وثيقة عامة

 

مـنـظمة الـعـفو الـدولـية

 

 

إسرائيل والأراضي المحتلة :

وضع السياج/السور في القانون الدولي

 

 

19 فبراير/شباط 2004                                    ملخص               رقم الوثيقة : MDE 15/016/2004

 

                                                                                               

في 8 ديسمبر/كانون الأول 2003، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يطلب من محكمة العدل الدولية إعطاء رأي استشاري حول العواقب القانونية لقيام إسرائيل بإنشاء سياج/سور داخل الأراضي المحتلة. وحددت المحكمة تاريخ 23 فبراير/شباط 2004 موعداً للجلسة الافتتاحية.

 

وتصر إسرائيل على أن محكمة العدل الدولية ليست لديها ولاية قضائية لإصدار رأي استشاري حول ما تعتبره قضية "سياسية". وتعتقد منظمة العفو الدولية أن إقامة إسرائيل للسياج/السور داخل الأراضي المحتلة تنتهك القانون الدولي وتسهم في وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. لذا، من المناسب أن تنظر محكمة قضائية في هذه القضية.

 

وبحسب السلطات الإسرائيلية، يشكل السياج/السور "إجراءً دفاعياً يهدف إلى منع مرور الإرهابيين والأسلحة والمتفجرات إلى دولة إسرائيل..."

 

لكن معظم السياج/السور لا يجري إنشاؤه على الخط الأخضر الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية. إذ إن قرابة 90% من مسار السياج/السور يمر في الأراضي الفلسطينية الواقعة داخل الضفة الغربية، حيث يحيط بالمدن والقرى الفلسطينية ويعزل المجتمعات والعائلات بعضها عن بعض. ويعزل المزارعين عن أراضيهم والفلسطينيين عن أماكن عملهم والمرافق التعليمية والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الضرورية العائدة لهم.

 

ولا تبرر حاجة إسرائيل المشروعة إلى ضمان أمن حدودها والحيلولة دون أن يدخل إليها الأشخاص الذين قد يشكلون تهديداً لأمنها بناء هذا السياج/السور داخل الأراضي المحتلة. ويمكن اتخاذ الإجراءات الأمنية، بما فيها بناء سور/سياج على الأراضي الإسرائيلية الواقعة على الخط الأخضر، حيث يمكن أيضاً تعزيز آليات مراقبة دخول الغرباء إذا اعتُبر ذلك ضرورياً.

 

وينبغي أن يتقيد أي إجراء تتخذه إسرائيل في الأراضي المحتلة باسم الأمن بالواجبات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي. ولا يفيد بناء معظم هذا السياج/السور داخل الأراضي المحتلة بأي شكل من الأشكال السكان الفلسطينيين الذين يرزحون تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. بل على العكس، تنجم عنه عواقب سلبية للغاية تترتب على مئات الآلاف من الفلسطينيين، لاسيما القيود غير المسبوقة وغير المتناسبة (المبالغ بها) والقائمة على التمييز والتي تُفرض على تنقلاتهم داخل الأراضي المحتلة وغيرها من الانتهاكات لحقوقهم الأساسية، بما فيها حق العمل والطعام والرعاية الطبية والتعليم ومستوى معيشي كافٍ.

 

ويحيط السياج/السور بأكثر من 50 مستوطنة مدنية إسرائيلية مقامة في الأراضي المحتلة، ويعيش فيها أغلبية المستوطنين الإسرائيليين وتعتبر غير شرعية بموجب القانون الدولي. ولا يمكن التذرع بالاستثناءات الأمنية الواردة في القانون الإنساني الدولي لتبرير إجراءات تستفيد منها مستوطنات إسرائيلية مدنية غير قانونية على حساب الشعب الفلسطيني الرازح تحت نير الاحتلال. ويشكل إنشاء السياج/السور داخل الأراضي المحتلة إجراءً من هذا القبيل، وينتهك في شكله الحالي الواجبات المترتبة على إسرائيل بموجب القانون الإنساني الدولي.

 

وتدعو منظمة العفو الدولية :

-        السلطات الإسرائيلية إلى التوقف فوراً عن بناء السور/السياج والبنية الأساسية المتعلقة به داخل الأراضي المحتلة. ويجب تفكيك أجزاء السياج/السور التي بنيت فعلاً داخل الأراضي المحتلة؛

-        المجتمع الدولي إلى ضمان التزام إسرائيل التزاماً تاماً بالواجبات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك الواجبات المترتبة عليها كدولة احتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة؛

 

كما تكرر المنظمة دعوتها للجماعات المسلحة الفلسطينية إلى وضع حد فوري لسياستها المتمثلة في قتل المدنيين الإسرائيليين واستهدافهم داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة، وإلى السلطة الفلسطينية لاتخاذ تدابير محسوسة عاجلة لمنع الجماعات المسلحة الفلسطينية من مهاجمة المدنيين الإسرائيليين.

 

ويلخص هذا التقرير وثيقة عنوانها : إسرائيل والأراضي المحتلة : وضع السياج/السور في القانون الدولي (رقم الوثيقة : MDE 15/016/2004) أصدرتها منظمة العفو الدولية في فبراير/شباط 2004. وعلى كل من يود الاطلاع على مزيد من التفاصيل أو القيام بتحرك حول هذه القضية أن يرجع إلى الوثيقة الكاملة. وتتوفر مجموعة واسعة من المواد التي أصدرناها حول هذا الموضوع وسواه من المواضيع في موقع الإنترنت: http://www.amnesty.org ويمكن تلقي البيانات الصحفية الصادرة عن منظمة العفو الدولية بواسطة البريد الإلكتروني : http://web.amnesty.org/.ai.nsf/news

 

 

 

 

 

الأمانة الدولية : 1 Easton Street, London WC1X 0DW, UNITED KINGDOM

 

 

 

التقرير

 

 

 

[يُحظر نشرها قبل : 19 فبراير/شباط 2004]                                                          وثيقة عامة

 

 

مـنـظمة الـعـفو الـدولـية

 

إسرائيل والأراضي المحتلة :

وضع السياج/السور في القانون الدولي

 

مقدمة

في 8 ديسمبر/كانون الأول 2003، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في معرض ممارستها للسلطة المنوطة بها بموجب المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة، قراراً يطلب من محكمة العدل الدولية إبداء رأي استشاري في العواقب القانونية المترتبة على إقامة إسرائيل لسياج/سور داخل الأراضي المحتلة.1 وحددت المحكمة موعداً للجلسة الافتتاحية في 23 فبراير/شباط 2004.

