة الإعدام، ورغم استمرار العمل بها من قبل العديد من بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، يؤكد المركز على موقفه الرافض لعقوبة الإعدام للأسباب التالية:

 

 

 

 

 

 

مطالب المركز

 

استناداً إلى ما تقدم، يناشد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان السلطة الفلسطينية والرئيس الفلسطيني محمود عباس بالعمل على ما يلي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

"أنتج هذا الإصدار بمساعدة الاتحاد الأوروبي. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مسئول بشكل كامل عن هذا الإصدار، الذي لا يمكن على الإطلاق أن يعكس وجهات نظر الاتحاد الأوروبي."

 


 

[1]  اعتمد ونشر على الملأ بقرار الجمعية العامة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1948.

[2]  شملت تلك المعاهدات والاتفاقيات الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان، والميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان.

 اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بقرار الجمعية العامة 2200 (ألف) المؤرخ في كانون الأول (ديسمبر 1966).[3]

[4]  اعتمد ونشر على الملأ بقرار الجمعية العامة 44/128 المؤرخ في 15 كانون أول (ديسمبر) 1989.

[5]  كما أكدتا المادتان الأولى والثانية من البروتوكول.

[6]  ما زالت تلك الدول تحتفظ بقوانينها الخاصة التي تشرع عقوبة الإعدام، وذلك على الرغم من عدم تطبيقها لتلك القوانين.

[7]  أنظر، <http://www.handsoffcain.org/bancadati/index.php?tipotema=arg&idtema=8000573>

[8]  وفقاً لتوثيقات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.

[9]   أنظر، قرار رقم (49) لسنة 1995 بإنشاء محكمة أمن دولة عليا.  في الوقائع الفلسطينية، الجريدة الرسمية للسلطة الوطنية الفلسطينية، العدد الرابع، 6 مايو 1995.

[10]  أنظر، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.  تقرير أوضاع حقوق الإنسان: تقرير النشاطات، التقرير المالي (1 يناير-31 ديسمبر 2002).  غزة: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أبريل 2003، ص65.

[11]  أنظر، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.  تقرير أوضاع حقوق الإنسان: تقرير النشاطات، التقرير المالي (1 يناير-31 ديسمبر 2003).  غزة: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أبريل 2003، ص61