 

وتصر إسرائيل على أن محكمة العدل الدولية ليست لديها ولاية قضائية لإعطاء رأي استشاري حول ما تعتبره قضية "سياسية"، ومع اقتراب 30 يناير/كانون الثاني، وهو الموعد النهائي لتقديم مواد إلى محكمة العدل الدولية، قدم عدد من الدول إفادات مشفوعة بقسم إليها تدعم معارضة إسرائيل لعقد جلسة حول هذه القضية.2 ومعظم الحكومات التي أعربت عن معارضتها لنظر محكمة العدل الدولية في القضية عبَّرت أيضاً عن معارضتها لإنشاء إسرائيل للسياج/السور في الأراضي الفلسطينية المحتلة داخل الضفة الغربية. بيد أنها تزعم أن إقحام محكمة العدل الدولية لن يؤدي إلا إلى تسييس القضية، وأن المسألة يجب أن تُحل عبر المفاوضات السياسية بين الأطراف المعنية.

 

وتعتقد منظمة العفو الدولية أن إقامة إسرائيل للسياج/السور داخل الأراضي المحتلة تنتهك القانون الدولي وتسهم في وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. لذا من المناسب أن تنظر محكمة قضائية في هذه القضية. وينبغي أن تتناول محاولات تسوية النـزاع بين إسرائيل والفلسطينيين عبر المفاوضات السياسية وتكفل الحقوق الإنسانية الأساسية لكلا الشعبين. وقد كررت المنظمة دعوتها للسلطات الإسرائيلية لوقف بناء السياج/السور داخل الأراضي المحتلة.

 

خلفية

خلال السنوات الثلاث ونصف السنة الماضية، منذ اندلاع الانتفاضة الحالية في سبتمبر/أيلول 2000، وصلت أعمال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان إلى مستوى غير مسبوق في السنوات الست والثلاثين للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة. وقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقارير عديدة الانتهاكات التي ارتُكبت على نطاق هائل من جانب الجيش الإسرائيلي والجماعات المسلحة الفلسطينية على السواء.3 ومنذ سبتمبر/أيلول 2000، قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 2300 فلسطيني معظمهم عزل وبينهم ما يزيد على 400 طفل. وفي الفترة ذاتها، قتلت الجماعات المسلحة الفلسطينية نحو 850 إسرائيلياً، معظمهم من المدنيين وبينهم 100 طفل. ودعت منظمة العفو الدولية الجانبين مراراً وتكراراً إلى وضع حد لقتل المدنيين.

 

وإضافة إلى ذلك، دمر الجيش الإسرائيلي في الفترة ذاتها أكثر من 3000 منـزل فلسطيني والمئات من ورش العمل والمصانع والمباني العامة، فضلاً عن مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتعتبر منظمة العفو الدولية أنه في الأغلبية العظمى من الحالات لم تبرر الضرورة العسكرية هذا التدمير. وقد أسهمت هذه الانتهاكات، لاسيما التدمير غير القانوني للأراضي المحتلة والممتلكات، في إلحاق الضرر باقتصاد الأراضي المحتلة. بيد أن القيود الصارمة التي فُرضت على تنقلات الفلسطينيين في السنوات الثلاث الأخيرة كانت السبب الرئيسي للكساد الاقتصادي الشديد وازدياد البطالة والفقر.4

 

كذلك دعت منظمة العفو الدولية إسرائيل إلى الكف عن التدمير غير القانوني لمنازل الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم الأخرى ورفع النظام الحالي للقيود المفروضة على تنقل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ووقف بناء المستوطنات وتوسيعها وإقامة السياج/السور داخل الأراضي المحتلة.

 

إنشاء السياج/السور

في إبريل/نيسان 2002، اعتمدت الحكومة الإسرائيلية خطة إنشاء سياج/سور5 في بعض أجزاء الضفة الغربية وفي يونيو/حزيران 2002 اعتمدت إنشاء المرحلة الأولى من المشروع.6 ويمضي الجيش الإسرائيلي في إنشاء سياج/سور يمتد من شمال إلى جنوب الضفة الغربية وحول القدس. وبحسب السلطات الإسرائيلية يشكل السياج/السور "إجراءً دفاعياً يهدف إلى منع مرور الإرهابيين والأسلحة والمتفجرات إلى دولة إسرائيل..."7

 

بيد أن معظم السياج السور لا تجري إقامته على الخط الأخضر8 الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية. فقرابة 90  في المئة من المسار الذي يسلكه يقع في الأراضي الفلسطينية داخل الضفة الغربية، ويحيط بالمدن والقرى ويعزل المجتمعات والعائلات بعضها عن بعض، ويفصل المزارعين عن أراضيهم والفلسطينيين عن أماكن عملهم ومرافق تعليمهم ورعايتهم الصحة وغيرها من الخدمات الضرورية لهم.9 ويبلغ الطول الإجمالي للسياج/السور مسافة تزيد على 650 كيلومتراً، أي أكثر من ضعفي طول الخط الأخضر، ويتراوح متوسط عرضه بين 60 و80 متراً، بما فيه الأسلاك الشائكة والخنادق وممرات واسعة لتقفي الأثر ومسارب لدوريات الدبابات على جانبي السياج/السور، فضلاً عن مناطق محايدة/محرمة إضافية بأعماق متفاوتة.

 

وحتى تاريخه تم إنجاز أقل من نصفه، معظمه في المناطق الشمالية من الضفة الغربية وحول القدس. ودمر الجيش الإسرائيلي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية أو قام بمصادرتها لإفساح المجال لإنشاء السياج/السور وعُزلت مساحات أخرى أكبر منها عن سائر أرجاء الضفة الغربية.

وعند إنجاز بنائه، سيعزل السياج/السور أكثر من 15% من أراضي الضفة الغربية عن سائر أنحائها، وسيجد حوالي 270,000 فلسطيني يعيشون في هذه المناطق أنفسهم محاصرين في مناطق عسكرية مغلقة بين السياج/السور والخط الأخضر أو في جيوب يطوقها السياج/السور.10 كما أن أكثر من 200,000 فلسطيني من سكان القدس الشرقية سيُعزلون عن الضفة الغربية ويتضرر مئات الآلاف من الفلسطينيين الآخرين الذين يعيشون في البلدات والقرى الواقعة شرقي السياج/السور، لأنهم يحتاجون إلى الدخول إلى المناطق الواقعة على الجانب الآخر من السياج/السور للوصول إلى أراضيهم وأماكن عملهم ومدارسهم ومرافق الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات ولزيارة أقربائهم.

 

وقد صُمم مسار السياج/السور بحيث يحيط بعدد كبير من المستوطنات الإسرائيلية الواقعة داخل الأراضي المحتلة والتي بنيت ويستمر توسيعها في انتهاك للقانون الدولي.11 وتقع حوالي 54 مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية و12 في القدس الشرقية على الأراضي الفلسطينية التي يجري عزلها عن سائر أنحاء الضفة الغربية بواسطة السياج/السور.12 وبالإجمال، سيعيش أكثر من 320,000 مستوطن إسرائيلي، أي زهاء 80% من المستوطنين الذين يقطنون في الأراضي المحتلة في الجانب الغربي من السياج/السور، وبالتالي يتمتعون بالتواصل الجغرافي المباشر مع إسرائيل.

 

حقوق الإنسان والانعكاسات الإنسانية للسياج/السور

لإسرائيل الحق في اتخاذ تدابير معقولة وضرورية ومتناسبة لحماية أمن سكانها وحدودها. وهي تشمل إجراءات لمنع دخول الفلسطينيين وسواهم ممن يشتبه في أنهم ينوون القيام بعمليات انتحارية أو غيرها من الهجمات إلى إسرائيل. لذا يحق لإسرائيل من الناحية القانونية إقامة أسيجة أو غيرها من الإنشاءات في أراضيها للتحكم في الدخول إليها.

 

وتشير حقيقة أن معظم أجزاء السياج/السور تمتد ومن المزمع أن تمتد في عمق أراضي الضفة الغربية، وليس بين إسرائيل والأراضي المحتلة، إلى أنه لا يهدف فقط كما زعمت السلطات الإسرائيلية إلى "... منع مرور الإرهابيين والأسلحة والمتفجرات إلى دولة إسرائيل".13

 

وأي إجراء تتخذه إسرائيل في الأراضي المحتلة باسم الأمن ينبغي أن يتقيد بالواجبات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي. وينتهك إنشاء السياج/السور داخل الأراضي المحتلة القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان على السواء.

 

وتنطبق مجموعتان من الأطر القانونية التي تكمل بعضها على سلوك إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة : القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويشمل القانون الإنساني الدولي المنطبق على الاحتلال العسكري : اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب (اتفاقية جنيف الرابعة) المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949؛14 واتفاقية لاهاي (الرابعة) المتعلقة بقوانين وعادات الحرب الأرضية (اتفاقية لاهاي) والأنظمة الملحقة بها المتعلقة بقوانين وعادات الحرب الأرضية (أنظمة لاهاي) الصادر في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1907، وقواعد القانون الدولي العرفي.

 

ويتضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان ذو العلاقة معاهدات حقوق الإنسان التي صادقت عليها إسرائيل، ومن ضمنها تلك المذكورة أدناه.

 

القانون الإنساني الدولي

وفقاً للقانون الدولي، ينبغي على دولة الاحتلال أن تدير الأراضي المحتلة التي تسيطر عليها إلى أقصى حد ممكن من دون إجراء تغييرات بعيدة المدى للنظام القائم، وفي الوقت نفسه تكفل حماية الحقوق الأساسية لسكان الأراضي المحتلة. والفكرة الأساسية للقواعد الدولية للاحتلال العسكري هي أن الاحتلال مؤقت ولفترة محدودة، ومن أهدافه الرئيسية تمكين سكان الأراضي المحتلة من العيش بصورة "طبيعية" إلى أقصى حد ممكن.

 

وكدولة احتلال ينبغي على إسرائيل أن تعامل الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال معاملة إنسانية في جميع الأوقات. ويجب أن تكون إجراءات المراقبة أو الأمن "ضرورية بسبب الحرب" (المادة 27، اتفاقية جنيف الرابعة).

 

بيد أن "الأنظمة المتعلقة بالاحتلال ... تستند إلى فكرة أن الحرية الشخصية للمدنيين تظل عموماً غير مقيدة ... ومن الضروري ألا تؤثر إجراءات تقييد الحرية التي يعتمدها على الحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين ... ويجب احترام تلك الحقوق حتى عندما يكون هناك ما يبرر إجراءات تقييد الحرية..." (تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة).

 

وتحظر المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة إقدام دولة الاحتلال على تدمير الممتلكات الخاصة أو العامة، باستثناء ما هو ضروري تماماً للعمليات الحربية. وتعتبر المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة أنه من المخالفات الجسيمة "تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية."

 

وتحظر المادة 55 من أنظمة لاهاي على دولة الاحتلال تغيير طابع ممتلكات الدولة وطبيعتها، إلا لاحتياجات أمنية ولما فيه مصلحة السكان المحليين.

 

وعلاوة على ذلك، تحظر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تدابير العقاب الجماعي التي تتخذها دولة الاحتلال، وإن القيود التي تسمح بها المادة 64 من الاتفاقية ذاتها "لا يجوز في أي ظرف أن تشكل وسيلة لاضطهاد السكان" (تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على المادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة).

 

وفي موقعه الحالي، يتسبب السياج/السور بمشقات هائلة لعدد كبير من الفلسطينيين. ولا يمكن اعتبار أجزاء السياج/السور التي بنيت أو يجري بناؤها داخل الضفة الغربية أو إجراءً أمنياً ضرورياً أو متناسباً. كما أنها ليست في مصلحة السكان الفلسطينيين المحليين.

 

ولا تبرر الحاجة المشروعة لإسرائيل لحماية حدودها ومنع دخول الأشخاص الذين قد يشكلون خطراً على أمنها بناء مثل هذا السياج/السور داخل الأراضي المحتلة. ويمكن اتخاذ تدابير أمنية، بينها بناء سياج/سور في الأراضي الإسرائيلية الواقعة على الخط الأخضر، حيث يمكن أيضاً تعزيز آليات مراقبة دخول الغرباء إذا دعت الحاجة.15

 

وإن بناء هذا السياج/السور بمعظمه داخل الأراضي المحتلة لا يفيد بأي شكل الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. بل على العكس، يُرتب عواقب سلبية للغاية على مئات الآلاف من الفلسطينيين، لاسيما فرض قيود غير مسبوقة ومبالغ بها وقائمة على التمييز على تنقلاتهم داخل الأراضي المحتلة وغير ذلك من الانتهاكات لحقوقهم الأساسية، بما فيها حق العمل والطعام والرعاية الطبية والتعليم ومستوى معيشي كافٍ.

 

وسيحيط السياج/السور بأكثر من 50 مستوطنة مدنية إسرائيلية مقامة في الأراضي المحتلة ويعيش فيها أغلبية المستوطنين الإسرائيليين. والمستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، لاسيما المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص بشكل قاطع على أنه "...لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها". وتلاحظ منظمة العفو الدولية أن قانون روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية، الذي دخل حيز النفاذ منذ 1 يوليو/تموز 2002، والذي يشمل العدد الأكثر معاصرة وشمولية لجرائم الحرب، والذي وافق عليه المجتمع الدولي، يتضمن من جملة جرائم الحرب الداخلة ضمن الولاية القضائية للمحكمة "نقل دولة الاحتلال بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها... عندما ترتكب ذلك في إطار خطة أو سياسة أو جزء من ارتكاب واسع النطاق لمثل هذه الجرائم" (المادة 8(2) (ب) (8)).

 

لقد اعترف المجتمع الدولي منذ وقت طويل بعدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي المحتلة. ودعا مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 465 الصادر في 1 مارس/آذار 1980 إسرائيل إلى : "... تفكيك المستوطنات القائمة، وأن تكف بشكل خاص وبصورة عاجلة عن إنشاء وبناء مستوطنات في الأراضي العربية المحتلة منذ العام 1967، بما فيها القدس والتخطيط لها".

 

وطوال أربعة عقود تقريباً، انتهكت إسرائيل بصورة متكررة القانون الدولي بإنشائها وتوسيعها المتواصلين داخل الأراضي المحتلة للمستوطنات غير القانونية والبنية الأساسية المرتبطة بها، لاسيما شبكة الطرق الواسعة المخصصة للمستوطنين الإسرائيليين (المعروفة "بالطرق الالتفافية") والمناطق الواسعة المحيطة بالمستوطنات والمعتبرة "مناطق أمنية".

 

ولا يمكن التذرع بالاستثناءات الأمنية الواردة في اتفاقية جنيف الرابعة لتبرير التدابير التي تستفيد منها المستوطنات الإسرائيلية المدنية غير القانونية على حساب الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال. ويشكل إنشاء السياج/السور داخل الأراضي المحتلة إجراءً من هذا القبيل. وأن تحديد مسار السياج/السور داخل الضفة الغربية على نحو يُزعم أنه يهدف إلى حماية المستوطنات غير القانونية ويؤدي إلى تدمير الممتلكات الفلسطينية ومصادرتها بصورة غير قانونية وغيرها من الانتهاكات لحقوق الفلسطينيين ليس متناسباً أو ضرورياً. وينتهك السياج/السور بشكله الحالي الواجبات المترتبة على إسرائيل بموجب القانون الإنساني الدولي.

 

القانون الدولي لحقوق الإنسان

بوصفها طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وافقت إسرائيل على احترام الحقوق الإنسانية الواردة في المعاهدات لجميع الأشخاص الموجودين في أراضيها أو خاضعين لولايتها القضائية وهي ملزمة باحترام هذه الحقوق وحمايتها وضمانها. وقد أشارت إسرائيل مراراً إلى أن الواجبات المترتبة عليها بموجب المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي تشكل طرفاً فيها لا تنطبق على الأشخاص الموجودين في الأراضي المحتلة. بيد أن موقف إسرائيل لم تقبل به أي من الهيئات المشرفة على تنفيذ معاهدات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة والتي أعادت التأكيد بصورة متكررة أن معاهدات حقوق الإنسان التي تشكل إسرائيل دولة طرفاً فيها تنطبق فعلاً، وأن إسرائيل تظل ملزمة بضمان احترام وحماية الحقوق الإنسانية لجميع الأشخاص الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة.16

 

وإن حظر التمييز مبدأ أساسي لحقوق الإنسان مكرس في عدة معاهدات صادقت عليها إسرائيل وهي ملزمة بالتمسك بها، بما فيها الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 2(1) من العهد المذكور) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 2(2) من العهد المذكور).17

 

وفي صيغته الحالية، يتسم السياج/السور والإجراءات التقييدية المصاحبة له والتي فُرضت على الفلسطينيين بالتمييز الملازم لها. فهي تستهدف الفلسطينيين تحديداً – لأنهم فلسطينيون – وليست متناسبة (لا تتقيد بمبدأ التناسبية)، لأنها تُفرض على جميع الفلسطينيين وليس على أشخاص محددين يعتبرون بصورة معقولة بأنهم يشكلون خطراً أمنياً. وفي الجيوب التي يجرى الآن تطويقها بالسياج/السور، لا تفرض القيود على التنقل وشروط الحصول على تصاريح إلا على الفلسطينيين وليس الإسرائيليين الذين يعيشون في المستوطنات المقامة في تلك المناطق أو يزورونها.

 

وتكفل المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في حرية التنقل. ويُسمح بفرض قيود على هذا الحق لحماية الأمن القومي والأمن العام. ويجب أن تكون هذه القيود ضرورية ومتناسبة وينص عليها القانون وتتماشى مع احترام حقوق الإنسان الأخرى المكفولة دولياً. وتجدر الإشارة إلى أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وهي هيئة الخبراء التي تراقب تنفيذ الواجبات المترتبة على الدول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أوضحت أن :

 

"القيود المسموح بها والتي يمكن فرضها على الحق الذي تحميه المادة 12 لا يجوز أن تلغي مبدأ حرية التنقل ... ولا يكفي أن تخدم القيود، الأغراض المسموح بها، بل يجب أن تكون ضرورية لحمايتها. ويجب أن تتقيد الإجراءات التقييدية بمبدأ التناسبية؛ وينبغي أن تكون مناسبة لتحقيق وظيفتها الحمائية؛ ويتعين أن تكون الأداة الأقل تطفلاً وتدخلاً من جملة تلك التي يمكن أن تحقق النتيجة المرجوة؛ ويجب أن تكون متناسبة مع المصلحة المراد حمايتها". "أن تطبيق قيود في أية حالة فردية يجب أن يستند إلى أسس قانونية واضحة ويستوفي اختبار الضرورة ومقتضيات مبدأ التناسبية. ولا يمكن الوفاء بهذه الشروط مثلاً ... إذا مُنع شخص من التنقل داخلياً من دون إذن محدد"18

 

ويقتضي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من إسرائيل ضمان ممارسة مجموعة من الحقوق الأساسية، ومن ضمنها الحق في العمل والصحة والتعليم وفي مستوى معيشة كافٍ، وفي الطعام والحياة الأسرية. وتقتضي المادة 2(1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من إسرائيل اتخاذ خطوات "... بأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة..." من أجل أن تؤمِّن تدريجياً الممارسة الكاملة للحقوق المعترف بها في العهد.

 

ولا يتمتع الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة في معظم الأحيان بهذه الحقوق الأساسية والوضع يزداد سوءاً. فالبطالة تقارب الآن 40% ويعيش نحو ثلثي السكان تحت خط الفقر. وقد ازداد سوء التغذية وفقر الدم وغيرهما من المشاكل الصحية، وورد أنه حدث انخفاض في الأداء المدرسي وزيادة في عمالة الأطفال. ولا يعود ذلك إلى كارثة طبيعية ولا إلى عدم توافر موارد لدى الدولة. بل على العكس، يشكل نتيجة مباشرة لإجراءات، من ضمنها بناء السياج/السور، اتخذتها إسرائيل عمداً وخصصت لها موارد مالية وبشرية كبيرة جداً.

 

وقد تسببت مصادرة وتدمير وتطويق مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية نتيجة إنشاء السياج/السور، بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان المكرسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لأنه تم تقييد حرية دخول الفلسطينيين إلى أراضيهم وأماكن عملهم ومرافق تعليمهم ورعايتهم الصحية وغيرها من الخدمات الضرورية لهم بشكل غير متناسب وقائم على التمييز.

 

ووفقاً للمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ينبغي على إسرائيل اتخاذ خطوات لضمان حق الفلسطينيين في العمل والذي يشمل : "... ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبل به بحرية". كما تقتضي هذه المادة من إسرائيل "اتخاذ خطوات ... لتأمين الممارسة الكاملة (للحق في العمل) و... عمالة كاملة ومنتجة في ظل شروط تضمن للفرد الحريات الأساسية والاقتصادية". ومن العواقب المترتبة على إقامة السياج/السور وغيرها من التدابير التي اتخذتها إسرائيل لعرقلة أو منع تنقل الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، خلق بطالة واسعة النطاق، وهذا عكس العمالة الكاملة والمنتجة.

 

كما أن الحق في العمل يشكل أداة تساعد على ممارسة الحقوق الأخرى، بما فيها الحق في مستوى معيشي كاف. فالمادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تقتضي من الدول الأطراف بأن "تقر بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية". وينبغي على الدول أن تمتنع عن إعاقة الحصول على الموارد اللازمة لممارسة هذا الحق، بما فيها الأنشطة التي تحقق الدخل وتسمح للأشخاص بالحفاظ على مستوى معيشي كاف.19

 

وقد فقد العديد من الفلسطينيين دخلهم بسبب السياج/السور وهم مضطرون الآن إلى الاعتماد على المساعدات.20 بيد أن توافر المعونة الخيرية والإنسانية في الأراضي المحتلة لا يعفي إسرائيل من واجبها في ضمان حق الفلسطينيين في العمل، حتى يتسنى لهم أن يطعموا أنفسهم وعائلاتهم ويحصلوا على ما يحتاجونه بكرامة.

 

كما أن المواد 10 و11 و13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تقر بالحق في الحياة الأسرية والصحة والتعليم. كذلك تُنتهك هذه الحقوق بصورة متزايدة نتيجة إنشاء السياج/السور داخل الضفة الغربية. وبموجب المادة 10 فإن إسرائيل ملزمة بالتأكد من : "وجوب منح الأسرة، التي تشكل الوحدة الاجتماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة..." وفي المجتمع الفلسطيني تشكل العائلة العماد الرئيسي للتفاعل والدعم الاجتماعيين والعاطفيين. ومع استمرار عملية إنشاء السياج/السور يعزل عدد متزايد من الفلسطينيين الذين يعيشوا في المناطق المحيطة عن أقربائهم، حيث تخضع الزيارات العائلية للحصول على تصريح خاص – هذا إن أمكن الحصول عليه أصلاً. كما تأثرت عملية الوصول إلى المرافق الصحية والتعليمية بصورة مماثلة.21

 

ازدياد القيود على الحقوق والانتهاكات لها بسبب السياج/السور

تشير التقديرات إلى أن ما مجموعه قرابة المليون فلسطيني في الأراضي المحتلة سيتأثرون سلباً وسيتعرضون لانتهاك حقوقهم الأساسية بسبب السياج/السور. وبدأ فعلاً الإحساس بخطورة التأثير على حياة مئات الآلاف من الفلسطينيين، مع اضطرار عدد كبير بشكل متزايد من العائلات الفلسطينية إلى الاعتماد على ما يوزَّع عليهم من أغذية ومعونات.

 

القيود المفروضة على التنقل : ينبغي الآن على آلاف الفلسطينيين الذين حوصرت منازلهم وأراضيهم بين السياج/السور وإسرائيل استصدار تصاريح خاصة من الجيش الإسرائيلي للسماح لهم بمواصلة العيش في منازلهم، وللوصول إلى أراضيهم الزراعية وأداء مهام أساسية أخرى في حياتهم اليومية، مثل التوجه إلى العمل والمدرسة والحصول على الرعاية الطبية أو زيارة عائلاتهم وأصدقائهم.22

 

ويحتاج أولئك الذين يعملون في هذه المناطق، لكنهم يعيشون في أماكن أخرى إلى تصاريح خاصة للوصول إلى أماكن عملهم. وينطوي تقديم طلب للحصول على هذه التصاريح على عملية معقدة وطويلة ومكلفة جداً، وغالباً ما يرفض الجيش الإسرائيلي طلباتهم "لأسباب أمنية" غير محددة.23

 

وبالنسبة لأولئك الذين ينجحون في الحصول على التصاريح الضرورية، يظل التنقل داخل هذه الجيوب المحاصرة بالسياج/السور وخارجها محدوداً. وتُعطى التصاريح لفترات محددة، تتراوح بين يوم واحد وعدة أشهر. وبعض التصاريح ليست صالحة إلا لأيام محددة أو لأوقات محددة، بينما يتوقف المرور في أوقات أخرى على ساعات فتح نقاط التفتيش التي تُغلق ليلاً ويفترض عموماً فتحها من الصباح وحتى بداية المساء. بيد أنها غالباً ما تفتح متأخرة وتغلق مبكرة. وإضافة إلى ذلك يتكرر إغلاق24 المنطقة من دون سابق إنذار، أحياناً طوال يوم كامل أو حتى لعدة أيام.25 وتؤدي عمليات الإغلاق المفاجئة، التي يبررها الجيش والسلطات الإسرائيلية بصورة روتينية باعتبارها ضرورية "لأسباب أمنية" غير محددة، إلى تقطع السبل بالفلسطينيين بعيداً عن منازلهم، وعدم قدرتهم على الوصول إلى العمل أو المدرسة أو المستشفى أو يُحبسون في منازلهم أو بجوارها مباشرة – تبعاً للمكان الذي يكونون فيه عندما يُفرض الإغلاق.

 

تدمير الأراضي ومصادرتها : من أجل بناء السياج/السور، جرى تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية. وتصادر السلطات الإسرائيلية الأراضي الفلسطينية التي يجري عليها بناء السياج/السور "لاحتياجات عسكرية" وتكون أوامر المصادرة "مؤقتة" عموماً حتى نهاية العام 2005، ولكن يمكن تجديدها إلى أجل غير مسمى.

 

ومنذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة استُخدمت الأراضي الفلسطينية التي صادرتها إسرائيل "مؤقتاً" لبناء هياكل دائمة بطبيعتها، من ضمنها المستوطنات والطرق المخصصة للمستوطنين، ولم تتم إعادتها إلى أصحابها. ورداً على قضية رفعت أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، اعترفت السلطات الإسرائيلية بأن أوامر الاستيلاء المؤقت استُخدمت وقد تُستخدم لبناء هياكل دائمة.26

 

وتُستخدم معظم الأراضي الزراعية الفلسطينية التي صادرها الجيش لبناء طرق جديدة للمستوطنين الإسرائيليين أو لتوسيع محيط المستوطنات الإسرائيلية. وتكون النتيجة دائماً خلق وقائع جديدة على الأرض يصعب إلغاؤها. وحالما يتم اقتلاع الأشجار وتدمير المحاصيل وشق الطرق، يستحيل أو يصعب جداً إعادة الأرض إلى حالتها السابقة. ويجعل الحجم الضخم لهذا المشروع وتكلفته المرتفعة إلغاءه حتى أكثر صعوبة. وعلى أي حال، لم تفكك إسرائيل حتى اليوم أية مستوطنات أو طرق أو هياكل مشابهة بنتها على الأراضي التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي "مؤقتاً" في الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلى العكس، تتواصل في جميع أنحاء الأراضي المحتلة ممارسة المصادرة "المؤقتة" لمزيد من الأراضي الفلسطينية من جانب الجيش الإسرائيلي لبناء هياكل دائمة.

 

العواقب الاقتصادية والاجتماعية للسياج/السور : في المناطق التي أُنجز فيها بناء السياج/السور، لاسيما في شمال الضفة الغربية، بدأت فعلاً تترتب عواقب اقتصادية واجتماعية وخيمة جداً على مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعيشون في البلدات والقرى المتاخمة. وتعتبر الأراضي الواقعة في هذه المناطق من أكثرها خصوبة في الضفة الغربية، وتشكل الزراعة في المنطقة مصدراً مهماً للدخل بالنسبة للسكان الفلسطينيين. وقد ازداد الاعتماد على القطاع الزراعي زيادة حادة في السنوات الأخيرة، لأن معظم الفلسطينيين لم يعد يُسمح لهم بالعمل في إسرائيل، وتسببت القيود التي فرضها الجيش الإسرائيلي على تنقل الفلسطينيين بزيادة هائلة في البطالة في الأراضي المحتلة وبانهيار فعلي للاقتصاد الفلسطيني. وجعلت القيود الصارمة التي فُرضت على تنقل المقيمين والمزارعين في المناطق الواقعة داخل الضفة الغربية بالقرب من السياج/السور من الصعب للغاية وغالباً من المستحيل على المزارعين العناية بأراضيهم ومواشيهم وإيصال أية منتجات زراعية يتمكنون من حصادها إلى الأسواق.

 

وقد سد المسار المتعرج للسياج/السور العديد من الطرقات الممتدة بين البلدات والقرى، وأجبر السكان على سلوك تحويلات طويلة على طرق بديلة. وتضاعف الوقت الذي تستغرقه الرحلة بين البلدات والقرى التي أحاط بها السياج/السور، مما جعل تكلفة الانتقال إلى مواقع قريبة فوق طاقة السكان المحليين. وتستغرق الآن رحلة مدتها عشر دقائق إلى قرية تبعد بضعة كيلومترات عدة ساعات لأن الناس يضطرون إلى المرور حول الجيوب أو الوصول والانتظار عند إحدى بوابات السياج/السور. وإضافة إلى زيادة مدة هذه الرحلات وتكلفتها، فإن إمكانية عدم فتح البوابة تثني العديد من الأشخاص عن الذهاب إلى أي مكان إلا إذا كان ذلك ضرورياً للغاية. وقد أصبح الناس معزولين بشكل متزايد. ويهمل عدد متزايد من الناس صحتهم ولا يحاولون الحصول على الرعاية الطبية إلا للحالات الطارئة. وازدادت عمالة الأطفال، حسبما ورد، لأن أطفال المدارس في بعض العائلات هم الوحيدون الذين يُسمح لهم بالوصول إلى أراضي عائلاتهم الواقعة في الجيوب المحاصرة بسبب موقع مدرستهم، بينما يمنع آباؤهم وأقرباؤهم الأكبر سناً من المرور.

 

ويخشى سكان قلقيلية27 والبلدات والقرى الأخرى، والتي كانت من ضمن أكثر الأماكن ازدهاراً في الضفة الغربية بسبب الزراعة الوفيرة وحركة التجارة النشطة، يخشون من أن يُضطروا في نهاية المطاف إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم لأن السياج/السور عزلهم عن أراضيهم ودَّمر مستقبل تجارتهم.

 

التوصيات

إلى السلطات الإسرائيلية :

·      التوقف فوراً عن إقامة السياج/السور والبنية الأساسية المرتبطة به أو غيرها من الهياكل الدائمة داخل الأراضي المحتلة. ويجب تفكيك أجزاء السياج/السور التي بنيت فعلاً داخل الأراضي المحتلة.

·      وضع حد فوري لإنشاء المستوطنات الإسرائيلية أو توسيعها في الأراضي المحتلة واتخاذ تدابير لإجلاء المدنيين الإسرائيليين الذين يعيشون في المستوطنات المقامة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

·      الامتناع في جميع الظروف عن فرض عمليات الإغلاق وحظر التجول وغيرها من القيود على التنقل في الأراضي المحتلة، مما يشكل عقاباً جماعياً، وضمان عدم فرض قيود على التنقل إلا إذا كانت ضرورية تماماً وتتعلق بتهديد أمني محدد وغير قائمة على التمييز ومتناسبة من حيث نطاقها وتأثيرها وطول مدتها.

 

إلى المجتمع الدولي :

ضمان أن تفي إسرائيل بالواجبات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك الوفاء الكامل بواجباتها كدولة احتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.

·        ينبغي على الأطراف المتعاقدة الأصلية (السامية) في اتفاقية جنيف الرابعة أن تتخذ تدابير مناسبة من دون تأخير لضمان تقيد إسرائيل بأحكام الاتفاقية.

·        ضمان إدراج حقوق الإنسان في صلب جميع المفاوضات والاتفاقيات المؤقتة وأية اتفاقية نهائية.

 

إلى السلطة الفلسطينية :

·        اتخاذ تدابير محسوسة عاجلة لمنع الهجمات التي تشنها الجماعات الفلسطينية المسلحة على المدنيين الإسرائيليين داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة.

·        إجراء تحقيق شامل في أية هجمات كهذه وضمان تقديم المسؤولين عن ارتكابها إلى العدالة في إجراءات تستوفي المعايير الدولية للمحاكمات العادلة.

 

إلى الجماعات الفلسطينية :

·        وضع حد فوري لسياستها المتمثلة في قتل المدنيين الإسرائيليين واستهدافهم، سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي المحتلة.

  

 

هوامش :

1.             اعتُمد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة A/RES/ES-10/14 في الدورة الخاصة الطارئة العاشرة التي عُقدت في 8 ديسمبر/كانون الأول 2003 بتسجيل 90 صوتاً لصالحه وثمانية أصوات ضده وامتناع 74 عن التصويت. وطلب من محكمة العدل الدولية أن تعطي بصورة عاجلة رأياً استشارياً حول السؤال التالي : "ما العواقب القانونية الناجمة عن إنشاء حاجز تبنيه إسرائيل، دولة الاحتلال، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك داخل القدس الشرقية وحولها، كما جاء في تقرير الأمين العام، مع إيلاء اعتبار لقواعد ومبادئ القانون الدولي، بما فيها اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 وقرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة ذات الصلة؟"

2.             تشتمل هذه البلدان على الدول الخمس عشرة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي و10 دول تنتظر الانضمام إليه، والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وروسيا وجنوب أفريقيا والسنغال.

3.             تتوافر تقارير منظمة العفو الدولية وبياناتها الصحفية ووثائقها الأخرى في موقع الإنترنت : www.amnesty.org .

4.             "سبعة وعشرون شهراً من الانتفاضة، عمليات الإغلاق والأزمة الاقتصادية الفلسطينية : تقييم"، البنك الدولي، مايو/أيار 2003. انظر أيضاً : إسرائيل والأراضي المحتلة : العيش تحت الحصار، تأثير القيود المفروضة على التنقل على حق العمل، سبتمبر/أيلول 2003 (رقم الوثيقة : MDE 15/001/2003) في :

http://web.amnesty.org/library/Index/ENGMDE150012003?open&of=ENG-ISR

5.             أشارت السلطات الإسرائيلية عادة إلى هذا السياج/السور بعبارة "حاجز الفصل" أو "السياج الأمني"، لكن اعتباراً من نهاية العام 2003 بدأت تشير إليه أيضاً بتسمية "سياج مكافحة الإرهاب".

6.             يجري بناء السياج/السور في خمس مراحل/أجزاء. وبدأ إنشاء المرحلة الأولى في النصف الثاني من العام 2002 في الجزء الشمالي من الضفة الغربية، والتي شارفت على الانتهاء، وفي الجزء المحيط بالقدس. والمراحل الثلاث المتبقية هي قيد الإنشاء.

7.             وزارة الدفاع الإسرائيلية في 31 يوليو/تموز 2003. بيانات صحفية موجزة في :

http://www.seamzone.mod.gov.il/Pages/ENG/news.htm

8.             الخط الأخضر هو خط هدنة العام 1949 الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية.

9.             للاطلاع على الخرائط والمزيد من التفاصيل حول العواقب المترتبة على السياج/السور انظر، من جملة مصادر : التقرير الخاص حول حاجز الضفة الغربية من إعداد وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) - www.un.org/unrwa/emergency/barrier ؛ تحليل لتأثيره من إعداد مكتب الأمم المتحدة لمنسق الشؤون الإنسانية - www.reliefweb.int/hic-opt/docs/UN/OCHA/English_update_15dec03.pdf ؛ وحاجز الفصل من إعداد منظمة بتسلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان(www.btselem.org) .

10.        المصدر ذاته

11.        انظر تقرير منظمة العفو الدولية : إسرائيل والأراضي المحتلة : يجب معالجة قضية المستوطنات وفقاً للقانون الدولي، 8 سبتمبر/أيلول 2003 (رقم الوثيقة : MDE 15/085/2003).

12.        يعيش أكثر من 140 ألف مستوطن إسرائيلي في 54 مستوطنة في الضفة الغربية ويعيش حوالي 180,000 آخرين في 12 مستوطنة في القدس الشرقية.

13.        انظر الهامش 7.

14.        صادقت إسرائيل على اتفاقيات جنيف، لكنها تزعم أن اتفاقية جنيف الرابعة لا تنطبق بصورة قانونية على الأراضي المحتلة. وقد رفضت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمجتمع الدولي عموماً هذا التأكيد وأصروا بثبات على أن اتفاقية جنيف الرابعة تنطبق على الأراضي المحتلة بشكل كامل.

15.        فعلى سبيل المثال، لاحظ المراقب العام الإسرائيلي في تقرير المراجعة الذي قدمه في العام 2002 حول منطقة سيم أن "وثائق جيش الدفاع الإسرائيلي تشير إلى أن معظم الإرهابيين الانتحاريين والسيارات المفخخة عبروا منطقة سيم (الشق) إلى إسرائيل من خلال نقاط التفتيش، حيث خضعوا لعمليات تفتيش تشوبها شوائب وحتى رديئة". وفي يناير/كانون الثاني 2004 قُبض على خمسة جنود إسرائيليين بتهم تلقي رشاوى من فلسطينيين للسماح لهم بعبور نقاط تفتيش إلى إسرائيل من دون تصاريح (انظر صحيفة هآرتس، 27 يناير/كانون الثاني 2004 : 5 جنود من جيش الدفاع الإسرائيلي متهمين بقبض رشاوى من فلسطينيين).

16.        الملاحظات الختامية للجنة حقوق الإنسان : إسرائيل ، : UN Doc: CCPR/CO/78/ISR (21 أغسطس/آب 2003) في الفقرة 11؛ الملاحظات الختامية للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية : إسرائيل CCPR/C/21/Rev.1/Add.9 UN Doc: (23 مايو/أيار 2003) في الفقرتين 15 و31؛ الملاحظات الختامية للجنة القضاء على التمييز العنصري : إسرائيل، CERD/C/304/Add.45 UN Doc:  (30 مارس/آذار 1998) في الفقرة 12.

17.        تشمل الاتفاقيات الأخرى التي صادقت عليها إسرائيل والتي لها صلة بالقضايا التي يثيرها هذا التقرير اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل.

18.        التعليق العام للجنة حقوق الإنسان رقم 27 الصادر في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1999 (CCPR/C/21/Rev.1/Add. 9) .

19.        لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام رقم 12 (E/C.12/1999/5).

20.        وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين : مناشدة طارئة صدرت بتاريخ 12 ديسمبر/كانون الأول 2003، وتقرير خاص حول حاجز الضفة الغربية www.un.org/unrwa/emergency/barrier ؛ والعملية الموحدة للمناشدات الصادرة عن مكتب منسق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة : المناشدة الإنسانية 2004 الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة الصادرة في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2003.

21.        انظر مثلاً تقرير بمشيئة إسرائيل : سياسة التصاريح في الضفة الغربية، صادر في سبتمبر/أيلول 2003 عن أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل www.phr.org.il .

22.        انظر مثلاً تقرير أوامر جديدة في الجيوب التي يحيط بها الحاجز : 11400 فلسطيني يحتاجون إلى تصاريح للعيش في منازلهم من إعداد بتسلم (http://www.btselem.org ).

23.        لم يستطع العديد من مقدمي الطلبات تقديم الوثائق المطلوبة، مثل إثبات الملكية أو الإقامة أو الوظيفة. وغالباً ما تكون الأرض باسم رب الأسرة وتوزع بصورة غير رسمية فقط على أفرادها؛ وبعض الأشخاص الذين يعيشون في المناطق المعنية ربما لم يسجله الجيش الإسرائيلي كمقيمين، وفي أغلب الأحيان لا يكون لدى عمال القطاع الزراعي معارف رسميين بشأن عملهم، وبخاصة إذا كان عملهم مؤقتاً، مثل المياومين (العمال اليوميين) أو أولئك الذين يساعدون أقربائهم في مزارعهم.

24.        يحدث "الإغلاق" عندما يفرض الجيش الإسرائيلي حظراً على جميع التنقلات من وإلى مكان معين.

25.        مثلاً التقارير ودراسات الحالات التي أعدتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في موقع الإنترنت :

http://www.un.org/unrwa/emergency/barrier/index.html.

26.        حاجز الفصل، بتسلم (www.btselem.org)

27.        باتت مدينة قلقيلية، التي يعيش فيها أكثر من 40 ألف فلسطيني والتي كانت حتى قبل بضع سنوات مركزاً تجارياً، بات الآن مطوقة كلياً بالسياج/السور من جميع الجوانب مع نقطة تفتيش واحدة للدخول إليها والخروج منها. ويملك العديد من سكان قلقيلية أراضي في المناطق المحيطة التي طوقها السياج/السور أيضاً وحوَّلها إلى جيوب منفصلة.